موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث vendredi mai 12, 2006 الساعة 08:42:53

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

12 أيار 2006

«اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية» (6)

الحكومة اللبنانية بغالبيتها المسيحية تتقرب من سوريا التي دخلت لبنان اثناء الحرب ‏لتمنع تفكك الدولة

المسؤولون في ادارة بوش يريدون بأي ثمن تغيير النظام في لبنان على غرار ما فعلوه في ‏افغانستان والعراق

اصبحت جريمة اغتيال الحريري ارضا خصبة للمعارضة اللبنانية، التي كانت ما تزال غير ذات ‏أثر. وتلقفت بالطبع الاتهام المفترض، الذي تبنته اسرائيل والولايات المتحدة برغبة كبيرة، ‏ولم تدع مجالا للشك بعد ذلك بأن المجرمين والمحرضين يتولون مقاليد السلطة في كل من بيروت ‏ودمشق. أطلقت الادارة الاميركية على الاجتماعات، التي حشدت فيها المعارضة مئات الآلاف في ‏الشوارع امس ثورة الارز، وقد اخترعت هذا التعريف في نهاية شباط 2005 بولا دروبريانسكي، ‏وهي مساعدة سكرتيرة في الحكومة الاميركية للعلاقات الدولية وعضو في لجنة عبد النور الاميركية ‏للبنان الحر. لقد اضطرت هذه الموجة من الاحتجاجات، كما ذكرنا سابقا، رئيس وزراء لبنان ‏للاستقالة، ولكن احتجاجات مقابلة هائلة نظمها الشيعة وحشدوا بدورهم اكثر من نصف ‏مليون شخص في الشوارع، أعادت رئيس الحكومة الى مكتبه. وتجاوبا مع التدخل المستمر للولايات ‏المتحدة والاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي بصفة عامة، انهت سورية مع نهاية شهر نيسان وجودها ‏العسكري الذي دام 29 عاما كقوة حفظ نظام في لبنان، وسحبت آخر جندي لها من هذا البلد.‏

وهكذا جرت أول انتخابات «ديموقراطية» في لبنان في شهري ايار وحزيران 2005 ولكن بالطبع ‏تحت ضعوط دولية كبيرة ومن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بالتحديد. ومنذ ذلك الوقت ‏والتحريض ضد سورية والتأليب عليها لم يتراجعا فالمسؤولون في إدارة بوش يريدون بأي ثمن ‏وتحت كل الظروف تغيير النظام هناك على غرار ما فعلوه في أفغانستان والعراق، ووضع حكومة ‏عملية في دمشق ليتمكنوا أولا من توسيع نفوذهم الجيواستراتيجي في هذه المنطقة الهامة ‏اقتصاديا لهم وتعزيزه، وثانيا ليمكنوا اسرائيل من فرض سيطرتها على كافة دول الشرق ‏الاوسط التي تكون بعد ذلك قد ضعفت سياسيا ودخلت في فلك التبعية للاستعمار الحديث. وسنبقى ‏على قناعتنا بهذا التوجه السياسي الذي هو في غاية الخشونة والغلظة، لان مهمة هذا الكتاب ‏البحث عن آثار ودلائل يمكن ان تقود الى المجرمين الحقيقيين.‏

ACE-1‎‏ : المذبحة الكبرى في لبنان

من الضروري ان نلقي نظرة قصيرة على تاريخ لبنان الحديث حتى نستطيع فهم الاعتبارات ‏والافكار التالية على وجه افضل، وبالذات ما يتعلق بتلك الحوادث المؤسفة في الحرب الاهلية ‏الدامية التي استمرت خمسة عشر عاما من 1975 حتى 1990. اذ هكذا فقط يمكننا ان نفهم ‏الحوادث والاشخاص المذكورين في هذا السياق ونضع تصرفاتهم ايضا في سياقها الصحيح. ولا ننصح ‏مطلقا بتجاوز هذا الفصل.‏

النذر المؤذنة بالحرب. مجريات الاحداث. اسرائيل في بلد غريب. اسرائيل تخوض في الدم. «معركة ‏عون لتحرير البلاد من السوريين».‏

إن وجود الملايين من الناس في مجتمعات متعادية ومتنازعة في كل الازمنة والذين يسمحون ‏باستخدامهم في ذبح وقتال بعضهم البعض دون ان يرف لهم طرف او ان يتحسس لهم ضمير او شعور ‏وحيث لا يخسرون شيئا سوى بعض قلادتهم، اصبح امرا عاديا لا يثير العجب لدى احد. ولكن ‏محدودية اولئك الذين يسيرون على قدمين بعقل متطور، تبدو لا متناهية: فأولئك المتمرسون ‏بالقتل والاغتيال لا يكتفون برؤية الناس يذبحون بعضهم البعض وانما يفرقون بدقة بين انواع ‏القتل والقتلة، كما يفرق الذواقة بين نوع وآخر من سمك السلمون ولا يخجلون من توزيع ‏جرائمهم بكل دقة على الانماط المختلفة من «رجال الحرب» ويزودونهم بألقاب «جامعية لا ريب ‏فيها.‏

ولندع هنا احد أولئك «المنظرين» العسكريين يتناول الكلمة: «إن نمط الحرب المنتشر حاليا ‏هو ما يسمى حربا منخفضة الشدة تتميز عن الحرب النووية وعن الحرب التقليدية. ويشمل هذا ‏المفهوم المضلل نوعا ما كل انماط الحروب الاخرى التي لا تكون بين دولتين، حيث يمكن ان يزيد ‏عدد الضخايا وحجم الاضرار في هذا النمط من الحرب، عن الاثار المدمرة للحروب التقليدية بين ‏الدول. واسباب هذه النزاعات المسلحة تعود بشكل رئيس الى الصراع على السلطة او الهوية ‏و/ أو على الموارد المختلفة. وقد وضع فان كريفيلد (وهو محارب منظّر آخر) ثلاث صفات مميزة ‏لهذا النمط من الحروب:‏

‏* يحدث خاصة في مجتمعات الدول النامية ولكن لا يقتصر عليها.‏

‏* يتورط فيه مشاركون من الحكومة ومن الشعب اي لا تقف في هذا النوع من الحرب قوات نظامية ‏فقط ضد بعضها.‏

‏* لا يستخدم المشاركون من القوات غير النظامية عادة أنظمة اسلحة معقدة او عالية التطور ‏وإنما يستخدمون فقط الأسلحة العادية المستخدمة عادة في الحروب الاهلية وحروب العصابات بما ‏في ذلك الأعمال الارهابية. (27).‏

لم تكن المذابح الدموية في لبنان او ما سمي الحرب الاهلية، بين قوات نظامية بطبيعة الحال ‏بغض النظر عما اذا كان هناك اختصاصيون في القتل بآلات ميكانيكية في هذه الدرجة من نمط ‏الحرب ‏ACE-1‎‏. والمرء لا يريد ان يعرف معنى ذلك. ولكن الأكيد أن ‏ACE-1‎‏ في لبنان كلفت مئة ‏وخمسين الف شخص حياتهم وأصيب ما يربو على 115000 من الأطفال والنساء والرجال بالاضافة الى ‏اكثر من عشرين الف مفقود وحوالى ثمانمئة الف شخص هاجروا من البلاد هربا من هذه الحرب. ‏كما شرد مئات الآلاف من لبنانيين وفلسطينيين من منازلهم نتيجة للقتال والمذابح التي هي صفة ‏مميزة لهذا النمط من الحرب.‏

انها مسؤولية الأطراف المتصارعة في جعل هذه الحرب الأهلية التي دامت خمسة عشر عاما تصنف في ‏فئة ‏ACE-1‎‏ من التصنيف العلمي العسكري. وكما هو معروف فقد كان في «الجهة ‏A‏» القوات ‏اللبنانية وجيش لبنان الجنوبي واسرائيل. اما في «الجهة ‏B‏» فكان هناك الجيش اللبناني ‏النظامي والحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية، فتح. وكانت القوات السورية بين ‏الفريقين تارة مع هذه الجبهة وتارة اخرى مع الجبهة المضادة. وهكذا كانت الاحزاب المتصارعة ‏منشغلة جداً (28) لتبرهن على كفاءتها باعتبار هذه الحرب من فئة ‏ACE-1‎‏. وقد نجحوا في ذلك ‏اخيراً.‏

نُذر الحرب

اشتدت منذ حوالى منتصف القرن التاسع عشر حركات المقاومة ضد الاتراك في لبنان الذي كان ‏جزءا من الامبراطورية العثمانية.‏

وكانت تقود هذه الحركات بشكل اساسي مجموعات من التجار الكبار المارونيين وبعض المصرفيين ‏ورجال الدين. وكان الممثلون الرئيسيون «لحركة الاستقلال اللبنانية» مستعدين لأن يعطوا كل ‏شيء لقاء استبدال السلطة الفرنسية بالسلطة العثمانية، اي ان الاستقلال عن السلطة ‏العثمانية لم يكن ممكناً الا بالتبعية لفرنسا.‏

وخلال الحرب العالمية الاولى وفي اتفاق سايكس - بيكو السرّي عام 1916 تم وضع لبنان اخيراً تحت ‏الوصاية الفرنسية باعتباره جزءا من سوريا. وبعد الحرب العالمية الاولى احتلت القوات ‏الفرنسية البلد وأُعلن الانتداب الفرنسي على سوريا / لبنان في 25 نيسان 1920 ليعلن بعد ‏ذلك في الأول من تشرين الثاني انشاء دولة لبنان الكبير التي مضت اليها الاراضي الخصبة في ‏سهل البقاع والتي كانت اراض سورية. وحكم هذه الدولة مستشار اعلى فرنسي حتى سنة 1925. ‏اما سكان لبنان المسلمون فقد أيدوا احتجاجات الحركات القومية السورية ضد فصل لبنان ‏التعسفي عن باقي المناطق السورية وقامت حرب التحرير الشعبية السورية بين عامي 1925 ‏و1927 والتي انضم لها ايضا الدروز في جنوبي لبنان.‏

وبتاريخ 23/5/1926أعلنت سلطات الاستعمار الفرنسي دستورا خاص لدولة لبنان وأصبح ‏الانفصال عن سوريا نهائياً بهذه الخطوة. وأصبح لبنان بعد ذلك اكبر قاعدة فرنسية في الشرق ‏الاوسط. وسعى الفرنسيون الى فصل دقيق بين الطوائف المختلفة في الحياة السياسية للحؤول دون ‏اية طموحات اخرى لعودة الوحدة مع سوريا. وفي 30/11/1936 عقد اتفاق يقضي بإنهاء ‏الانتداب الفرنسي في سنة 1939، الا ان البرلمان الفرنسي رفض تصديق هذا الاتفاق وأعلن حالة ‏الطوارئ في كل لبنان بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبعد دخول ألمانيا الهتلرية الى ‏فرنسا احتل «الفرنسيون الاحرار» بقيادة الجنرال ج. كاترو مع قوات بريطانية ايضا لبنان ‏في تموز 1941. والغي انتداب عصبة الامم واعلن الاستقلال شكلياً. وكان المسيحيون في تلك ‏الايام يمثلون نصف الشعب اللبناني. ولم يكن ذلك في تلك الظروف عاملاً ديمغرافيا فقط وانما ‏عاملا اجتماعيا ايضا، اذ كانت اغنى العائلات والجماعات اللبنانية من المسيحيين بينما كانت ‏غالبية الشيعة من أفقر شرائح الشعب اللبناني (29).‏

غادرت القوات الفرنسية والبريطانية لبنان في 31 كانون الاول 1946، الا ان التطور ‏السياسي بعد الاستقلال بقي معلقا بتلك الاتفاقات التي ثبتت قانونيا، على التوزيع ‏الطائفي للسلطات، اي ما يسمى مبدأ المحاصصة الطائفية: اي ان رئيس الجمهورية يجب ان يكون ‏مارونياً ورئيس البرلمان شيعيا ورئيس الوزراء سنيا.‏

أخذ عدد المسلمين بعد عام 1943 بالازدياد. ثم بعد ان اعلنت دولة اسرائيل على قسم من ‏الاراضي الفلسطينية في 14/5/1948 بناء على قرار الامم المتحدة بتاريخ 29/11/1947 فرّ ‏الكثير من الفلسطينيين الى لبنان واستوطنوا بشكل رئيس في جنوبي البلاد. وفي 2/6/1964 ‏وبموافقة من الجامعة العربية تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية والتي اصبحت الممثل ‏الرسمي للشعب العربي الفلسطيني ولاجئيه في الخارج وكان من المفترض ان تبقى تحت إشراف الجامعة ‏العربية.‏

ابتدأت القوى الوطنية في ايلول 1952 بتنظيم اضرابات عامة من اجل تشكيل وزارة نزيهة ‏وإجراء انتخابات جديدة وتطهير الإدارة وإجراء اصلاحات ديمقراطية. وأسقط الرئيس الرجعي ‏بشارة الخوري ليستلم السلطة بعده كميل شمعون. ولكن شمعون سار على خطا سلفه في سياسة ‏رجعية داخلية وسياسة خارجية موالية للولايات المتحدة الاميركية. والنتيجة: اضطرابات ‏عامة جديدة ومظاهرات وثورة شعبية في صيف 1958 ادت الى اسقاطه. اما القوات الاميركية التي ‏دخلت لبنان بناء على استدعاء الرئيس شمعون فقد اضطرت الى الانسحاب بناء على المظاهرات ‏الاحتجاجية التي جرت في اغلب الدول العربية وفي دول اخرى. ورفض الرئيس الجديد الجنرال ‏فؤاد شهاب الذي رفض انضمام لبنان الى اي من الاحلاف العسكرية واتبع سياسة خارجية ‏حيادية. وفي 13/12/1961 تم افشال محاولة انقلاب كانت الولايات المتحدة تقف وراءها واعتقل ‏المتآمرون. وبعد ذلك انتخب البرلمان في 18/8/1964 شارل الحلو رئيسا جديداً للجمهورية ‏والذي استمر في سياسة عدم الانحياز.‏

وكان العدوان الاسرائيلي في 5/6/1967 والذي سمي فيما بعد حرب الايام الستة، وفيه ‏استطاعت اسرائيل ان تلحق بالجيوش العربية هزيمة نكراء، دافعا قويا لاشعال اكبر ‏التظاهرات ضد الامبريالية في تاريخ لبنان. وقد فشلت محاولات القوى الرجعية بقيادة شمعون ‏وبيير الجميل قائد حزب الكتائب وريمون ادّه عميد الكتلة الوطنية، تشكيل جبهة لحماية ‏الدستور وفرض سياسة مؤيدة للامبريالية. وكان السبب الرئيسي في هذا الفشل مقاومة حركة ‏التحرير. وبعد العدوان الاسرائيلي في حزيران 1967 اصبح لبنان هدفا لعمليات عسكرية ‏متعددة واعتداءات مسلحة على مخيمات اللاجئين وقادة حركة التحرير. وكان المطار الدولي في ‏بيروت في 28/12/1968 هدفا لغارة جوية اسرائيلية. وكذلك استمرت في وقت لاحق الاعتداءات ‏الاسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية. ونتيجة الاحتلال الاسرائيلي في حرب الايام ‏الستة لاراض عربية جديدة، اضطر مئات الالاف من الفلسطينيين الى الاختيار بين البقاء تحت ‏الاحتلال او اللجوء الى دول اخرى. استلم ياسر عرفات، مؤسس حركة فتح الثورية العسكرية ‏ورئيسها، في 13/2/1969 رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية. ومنذ ذلك التاريخ جعلت ‏المنظمة نصب عينيها بناء دولة فلسطينية علمانية ضمن حدود منطقة الانتداب البريطاني عام ‏‏1920 كما كان تدمير اسرائيل هدفا معلنا لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى سنة 1999 وانتقل ‏التركيز من العمل السياسي الى العمل العسكري. جرت سنة 1969 صدامات بين الجيش اللبناني ‏النظامي ووحدات من منظمة التحرير بسبب خطط وضعت في بيروت لمكافحة بعض افراد العصابات ‏العاملين بلا اي ضوابط. وتم توقيع إتفاق هدنة في القاهرة بتاريخ 1/11/1969 يمنح لبنان حق ‏السيطرة على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ويضع العمليات العسكرية لمنظمة التحرير تحت ‏قيادة مصرية ويمنع مهاجمة اسرائيل من الاراضي اللبنانية. ومع ذلك فقد بقي التوتر سيد ‏الموقف بين القيادات البورجوازية في لبنان والمقاومة الفلسطينية. انتقلت منظمة التحرير ‏بدءا من سنة 1970، وخاصة من العاصمة اللبنانية بيروت، الى العمل السري المسلح بعدما تم ‏طرد افرادها وافراد مجموعات المقاومة الاخرى من الاردن بعد ايلول الاسود. انتخب سليمان ‏فرنجية رئيس جمهورية في 17/8/1970 واتبع سياسة التضامن العربي ومبدأ عدم الانحياز في ‏السياسة الدولية، وفي العام نفسه اعلن الزعيم الدرزي كمال جنبلاط تعاون ميليشياته مع ‏منظمة التحرير الفلسطينية وسرعان ما اندلع القتال بين منظمة التحرير والميليشيات ‏المسيحية اللبنانية، التي كانت تعتبر سياسة حكومة بيروت متراخية مع الفلسطينيين.‏

اعترفت منظمة الامم المتحدة في 6/12/1971 بشرعية كفاح الفلسطينيين من اجل التحرير ‏وافتتحت المنظمة مراكز لها في كل من بيروت ودمشق، وبعد العديد من الاعتداءات التي نفذتها ‏منظمة التحرير ضد مدنيين واحتجاز رهائن خلال الالعاب الاولمبية في ميونيخ سنة 1972 ‏واختطاف طائرات كذلك، لفتت منظمة التحرير انظار المجتمع الدولي. ومن ثم ابتدأت اسرائيل ‏في الفترة نفسها بتنفيذ عملياتها الاولى ضد القواعد الفلسطينية في جنوب لبنان. وفي سنة ‏‏1973 اندلع القتال مجددا بين الجيش اللبناني النظامي وعناصر منظمة التحرير. وكان ضعف ‏الجيش النظامي سببا في تشجيع نشوء الميليشيات ونموها في لبنان. وفي اجتماع الجامعة العربية ‏سنة 1974 تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني. كذلك اعترفت ‏بها منظمة الامم المتحدة بعد فترة قصيزة ومنحتها صفة المراقب في الجمعية العمومية.‏

كان احد اهم العوامل اللبنانية الداخلية التي قادت الى الحرب الاهلية حقيقة ان الدولة ‏اللبنانية لم تكن قادرة على السيطرة على تناقضات طائفية واثنية ثقافية واقليمية ‏واقتصادية، فمبدأ المحاصصة الطائفية المثبت دستوريا تمكن من المحافظة على توازن غير مستقر ‏بين شرائح المجتمع المختلفة حتى بداية السبعينيات، ولكن هذا المبدأ راح يتخلخل بعد ‏الزيادة الديمغرافية لصالح المسلمين واشتداد قوة الاحزاب اليسارية وزيادة وجود المقاتلين ‏الفلسطينيين بعد طردهم من الاردن سنة 1971/70(30).‏

اصبح الوضع الديمغرافي والاجتماعي في البلاد غير سليم، فقد طرد عشرات الالاف من اللاجئين ‏الفلسطينيين من الاردن سنة 1971 ليستقروا في لبنان. وهكذا اصبح مقاتلو منظمة التحرير ‏الفلسطينية بوضوح اقوى قوة عسكرية في لبنان وهذا ما كان حاسما في توزيع القوى الحقيقية. ‏لذلك فقد تعاونت الاحزاب الاسلامية بداية مع منظمة التحرير الفلسطينية التي انشأت ‏بموافقة هذه الاحزاب «دولة ضمن الدولة».‏

مجريات الاحداث

ابتدأت الحرب الاهلية الثانية في لبنان يوم عيد الفصح في 13/4/1975 وفي نفس الوقت الذي ‏كان فيه بيير الجميل، رئيس حزب الكتائب اللبناني اليميني (وهذا الحزب حركة سياسية هامة ‏ومسيحية في لبنان) يدشن احدى الكنائس في القسم المسيحي من بيروت، اطلق مجهولون النار على ‏جمع من الناس وقتلوا العديد منهم. وكعملية ثأر هاجم رجال مسلحون من الكتائب بعد ذلك ‏بفترة وجيزة حافلة تُقلُّ فلسطينيين وقتلوا سبعة وعشرين راكباً فيها. وبعد حمام الدم هذا ‏اندلع قتال في شوارع بيروت بين الكتائبيين ومقاتلي منظمة التحرير تساندهم وحدات قتالية ‏من المسلمين وسرعان ما امتد سعير الحرب الأهلية إلى كل أرجاء لبنان. كانت السيطرة في ‏البداية للوحدات الكتائبية المسلحة ولكن سرعان ما تراجعت سيطرتها بعد تأسيس الحركة ‏الوطنية بداية سنة 1976. وكانت هذه الحركة الوطنية التي تتألف من مقاتلي منظمة ‏التحرير وميليشيات سنية ودرزية وحركة أمل الشيعية ومن الناصريين والبعثيين والشيوعيين، ‏تحت قيادة كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي. وكان من أهداف الحركة الوطنية إلغاء ‏المحاصصة الطائفية والحفاظ على هوية لبنان العربية. طلبت منظمة التحرير الفلسطينية من ‏الحكومة حق الإقامة الدائمة في لبنان. أما سورية فقد قدمت المساعدة مرات عديدة لمنظمة ‏التحرير الفلسطينية في هجومها على الجيش اللبناني، ويبدو ان الدافع وراء ذلك كان ‏الرغبة السورية بإجبار الحكومة اللبنانية على الإقرار ببعض التنازلات. ولكن الميليشيات ‏المسيحية التي تجمعت تحت راية القوات اللبنانية وأغلبها من الموارنة، أعلنت الحرب المفتوحة ‏من جهتها أيضاً على قوات الحركة الوطنية وراحت تكافح لاستلام النظام السياسي والحفاظ على ‏‏«الطابع الغربي» للبنان.‏

حاولت حكومة بيروت ان تنزع فتيل الحرب واقترحت تعديلاً في الدستور ينص على إعطاء المسلمين ‏والمسيحيين عدداً متساوياً من المقاعد البرلمانية. رفض الجيش ذلك وقام بانقلاب عسكري في ‏‏12/3/1976. ولم يستطع الرئيس الياس سركيس الذي انتخب مباشرة بعد ذلك، أن يحد من ‏المعارك التي راحت تزداد عنفا وضراوة. وقد اقدم مسلحون مجهولون في 16 حزيران 1976 على ‏قتل السفير الأميركي في بيروت والملحق الاقتصادي على أحد الحواجز الطرقية. وفي تموز هاجم ‏الكتائبيون مخيم تل الزعتر الفلسطيني وكانت النتيجة ما يزيد على الفي قتيل من اللاجئين. ‏ولكن عمليات الثأر التي قامت بها الحركة الوطنية كادت تقضي على كل الميليشيات المسيحية ‏لولا تدخل عشرين ألفاً من الجنود السوريين الذين دخلوا لبنان كقوات سلام في ايار وحزيران ‏سنة 1976 واستطاعوا أن ينقذوا الميليشيات المسيحية. وهكذا راحت الحكومة اللبنانية ‏بغالبيتها المسيحية تتقرب من سورية التي دخلت قواتها البلاد لتمنع مظاهر تفكك الدولة ‏اللبنانية. ونعتقد أن حكومات الولايات المتحدة الأميركية قد وافقت على التدخل العسكري ‏السوري في لبنان إن لم نقل إنها هي التي دفعت اليه. لقد هدأ التدخل السوري الذي كان ‏بداية احادي الجانب لصالح الميليشيات المسيحية، من سطوة المسيحيين التي أصبحت منطوية على ‏مفارقة تاريخية وخاصة تلك المجموعات المسيحية الغنية والقوية. إن تدخل السوريين بداية الى ‏جانب المسيحيين سبب لهم انتقادات واسعة في العالم العربي ولكن هدنة استطاعوا ان يفرضوها ‏جلبت بعض الهدوء. إلا ان تعاطف السوريين فيما بعد مع مقاتلي عرفات في منظمة التحرير ‏وانحيازهم الى المسلمين أدى إلى زيادة مقاومة الكتائبيين المسيحيين الذين راحت إسرائيل ‏تساعدهم وتزودهم بالسلاح.‏

أرسلت الجامعة العربية في 22 حزيران 1976 قوات سلام الى لبنان، وكان الجنود السوريون ‏الموجودون في لبنان يشكلون حوالى 90% من عديدها الذي بلغ ثلاثين الف جندي. وفي اجتماع عقد ‏في العاصمة السعودية الرياض في 16/10/1976 تمت المصادقة على شرعية دور القوات السورية ‏ما سمي «قوات الردع العربية» في لبنان، وكانت هذه القوات تضم الى جانب الجنود السوريين ‏وحدات عسكرية صغيرة من ليبيا والسودان والسعودية وبعض دول الخليج، كما لم تحدد لوجودها ‏في لبنان أية مدة زمنية.‏

‏(27) هانس جورج إرهارت: القوة العسكرية كأداة في السياسة الخارجية.‏

‏(28) المعطيات مأخوذة من: جامعة هامبروغ، أرشيف الحروب.‏

‏(29) كنوت ميلينتين: الحرب الأهلية في لبنان، يونغه فيلت 1/3/2005.‏

‏(30) جامعة هامبورغ: ارشيف الحروب.‏

في الحلقة غداً :‏

اسرائيل تخوض في الدم

الديار (12 05 2006)


الحلقة الأولى         الحلقة الثانية        الحلقة الثالثة       الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

 

مزيد من الأخبار

12 05 2006

 

تصعيد على جبهة عون 14 آذار .. وترطيب على خط "حزب الله" "المستقبل"

"ساحة 11 أيار": لا انقلابات .. والحوار ملجأ الجميع

المبادرة السودانية تتحرّك .. ودمشق مستعدة للتطبيع مسبوقاً بوقف الحملات

في الدورة الـ 14 للمنتدى الاقتصادي العربي بحضور الف مشارك

السنيورة: مصرّون على معركة الاصلاح وحرصاء على الحوار في شأنه

سلامة: عودة الثقة بثبات أدت الى فصل السياسة والأمن عن النقد

مجلس الوزراء توافق في جلسة هادئة وطويلة "على المطالب المحقة"

السنيورة أكد أن لا مساعدات وإن طفيفة "إذا لم نقدم على الاصلاح"

مجلس الأمن يباشر درسه اليوم وسط تحفّظات روسيا والصين وقطر

المشروع الأميركي - الفرنسي "يناشد" سوريا "الاستجابة لمطلب لبنان" الترسيم والتمثيل

مشروع القرار

ولش لـ"النهار": نتوقع من مجلس الامن اجراء يدعم توصيات أنان للقرار 1559

الموفد السوداني: دمشق مستعدة لاستقبال السنيورة وللتبادل الدبلوماسي

سلّة الموفد السوداني طافحة بالمؤشرات الإيجابية لتنقية العلاقات مع دمشق

وقف الحملات وفصل مسار التحقيق هما المدخل للتطبيع اللبناني السوري

لجنة المتابعة لـ14 آذار تجتمع لاحقاً لوضع خطة:

التظاهرة تلبية لحاجة النظام السوري والحكومة باقية لأنها تمثّل الغالبية

"14 آذار": "هيئة قيادية عليا" بدلاً من صيغة البريستول "الفضفاضة"

"الأكثرية" طرحت فكرة التظاهر ضد سلاح المقاومة.. ثم سحبتها

لم يفقد الأمل من الحريري "الذي قدمت له معطيات خاطئة"

"حزب الله" المنشرح: ساحة 10 أيار أهم من 8 آذار

عون: الصورة ستتغيّر من الآن الى شهر

انتقدت وزراء الحزب والحركة لأنهم تظاهروا

لأنه يريد الانصراف الى محاسبة الحكومة وفتح ملفات الفساد

عون يفاجئ نواب كتلته: "شلت الرئاسة من راسي"

التظاهرة تجاوزت الألغام.. وأحرجت "الأكثرية".. ورمت الكرة إلى السلطة

بري: الحوار ليس بديلاً للمؤسسات والشأن الاقتصادي مسؤولية الحكومة

التقدمي: التظاهرة سياسية بامتياز وتعكس أمر عمليات سورياً لإسقاط الحكومة

إعلان بيروت - دمشق / إعلان دمشق - بيروت

بمناسبة "إعلان بيروت – دمشق...": معيار غير ممكن الآن

«الديار» تكشف مخططاً اميركياً ــ اسرائيلياً في المنطقة

المسؤولة الأميركية عن قانون محاسبة سوريا تقدم اقتراحاً لتوطين الفلسطينيين في دول عربية

كآبة بيغن وراء اجتياح لبنان العام 1982!

جاسوس موساد سابق يكشف تفاصيل عمله في لبنان:

الاستخبارات الإسرائيلية مسؤولة عن مقتل إيلي كوهين

«اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية» (6)

الحكومة اللبنانية بغالبيتها المسيحية تتقرب من سوريا التي دخلت لبنان اثناء الحرب ‏لتمنع تفكك الدولة

المسؤولون في ادارة بوش يريدون بأي ثمن تغيير النظام في لبنان على غرار ما فعلوه في ‏افغانستان والعراق

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة