|
|
|
آخر تحديث vendredi mai 12, 2006 الساعة 08:34:48 |
|
بمناسبة "إعلان بيروت – دمشق...": معيار غير ممكن الآن جهاد الزين عندما بدأت الاجتماعات الاولية لإعداد النص الذي ستستند عليه مبادرة: "إعلان بيروت – دمشق/إعلان دمشق – بيروت" تنازعت اللجنةَ التحضيريةَ فكرتان: واحدة هي إصدار بيان سياسي "سريع" يحاول أن يحمل تواقيع ذات مصداقية في تناول العلاقات اللبنانية - السورية والثانية فكرة أن التعقيد في هذه العلاقات بما راكمته وآلت إليه بات يستوجب إصدار وثيقة شاملة بالضرورة مسهبة. لكن "التحضيريين" في بيروت ودمشق كانوا متفقين أن الأهمية الأولى الحاسمة الآن هي حصول تحرك مشترك بين "أصحاب رأي" في البلدين ربما لا سابق له على هذا الشكل. في النهاية قرّ الرأي على الصيغة الأولى أي البيان "السريع" (الذي استغرق اجتماعات أحياناً شبه أسبوعية امتدت بضعة أشهر!)! إنها مبادرة مستقلة داخل صراع حاد. أي أنها مبادرة مستقلة الإرادة لكن "أسيرة" أحداث متفاقمة جداً وخطرة ودموية ومحتقنة، بعض خطوط التماس فيها غير معلنة وبعض خطوط تماس ثانية ليست على حدود البلدين. لا بد في المرحلة الثانية من الانتقال إلى تحضير الوثيقة الشاملة التي يجب أن تشارك في صياغتها كفاءات متعددة إضافية مع أن المرحلة لا تسمح بأكثر من السعي ربما لتجميد الصراعات لا حلها. لكن باستمرار كنت أعتقد أن الحلول "النهائية" للأزمات اللبنانية السورية لن تكون ممكنة إلا في "اللحظة" التي يصبح فيها ممكناً الفصل النظري وبالتالي العملي بين ما هو مصالح الدولة وما هو مصالح النظام السياسي في كل من لبنان وسوريا. هنا محاولة لرسم أطر لهذا التمييز على صعوبتها. مشاكل الدولتين يمكن إدراج المشاكل في العلاقات اللبنانية - السورية، تاريخياً، في إطارين يتداخلان أو يتمايزان أو يتقاطعان بين وقت وآخر: 1 – إطار المشاكل الناتجة عن البنية البشرية الجغرافية - السياسية لتكوين الكيانين - الدولتين سوريا ولبنان منذ تأسيس "لبنان الكبير" عام 1920 والدويلات السورية الأربع التي ستصبح لاحقاً تحت ضغط الحركة الوطنية السورية في العشرينات والثلاثينات الدولة السورية بحدودها المعروفة اليوم. وهي مشاكل تتعلق تقليدياً بترسيم الحدود والمياه وبصورة أساسية حوض منابع نهر العاصي والأمن الاستراتيجي منذ ولادة إسرائيل ومعها الاندلاع المتواصل للصراع العربي الإسرائيلي والمتعلق تحديداً بموقع منطقة البقاع العسكري بين سوريا وإسرائيل ناهيك عن تناقضات المصالح الإقتصادية سيما الزراعية كذلك المشاكل الناتجة عن الإختلاف بين تقاليد السوق "المغلقة" في سوريا منذ الإستقلال عن فرنسا وتقاليد السوق "المفتوحة" في لبنان قبل وبعد الإستقلال عن فرنسا. وإلى ذلك التدفق البشري الدائم لا سيما من الريف السوري الشاسع والفقير للعمل في لبنان في مجالات مختلفة وبأجور زهيدة شكلت مفارقة متواصلة هي تأمين عمال لقطاعات لا يعمل فيها اللبنانيون أو يتقاضون عليها أجوراً أعلى من جهة، وإثارة حساسيات تنافسية و"كيانية" وأمنية معاً من جهة أخرى. مشاكل النظامين 2 – إطار المشاكل الناتجة عن الإتساع المتمادي بين طبيعة كل من النظامين السياسيين في كل من البلدين بشكل متقطع منذ انقلاب حسني الزعيم في سوريا وبشكل دائم منذ عام 1958 عام الوحدة المصرية السورية، وبصورة أخص منذ تكرس ما سيعرف بـ "استقرار الحكم في دمشق" منذ العام 1970. في هذا الإطار تندرج مشاكل تدخل الحكم السوري المباشر في الحياة السياسية اللبنانية وصراعاتها بدعم فريق أو فرقاء ضد فريق أو فرقاء لبنانيين وتورط قوى لبنانية في دعم قوى سورية معارضة للنظام الحاكم في دمشق (مقولة التآمر) وهو سياق سيجعل النظام في سوريا فريقاً معلناً وحيوياً داخل لبنان (مقولة الهيمنة) خلال الأزمة الوطنية التي ستتحول إلى حرب أهلية على مدى حوالي 15 سنة وستؤدي في مسار شديد التعقيد والتحول دولياً ولبنانياً وإقليمياً إلى نجاح النظام في سوريا في الاستحصال على تفويض أميركي جدي لإدارة الدولة اللبنانية، إدارة قامت على استبعاد عنفي فردي وجماعي لقوى أساسية في البيئة المسيحية اللبنانية وبعض حلفائها المسلمين وعلى تطويع أمني وسياسي للقوى المتحالفة مع هذا النظام وبما سيؤدي خلال "السلم الاهلي" الذي أرسي بعد 1990 إلى نشوء شريحة لبنانية سورية أقامت شراكة مصالح سياسية واقتصادية حقيقية، جزء منها قانوني وجزء آخر ضمن "الاقتصاد غير الشرعي" الذي ازدهر في تلك الحقبة وتحت السقف الأمني للنظام في سوريا الذي كانت مخابراته "تدير" تناقضات الكتل والأفراد اللبنانيين المنضوين أو المعتمدين في هذا التحالف أو بتعبير آخر "المنظومة السياسية التي تدير نظامين مختلفين". مشاكل دولة ونظام معاً لاشك أن العديد من هذه المشاكل في العلاقات اللبنانية السورية متداخل من حيث أن بعضها هو مشكلة دولة ونظام معاً تبعاً للتمييز الذي اعتمدناه أعلاه، ومن أبرز الأمثلة الراهنة الشديدة التعقيد، سياسة "حزب الله" في جنوب لبنان الرافضة، بعد إنجاز تحرير الأراضي اللبنانية من الإحتلال الإسرائيلي عام 2000، لدخول الجيش اللبناني إلى منطقة الحدود مع إسرائيل، سياسة التهديد الدائم بإبقاء ملف الصراع العسكري مفتوحاً مع إسرائيل لصالح الدولة -النظام في سوريا حتى تحرير الجولان (هذا طبعاً إذا غضينا النظر هنا عن العامل الإيراني المتزايد التأثير في سياسة "حزب الله" الما بعد تحريرية في لبنان). إلا أن محاولة بناء أساس لمعالجة عقلانية وهادئة لا بد أن ينطلق من منطق هذا التمييز بين الإطارين على صعوبة الأمر عملياً بسبب الميل التلقائي لأي نظام سياسي إلى تحويل المشاكل المتعلقة به إلى مشاكل لـ "الدولة – البلد" التي يحكم. النهار (12 05 2006) |
|
||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||
|
|
|||||||||||||