|
|
|
آخر تحديث Monday October 23, 2006 الساعة 06:42:23 AM |
حتى لا تكرّر القيادات الكردية أخطاءها عبد الإله بلقزيز سارع كثير من القيادات الكردية في "اقليم كردستان" العراق الى الترحيب بقرار مجلس الشيوخ الاميركي الذي يقترح تقسيم العراق، فيما كان يُفترض أن بعض الحكمة مطلوب منها اليوم حتى لا تؤخذ بجريرة الرغبة في الانفصال (هي التي كانت دائماً عرضة للاتهام بسعيها الى ذلك)، فتقيم الحجة على نفسها أمام العراقيين كافة وأمام الاتراك والايرانيين وسائر دول الجوار المتحسسة جداً من دعوات التقسيم! بل إن الحكمة كانت مطلوبة أكثر بالنظر الى أن صدور القرار المشؤوم ليس كافياً - على ما فيه من شؤم - للاعتقاد بأن التقسيم قُضي أمره وبات أمراً واقعاً لا ينتظر غير التنفيذ، ثم بالنظر الى حساسية موضوع الاكراد في العراق والمنطقة كلها وما يمكن أن ينجم عن أية محاولة من قياداتهم للانفصال حتى ولو وقفت وراءه اميركا، حتى ولو دعمه سراً بعض العراقيين من غير الكرد! من الخطأ وسوء التقدير أن يرتّب المرء أحكاماً على كرد العراق كافة من وراء تصريحات سياسيين في "اقليم كردستان"، فهؤلاء مواطنون عراقيون لم يتنصلوا من عراقيتهم على الرغم من كل محاولات إدخالهم في منطق الغيتو الاثني واقفاصه المحروسة من بعض القوى المتنفذة المدعومة من الاحتلال. لنتذكر فقط كيف استقبلوا في محافظات اربيل ودهوك والسليمانية حدث انتصار الفريق الوطني العراقي لكرة القدم في مشاهد احتفالية تفجرت فيها المشاعر الوطنية واستمطرت دموعنا. لا يفعل ذلك من يتنكر لعراقيته وتأخذه لحظة الاحتلال - وهي زائلة - الى الاعتقاد بأن مستقبله خارج كيان العراق وليس داخله. أما أن يكون قد نطق بعض قليل العدد بما يفيد الرغبة في التقسيم، فتلك مشكلة من نطق لا مشكلة من يدّعي النطق باسمهم من ابناء كردستان العراق. والحق أن الترحيب بالتقسيم لدى بعض السياسيين الكرد أتى يحرّك مواجع كثيرة عند العراقيين والعرب ومخاوف مزمنة لدى بعض دول الجوار، ويعيد فتح صفحات العلاقة المضطربة بين الحزبين الكرديين ("الحزب الديموقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني") وبين وحدة العراق. وهي علاقة تردّدت بين الايحاء بعراقية المطالب الكردية وبين عدم إخفاء الرغبة في تصوّر مستقبل كردي خارج الرابطة الوطنية العراقية الجامعة. وما كانت المراوحة السياسية بين الحدّين والموقفين لتمرّ من دون أن تترك آثارها السياسية في داخل العراق وفي الجوار. فبمقدار ما كانت الشكوك في طوية القيادات الكردية ونياتها الانفصالية لدى العراقيين وحكوماتهم المتعاقبة تتزايد، وتترجم نفسها توجّساً تركياً وايرانياً من شبح الانفصال، بمقدار ما كانت تتهيّأ المناخات السياسية لكفّ خطر الانشقاق الكردي باستعمال كل الوسائل التي تستعملها الدولة الوطنية في العالم المعاصر للدفاع عن وحدة كيانها (مثلما فعلت بريطانيا واسبانيا مع حركات الانفصال الايرلندي والباسكي). وهو ما تحوّل الى سياسة اقليمية بتدخل تركيا وايران في موضوع نيات الانفصال الكردي في العراق. غير أنه بمقدار ما كان يتراجع منسوب الدعوة الى الانفصال، معطوفاً على اهتجاس متزايد بتقرير مصير الكرد داخل وطنهم العراق، بمقدار ما كان باب الحوار بين السلطة المركزية في بغداد وبين القيادات الحزبية والعشائرية الكردية ينفتح ويُفرّج عن ممكنات سياسية ما حصل لغير كرد العراق أن حلموا بها يوماً: مثل الحكم الذاتي. ومع أن مثل ذلك الحوار، ومثل تلك الممكنات، ما كان يلقى الترحيب من بعض دول الجوار ممن توجد كتلة سكانية كردية داخل كيانها الاقليمي، بل غالباً ما كان يلقى الرفض الصامت او الجهير منها حذر أن تنتقل عدوى الامتياز الكردي العراقي (الحكم الذاتي) الى جدول اعمال الحركة الكردية خارج العراق، الا أن مجرد رؤية المطالب الانفصالية تنكفئ أو تتراجع، كان عسياً بطمأنة هواجس دول الجوار الى حدّ أو التخفيف من غلواء تحريض العراق على كرده. ومَن يلقي اليوم نظرة تقويمية على أداء القيادات الحزبية الكردية في العراق خلال الخمسين عاماً الاخيرة (منذ الثورة العراقية لعام 1958)، سيلحظ أنها أهدرت الكثير من الفرص التاريخية لتحقيق مطالب الشعب الكردي داخل وطنه العراق بكثير من المكاسب وبقليل من الخسارات. وما أهدرتها الاّ من وراء غليل الفكرة الانفصالية في نفس تلك القيادات التي منعتها من الاستقرار على مطالب وطنية وديموقراطية واقعية وممكنة التحصيل، بل ومقبولة - في الكثير من الاحيان - من النخب الحاكمة في بغداد ومن الأعمّ الأغلب من الاحزاب العراقية. لقد كان يمكن لشعار "الديموقراطية لكل العراق والحكم الذاتي للاكراد" أن يقدّم الكثير للمطالب الكردية، ويسحب التحفظ والتوجّس من أية سياسة رسمية عراقية، بل وأن يوفّر لتلك المطالب حاضنة شعبية عراقية ودعماً سياسياً من الحركة الوطنية. وقد حدث فعلاً شيء من ذلك في بعض الفترات وأتى اعلان قانون الحكم الذاتي ثم إقرار الاتفاق الخاص به يتوّج تلك الدينامية التي أطلقتها المقاربة الوطنية والواقعية لتلك المطالب على قاعدة الشعار إياه. لكن ذلك حدث في زمن يتيم من تاريخ الملف المطلبي الكردي ممتد بين نهايات الستينات ونهايات النصف الاول من السبعينات، ثم لم تلبث الشكوك أن عادت وعادت معها الاوهام... والصدام. من السهل تماماً أن تنحى القيادات الحزبية الكردية باللائمة على حكومات العراق منذ عبد الكريم قاسم حتى صدام حسين، فتحمّلها مسؤولية المآزق والمواجهات. ولكن هل تساءلت هذه القيادات يوماً عن السبب وراء صدامها المستمر مع كافة قوى الحركة الوطنية العراقية (من شيوعيين وقوميين وبعثيين) أو صدام تلك القوى معها؟ هل كان العراقيون جميعاً على خطأ ما عداها وحدها؟ هل كان موقفهم منها موقفاً من مطلب الحكم الذاتي او من الحقوق القومية داخل إطار الكيان العراقي الواحد أم موقفاً من فكرة الانفصال التي لا تكاد تبارح مخيلاها؟ هل جربت مرة ان تعيد النظر في سياسة محالفة الخارج (ايران الشاه، الولايات المتحدة) قصد تحقيق مطالب لم تكن تعني للعراق غير تمزيق كيانه، ولم تكن تستجرّ غير المآسي للمواطنين الكرد الذين يدفعون ثمن طموحات غير واقعية تنوء بحملها أوضاع العراق والاوضاع الاقليمية برمتها. لا يبدو أن هذه القيادات تتعظ بدروس التاريخ. ها هي تكرّر اليوم الخطأ نفسه على الرغم من أن أحداً لم يستفد من "كعكة الوطن" بعد احتلاله ودماره أكثر من استفادتها هي منه لكن الوطن باقٍ والاحتلال الى زوال. النهار (20 10 2007) |
|
|||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||