موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث jeudi mai 11, 2006 الساعة 08:54:27

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

11 أيار 2006

«اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية»(5)

المحافظون الجدد في اميركا وضعوا اوراق لعب عليها صور المطلوبين وبينهم الحريري

الاسد: لو قتلنا الحريري فعلاً لكان ذلك بمثابة انتحار سياسي لنا من المستفيد من الجريمة؟

المحافظون الجدد: آتون من خارج الأرض

‏«ما الأمر مع أولئك المحافظين الجدد الأميركيين، الذين يراهنون على تخريب الاستقرار في ‏المنطقة؟»‏

‏«ربما بدا هذا السؤال للبعض مستحيلا او مخالفا للواقع. ولكن بالتأكيد ليس للجميع. ‏وكدليل مزعوم على ان المحافظين الجدد (قد أعطوا السماح باغتيال الحريري)، تشير بعض المواقع ‏اليسارية الى ما نشره الموقع الالكتروني للجنة الولايات المتحدة من اجل لبنان الحر. ويجلس في ‏قيادة هذه الهيئة المحافظة المفكر اليميني المتطرف ريتشارد بيرل والمحافظ المتشدد المعلق ‏السياسي دانيال بايبس. ونجد على موقع هذه اللجنة ‏www.freelebanon.org‏. الى جانب صور ‏الإرهابيين العالميين (أسامة بن لادن وفيديل كاسترو وغيرهما)، وصلاً في الموقع مع العملاء ‏السوريين الكبار في لبنان. وبالاعتماد على ورق اللعب الذي استخدمه الأميركيون في العراق ‏للسياسيين البعثيين المطلوبين فقد أشار هذا (الوصل الالكتروني) ايضا الى مجموعة من ورق ‏اللعب في لبنان. وعلى رأس هذه المجموعة كان آس الكبّا باسم رفيق الحريري. وكتب الى جانب ‏صورته انه الأكثر طلبا. تبعه السياسي الماروني الياس حبيقة مع شطب صورته لأن اغتياله ‏قد تم سنة 2002. ونذكر هنا ان هذا الوصل الالكتروني لم يعد اليوم مفعّلاً. وهذا هو البرهان ‏الأقوى على أن المحافظين الجدد يقفون وراء اغتيال الحريري. ولكن يبدو مع ذلك ان هؤلاء ‏المحافظين الذين ينضحون بالبغض والحقد، لاحظوا ان آس الكبا - الحريري كان محرجا لهم الى حد ‏كبير. ولكنهم وضعوا زعيم المعارضة اللبنانية للسوريين، وليد جنبلاط، على قائمتهم على ‏أنه عميل سوري». (25).‏

السي آي إيه

أحيت واشنطن طرق «الشركة المتحدة للاغتيالات»، التي ارتبطت تاريخيا بالسي آي إيه، والتي ‏فاخرت باغتيال ناشطين في القاعدة في اليمن وغيرها. وبينما نقلت الواشنطن بوست ووسائل ‏اعلام أميركية اخرى عن البيت الابيض ان سوريا «الدولة المارقة» هي المتهمة باغتيال ‏الحريري، نرى في الحقيقة ان اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية هما الحكومتان المسؤولتان عن ‏القسم الاكبر من جرائم القتل والاغتيالات السياسية في الشرق الأوسط.‏

وعلى العكس من الدعاية الوطنية الفارغة للصحافة الأميركية، نجد من الضروري ان نقرأ ‏التعليق السياسي لرئيس تحرير صحيفة دايلي ستار البيروتية: «بعد اقل من خمس ساعات على ‏جريمة الاغتيال كانت الأصابع تشير الى خمسة احتمالات ممكنة، اسرائيل وسوريا ومؤيدو النظام ‏اللبناني ومجموعات من المافيا وكذلك مجموعات اسلامية ارهابية تعارض السعودية وأميركا. ‏وتشير هذه الحقيقة الى المأزق المربك الذي شوّه الثقافة السياسية اللبنانية والعربية بشكل ‏عام: إنه حيّز عمل لعمليات عنف تؤدي الى الاغتيالات وتخريب الاستقرار كخيار مزمن لأولئك ‏الذين يتنافسون على السلطة» وكتبت الصحيفة أيضاً: «لقد تمأسس هذا الجنون وتعزز في تاريخ ‏المنطقة المعاصر كنتيجة لتأثيرات الغزو الأميركي البريطاني للعراق ولموجة العنف الجديدة التي ‏ولّدتها».‏

يتضمن اغتيال الحريري إنذاراً قاسياً بأن الحرب الأميركية في العراق ما هي الا بداية لحملة ‏عسكرية واسعة تستهدف سحق كل معارضة لسيطرة إسرائيل والولايات المتحدة الاميركية على ‏المنطقة. ان هذه الروح العسكرية التصعيدية تخلق الظروف المناسبة لإشعال حرائق مدمرة في ‏المنطقة.‏

مجموعة النصرة والجهاد في بلاد الشام

في يوم الجريمة في الرابع عشر من شباط وحوالى الساعة الواحدة والنصف ظهراً تلقى غسان بن ‏جدّو، مدير مكتب محطة الجزيرة الفضائية في بيروت، اتصالاً هاتفياً من شخص «يتلكم العربية ‏برداءة او أنه تظاهر بأنه لا يجيد العربية» ولكن بن جدو زاد في الإيضاح وقال «الشخص لم ‏يتكلم عربية سليمة، لقد تكلم العربية بلكنة أجنبية». على أية حال فقد أخبر هذا الشخص ‏ان مجموعة «النصرة والجهاد في بلاد الشام (ربما كانت مجموعة جند الشام - المترجم) تتحمل ‏مسؤولية تنفيذ الإعدام العادل بالعمل الكافر رفيق الحريري» وقد علّق بن جدو بالقول: «لم ‏يسبق اننا سمعنا بهذه المجموعة». وقد أذاعت محطة الجزيرة هذا التصريح في حوالى الساعة ‏الرابعة عشرة. وبعد عشرين دقيقة على ذلك فقط اتصل رجل آخر بالمحطة ولكن تكلم هذه المرة ‏‏«بلغة عربية جيدة» وقال انه يمكن الحصول على شريط فيديو موجود في شجرة قرب المركز ‏الرئيسي للامم المتحدة في بيروت. وبالفعل فقد ذهب أحد العاملين في مكتب المحطة الى المكان ‏المذكور وعاد خائباً ولكن عاملاً اخر استطاع اكتشاف مكانه، وأتى به الى مدير مركز المحطة. ‏وفي الساعة 15.27 احتج شخص ثالث هاتفياً على عدم بث الشريط حتى الآن. وأجاب مدير مركز ‏المحطة ان المركز الرئيسي للمحطة في قطر هو الذي يتخذ قرار البث او عدمه، فما كان من ‏الشخص المتصل الا ان صرخ بصوت عال وهدد مدير المركز بأنه سيندم اذا لم يتم بث الشريط ‏سريعاً. في الساعة 17.04 اتصل نفس الشخص الاخر نفسه مرة اخيرة وهو غضبان وسأل فيما اذا ‏كان الشريط سيبث ام لا. حينذاك أخبر مدير المركز هذا الشخص المجهول ان الإدارة اتخذت قرار ‏البث وما عليه الا ان يتابع برامج المحطة.‏

وفي مساء ذلك اليوم الاثنين بثت المحطة أخيراً شريط الاعتراف بتحمّل المسؤولية. وقد ظهر فيه ‏شاب ذو لحية وعمامة بيضاء وعباءة سوداء وقال: «من اجل اخواننا المجاهدين في العربية ‏السعودية... قررنا ان ننفذ حكم الإعدام بكل أولئك الذين يؤىدون هذا النظام». وكان ‏هذا الشاب يجلس أمام راية كتب عليها مجموعة النصرة والجهاد في بلاد الشام حينما استمر في ‏الكلام يقول: «لقد نفذنا عملية جهادية... وهذه هي بداية سلسلة من العمليات الجهادية ‏ضد الكفار والمرتدين في بلاد الشام». ثم ذكر في هذا الشريط ان الانتحاري فجّر نفسه، وقد ‏أرادت المجموعة بذلك ان تنتقم للمجاهدين، الذين قتلتهم الشرطة السعودية. وقد وصف هذا ‏الشاب الفلسطيني، والمدعو احمد ابو عدس، الحريري بأنه طاغية يجب ان يقتل لأنه كان «عميلاً ‏للنظام السعودي». وقد أعلن العزم على تنفيذ ضربات اخرى ضد «الكافرين والمرتدين ‏والطغاة». ومن عجب ان احمد ابو عدس يعتبر رسمياً مفقوداً منذ 19كانون الثاني 2005.‏

رياح غربية في غابات الارز

كيف يستغل الاكتشاف المتأخر لجثة سياسياً واعلامياً. المعارضة تشتم فرصة وتستنفر ضد سورية. ‏الطبقة العليا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تقود ثورة الارز.‏

بيروت في الثاني من اذار 2005 حول هذا المكان المخيف، حفرة الانفجار، ذلك المكان المخرب، ‏كان بسام جوجو احد المساعدين المتبرعين في ذلك الجحيم المدمر.‏

وقف بسام جوجو كالمشلول لا بد ان تكون جثة صهره هنا تحت هذا الركام من الانقاض والغبار ‏والتراب وكل ما نتج عن هذا الانفجار، يجب ان يكون تحت هذا الركام من الانقاض والغبار ‏والتراب وكل ما نتج عن هذا الانفجار، يجب ان يكون تحت هذا الركام على بعد ثلاثة امتار ‏فقط من الحفرة التي خلفها الانفجار. ثوان مرات فقط ليكتشف الجثة، وليصرح بعد ذلك امام ‏عدسات المصورين والصحافيين المرافقين لهذه العمليات: «لقد شققت طريقي بين الحواجز العسكرية ‏حتى اتكلم مع رئيس الفريق الذي يقوم بالبحث عندما شممت رائحة مقززة. وهناك وجدته. ‏الجسد كامل ولو كان متعفنا بعض الشيء، تعرفنا عليه من ثيابه وهاتفه المحمول الذي كان لا ‏يزال في يده». كان الميت رافعاً لسبابة يده اليمنى وهذا يعني في الاسلام انه يؤدي شهادة «لا ‏اله الا الله».‏

كان الطيار المدني عبد الرحمن محمد الغلاييني يشير في 14 شباط في الساعة 12.55 تماما في موقع ‏الانفجار، قرب فندق السان جورج، حينما حصل ذلك الانفجار الهائل. ومنذ ذلك الوقت اعتبر ‏مفقوداً. وفي صبيحة الثاني من اذار بلغ صبر عائلة الغلاييني حده الاقصى. منذ ستة عشرة ‏يوما واعصاب الاقرباء متوترة. في تلك الصبيحة قرر ثلاثة عشر من اقرباء المفقود، وبينهم ‏ابنتاه، الذهاب الى موقع الجريمة بكل تصميم، ولم يدعوا الشك يتطرق الى ما اعتزموه: ‏ارتدوا السترات البرتقالية وخوذ الامان والكمامات القفازات، وارادوا ان يباشروا البحث ‏بانفسهم، ويضعوا حدا لشكوكهم لأنهم ارادوا ان يجدوا جثة القريب الوالد الحبيب، ويدفنوه ‏اخيرا بتكريم وتقدير.‏

عشية ذلك اليوم قامت العائلة باعتصام قرب موقع الجريمة، وطلبت ابنتا الغلاييني، لمى ‏ورنا، المساعدة حتى يجدوا جثة ابيهما. قبل ذلك بساعات كان قد عثر على يد وقبل ايام على ‏جثة وبعض الاعضاء. وقد قالت لمى الغلاييني وهي يائسة: «اود ان اشكر القطط التي ساعدتنا ‏بينما لا تقوم الحكومة بشيء. لم يتم رفع حجر واحد من مكانه حتى نجد جثة ابي».‏

كان الجو متوترا في تلك الايام ففريق التحقيق الدولي برئاسة فيتزجيرالد كان يتطلع على ‏الجريمة في نفس الوقت تماما الذي اكتشف فيه آل الغلاييني جثة ابيهم. «اين الدولة؟ الا ‏تخجلون؟ كان علينا ان نقوم بذلك بانفسنا وخبراء الامم المتحدة شهودنا». هذا ما كان ‏الاقرباء يصرخون به واضافوا «اين انت يا لحود! لو كان اخوك او ابوك او احد اقربائك تحت ‏الركام، هل كنت تركته اربعة عشر يوماً».‏

لم تدع المعارضة التي اتهمت «النظام» في بيروت وحكومة دمشق بمسؤولية هذه الجريمة، الفرصة ‏تفوتها واستغلت ذلك لصالحها السياسي.‏

اما البرلمانية غنوة جلول فقد عزت العائلة بهذه الكلمات: «يعلم الله كم قاسى هذا الرجل ‏من التآمر عليه. يجب ان نصل الى الحقيقة باسرع ما يمكن».‏

ومن ناحية اخرى فقد زعم الزعيم المعارض وليد جنبلاط ان التأخير في البحث عن جثة الميت ‏نتجية «لمحاولات تهدف الى اخفاء الادلة الجرمية... وتشير الى ان اجهزة الاستخبارات كانت ‏متورطة». وقد كان كلامه اوضح عندما تحدث الى شبكة التلفزة اللبنانية ال بي سي وقال: ‏‏«قال الوزير فرنجية في اليوم الثاني بعد الجريمة ان الحفرة التي خلفها الانفجار قد ردمت. ‏وهذا يتناسب مع جهود اخرى لطمس الادلة ــ التي تتعلق بالجريمة. هذه فضيحة. ان جهاز الامن ‏اللبناني متورط. والشباب يعملون بكل هدوء. يضعون المتفجرات بكل هدوء في منطقة مليئة ‏بالناس. بلد نظامه يشبه نظام شاوشيسكو. نظام مليء بالعملاء. وانتم تريدون ان تقولا لي ‏انهم غير مسؤولين! هم مسؤولون قطعا...».‏

طلبت المعارضة «اقالة» القادة الستة لاجهزة الاستخبارات الهامة، الذين عينهم لحود ‏بالاضافة الى المدعي العام عدنان عضوم «لانهم كلهم شركاء في جريمة اغتيال الحريري. اما طلب ‏المعارضة الآخر فكان الانسحاب الكامل للقوات المسلحة والاستخبارات السورية في اطار جدول ‏زمني دقيق يحدده الرئيس السوري الاسد بوضوح. لم يفت جيفري فيلتمان المحرض ان يستغل ‏المناسبة. ويشارك في 3 اذار 2005 في جنازة محمد الغلاييني.‏

هل هناك من هو اقدر من الولايات المتحدة على الاحتفاظ بتصور شامل حول الوضع بعد هذا ‏الاغتيال الوحشي؟ لقد توترت اعصاب العالم الديموقراطي تألم كما يؤلم عصب السن المكسور. ‏وقد تحمل الرئيس الاميركي بشجاعة هذا الالم، الذي كان يعاني منه بالطبع لان الحريري، كما ‏قال، كان من حلفائه. لقد حم الرجل الاقوى في العالم، اذا استثنينا شمشون، وثارت اعصابه ‏في يوم «الجريمة الوحشية بالذات» وقد تنهد الناطق الرسمي باسمه، سكوت ماك كليلان وقال: ‏‏«لقد صدم الرئيس وغضب»، ثم انتقد بحدة «الاحتلال الاجنبي» السوري للبنان.‏

اما وزير الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس فقد ارتدت قفازات الحرب، ونسيت القتيل، ‏واستغلت غيابه لتتهم هي الاخر ايضا سورية بانها «دمرت استقرار» لبنان. ولكنها لم تجرؤ ‏على اتهام دمشق مباشرة بمسؤوليتها المباشرة في جريمة الاغتيال، مع انها قالت ان الفاعل يجب ‏ان يكتشف سريعا. وعلى اية حل فقد تذمرت وتبرمت كثيرا من تدخل سورية في الشؤون الداخلية ‏للبنان. وتأوهت امام زميلها المصري احمد ابو الغيط، قائلة ان العلاقات الاميركية السورية ‏‏«ليست على طريق التحسن مع الاسف، بل انها ستزداد سوءا». وقالت رايس وهي لذلك كارهة: ‏‏«ان مشكلة سورية معضلة في منتهى الجدية» لتتهمها بعد ذلك بانها تتعامل مع ايران لمساندة ‏المجموعات المسلحة في اسرائيل، وعدم ضبط تسلسل المتمردين وتهريب الاسلحة عبر الحدود الى ‏العراق بشكل فعال. ثم ما لبثت وزيرة الخارجية الاميركية ان صعدت لهجتها، واتهمت سورية انها ‏بذلك تدعم «الارهاب الدولي والمتمردين في العراق المجاور». وفي اليوم التالي للجريمة أيضاً ‏استدعت رايس سفيرتها مارغريت سكوبي من دمشق، وعللت ذلك بالقول: «إننا نعتبر ذلك ضرورياً ‏في الوقت الحاضر».‏

لكن المعارضة اللبنانية، التي تنتقد سورية تحت زعامة وليد جنبلاط وباسم السبع، لم تخف ‏قناعتها، وأكدت ان حكومة بيروت، «ومن خلفها الحكومة السورية» هما المسؤولتان عن جريمة ‏الاغتيال. أما قائد الجيش اللبناني الأسبق والمقيم في منفاه الباريسي، ميشيل عون، فقد ‏صرح لإذاعة فرانس إنفو، «إن اغتيال الحريري تحد للمجتمع الدولي والسوريون هم المسؤولون ‏لأنهم يشرفون على الأمن وأجهزة الاستخبارات في بيروت».‏

من جهة أخرى نفى الرئيس السوري بشار الأسد كل هذه الأقوال، وتكلم عن «عملية إجرامية ‏مريعة» كما أبدى تعاونه المطلق مع «لبنان الشقيق في هذه الظروف الخطيرة». أما الناطق ‏باسم وزارة الخارجية الإيرانية حميد رضا آصفي، فقد استنكر العملية، وأسماها «عملاً ‏إرهابياً مريباً». وبالمناسبة فإن الكثير من اللبنانيين اتهموا جهاز المخابرات الإسرائيلية ‏الموساد بهذه العملية، وحمّل آخرون مسؤولية هذه الجريمة لرجال أعمال منافسين. وأخيراً فإن ‏وزير العدل آنذاك عدنان عضوم توقع وجود «عناصر أجنبية» تمسك بخيوط الجريمة.‏

ولكن مدّعي المعرفة في الولايات المتحدة لم يتراخوا، وأفلتوا القطة من محبسها. وسرعان ما ‏أشاروا بصراحة عارية الى «الحكومة اللبنانية وإلى تلك القوى التي تقف وراءها ـ الحكومية ‏السورية ـ» وحملوا الحكومتين مسؤولية اغتيال الحريري. وراح المدافعون عن هذه النظرية ‏يسوقون حججهم بأن الحريري استقال من منصب رئاسة مجلس الوزراء في تشرين الأول 2004 بعدما ‏عارض التعديل الدستوري، الذي ساندته سورية، بالتمديد لولاية غريمه رئيس الجمهورية إميل ‏لحود، الذي لم يكن ليستطيع البقاء معه ثلاثة أعوام أخرى. وبعد ذلك انضم الحريري إلى ‏معارضي سورية في لبنان وطالب بقوة بتنفيذ قرار مجلس الأمن 1559 الذي يقضي بانسحاب ‏القوات السورية من لبنان وإجراء انتخابات حرة في هذا البلد. وهذا ما جعل الحريري هدفاً ‏للسوريين، كما ادعى الزاعمون خدمة الحقيقة من وراء البحيرة الكبيرة (المحيط الأطلسي).‏

وحتى مروان حمادة، النائب المعارض في البرلمان اللبناني، رأى نفسه مضطراً للتكذيب، فقال: ‏‏«لا انا ولا هو، لم يكن لأحدنا علاقة بالقرار 1559 بأي شكل أو طريقة. لقد وافق على ‏التمديد لولاية رئيس الجمهورية». ولكن قيل فيما بعد إن ذلك حصل بعد ممارسة الضغط عليه ‏من قبل رئيس الاستخبارات السورية في لبنان، رستم غزالي. وقد علّق الزعيم الدرزي ومحور ‏المعارضة الأساسي وليد جنبلاط يومها على ذلك بشكل ساخر ومتكبر، ولعله نسي، اليوم ما ‏قاله في ذاك الوقت: «يبدو ان الحريري لم يستطع مقاومة بعض العروض المغرية». أما ناصر ‏قنديل، عضو البرلمان اللبناني، فكان الأمر واضحاً لديه وضوح نور الشمس أن «القيادة ‏السورية كانت تحافظ على علاقات ودية واستراتيجية مع الحريري». إذن أين كانت المشكلة؟

لم يتمرد الحريري على السوريين مطلقاً ولكنه بالنسبة لاعدائه كان يشكل «خطرآً سياسياً» ‏هائلاً ايضاً، وتوقعت كل الاستطلاعات نجاحاً باهراً للحريري في الانتخابات المقررة في أيار ‏‏2005، وهنا كانت المشكلة الأساسية لأن الحريري لم يكن ليستطيع بعد نجاحه أن يغير كثيراً من ‏الوضع القائم في لبنان. وهذا ما كان سيوجه ضربة قوية «للوجه الديموقراطي»، ليس لمعارضي ‏سورية في لبنان فقط وإنما أيضاً للمعارضة القوية في المنفى الأميركي، هذه المعارضة التي ‏اتفقت منذ وقت طويل مع إدارة بوش على «ديموقراطية» لبنان «في اول فرصة متاحة».‏

وهكذا لم يكن من المستغرب أن جنبلاط ألح قبل أيام قليلة من جريمة الاغتيال، على الجنرال ‏السابق وأحد زعماء المعارضة المسيحية، والذي يعيش في المنفى الفرنسي منذ سنة 1991، على ‏العودة الى لبنان ليشكل معه جبهة سياسية ضد سورية. وهذا ما كان يرغب به الإخوان في ‏الفاتيكان أيضاً إذ اعلنوا مستبشرين بالخبر من إذاعتهم: «ميشيل عون عائد الى لبنان، ‏وسيشارك حزبه التيار الوطني الحر المسيحي بالانتخابات البرلمانية في الربيع القادم». وهكذا ‏حزم عون حقائبه مقتنعاً بأن لا لبنان بدونه: «لقد اضعنا خمسة عشر عاماً لنقنع الناس ‏بصحة قضيتنا».‏

كان عون ينتمي إلى اللوبي المؤثر على حكومة بوش، وقد قام بدور كبير سنة 2003 بالمساعدة ‏على إصدار قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان من قبل الكونغرس الاميركي. وقد نص ‏هذا القانون، ضمن ما نص عليه، على أن على سورية «أن توقف مساعدتها للإرهاب بلا شروط، ‏وأن تتخلى عن ممارسة كل أشكال الإرهاب» وكذلك أن تسحب كل قواتها وأجهزتها الأمنية من ‏لبنان. وكان هناك زياد خ. عبد النور، وهو أحد أعضاء اللوبي الفاعلين في الكونغرس ‏الأميركي ومن جذور لبنانية ومصرفي استثماري مقيم في نيويورك، قد أسس سنة 1997، بالتعاون ‏مع بعض المحافظين الجدد الاميركيين المتعاطفين مع حزب الليكود الاسرائيلي ومع اليمين المسيحي ‏المتطرف في الولايات المتحدة، اللجنة الاميركية للبنان الحر، وكان، إذا جاز التعبير، يمثل ‏نظيراً للجلبي في لبنان. وقد طلب منذ سنوات، بالتفاهم مع اليمين المسيحي، إنشاء حكومة ‏عميلة في بيروت.‏

حدث ما كان متوقعاً: اجتاحت موجة الديموقراطية بلاد الأرز. ألهبت المعارضة المشاعر، وحركت ‏مظاهرات احتجاج شعبية في لبنان. وبعد أربعة عشر يوماً من الاغتيال اضطر رئيس الحكومة ‏الموالية لسورية الى تقديم استقالته في 28/2/2005. واحتفل حوالى خمسين الف شخص في بيروت «بهذا ‏النصر الكبير للمعارضة»، وراحوا يطالبون بشراسة بانسحاب الأربعة عشر ألف جندي سوري ‏المتبقين في لبنان فوراً. وتحدث الزعيم المعارض وليد جنبلاط عن «خطوط تاريخية في سياق عودة ‏الاستقلال»، كما طالب بتشكيل حكومة انتقالية تشارك فيها كل الأحزاب والقوى السياسية في ‏البلاد، «بما فيها حزب الله».‏

وكان السفير الأميركي ساترفيلد، قد تحادث قبل ذلك بأيام قليلة مع جنبلاط. فحكومته في ‏واشنطن، التي تسعى الى إدخال «المزيد من الديموقراطية» الى البلاد العربية الى جانب «حربها ‏على الإرهاب» وجدت بإسقاط الرئيس العراقي صدام حسين، نقطة البداية في عملية تحديث الشرق ‏الأوسط، هذه العملية التي يجب أن تؤدي ايضاً الى تغيير أنظمة الحكم في كل من سورية ولبنان ‏وإيران والسعودية ومصر. وقد وجد هذا المخطط تناغماً مع الورقة الاستراتيجية، التي أعدها ‏بعض المحافظين الجدد الأميركيين سنة 1996 تحت اسم «اختراق نظيف» وسنعود الى ذلك لاحقاً.‏

أما سورية التي تقوم منذ سنة 1990، وبعد انتهاء الحرب الأهلية، بحفظ النظام في بلاد الأرز، ‏فقد نفت منذ البداية أية علاقة لها بالاعتداء على الحريري. وقال الرئيس السوري بشار ‏الأسد: «لو قتلنا الحريري فعلاً لكان ذلك بمثابة انتحار سياسي لنا. من المستفيد من هذه ‏الجريمة؟ بالتأكيد ليس سورية». وعلقت وزيرته بثينة شعبان مازحة: «ستكون التهمة ‏التالية لسورية هي مسؤوليتها عن التسونامي». أما إسرائيل فقد بدأت في نهاية شباط ‏‏2005، بعد العملية الإرهابية في تل أبيب، بالمشاركة في حملة الديموقراطية الدولية ضد ‏دمشق، «وقررت ان تبدأ حملة علاقات عامة ضد دمشق، ما دام الحديد حامياً، لأن السوريين ‏يشاغبون دائماً في كل الأمكنة التي توجد فيها المشاكل كالعراق ولبنان، والآن في اسرائيل ‏ايضاً». وهكذا أخذ الخناق يضيق تدريجياً على المسؤولين في دمشق.‏

‏(24) بيل فان أوكن: اغتيل رفيق الحريري: من استفاد؟، 17/2/2005.‏

‏(25) نوربرت ماتيس: المطلوب: أجمل نظرية اغتيال، 24/2/2005 صحيفة ‏WOZ‏ السويسرية.‏

‏(26) بيل فان أوكن: اغتيل رفيق الحريري: من المستفيد؟ 17/2/2005.‏

في الحلقة غداً :‏

المذبحة الكبرى في لبنان

الديار (11 05 2006)


الحلقة الأولى         الحلقة الثانية        الحلقة الثالثة       الحلقة الرابعة

 

مزيد من الأخبار

11 05 2006

 

عون يلوّح بدينامية أكبر في الشارع و"حزب الله" يحذر من المكابرة في الخطأ

"ساحة 10 أيار": إنذار لـ"الأكثرية" ... والحوار مستمر

جنبلاط يعتبر التظاهر بديلاً للاغتيالات والسنيورة يعرض تمزيق "الورقة الإصلاحية"

تظاهرة 10 أيار إنذار للحكومة

غريب: ارفعوا الغطاء عن الفاسدين والمهدرين ولا تطبقوا اصلاحاً على الفقراء

التظاهرة الحاشدة "قوس قزح سياسي" والهتافات خرقت جدران السرايا

فتفت: المشاركون 250 ألفاً... ونشكر الأمنيين والمنظمين

الطابع سياسي وعدنا إلى موضة "الوزير المشاكس"

السنيورة: سوريا لا تتدخل في البرنامج الإصلاحي

ولا تملي على معارضيه موقفاً سلبياً .. ولا تديرهم

القوى والشخصيات اللاطائفية تلتقي في مؤتمر ورشة الاحد المقبل

«التجمع الوطني للانقاذ والتغيير» طرح ورقة سياسية تشير الى انتهاء مفعول الطائف

افتتح الدورة الوزارية الـ24 لـ"الاسكوا" في بيت الأمم المتحدة

بري: الإرهاب الذي اغتال الحريري يحتاج إلى مواجهة دولية

إلى أين انتهت اللقاءات الماراتونية المتكررة بين نصر الله والحريري؟

التظاهرة ضد الحكومة تهدد الحوار ... والمبادرة في يد بري!

دمشق "تنصح" واشنطن بعدم التدخل في لبنان

القرار الدولي لن يذكر سوريا وإيران

إسماعيل بحث في دمشق العلاقات السورية اللبنانية

الأردن يصعّد حملته على حماس: اعتقال 20 وضبط كاتيوشا إيرانية

«اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية»(5)

المحافظون الجدد في اميركا وضعوا اوراق لعب عليها صور المطلوبين وبينهم الحريري

الاسد: لو قتلنا الحريري فعلاً لكان ذلك بمثابة انتحار سياسي لنا من المستفيد من الجريمة؟

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة