|
|
|
آخر تحديث Friday October 20, 2006 الساعة 06:43:26 AM |
قتل غزة ببطء حلمي موسى كان قطاع غزة، منذ الاحتلال الإسرائيلي له في العام 1967 ولا يزال، سجنا كبيرا لأهله. وبهذا المعنى ثمة من لا يشعر باختلاف جوهري في واقع القطاع، سوى تحول جزء من أبنائه إلى سجانين بالوكالة قصدا أو عفو الخاطر. ومع ذلك فإن الفارق الأساس بين ما كان وما هو قائم، يتصل بدرجة تحمل السجان لمسؤولياته الأخلاقية قبل أي شيء آخر. ويعلم الجميع أن القطاع كان، في العقود الأربعة الأخيرة، جذوة نضال متواصل لم تنطفئ ضد الاحتلال، إلا أن سوء معاملة إسرائيل له كانت تزداد بمقدار انفصالها عنه، وهو ما توج في الشهر الفائت بإعلانه «كيانا معاديا». وفي السنوات الأولى للاحتلال، حتى تلك التي كان يقال فيها أن المقاومة تحكم القطاع في الليل، لم تفرض إسرائيل أي نوع من الحصار الطويل. كانت تفرض قيودا هنا وهناك ولكنها كانت تضطر لحلحلة القيود، نظرا لأنها كانت، في نظر العالم والقانون الدولي، الجهة المسؤولة عن سلامة سكان منطقة محتلة ورفاهيتهم. غير أن قيام السلطة الفلسطينية جرّد إسرائيل، على الأقل أمام العالم، وليس في نظر القانون الدولي، من إحساسها بالمسؤولية تجاه غزة، فأقدمت على فرض قيود يصعب حصرها للتحكم بمصير القطاع وأهله. إلا أن كل تلك القيود كانت مجرد نقطة في بحر الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل بعد إعلانها القطاع «كيانا معاديا» إثر سيطرة حماس عليه عسكريا. ومما زاد الطين بلة أن السلطة الفلسطينية في رام الله كانت، من حيث تدري أو لا تدري، شريكة في زيادة القيود ومفاقمة التدهور في القطاع. فهذه السلطة رفضت، لاعتبارات مختلفة أهمها السعي لمنع حماس من ترسيخ سلطتها، عرض قضية حصار غزة على الأمم المتحدة. واكتفت سلطة رام الله بالإكثار من إعلانها الوقوف إلى جانب «أهلنا في القطاع» وأنها تبحث عن السبل للتخفيف من ضائقتهم. وفي المقابل، فإن قادة حماس في القطاع يتبجحون، حتى اليوم، بحسن سير الأوضاع إلا في الجانب الاقتصادي. والجانب الاقتصادي هنا معزول، في نظرهم، عن الخطوة الانقلابية وهو مجرد نزوع إجرامي لدى الإسرائيليين والسلطة في رام الله للتنكيل بأهالي القطاع. وكأن المطلوب من الإسرائيليين وخصوم حماس الفتحاويين أن يقفوا من دون حراك بانتظار ترسيخ الحركة لسلطتها التي هي في الوقت نفسه ضد إسرائيل وأعوانها من «الزنادقة العلمانيين». وتكفي قراءة أولية لتقرير، نشره مركز «الميزان» لحقوق الإنسان ومقره في مدينة غزة، حول حالة المعابر، لإظهار حجم الكارثة التي هي في الواقع «عملية قتل بطئ» للقطاع وأهله. ومن المعلوم أن معابر القطاع باتت محصورة حاليا بالمعابر مع إسرائيل وخصوصا معبري صوفا وكيرم شالوم، بعد إغلاق معبر المنطار الرئيسي ومعبر رفح. وكانت هذه المعابر تشهد مرور أكثر من ألف شاحنة يوميا قبل انتفاضة الأقصى في العام ,2000 تحمل واردات القطاع وصادراته من الضفة الغربية وإليه ومن العالم واليه. وتراجع عدد الشاحنات، بعدما فرضت إسرائيل قيودا على صادرات القطاع الصناعية والزراعية، بحيث صار عددها يتراوح يوميا بين 250 ـ 300 شاحنة قبل انقلاب حماس في حزيران الفائت. غير أن هذا العدد من الشاحنات تراجع يوميا إلى حوالى 80 فقط خلال شهري آب وايلول الفائتين، ومن المقرر أن يتقلص أكثر في الشهر الحالي. وكانت الأمم المتحدة قد قدرت حاجة غزة إلى حمولة ما لا يقل عن 150 شاحنة يوميا. غير أن الأرقام، على أهميتها، مضللة إلى حد كبير. فهي لا تشير إلى أن اسرائيل منعت، منذ حزيران الفائت، خروج أي صادرات من القطاع، مما يعني القضاء على كل القطاعات الزراعية والصناعية التي تعتمد على التصدير. ويعني هذا بالضرورة خروج قطاعات واسعة من دائرة العمل وانضمامها إلى دائرة البطالة. وتزيد نسبة البطالة حاليا، وفق أضعف التقديرات، عن 40 في المئة. كما أن الأرقام لا تشير إلى نوعية المواد المحظر إدخالها إلى القطاع، وهي المواد الخام لأي صناعة وأيضا مواد البناء. وأشارت تقارير متعددة إلى توقف أعمال البناء في مرافق حيوية، كالمستشفيات أو المدارس فضلا عن المنشآت العامة في مرافق الكهرباء والبنى التحتية. بل أن المنع يطال قطع غيار السيارات والآلات وأنواع كثيرة من الأدوية والمستلزمات الطبية. أما المسموح فهو المواد الأساسية التي لا يمكن أن تدع طرفا يشعر بالترف. فالمشروبات الغازية مثلا ممنوعة وكذلك الكثير من أصناف الفواكه. وفي هذا السياق ثمة معنى لما كتبته عميرة هس في «هآرتس» أمس عن تحول القطاع إلى «حديقة حيوانات» يمكن أن تلقى إليها الأغذية بعد حين من الجو. وهي تنقل عن فلسطينيين قولهم أن المواطنين في غزة باتوا «مثل المرضى لا يعملون، ولكنهم يحصلون على الغذاء». ويزداد عمق المأساة في غزة عند الحديث عن المرضى الذين لا علاج لهم أو الطلاب الذين فقدوا دراستهم الجامعية بسبب الإغلاق. غير أن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو أن الحصار يشكل ضغطا لن يقود إلا إلى الانفجار. وهذه المرة لن يرى أهل غزة فقط في الإسرائيليين وحدهم عدوا لهم. فالشركاء في عملية القتل البطيء هذه كثر، ومن المؤكد أن سلطة رام الله وسلطة غزة بينهم. السفير (16 10 2007) |
|
|||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||