تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Saturday October 21, 2006 الساعة 10:19:09 AM

مقـالات

العولمــة واحتــلال المســتقبل

حسين غباش

مر اكثر من عقد على ظهور ما عرف بظاهرة «العولمة»، وما فتئت تتوسع وتدفع بالموجة تلو الاخرى، المختلفة الاحجام والشحنات، كأنها آليات مبرمجة ومحسوبة بدقة. ولا ريب بأن لها دينامياتها الفاعلة، كما لها تداعياتها اللامحدودة. والحال، انه من الصعوبة بمكان حصرها. فقد بدأت بعولمة التجارة والاقتصاد والمال، ومرت بالسياسة والقانون والثقافة، وانتهت بعولمة الإنسان وتاريخه. وهي لا تزال في بداياتها. وما من شك، البته، بأن من شأن ذلك ان يفضي الى تغيير في وجه العالم الذي عرفناه حتى يومنا هذا. هنالك خظر داهم لعولمة المستقبل واحتلاله. وسنحاول هنا تشخيص هذه الظاهرة ما امكن.

قدمت العولمة بوصفها ثمرة تطور العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، وكونها منتجا أرقى للرأسمالية. فهي بالتالي لا بد من ان تكون حتمية تاريخية. بيد ان هذا التكور لا ينبغي ان يضلنا عن طرح الاسئلة الاولى، ومنها، ما هو مضمون هذا التطور؟ بماذا يبشر، وماذا يحمل للبشرية اليوم؟ هل تحمل هذه الحتمية التاريخية مشروعا إنسانيا؟ هل ستسهم في حل مأساة الفقر في العالم وهو يتضاعف، او تخفيض نسبة الأمية، وهي اليوم في تزايد؟ ام هي مساقة بطبيعتها لتفاقمها كلها، بل واستثمار بؤس وشقاء الإنسانية؟ هل ستدعم المطالب الديموقراطية الحقيقية في العالم، ام ستستنسخ ديموقراطيات متعولمة تبنى على الطائفية والمذهبية؟ لكن باختصار هل ستساهم العولمة في إحلال السلام في العالم، ام ان السلام لا يغذيها؟

بادي ذي بدء، فإن مصطلح العولمة هو مصطلح اشكالي. فهو ليس مصطلحاً علمياً كما هو شأن «الرأسمالية» مثلا، او «العالمية»، الذي يعني التعددية الثقافية والحضارية واحترام الآخر. الاشكالية بالدرجة الاولى معرفية، ابستمولوجية. فكيف يمكننا، اذاً، تفكيكها وتعريفها؟

لنمسك بالخيط من بدايته. لقد عبرت العولمة عن انفتاح العالم على بعضه، او بالاحرى عن ضرورة انفتاح العالم لتتحق عولمته. وهذا يشترط بالضرورة إلغاء الحواجز السياسية والعوائق القانونية امام النشاط التجاري والمالي، والاهم، من هذا وذاك، هو إزاحة الموانع الثقافية والمعنوية. وهي، بالتأكيد، الاقوى والاكثر حصانة. كلها شروط اساسية لتتعولم العولمة، ولتتحقق الحتمية التاريخية. ولان الاقتصاد هو عصب الحياة، فإن حركته تحرك، حكما، كل ما يدور في فلكه، بل سترسم توجهاته. وهنا بيت القصيد.

العولمة، كحتمية، لا يمكنها ان تأتي من فراغ. فلا بد من ان يكون لها تاريخها، ولها، بالتالي، ما يليها. وبما انها وليدة بيئتها الغربية، فهي وليدة الرأسمالية. هي المرحلة الأعلى للرأسمالية. هي اذاً، التمدد الطبيعي للامبريالية. ولنتذكر جيدا، أن الاستعمار اتى لينقذ الرأسمالية من ازمتها. فالرأسمالية الاوروبية، منذ مطلع القرن السابع عشر، كانت تحتاج الى مواد طبيعية وأسواق لانتاجها، اذاً، كانت تحتاج لغزو العالم واستعماره.

ولكن ماذا تحتاج اليه الامبريالية لحل ازماتها؟ ألا تحتاج، هي الاخرى، الى مواد خام اكثر وأسواق اكبر، ونفط وطاقة اكثر واكبر؟ انها تحتاج لاكثر مما كان يغذي العجلة الرأسمالية، تحتاج الى أدوات اكثر فعالية وإحكاماً. تحتاج الى العولمة. وبهذا المعنى، العولمة هي الاستعمار الجديد، الأرقى. إذاً، هو «الاستعمار الحداثي». فهو الأعنف والأخطر على الإنسانية. ونحن نزن كلمتنا.

والحال انه لا يمكن للامبريالية الصهيونية، «امبراطورية الشركات الكبرى» ان تبسط هيمنتها بشكل كامل على العالم ما لم تعولمه، ما لم تعجنه بيدها وتُعد صياغته. واذا كان قد عرف عن الرأسمالية أن ليس لها اخلاق، فالامبريالية ليست لها اخلاق ولا إنسانية. وما يجري في عالمنا العربي شاهد على ما نقول.

واذا قبلنا بأن الاستعمار القديم قد طويت صفحته وولى، فإن الفكر الاستعماري لم ينته، لا بل يتجدد. وصفحاته تكتب اليوم بالاقتصاد والمال اولا وإلا فبالقوة. فكل فكر ينمو في بيئته وظروفه. والمؤسسات المالية والسياسية والعلمية والاستراتيجية، التي نظرت للاستعمار وقادت حروبه، لا زالت قائمة. هي الفاعل الحقيقي في الساحة الدولية. وهي التي صادرت ما يسمى «بالشرعية الدولية». والمؤسسات التي اتخذت قرار حرب فيتنام هي ذاتها التي اتخذت قرار غزو العراق. وهي التي تحاول خنق فلسطين. والفكر الاستعماري القديم المتجدد هو من اخترع الاستعمار الجديد: العولمة.

هذا ليس اكتشافا، بل تشخيص منطقي لطبيعة الامور. والحال ان المشاريع لا ترى النور وتتحقق من دون أدواتها وللعولمة ترسانة من الادوات النظرية والعملية الفاعلة، ومنها، بالطبع، الجيوش. ففي البدء اتى الاعلان عن ولادة النظام العالمي الجديد، بعد ضرب العراق واخراجه من الكويت، في مطلع التسعينيات. وتم تطويره خلال عقدين من الزمن. وكانت اولى أدواته التنفيذية جملة من الاتفاقيات الدولية، واهمها اتفاقية «الغات» الشهيرة. وهي من ألف صفحة. وقد عملت على وضعها منظمة التجارة العالمية.

حملت الاتفاقية في طياتها ترسانة من القوانين والتعهدات والالتزامات، والشروط. ومنها سياسة الخصخصة الكاملة للمؤسسات الوطنية وبشكل خاص السيادية. ومنها، ايضا، إلغاء الحواجز الجمركية. والتي كانت، بكل تخلفها، تشكل نوعاً من الحماية للاقتصاد الوطني. وكأن الخطوة تكمل الاخرى، في سيرورة متراتبه لا تخطئها العين المجردة.

ومع ترسانتها القانونية، تحمل العولمة سلاحها الامضى، وهو سلاح ما عرف باستراتيجية الديون، التي ابتكرت منهجية التدمير الاقتصادي، في ما كان يسمى بالعالم الثالث، المنكوب اصلا من مرحلة الاستعمار والهيمنة، ومن ثم التبعية التي استمرت بإنتهائه.

ثلاث مشروطيات، باتت معروفة، تمثل الاطار العام لهذه الاستراتيجية: اولا، تخفيض نسبة الضرائب الجمركية، ثانيا، إلغاء سياسات الدعم والتشجيع الاقتصادي الداخلي، وثالثا، تخفيض سعر العملة. والشرط الاخير وحده كاف لضرب دخل المواطن ومعه الدخل القومي، كما يضعف القيمة الشرائية، وينهك المستهلك، ويؤدي بالتالي الى زيادة التضخم. وفوق ذلك، تضرب الطبقة الوسطى، وهي كما نعرف، رافعة التنمية الحقيقية. فلا تنمية وطنية من دون وجود طبقة وسطى فاعلة ومبدعة. واذا طبقت كل هذه الشروط مجتمعة تكون الكارثة الوطنية قد اكتملت.

وفضلا عن ذلك، ان ما كان معروفا، ايضا، ان سياسات الديون، الممسكة بها مؤسسات «بريتون وودز»، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، قد كلفت افريقيا، 24 دولاراً فوائد، حتى الآن، عن كل دولار دين اخذته خلال الثمانينيات من القرن الماضي. وليس من الصعب تصور قبضة هذه المؤسسات على مصائر الشعوب القفيرة. اذ بدأت تتحكم ليس فقط في السياسات الاقتصادية للدول المرهونة، بل في سياساتها الداخلية والخارجية. فإلى جانب رسم سياساتها الداخلية، المتعلقة تحديداً بالاقتصاد والأمن، تتحكم في مواقف هذه الدول الخارجية، وبشكل خاص في ما يتعلق بالمصالح الاسرائيلية. وغالبا ما يصل تدخلها حد تشكيل حكوماتها «الوطنية». وهكذا، تتحول الديون وقبضتها الى قوة اكثر تأثيرا، لا بل فتكا من كل جيوش الاستعمار القديم مجتمعة.

ومع تفاقم اوضاعها لا تتأخر النتائج عن الظهور. وفعلا بدأت سلسلة الاضطرابات في بلدان اميركا اللاتينية، وافريقيا، وقد رأينا شيئا منها، في ما عرف بثورات الخبز، في المغرب ومصر. والقادم اعظم. والواقع انه لم تتمكن من الافلات من قبضتها الا الارجنتين، التي تمردت بقوة، قبل عامين تقريبا، ورفضت دفع فوائد الديون، التي تضاعفت عدة مرات اكثر من الديون ذاتها، وألزمت صندوق النقد الدولي على اعادة برمجتها. وبذلك قدمت الارجنتين درسا هاما للشعوب المرتهنة لهذه المؤسسات الاستراتيجية للعولمة.

ولقد اقتضت إزاحة الحواجز من مسار العولمة تغيير القوانين الوطنية، والتجارية منها وغير التجارية. ونعلم أنه بسقوط حواجز الحماية للاقتصاد الوطني، وهي عماد السيادة الوطنية، تسقط حدود الأوطان وسياداتها، الجغرافية والسياسية والقانونية. وتكشف المجتمعات في العراء. ومن شأن كل ذلك، بالتأكيد، ان يخلق بيئة الانهيارات الكبرى، ومنها، بالطبع، الانهيار الثقافي والفكري. انهيار الهويات الوطنية.

وفي عالمنا العربي يمكن اعتبار التجربة المصرية تجربة مرجعية بامتياز. ففيها نقرأ كل الدروس والعبر. وتكفي الاشارة، وهي مثال واحد فقط، الى السياسات الاقتصادية الوطنية التي اعتمدها عبد الناصر، والتي حققت اكتفاء ذاتيا، لا بل، بفضلها تمكنت مصر من تصدير بعض منتجاتها الزراعية الى العالم. وقد ضمنت، قبل ذلك، أمنها الغذائي والوطني وسيادتها، وحصنت، فوق ذلك، كرامة الشعب المصري.

وبالمقابل، فإن سياسة الانفتاح، التي انتهجها السادات، جعلت من مصر تستورد غذاء شعبها من القمح والفول من الولايات المتحدة ، بعد ان كانت المنتج والمصدر له. ونرى اليوم أن الفقر قد استفحل فيها الى حد الاحتقان الاجتماعي والسياسي. وهكذا ارتهنت مصر، الغنية والكبيرة، بأمنها وشعبها للخارج، واستبدلت مكانتها القومية والتاريخية الرائدة، بحالة التبعية الرخيصة والتعفن الداخلي. وقد صودر منها قرارها الاستراتيجي الوطني، وهذا تحصيل حاصل.

لسنا، بكل تأكيد، من دعاة الحمائية والانغلاق. ولسنا اسرى الفكر الشوفيني الضيق. فالمجتمعات لا يمكن ان تعيش منغلقة. فهي، كما الإنسان، تحتاج الى التنفس، والتفاعل مع الحضارات الاخرى، لكن هذا لا يعني ان تكون مخصخصة ومستباحة. فهناك بون واسع بين الانغلاق والاستباحة. ونعلم أن الانغلاق لا يضر الاقتصاد والمجتمع، بل يعكر حتى نقاء الماء، ويفسد صفاء الفكر ذاته. والثقافة المنغلقة على ذاتها، كاللغة، تضمر وتموت، وينسى التاريخ أهلها.

نعم، نحن من دعاة سياسة الحماية الوطنية، فهي شرط الوجود الكريم للشعوب. ولا كرامة دون سيادة. ولا سيادة دون استقلال، حتى مع تعقيدات عالمنا المعاصر. نحن مع المحافظة على السيادة الوطنية بكل مكوناتها، السياسية والاقتصادية، والثقافية، لانها الضامن الوحيد لخاصيتنا والحامي لهويتنا وتمايزنا في هذا العالم المتعدد.

ومن لا يمُت بالفقر والديون يمُت بغيرهما. هو السلاح الثقافي اذاً. يبقى انه اذا كان الاستعمار القديم لم يكن يدرك اهمية الفكر ودوره في صياغة الممانعة وبناء المقاومة، وتحصين وعي وذاكرة الشعوب، فإن منظري العولمة اكثر وعيا بذلك. وهكذا، دشنت العولمة الحرب على الفكر وإبادة الثقافات وتدنيس المقدسات وتحطيمها، وهو انتهاك للروح الإنسانية. ولا ننسى، بالطبع، محاولات تغيير المناهج التربوية واسقاط الرسالة التعليمية والحضارية من المؤسسات التربوية، لتخريج اجيال متعولمة، ترطن، ليس لها اي صلة بالتاريخ او التراث او المقدس. أجيال دون مرجعيات ثوابت او مرجعيات ثقافية، دون هويات وأوطان.

لم يعد من المبالغة القول بأن العولمة تحاول احتلال المستقبل. مستقبل الكون بأسره. فهي لم تكتف بضرب أسس اقتصاد البلدان وبنى المجتمعات، بل اخذت على عاتقها تغيير قانون التفاعل والتوازن في حياة الإنسان، بين المادي والمعنوي.

فالمعروف أن كل ما هو مادي يجب ان يخسر لخير الإنسان وإثراء وجوده. اي ان يخضع المادي للمعنوي. وهو قانون الطبيعة، قانون السماء. بيد ان العولمة، بوحشيتها وجاهليتها، تحاول قلب المعادلة الطبيعية للتركيبة البشرية. فهي تسقط المعنوي من ميزان الوجود، من اي معادلة. هي توظف المعنوي لصالح المادي، بل اكثر، هي تحول الديني والروحي والمعنوي الى مادي. وبالتالي تحول الإنسان، هذا الكائن الذي خلق الوجود كله من أجله، وهو الذي «يختزن الكون والوجود كله»، الى «الإنســان السلعة»، الإنسان البضاعة القابلة للبيع والشــراء والاستهلاك في بازار العولمة.

يبقى ان الحتميات التاريخية لا تعني، البتة، نهاية التاريخ. فصراع الخير والشر أزلي. فهو من حقائق الوجود. وإذا كانت العولمة حتمية تاريخية، فهنالك، في الحياة، حتميات تاريخية اخرى، ستأتي وتذهب. وإذا كان الاستعمار حتمية، فالتحرر ايضا. والتاريخ يعلمنا بأن الحتمية الحقيقية هي ان الشعوب في الاخير، هي التي تحدد مسار التاريخ وحتمياته الطبيعية. وما من حتمية يمكن ان تستمر وهي في تعارض مع الحياة الطبيعية، الكريمة، للإنسان، لانها تكون في تعــارض وحركة التاريخ ذاته. والحتمية الوحيدة التي نعرفها عن التاريخ هي انه يتقدم.

السفير (18 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007