موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث lundi mai 15, 2006 الساعة 10:34:42

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

15 أيار 2006

قراءة في وثيقة الامن القومي الاميركي 2006‏

د. خليل حسين

استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

صدرت وثيقة استراتيجية الامن القومي الاميركي بطبعتها الاخيرة 2006 وبدت كأنها قد مزجت ‏افكارها وطروحها بجنون العظمة، فالاستراتيجية سعت وبكل توكيد وتأكيد على ان تجعل العالم ‏بأسره عجوة طرية تلوكها قبضة القوة والقهر الامريكيتين.‏

لقد مضت اربع سنوات من الممارسة في ظل الاعلان الامبراطوري الاول عام 2002 وبات جليا ان ‏محفزات ودوافع المضي قدما على نفس النهج اكبر كثيرا من المثبطات ودوافع التباطؤ، فبرز ‏جنون العظمة واضحا في الاستراتيجية الجديدة، لذا قال بوش في خطاب تدشينه لها «اننا نسعى ‏الى تشكيل العالم، وليس مجرد ان يشكلنا هو، وان نؤثر في الاحداث من اجل الافضل، بدلا من ان ‏تكون تحت رحمتها».‏

الجديد في الاستراتيجية الثانية كما ونوعا متواضع اذا ما قورن باستراتيجية العام 2002، ‏ورغم ذلك لم تفتقد التميز عن سابقتها وذلك بالتفصيل الذي الم بعناصرها وبنودها ‏وافكارها والاكثار من سرد الامثلة فيما يختص بأي منها، لذا جاءت ضعف الاولى في الحجم (54 ‏صفحة)، حيث لم تترك اقليما او دولة الا واستعرضت احوالها ورصدتها تحت المجهر الاميركي، ومن ثم ‏اخذت تسدي النصح وفي نفس الوقت تنذر وتتوعد بويل الثبور وعظائم الامور.‏

صدرت الوثيقة قبل اسابيع من تصريحات سمراء السياسة الخارجية الاميركية واعترافها بآلاف ‏الاخطاء في العراق ورغم ذلك اتت الوثيقة لتقارب وتؤكد مقولات الساسة الاميركيين اجمعين بين ‏الوقت المستقطع للوثيقتين، وكأن هضما للدروس غير المستفادة من ممارسات الفترة ذاتها قد ‏اثرت بمن صاغها فتم وصف الاستراتيجية الجديد بانها «مثالية فيما يتعلق بالاهداف وواقعية ‏فيما يتعلق بالوسائل».‏

وكررت الاستراتيجية المبدأ المعروف ان «اميركا في حالة حرب» وكأنها تكرر ايضا مقولة بوش ‏بالرسالة السماوية التي بعث بها لدحر الارهاب افرادا ودولا وجماعات، وبالطبع «لنشر ‏الديموقراطية ودعمها في كل ثقافة وامة.. وذلك للحفاظ على امن الشعب الاميركي» كيف لا وان ‏الامة الاميركية تعرضت لأسوأ صفعة في تاريخها في عقر دارها في 11 أيلول 2001، وهذا يتطلب ‏حكما «البقاء في حالة هجوم، وهزيمة الارهابيين خارج الاراضي الاميركية حتى لا نضطر لمواجهتهم ‏على ارضنا» انها التوكيد مجددا ودون تبرير للحروب الاستباقية اينما كان وفي اي زمان.‏

لتلك الاهداف جعلت من الولايات المتحدة في حالة الجهوزية التامة لمن يصوب عليها فبداية ‏كانت حرب «طويلة كالتي خاضتها ابان الحرب الباردة، ومثلها توجهت في النهاية بالانظار ‏على عقيدتي الشيوعية والفاشية»، فالايديولوجيا التي تهدد (اميركا) هي ايديولوجيا لا ‏تنطلق من فلسفة علمانية وانما تأسست على ايديولوجيا شمولية ركيزتها تحريف ديانة عظيمة ‏‏(الاسلام) قد تختلف في المنطلق عن ايديولوجيا القرن الماضي ولكنها تتفق في المضمون «عدم ‏التسامح، والقتل، والارهاب، والاستبعاد، والقمع».‏

اذن فنواة الاستراتيجية هي الحرب الاستباقية. وفي منتصف دائرة التصويب يقع الاسلام السياسي ‏‏«فالصراع ضد الراديكالية الاسلامية المقاتل هو الصراع الايديولوجي الاكبر في السنوات الاولى ‏من القرن الحادي العشرين ويأتي في وقت تصطف فيه القوى العظمى في جانب واحد في مقاومة ‏الارهاب».‏

كما اسلفنا لم تأبه الاستراتيجية بكل الانتقادات التي وجهت للسياسة الاميركية في الحقبة ‏الماضية بل تجاهلت حتى انتقادات صانعي السياسات الاميركية واعتبرت ان الارهاب «ليس مرده ‏القضية الفلسطينية ــ الاسرائيلية» ولا هو «ببساطة نتاج عداوات اثارتها سياسات اميركا في ‏العراق، وكذلك «ليس ناتجا ثانويا عن الفقر»، وايضا «ليس استجابة لجهود اميركا لمنع ‏الهجمات الارهابية».‏

وتتابع الوثيقة لتنفي بشكل قاطع ان تكون الادارة الاميركية في حرب ضد المسلمين، وانما تخوض ‏معاركها في «الحرب على الارهاب باعتبارها معركة افكار وليست معركة ديانات»، حيث ‏‏«يواجهنا الارهابيون الدوليون باستغلال دين الاسلام العظيم لخدمة رؤيتهم السياسية ‏العنيفة».‏

عند تلك النقط بالذات تتواضع الوثيقة لتسترشد بما سبق ان حذر منه رئيس الوزراء ‏البريطاني طوني بلير المارقين من المسلمين بالتزام «التيار العام للاسلام» او ‏Main stream ‎Islam‏ وهو الاسلام الذي يرضي الغرب ومن يخالفه فهو ارهابي، فتمنح الاستراتيجية نفسها الحق ‏في وصف الدين الذي تحاربه «بالاسلام الراديكالي» الذي «يسوغ القتل، ويحرف ديانة الاسلام ‏العظيمة وليها لخدمة الشر». وهنا للتذكير فقط بما ابتدعته مؤسسة رندا بمقولة الاسلام ‏المعتدل كمقاربة لما ينبغي ان يكون عليه الاسلام من وجهة النظر الاميركية «السمحاء».‏

كما ذهبت الاسترايتجية الى حد مد اليد وسرقة احد اهم اركان تفسير مقولات الاسلام ‏‏«فالارهابيون يشوهون فكرة الجهاد للدعوة لقتل كل ما يخالفهم من المرتدين والكفرة ‏كالمسيحيين واليهود والهندوس وسائر الديانات الاخرى». ولذلك شرعت لنفسها ايضا فرض شجب ‏المسؤولين المسلمين لـ «الايديولوجية» التي تشوه وتستغل الاسلام بغية نهاية مدمرة»، ولكن ‏بالطبع فان من يقرر هذه الاستراتيجية يعرف ويدرك ان «الاكاذيب» التي ترتكز عليها ‏ايديولوجية الارهابيين لاستغلال المؤمنين»، فلذلك لن يبخل الاميركيون جهدا في «تمكين المسلمين ‏والمسالمين من ممارسة ايمانهم والتعبير عنه» وكان ينقص بعد تلك الفقرة والتوضيح بان هذا ‏التمكين هو فقط سيؤمن للذين يأكلون ويشربون وينامون من دون اي اضافة او تأويل لسلوك ‏حياة ولو كان رتيبا.‏

ورغم تخلي الاستراتيجية عن اسلوب التهويل فقد استخدمت القوة الرقيقة كاستعمال المداهنات ‏الاقتصادية والثقافية والديبلوماسية على وسائل اخرى بهدف نشر الديموقراطية والقضاء على ‏الطغيان، ورغم ما سبق واعلن عن رغبة اميركية في «استخدام مجال اوسع نطاقا من الوسائل» ‏وصولا لاهداف الاسترايتجية، فقد اكدت الوثيقة على أهمية الدور الرئيس للقوة العسكرية ‏الاميركية حيث تقول الوثيقة: «بيد اننا عند الضرور، ووفقا لمبادئ الدفاع عن الذات ‏المعمول بها منذ وقت طويل، لا نستبعد استخدام القوة قبل ان تحدث الهجمات ضدنا، حتى في حالة ‏عدم اليقين بشأن توقيت ومكان هجوم العدو» وهو تأكيد مرة اخرى بان الولايات المتحدة ‏كانت وستبقى بحاجة الى عدو وهمي لتثبيت قوتها.‏

من ثم تتوسع وثيقة 2006 بشكل واضح حول اطار الاستراتيجية الاصلي الذي تولت بموجبه سياسة ‏اميركا من سياسة الردع والاحتواء التي تبنتها لعقود طويلة الى سياسة اكثر عدوانية، تقوم ‏على «مهاجمة الخصوم قبل ان يقوموا هم بمهاجمة الولايات المتحدة»، لذا لم يطرأ تغيير ‏بالاستراتيجية المعدلة ويؤكد بوش في خطاب تدشينها انها «ستظل كما هي».‏

لقد سبق توقيت اعلان الاستراتيجية 2002 غزو العراق بستة اشهر تقريبا، والاتهامات الموجهة ‏الى ايران في وثيقة 2006 تتطابق والاتهامات التي وجهت لنظام الرئيس العراقي صدام حسين قبل ‏غزو العراق، فأميركا بحسب الوثيقة لديها مخاوف اكبر من «النظام الايراني يدعم الارهاب ‏ويهدد اسرائيل ويحاول نسف السلام في الشرق الاوسط وينكر على شعبه التطلع الى الحرية». ‏لذلك وبكل بساطة تعتبر هذه الاستراتيجية رسالة قوية جدا لايران مفادها ان واشنطن قد ‏تستخدم القوة للقضاء على التهديد النووي الذي تشكله، اذ تشير بجلاء الى ايران باعتبارها ‏‏«اكبر خطر يمكن ان تشكله دولة بمفردها على الولايات المتحدة».‏

وثيقة الاستراتيجية الاولى تحدثت عن محور الشر «ايران والعراق وكوريا الشمالية»، اما ‏الثانية فلم تركز على كوريا الشمالية واكتفت بان عليها «تغيير سياساتها»، ثم بشيء من ‏التوسع وجه اصابع الاتهام الى خمسة «انظمة ديكتاتورية استبدادية» اخرى مثل سوريا وكوبا ‏وروسيا البيضاء وبورما وزيمبابوي، كما تضمنت الوثيقة صفحة كاملة خصصت لتبرير الحرب على ‏العراق، ويبدو انه تحذير مباشر لايران جاء فيه «ليس لدينا ادنى شك في ان العالم سيكون ‏افضل حالا اذا ادرك الطغاة انهم بامتلاك اسلحة دمار شامل سيتحملون عواقب ذلك».‏

لم توفر الوثيقة روسيا ولا الصين، فعلى الصين «ان تتصرف كدولة مسؤولة تفي بالتزاماتها ‏وتضمن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية»، واستراتيجية اميركا تسعى الى «تشجيع الصين على ‏اتخاذ الاختيارات الاستراتيجية الصحيحة لشعبها مع قيام الولايات المتحدة في نفس الوقت ‏باحتياطاتها لكافة الاحتمالات الاخرى». كما نظرت الوثيقة الى روسيا نظرة اكثر حذرا وشكا ‏مقارنة بسابقتها 2002 عندما كان وهج التقارب بين بوش وبوتين لا يزال ساطعا. فقد ورد في ‏الوثيقة عند الاشارة الى روسيا: «ان الاتجاهات الحديثة تؤشر للاسف الى تقلص الالتزام الروسي ‏بالحريات والمؤسسات الديموقراطية».‏

كما توضح الوثيقة ان «افريقيا تكتسب اهمية جغرافية ــ استراتيجية متزايدة وتشكل ‏اولوية في جدول اعمال الادارة»، وتوجه تحذيرا الى شعوب اميركا اللاتينية «من الانسياق وراء ‏الدعوات المضادة للسوق الحرة» في اشارة للرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.‏

غريب المفارقات ان الوثيقة التي التزمت في اول كلمة فيها بنشر الديموقراطية تعترف بان ‏‏«الانتخابات ليست كافية في حد ذاتها»، كما انها تقود احيانا الى «نتائج غير مرغوبة»، تقول ‏الوثيقة «فهذه المبادئ قد تعرضت للاختبار عندما فاز مرشحو حماس في الانتخابات الاخيرة التي ‏عقدت في المناطق الفلسطينية».‏

اخيرا لولا فضول الباحث وحشريته العلمية لن يجد غضاضة في الهرب من قراءتها والتدقيق فيها، ‏فهي نسخة ليست منقحة ولا مزيدة عن سابقتها بل صيغت بعبارات ومفردات حاول من اسس لها ‏ان يوحي جديدا، واذا كنا منصفين في معرض الدرس والنقد فلا نجد حرجا في القول ان الجديد ‏فيها الولايات المتحدة من جديد ان لا جديد لدينا سوى الحروب الاستباقية وصناعة الاعداء ‏الوهميين كيف ونحن الذين نحتاج دائما للأعداء لاثبات قوتنا على من اضعف منها!.

الديار (15 05 2006)

 

مزيد من الأخبار

15 05 2006

 

بري يؤكد أولوية الملف الرئاسي .. وجنبلاط لمناقشة سلاح المقاومة

"حوار الثلاثاء": نسخة مكرّرة .. ولا مقاربة اقتصادية

صفير يلتقي شيراك اليوم .. وأزمة مجلس القضاء نحو الحسم

"تشويش" أمني جوّال ورصاص على منزلي الأحدب وفرحات

السنيورة يُعاكس الاتجاهات المتشائمة: جولة الحوار غداً ستُحرز تقدماً

منزلا الأحدب وفرحات تعرضا لإطلاق نار ليلي

الأجهزة الأمنية فتحت تحقيقا و"14 آذار" تحذر

مؤتمر "الانقاذ والتغيير" ناقش مشروعاً سياسياً يركز على اللاطائفية والمحاسبة والمقاومة

نصري الصايغ محاضراً في زحلة عن هواجس الحرب

الذكرى الـ 58 للنكبة تصطبغ بالدم: 7 شهداء و18 جريحاً في الضفة

التحالف الأميركي اللبناني كرّمه "تقديراً لخدمته لبنان"

بولتون: بلدكم سيكون مستقلاً .. رغب السوريون أم لا

ما هي أبعاد التسخين السياسي قبل استئناف الحوار غداً؟

التحالفات الجديدة تفتح معركة الاستحقاق الرئاسي

بعدما باتت قرارات ساحة النجمة المستند الرئيسي للدعم الدولي

دعوة بري الى واشنطن في إطار التشجيع لدوره الحواري

بين مشروع القرار الغربي والتحفظ الروسي

مخاوف من أن يؤدّي التجاذب الدولي الى تعميق الأزمة بين لبنان وسوريا

خصومه يصعّدون الانتقادات ويتهمونه بتغيير شعاراته

هل يحافظ عون على ظاهرته الشعبية مهما تبدلت الظروف ؟

استقبله أمير الكويت ورافقه حماده والعريضي

جنبلاط: لا نريد رئيساً بأي ثمن وسنبحث في مصير سلاح "حزب الله" الثلثاء

منطقة على كف عفريت طائفي: تفاصيل المخطط الاميركي لمواجهة القاعدة بالسنة والشيعة

قراءة في وثيقة الامن القومي الاميركي 2006

رؤية من قريب للعلاقات اللبنانية السورية: هموم على الجانبين... وواقع شائك!

حقيبتا الداخلية والدفاع تؤخران الحكومة والعنف يحصد 36 قتيلاً و 100 جريح

الصدر و"هيئة العلماء" ينددان باستعداد البرزاني الاعتراف بإسرائيل

«القاعدة» تقترب من الحدود الإسرائيلية

«اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية» (الحلقة ‏الاخيرة)

«اللجنة الاميركية للبنان الحر» وضعت اسم الحريري على لائحة عملاء سوريا لتصفيتهم مع ‏مسؤولين آخرين

اسماء جديدة على موقع اللجنة: اميل لحود ونبيه بري و نصرالله وميشال المر وجان عبيد ‏وعدنان عضوم ومروان فارس

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة