موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث lundi mai 15, 2006 الساعة 10:40:16

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

15 أيار 2006

هشام شرابي والرؤية النقدية للحداثة العربية

مسعود ضاهر

تشكل مؤلفات هشام شرابي الإجتماعية ودراساته النقدية لتحولات المجتمع العربي الحديث والمعاصر إضافات حقيقية في مجال نقد الأسس النظرية لمفهوم الحداثة السائدة في المجتمعات العربية. فقد تناول فيها، وبالتحليل المعمق، الفكر السياسي العربي في تحولاته الشكلية من نمط الإنتاج الإقطاعي السابق على الرأسمالية إلى نمط إنتاج رأسمالي شكلي في المظهر وتبعي في المضمون. بل إن تحليله لخصائص الوعي الحداثوي العربي وما بني عليه من مقولات هشة لم تصمد طويلا، يجعله بحق واحدا من أبرز علماء الإجتماع العرب الذين تركوا آثارا علمية رصينة ما زالت تحتفظ بصدقيتها وراهنيتها.

تميزت رؤية شرابي الإجتماعية بالتركيز على مفهومي الثابت والمتحول في البنية الإجتماعية، وبدور العامل الديني كمعوق اساسي في عملية التغيير الإجتماعي. فالدين من المكونات الثابتة في الثقافة العربية. وهو يخترق البنى الاقتصادية والسياسية والإجتماعية، ويتداخل معها بصورة يصعب الفصل بينها عند تحليل الذهنية العربية المسيطرة. لذلك لا يدرج الدين عند العرب والمسلمين في إطار الفهم الأوروبي، وتحديدا الماركسي، لمقولات البناء الفوقي والبناء التحتي.

ولم يعتبر شرابي أن السجالات التي أدخلتها غالبية المثقفين العلمانيين على الثقافة العربية قد ساهمت في توليد رؤية نقدية متميزة وقادرة على معالجة المسألة الدينية في البلدان العربية من منظار عقلاني يربط بين جدلية بناء الدولة العلمانية من جهة، وممارسة الديموقراطية السليمة على المستوى السياسي والليبرالية المراقبة على المستوى الإقتصادي من جهة أخرى.  

وإنتقد بشدة ما نشره بعض الماركسيين العرب أو إقتبسوه من مقولات جاهزة حاولوا من خلالها تحليل بنى المجتمعات العربية، ومنها: "نمط الإنتاج الآسيوي"، ونقاوة "الصراع الطبقي"، و"القطيعة المعرفية أو الإبستيمولوجية"، وغيرها. وقد وجد فيها مقولات هشة أو رخوة غير قابلة للتعميم ولا تصلح كمقولات صلبة قادرة على توليد جيل جديد من الباحثين الجديين.

فالمجتمعات العربية ما زالت ملتبسة حين غادرها هشام شرابي. ولم تشهد حتى الآن فرزا طبقيا على أسس رأسمالية واضحة في العمل والإنتاج. لذلك كان التركيز مبالغاً فيه حول دور العامل الإقتصادي في بناء مجتمعات حديثة، وحداثة سليمة غير قابلة للإرتداد.

لم تثر تلك المقولات النظرية التي قدمت بإسم  الماركسية والتقدم، وقوى التغيير الجذري، والبديل الثوري، والأحزاب الطليعية إهتمام هشام شرابي الذي قرأ الفكر الغربي من مصادره الأساسية. ولم يكن بحاجــة إلى مــن يدلــه على مكامــن الــقوة والضعف في النظرية الماركسية وكيفية الإستفادة من مقولاتها النظرية لتطويرها، وتقديم فهم أكثر عمقا وشمولية عن بنية المجتمعات العربية.  فقد إستفاد، على طريقته الخاصة، من مقولات ماركس، وماكس فيبر وكبار علماء الإجتماع الأوروبيين والأميركيين. وعزز نظريته حول البنية البطريركية للمجتمع العربي واثرها في الفكر العربي المعاصر إنطلاقا من تركيزه الدائم على الثابت والمتحول في المجتمعات العربية نفسها. وأدرك بعمق خطورة الدور النفعي  أو المصلحي للقادة المسيطرين على مقدرات الشعوب العربية بصفتهم وكلاء لقوى خارجية لا تريد تغيير المجتمعات العربية. وقد عبر عن ذلك التداخل بقوله: "إن علاقتنا بالغرب، وخاصة بأميركا، ما زالت علاقة تضاد وإختلاف. الغرب اليوم وأكثر من أي وقت سابق، ما زال يريد لنا غير ما نريده لأنفسنا. نحن نريد الحداثة، وهو يريد لنا التحديث. نحن نريد السيادة والاستقلال وهو يجبرنا على التبعية. نحن نصبو إلى التحرر والوحدة، وهو يدعم الأنظمة البدوية التي تقف في وجه التحرر والديموقراطية وتمنع الوحدة".

ركز هشام شرابي على البعد القومي للصراع بين العرب والخارج، وذلك إنطلاقا من منطقة بلاد الشام التي شكلت موقع القلب في مشروع صهيوني سيطر على فلسطين، وتحفز للسيطرة على جوارها. فلم يول إهتماما يذكر لتحليل العوامل الإقتصادية في توليد الفكر المقاوم للمشروع الصهيوني بقدر إهتمامه بتأثير العامل الثقافي في بناء مجتمع مقاوم. ولم يسقط في حتمية التناقض بين العامل الديني والعامل السياسي في الوطن العربي طالما أن كل نظام سياسي عربي هو وكيل تابع لنظام إقليمي عربي يتعولم بسرعة في ظل هيمنة أميركية وحيدة الجانب منذ صمتت جميع مدافع الأنظمة العربية عام 1973. وكان يدرك بعمق العلاقة العضوية بين المنظمات الدينية وبعض الأنظمة السياسية العربية التي تحولت اخيراً إلى علاقة تعاون وثيق، حتى لا نقول علاقة إنسجام. فكلاهما مهيمن على المجتمع العربي في مجال معين، وكلاهما عرضة للتغيير من الخارج في حال رفض الإنصياع إلى موجبات العولمة بشروط أميركية – إسرائيلية، وفي إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

لذا تشكل الرؤية الصائبة لجدلية العلاقة بين الداخل والخارج في عصر العولمة الأميركية عند هشام شرابي إحدى أبرز مقولاته عن الحداثة العربية المجهضة، والتي قد تبقى مجهضة لعقود طويلة. فمقولات شرابي في هذا المجال تربط بين جدلية الإنتماء إلى قومية بلاد الشام،وبشكل أوسع إلى القومية العربية من جهة، وموقع بلاد الشام والعالم العربي في إستراتيجية النظام العالمي الجديد من جهة أخرى. وضمن هذا التصور العام لا يتحرك الإنسان السوري أو العربي وفق دوافع مادية فحسب، بل إنطلاقا من دوافع ثقافية أيضا تلعب دورا بالغ الأهمية في وعيه الوطني والقومي. وعند تحديد السمات الأساسية للمواجهة الثقافية الفاعلة مع الخارج يلعب العامل الديني دورا مركزيا في ظل غياب المقولات التوحيدية الجامعة على أسس قومية أو إقتصادية أو سياسية.

بقي أن نشير إلى أن التحليل المعمق الذي قام به شرابي لتشريح المجتمع البطريركي العربي خلال أكثر من نصف قرن مكنه من إبراز أهم خصائص الحداثة العربية المرجوة والتي يمكن أن تتلاءم مع متطلبات عصر العولمة. وابرز تلك السمات: الديموقراطية على المستوى السياسي، والعقلانية على المستوى الثقافي، والليبرالية المراقبة على المستوى الإقتصادي، والعلمانية غير الإلحادية على مستوى بناء دولة القانون والمؤسسات، والكفاءة الشخصية على مستوى الإدارة التي هي مرآة الشعب وتعبر عن مدى نضجه وقدرته على تنظيم مجتمعه، والمواجهة الحضارية على مستوى التصدي للمشروع الصهيوني المدعوم من القوى الفاعلة في النظام العالمي.

فلا بد للوعي الحداثي من أن يتكون كمحصلة عامة لتلك السمات من جهة، والوعي بالمنهج العلمي التجريبي لكيفية تطبيقها على أسس سليمة من جهة أخرى. فنادى بتعزيز العقل النقدي الناظم للوعي والسلوك الحداثي القادر على إدخال تحولات جذرية في ثقافة الإنسان الفرد، وأساليب عمل المنظمات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، ومؤسسات الدولة العصرية.

وفي جميع كتاباته النقدية عن المجتمع البطريركي، أوصى شرابي بتعرية كل أنماط التفكير الأسطوري أو الغيبي، والنظر إلى العالم وفق رؤية عقلانية مبنية على نشر العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. وقد أعلى على الدوام من شأن العقل والعلمنة والتكنولوجيا لمواجهة هيمنة هذا النمط السائد من الوعي العربي المأزوم الذي لا يزال يعيد إنتاج قيوده من طريق تجديد ركائز النظام البطريركي بصيغه العائلية والطائفية والقبلية والعرقية والمذهبية المتخلفة.

وليس من شك في أن هذا المنحى الذي سار عليه طوال حياته يشكل مساهمته الرائدة في علم الإجتماع العربي إنطلاقا من معرفة عميقة بالمصادر الأوروبية والأميركية الأكثر عمقا في فهم تحولات الحداثة وسيرورتها المستمرة. وقد تجاوز بوعيه النقدي مقولات كثير من المثقفين العرب الذين إلتبس عليهم مفهوم الحداثة السليمة، وضرورة إقامة التمايز بينها وبين التحديث كسيرورة مستمرة بدون إنقطاع. فإرتبكت مقولات الحداثة والتحديث لديهم ولم يتم تأصيلها في سلوكهم السياسي. وبقي الوعي الذاتي لدى عدد كبير منهم ضبابيا وإنتقائيا، وبعيدا كل البعد عن مفهوم الحداثة السليمة غير القابلة للنكوص أو الإرتداد. لذلك سهل على الكثيرين منهم الإنتقال المفاجىء من موقع فكري إلى نقيضه، ومن مديح العلمانية إلى مديح الفكر الديني. نتيجة لذلك تعيش الساحة العربية اليوم مرحلة خواء ثقافي بعد أن أفرغت الحداثة السليمة من مكامن القوة فيها. فتحولت إلى تغريب فاضح إنتهى بهيمنة الفكر الديني مقابل مزيد من تبعية الأفكار الليبرالية والعلمانية للخارج.

ختاما، لقد أدرك هشام شرابي أن الحداثة التي تحتاجها الساحة الثقافية العربية هي أولا نتاج مقولات يصوغها المثقفون العرب لكي تعبر عما يريده العرب لأنفسهم حتى يلحقوا بركب الحضارة العالمية من موقع الفاعل فيها، وليس المنفعل بسلبياتها. وهي لن تكون أبدا إقتباسا سهلا لمقولات صاغها الفكر الغربي في مرحلة تميزت بإلحاق العرب قسريا بالمركزية الغربية من موقع التابع. حسبه، في الذكرى الأولى لرحيله، أنه بات عصيا على التوظيف الحزبي الضيق. وأن مقولاته النقدية أبعد ما تكون عن المقولات "القوموية" التي تخطتها حركة التاريخ التي تجاوزت مرحلة بناء الدولة القومية إلى الدولة المعولمة. وعلى غرار إبن خلدون الذي أطلق مقولات عن العصبية ما زالت فاعلة بقوة حتى الآن بسبب صمود البنى القبلية ومخلفاتها في المجتمعات العربية، أنتج  هشام شرابي مقولات نظرية ستستمر فاعلة لعقود إضافية طالما أن المجتمعات العربية ما زالت أسيرة نمط بطريركي مسيطر يجدد بنيته وأزماته دون توقف.

النهار (15 05 2006)

 

مزيد من الأخبار

15 05 2006

 

بري يؤكد أولوية الملف الرئاسي .. وجنبلاط لمناقشة سلاح المقاومة

"حوار الثلاثاء": نسخة مكرّرة .. ولا مقاربة اقتصادية

صفير يلتقي شيراك اليوم .. وأزمة مجلس القضاء نحو الحسم

"تشويش" أمني جوّال ورصاص على منزلي الأحدب وفرحات

السنيورة يُعاكس الاتجاهات المتشائمة: جولة الحوار غداً ستُحرز تقدماً

منزلا الأحدب وفرحات تعرضا لإطلاق نار ليلي

الأجهزة الأمنية فتحت تحقيقا و"14 آذار" تحذر

مؤتمر "الانقاذ والتغيير" ناقش مشروعاً سياسياً يركز على اللاطائفية والمحاسبة والمقاومة

نصري الصايغ محاضراً في زحلة عن هواجس الحرب

الذكرى الـ 58 للنكبة تصطبغ بالدم: 7 شهداء و18 جريحاً في الضفة

التحالف الأميركي اللبناني كرّمه "تقديراً لخدمته لبنان"

بولتون: بلدكم سيكون مستقلاً .. رغب السوريون أم لا

ما هي أبعاد التسخين السياسي قبل استئناف الحوار غداً؟

التحالفات الجديدة تفتح معركة الاستحقاق الرئاسي

بعدما باتت قرارات ساحة النجمة المستند الرئيسي للدعم الدولي

دعوة بري الى واشنطن في إطار التشجيع لدوره الحواري

بين مشروع القرار الغربي والتحفظ الروسي

مخاوف من أن يؤدّي التجاذب الدولي الى تعميق الأزمة بين لبنان وسوريا

خصومه يصعّدون الانتقادات ويتهمونه بتغيير شعاراته

هل يحافظ عون على ظاهرته الشعبية مهما تبدلت الظروف ؟

استقبله أمير الكويت ورافقه حماده والعريضي

جنبلاط: لا نريد رئيساً بأي ثمن وسنبحث في مصير سلاح "حزب الله" الثلثاء

منطقة على كف عفريت طائفي: تفاصيل المخطط الاميركي لمواجهة القاعدة بالسنة والشيعة

قراءة في وثيقة الامن القومي الاميركي 2006

رؤية من قريب للعلاقات اللبنانية السورية: هموم على الجانبين... وواقع شائك!

حقيبتا الداخلية والدفاع تؤخران الحكومة والعنف يحصد 36 قتيلاً و 100 جريح

الصدر و"هيئة العلماء" ينددان باستعداد البرزاني الاعتراف بإسرائيل

«القاعدة» تقترب من الحدود الإسرائيلية

«اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية» (الحلقة ‏الاخيرة)

«اللجنة الاميركية للبنان الحر» وضعت اسم الحريري على لائحة عملاء سوريا لتصفيتهم مع ‏مسؤولين آخرين

اسماء جديدة على موقع اللجنة: اميل لحود ونبيه بري و نصرالله وميشال المر وجان عبيد ‏وعدنان عضوم ومروان فارس

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة