تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 20, 2006 الساعة 07:45:32 AM

مقـالات

روسيا المستقبل

محمد ابراهيم

يرسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معالم سياسة خارجية لبلاده مرشحة أن تشكل "سياسة المستقبل" التي تتجاوز وجوده "المادي" في الرئاسة.

وبغض النظر عن نجاح مشاريعه للعودة، أولا كرئيس للوزراء، ولاحقا كرئيس للجمهورية من جديد، فإن السياسة التي يرسمها لروسيا تبدو متوافقة مع رؤيتها لمصالحها.

هذه السياسة تترجح في الملفات الاساسية بين المواجهة المحدودة والتفاهم المحدود.

يندر ان يوجد ملف أساسي في السياسة الخارجية اليوم من دون موقف روسي معترض. والامر لا يعود فقط الى الطبيعة الخاصة للادارة الاميركية الحالية التي نجحت في استثارة معارضاتها في الداخل والخارج.

الاعتراض الروسي هو أساسا اعتراض على السياسات الخارجية التي سادت في تسعينات القرن الماضي، والتي كانت تقتصر على التسليم بزعامة الولايات المتحدة والرغبة في الحصول على دعمها لانضمام روسيا الى عالم الديموقراطيات الغربية.

هذه السياسة التي كانت تربط بين حل مشكلات الداخل الاقتصادية والتسليم الخارجي لغرب تتزعمه الولايات المتحدة، سرعان ما اثبتت فشلها في الداخل والخارج، وتبين أنها أقصر الطرق الى تفتيت الاتحاد الروسي بعد تفتت الاتحاد السوفياتي.

في مواجهة اخطار مثل هذا الانهيار انبثقت سياسة الحدود المدروسة للانتقال الروسي الى الديموقراطية، بشقيه الداخلي والخارجي.

واذا كانت الصيغة الداخلية هي خطوة الى الوراء بمقاييس اقتصاد السوق، وعودة الى شكل من تدخل الدولة، ولو من دون ايدولوجيات، لضبط الرأسمالية المافيوية التي سيطرت على العقد الاخير من القرن العشرين، فإن الصيغة الخارجية هي الاخرى خطوة الى الوراء مقارنة بسياسة التفرج على توسع الحلف الاطلسي وتعزز الكيانات الجديدة على الحدود الروسية.

وبعد أن أمكن في مرحلة أولى وقف التفكك الداخلي، وعنوانه التصلب في الشيشان، انتقلت روسيا مرة اخرى الى سياسة التدخل في الخارج.

يمكن الحديث الآن عن سياسة تدخلية نشطة في قوس من البلدان التي تقع على الحدود الروسية، اذا استثنينا طبعا تلك التي انضمت الى الحلف الاطلسي.

وتكتمل السلسلة بتعزيز للعلاقات مع الصين قاعدته موازنة النفوذ الاميركي ولو بالاستناد حصرا الى حجم الكتلتين القوميتين الروسية والصينية وامكاناتهما.

التدخل في الخارج المباشر يتخذ اشكالا متنوعة لكنه يقوم على اساس ان التماسك الداخلي هو نقطة الانطلاق للقدرة على استغلال التناقضات الداخلية للدول التي كانت تشكل العالم السوفياتي السابق.

خارج هذا العالم تُعنى السياسة الخارجية السوفياتية بملفين مهمين: اولهما الارتداد على التنازلات العسكرية المجانية التي حفل بها النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي ومعظم تسعيناته من مدخل الرد على مشاريع التوسع الاطلسية، وآخرها الدرع الصاروخية المزمع اقامتها في بولندا وتشيكيا.

والملف الثاني هو الشرق الاوسط الذي كان النفوذ فيه ذروة نجاح الاتحاد السوفياتي السابق في الخروج من سياسة "الاحتواء" التي كانت الرد الاميركي على التحدي السوفياتي.

في الملفين تسجل سياسة بوتين "المستقبلية" نجاحات مهمة، أساسها امران: تحديث في الترسانة العسكرية الروسية، وخصوصا في القدرة على المنافسة في اسواق السلاح، واستغلال لتناقضات السياسة الاميركية الشرق الاوسطية لطرح سياسات تكسب موسكو نفوذا لا يتناسب مع قدرتها الراهنة على مد نفوذها الى خارج المدى الروسي المباشر.

في المدى الشرق الاوسطي تتفرج روسيا على التخبط الاميركي وتمارس سياسة انتقاء للمواقف التي لا تشكل تحديا كاملا للوجود الاميركي، لكنها في المقابل تمنح موسكو، معطوفة على الموقع في مجلس الامن، موقع القوة المأمولة عالميا لتزعم المناهضين للتمدد الاميركي الفوضوي، خصوصا بعد "الانقلاب" الفرنسي المرافق لوصول الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي.

السياسات المدروسة والمحدودة تبدو اليوم وكأنها تناسب المزاج المتحفظ والسري للرئيس بوتين، لكنها بالقياس الى المدى الزمني الذي قطعته المغامرة الروسية الجديدة، تبدو ايضا مناسبة للنمو الاقتصادي الروسي الثابت، المدعوم بالفورة النفطية الجديدة.

النهار (17 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007