تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Monday October 23, 2006 الساعة 07:21:57 AM

مقـالات

التعددية القطبية عائدة... أين العرب؟

كلوفيس مقصود

تتزايد تعقيدات العلاقات الدولية وتتفاقم آثارها تالياً على الحالة العربية اجمالاً وعلى صعوبة ادارة الشؤون والتحديات التي تواجه الكثير من البلدان العربية، ولاسيما مع فقدان بوصلة مركزية عربية وتناقض مصالح الانظمة العربية وبالتالي فقدان المناعة الواقية التي تحول دون التفكك واحتمالات التفتيت داخل الكثير من مجتمعاتها. وما يزيد من الاخطار على شعوب معظم الاقطار العربية، الافتقار الى قراءة مشتركة للتطورات الدولية المتسارعة  مما يفسر التشنج في المواقف من جهة، وميوعة الارتهان والمراهنة على الغير من جهة.

ويستتبع فقدان التنسيق الملزم بين دول الجامعة العربية غياب القراءة المشتركة للاحداث، وبالتالي تقلص فاعلية المداخلات العربية في معالجة الازمات العربية المتكاثرة.

* * *

ففي الاسابيع الماضية برزت تعديلات جذرية على صيغة الاحادية القطبية التي ميزت المعادلة الكونية حتى بعد احداث 11 ايلول 2001، وكانت بداية هذا التطور عندما اعترضت قوى حليفة للولايات المتحدة على غزوها للعراق والذي خرقت به الشرعية الدولية. وساهمت ادارة بوش من جهتها في تهميش دور تلك القوى أو تفعيل دورها بمقدار ما تتلاءم واملاءاتها وبالتالي اهدافها. لذا يمكن الاستنتاج أن غزو العراق كان محطة مفصلية زرعت بذور التصدي - الخجول بداية - وصولاً  الى نظام عالمي متعدد القطب. وما كادت الحرب العراقية تتحول تجربة مُرة في الافتراء والكذب وتشويه الحقائق للسياسة الاميركية في المنطقة العربية، حتى ادرك الشعب الاميركي، بعد مرور اربعة اعوام على مشروع "الشرق الاوسط الجديد والكبير"   

حقيقة الامر، وتصدى الناخب الاميركي لادارة بوش وحاز الحزب الديموقراطي الاكثرية في الكونغرس، وصارت السياسة الاميركية في العراق مدخلاً رئيسياً الى المساءلة والمعاقبة السياسية للمحافظين الجدد، الذين يعملون بدافع من مفهوم مركزية اسرائيل في مشروعهم، وقد شملت المحاسبة انصار المحافظين الجدد مثل وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ووزير العدل البرتو غونزاليس والمستشار السياسي كارل روف وغيرهم، مما ابقى نائب الرئيس ديك تشيني وافراد مكتبه حلفاء حالة الانكار التي يشكلها الرئيس بوش.

الا ان فقدان القراءة المشتركة لاحداث العراق، العضو المؤسس لجامعة الدول العربية، جر الى الغياب العربي الفعلي عن مآسي العراق وعن خطر تمزيقه - المسمى تقسيمه - وفاجعة التشرد واللجوء، اضافة الى قتل مئات الآلاف من مدنييه، وبات الغياب العربي فرصة لقوى اقليمية مثل ايران وتركيا لان تحاول ملء الفراغ، وبالتالي انحدر الخطاب السياسي الى تكريس مصطلحات التفتيت الطوائفي والعرقي. ونرى اليوم ان دور تركيا الرادع لانفصالية كردية قد يدفعها الى التدخل في العراق، فيما الولايات المتحدة تجد نفسها عاجزة عن التوفيق بين مقتضيات سياسة الردع التركية التي تستدرج تدخلاً عسكرياً محتملاً في كردستان العراق، وحاجة الولايات المتحدة الى استمرار علاقات استراتيجية مع تركيا توفرها عضويتها في حلف شمال الاطلسي. وبسبب اعتبار ادارة بوش ان ايران "تحرض" ضد الوجود الاميركي في العراق، تلجأ قوى اليمين بزعامة تشيني الى تأجيج الازمة الناتجة من تخصيب مادة الاورانيوم، مما أدى الى تصعيد النزعة الاستقلالية لروسيا في مواجهة الضغوط الاميركية على الامم المتحدة لاتخاذ قرار عقوبات جديدة ولاسقاط الديبلوماسية وسيلة للتعامل مع هذا الملف.

وهنا يبرز السؤال أين العرب من كل هذا؟ اين القراءة المشتركة لهذه التطورات؟ واين التنسيق المطلوب لحضور عربي قادر على استرجاع حقه - نعم حقه - في المبادرة والامساك بمفاصل آليات الحلول.

واذا كان الدور الروسي يزداد حضوراً في تعجيل عملية التعددية القطبية، فهذا يفسر صعود النفوذ الصيني، وما يلاحظ من تعثر العلاقة في المجال الذري بين الولايات المتحدة والهند التي سجلت فيها المعارضة واليسار المتحالف مع حكومة حزب الكونغرس انتصاراً لدعاة الاستقلالية الهندية عن الادارة الاميركية دون مخاصمتها.

* * *

وكي تتمكن ادارة بوش من الخروج من عزلتها المتناسية بعد الانخفاض الكبير في شعبية الرئيس بوش التي وصلت الى 25 في المئة كانت محاولة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الذهاب  الى اسرائيل والاراضي الفلسطينية المحتلة مسوّقة "رؤية بوش"، لكن محاولاتها الدؤوبة أخفقت في اقناع الطرفين بنظرية دولتين اسرائيل وفلسطين، وذلك لكونها تشارك في حال الانكار. وقد اشرنا مرارا وتكرارا الى ان اي توجه جدي الى قيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة لن يحصل قطعاً اذا لم تنتزع الولايات المتحدة من اسرائيل بانها في الاراضي الفلسطينية سلطة محتلة، وبخاصة في القدس. وما عدا ذلك تمرينات عبثية اختبرناها منذ عام 1967 في الوعود الوهمية منذ اتفاقات اوسلو الى "خريطة الطريق" والان في المؤتمر المزمع عقده في آنابوليس. واذا لم تعترف اسرائيل بكونها محتلة في شكل واضح وصريح فسوف تكون انابوليس مثل اوسلو وعوداً كاذبة ومزيداً من التيئيس.

هل هناك قراءة مشتركة للتعامل مع هذا المؤتمر رفضاً او قبولا؟ وهل يبقى الشعب الفلسطيني منقسماً على ذاته بين السلطة في الضفة والحكومة "المقالة" في قطاع غزة؟ اليست هناك حاجة الى ملازمة إصرار عربي جماعي على اقرار اسرائيل بكونها محتلة، واعادة تفعيل اتفاق مكة قبل الرد على الدعوة بالمشاركة او "الاعتذار اللبق"؟ من اجل فلسطين القضية المحورية تاريخياً ومستقبلا؟

الا يجدر بالدول العربية كلها القيام بحملة جماعية، في اطار مؤسسة الجامعة، لتستعيد قضية فلسطين أهميتها وخصوصاً في دول المغرب العربي الكبير؟

وعلينا في هذا المضمار استعادة علاقاتنا مع الكثير من دول العالم. وبخاصة في اميركا اللاتينة التي هي مع الصين ودول آسيوية وافريقية، آخذة في التحلل من قبضة الاملاءات الاميركية، وبالتالي تشكل عناصر رئيسية في هندسة عالم متعدد القضية، بغية إحياء الاحتضان الواسع لحقوق الشعب الفلسطين.

وأين القراءة المشتركة والانتظام على اساسها؟ وهل ترسخ لدينا الاقتناع بأن 99 في المئة من "الاوراق" هي مع الادارة الاميركية فابتعدنا عن الهم القومي وتحولنا مجرد "مناشدة" الولايات المتحدة لـ"الضغط" على اسرائيل من دون رؤية لما يحول دون أي فاعلية لهذا الضغط من دون أي كلفة لاسرائيل وحلفائها في الادارة الحالية؟

هذا قليل من الكثير من المطلوب!

* * *

لن اتصدى لما هو حاصل في موضوع الاستحقاق الرئاسي في لبنان. ويكفي ان نشاهد يوماً بعد يوم هذا التدفق الكثيف لوزراء الخارجية من دول كثيرة مهتمة بأن ننتخب رئيساً في "المهلة الدستورية". كما ان التصريحات اليومية للكثير من السفراء، ولاسيما منهم الاميركي، وبالتالي استقبالات المسؤولين الروحيين والمدنيين مما لم توفره أي دولة في العالم لمثل هذه المداخلات – حتى لا نقول التدخلات – مما يعطي انطباعاً اننا في حالة طلب الاستمزاج وفقدان الثقة بامكان ممارسة بديهيات السيادة وما تنطوي عليه من قدرة المبادرة الذاتية.

ان زيارة وزراء الخارجية للدول الاوروبية الثلاث المشاركة في "اليونيفيل" بالامس قد تشكل مدخلاً لانهاء أزمة الرئاسة. وبالوعي او اللاوعي توضح ممارسة هذا المثلث في هذه القضية ان التعددية القطبية قد تكون طريقاً لاخراج لبنان من المأزق. وهذه المداخلة الاوروبية يمكن ان تكون مفيدة لأنها ليست بديلاً من ممارسة الطاقم السياسي حقه في المبادرة السيادية، وعليه الابتعاد في الايام التي تفصلنا عن الاستحقاق الرئاسي عن كثافة الضجيج الذي يحدثه تشويش الثرثرات "الديبلوماسية" المحلية والتي تمعن في بث الانطباع السائد ان لبنان يكاد يفقد قدرته على تقرير مصيره.

لن نسأل اين العرب من كل هذا؟ او هل هناك قراءة مشتركة عربية لمصير لبنان العربي؟

النهار (21 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

استحضار تجربة حيدر عبد الشافي قبل المجازفة في المؤتمر التشريني

ربع قرن على صبرا وشاتيلا

ظلال تفاؤل فوق "المثلث المأزوم"

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007