موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث samedi juin 10, 2006 الساعة 08:01:34

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

30 أيار 2006

 

سعادة والمسألة اليهودية

الفصل الأول

كتابات قبل التأسيس

إعداد الرفيق حسن خريباني

 في باكورة كتابات فتى الربيع أنطون سعادة ، ابن الـ 17 عاما وكان يعمل وينشأ على القيم الوطنية والقومية مع  والده العلامة الدكتور خليل سعادة في البرازيل

ما كتبه في جريدة، الجريدة ، سان باولو ، البرازيل ، العدد 34 ، تاريخ 25/6/1921 . كتب تحت عنوان:

·        الوحدة السورية ومخاوف اللبنانيين

( الأعمال الكاملة – مؤسسة سعادة للثقافة -  الجزء الأول – صفحة 5 ):

ما هي الأسباب التي دعت اللبنانيين لطلب الاستقلال عن سوريا؟ أليس اللبنانيون والسوريون شعباً واحداً؟

فلماذا هذا الانفصال الذي لم يغير حال لبنان من الشقاء الى السعادة بل زاد شقاءه شقاء حتى اصبح ابناؤه يودون بيعه للصهيونية ليدفعوا ثمنه (اجرة ناولون) الى اميركا واوروبا او اي محل آخر يستنشقون فيه نسيم الحرية اللطيف. أليس الأجدر أن تكون جميع البلاد السورية دولة واحدة مستقلة ذات حصون وقلاع وجيوش واعلام وطنية من ان تكون مقسمة الى دويلات مستعمرة من الأجانب؟.

لو علم اللبنانيون عواقب تشبثهم بالانفصال عن سوريا والحالة التي سيصلون اليها بفضل عناية فرنسا لما أبدوا ذلك التشبث مطلقا، غير أنهم تسرعوا في الأمر حاسبين أن استقلالهم تحت عناية فرنسا يكون أفضل لهم من استقلالهم التام المطلق مع اخوانهم السوريين وأن يكون لبنان وحده وطنا لهم أحسن من أن يكون لبنان وسوريا معا.

ان سؤال: ما هي الأسباب التي دعت اللبنانيين لطلب الاستقلال عن سوريا؟ أليس اللبنانيون والسوريون شعبا واحدا؟

هو احد الأسئلة الكبرى التي غامرت الفتى سعادة، هو سؤال الباحث والمحدد للشخصية، والمفتش عن السبب، انه سؤال نضالي بامتياز ، سؤال وحدوي بامتياز ، بالرغم من مرور 85 عاما على هذا السؤال الكبير ، والاجابة الصريحة عليه بقوله: ..اصبح ابناؤه يودون بيعه للصهيونية ليدفعوا ثمنه (اجرة ناولون) الى اميركا واوروبا او اي محل آخر يستنشقون به نسيم  الحرية اللطيف.

هو السؤال الأساس الذي تبعته الأسئلة الكبرى من نحن؟ ومن جلب على شعبي هذا الويل؟.

كل هذا ولم يعتبر الفكر الانعزالي، والطائفي، والحزبي الديني، من ان هذا الانفصال جعل اسرائيل الدولة اليهودية اقوى من الدول السورية والعربية مجتمعة، ومن لبنان مزرعة متخلفة كل عقد او عقدين تلد حربا واقتتالا وانقساما حادا ينفجر كلما نفخت به الصهيونية وادواتها.

اسرائيل تمتلك أكثر من 200 رأس نووي، ونحن فخورون بالامتيازات الطائفية والمذهبية التي يمتلكها كل طرف.

والشواهد السياسية على العقم الذي ما زال يصيب قوى التلبنن المصطنع والانتحار الذي ينحرون به الأمة بأسرها هو ما نسمعه يوميا صباحا ومساء من ما يسمى قوى 14 شباط و 14 آذار وحليفحم الأكليروس الماروني وبعض الأكليروس المحمدي المستتر.

وغيرة المجتمع الدولي وقراراته منذ تأسست "منظمة الأمم المنتصرة في الحرب" كما يسميها سعادة الى يومنا هذا، ولن يكون آخرها القرار 1559 وتوابعه...

فالتدخل الصهيوني في المسالة اللبنانية يعود الى ما قبل انشاء دولة اسرائيل وقبل قيام الكيان اللبناني. وهناك مصادر تاريخية تقول أنه يعود الى فتنة 1860 الشهيرة، وليس من يعتبرون.

وسنرى في سياق بحثنا حدة المواجهة بين سعادة وهذه القوى في دفاعها عن المشروع اليهودي. حتى آخر لحظة من حياة سعادة صباح 8 تموز 1949.

·        ثم  يتابع التحذير من الخطر الصهيوني في مقالته (السوريون والاستقلال):

(نفس المصدر – ص 11 . الجريدة ، سان باولو،العدد 47، 1/10/1921).

طبعا يشير سعادة هنا بقوة الى ويلات التعصب الديني التي ترزح تحتها سوريا وانشغال السوريين بها ثم يتابع:

واحدى هذه الويلات الآخذة في الحلول في الاراضي السورية كضيف ثقيل يضطر الساكنين الى الرحيل هي الصهيونية، فللصهيونية جمعيات وفروع في جميع اقطار المسكونة تعمل يدا واحدة لغاية واحدة وهي الاستيلاء على فلسطين وطرد سكانها السوريين منها ولو كان الصهيونيون وحدهم القائمين بهذا المشروع الخطير لهان الأمر ولكن يعضدهم في مشروعهم هذا أعظم دولة بحرية وجدت على وجه البسيطة الى يومنا هذا.

كل يعلم العواقب الوخيمة التي تحل بسوريا والأخطار التي تهدد البلاد فيما لونجح الصهيونيون في مشروعهم ومتى علم السوريون أن الدولة التي تساعد الصهيونيين هي الدولة الانكليزية علموا خطورة موقفهم وشعروا بشدة احتياجهم الى التعاضد ورأوا بأية وسيلة كانت، ذلك اذا كانوا حقيقة يريدون التخلص من سيطرة الاجنبي ويطمحون الى شىء من الاستقلال.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى نرى أن الاستعمار الفرنساوي خطر يضاهي خطر الصهيونية اذا لم يكن يفوقه ولا يخفي على السوريين ما صرح به غورو يوم تساءل السوريون عن سبب انزال العلم الفرنسي عن دار الحكومة في بيروت، اذ قال "ان فرنسا اتت سوريا لا لترحل عنها بل لتبقى وستبقى الى الابد، وأنه ما زالت فرنسا في سوريا فلا أمل لهذه بالاستقلال اذ لا يمكن ان تكون سوريا مستقلة وجيش الاحتلال الفرنسي يسرح ويمرح فيها الى الأبد".

لكن وليعلم السوريون ان الذي جلب عليهم هذه الويلات انما هو التعصب الديني الذي مزق كلمتهم وبعثر آراءهم وفكك عراهم وأوهن قواهم، ثم لو كانت آراؤهم متوحدة وكلمتهم مجموعة لما كان تجاسر بلفور أن يعد الصهيونيين بما وعدهم به ولما كانت فرنسا طمعت في استعمار سوريا خوفا من أن يثور الشعب السوري ثورة بركان هائل أو يتحول الى سيل جارف يجرفهم من على شواطئه المقدسة الى البحر التاريخي فتزيده هذه الحوادث اهمية في  التاريخ.

...ترزح سوريا الآن تحت ويلات الاحتلال الفرنسي من جهة والاضطهاد الصهيوني من جهة أخرى. وهذا هو الجزاء الذي تستحقه سوريا جزاء جناية التعصب والانقسام التي جنتها على نفسها.

نستخلص فيما تقدم من ان سعادة ما زال مراقبا للصهيونية وجمعياتها العاملة ومحددا لخطرها واضطهادها للسوريين وانعكاساتها مشكلا الوعي المتقدم لخطرها على الوحدة السورية خاصة لرهان المتلبننين على العداء لسوريا الوطن الواحد والرهان على التحالف مع المشروع الصهيوني. ونلحظ مما تقدم من اللهجة التي يواجه فيها سعادة الاستعمار الفرنسي لسوريا وهي بنفس قوة الخطر الصهيوني، دون ان يذكر اليهود كيهود حتى الان.

وها هو سعادة في مقالته: السوريون في عالم الاقتصاد  (الجريدة، سان باولو ، العدد80 ، 10/6/1922.- أ ك ج 1 – ص 18).

كانت البرازيل في تلك السنوات قد تعرض اقتصادها الى هزات تسمى في عصرنا هذا "تسونامي" يصفه سعادة كالتالي:

والبرازيل، كما لا يخفى على أحد، بلاد متنائية الأطراف خصبة التربة غزيرة المياه، اسواق التجارة والزراعة والصناعة فيها مفتحة الأبواب، ومجال الرزق فيها واسع فسيح لا يعدم المرء الى الانتاج وسيلة والى الثروة سبيلا. ولكن الذي يجري الى الثروة عن غير طريق الاقتصاد سواء كان في البرازيل او في غيرها من البلدان لا يصيب نجاحا، واذا اتفق ان نجح فنجاحه محدود يزول عندما تثور زوابع الأزمات وتستحكم حلقات الضائقة. وهذا ما حدث لنا فعلا في البرازيل فان مخازننا الطويلة العريضة كانت مملؤة كمبيالات "فافور" ودفاتر ديون أكثر كثيراً من موجودات بضائعها فسقطت كسقوط بيت مبني على الرمال جرفته سيول الأمتار، أما اولئك الذين الى الآن لم يسقطوا فهم سائرون بقوة الاستمرار فضلا عن أن مراكزهم حرجة.

وبعد أن يعرض الاساليب البدائية للتجار السوريين في البرازيل ثم يدعوهم الى الاستثمار في الصناعة ويحضهم ويؤكد لهم أهمية الاقتصاد زراعة وصناعة وتجارة وحرفا في تطور الشعوب والأمم وصون الأوطان يلفتهم الى الأهتمام الصهيوني بعالم الاقتصاد ويحذرهم من خطره على وطنهم فيقول:

...في البرازيل محاصيل تجارية كثيرة لو تداولتها أيدينا لكان لنا منها أرباح طائلة، منها: الأخشاب والجلود والشحوم والزيوت النباتية، كزيت جوز الهند وما أشبه، وغيرها أشياء كثيرة . ولجميع هذه (المحاصيل) أسواق كبيرة في الداخل والخارج، ثم ان انصراف بعضنا الى الصناعة أمر لنا منه نفع كبير ، فانه يسد منا فراغا غير صغير ويكون لنا عونا كبيرا في شؤوننا الوطنية. ونحن لنا وطن اذا فقدناه فقدناه الى الأبد. فالصهيونيون الذين عرفوا مفاعيل الاقتصاد على استعداد تام لأخذه وأن ينقدونا ثمنه متى أردنا.

وفضلا عما تقدم فان هناك مجالا واسعا للزراعة قلّما انصرف اليه المواطنون مع أنّ له موردا كبيرا من الأرباح. فالبرازيل في الدرجة الأولى بلاد زراعية الى حد أنّ مورد البن فيها يقوم مقام الذهب في البلدان الأخرى، فحري بمواطنينا أن ينصرفوا الى الشؤون الزراعية انصرافهم الى الشؤون التجارية.

هذا وانّ ما ذكرته يقاس على كل مكان نزل فيه سوريون، أما في الوطن فالحالة الاقتصادية هناك، خصوصا الآن، تعسة للغاية.

في مقالته "السياسة الاوروبية – المانيا دولة وأمة" (المجلة، سان باولو ، السنة 9، الجزء 12، 1/1/1924). ( أ ك ج 1 – ص 75 ).

يوجد وجه للنظر يمكننا معه أن نقول ان بعض الدول ليست أمما، وذلك متى كانت الدولة مؤلفة من أكثر من شعب أو عنصر واحد مثل سويسرة مثلا. ومع ذلك ففي ظروف معينة يصح أن يقال عن سويسرة أنها أمة خصوصا متى كان الكلام لا يتناول البحث في العناصر التي تتألف منها البلاد السويسرية. ولكن الدولة التي تتألف من شعب أو عنصر واحد أمة في كل الظروف، خصوصا متى كانت تخضع لمدنية واحدة . فاذا اضطرها جور الحادثات الى التخاذل في السياسة والانقسام بطلت أن تكون دولة واحدة، ولكنها تبقى في العرف الاجتماعي واحدة يجوز،. متى زال الجور الذي اضطرها الى الانقسام ، أن تعود الى الاتحاد وتكون دولة واحدة.

كثيرا ما تكون الأمة مؤلفة في الأصل من عناصر مختلفة اندمجت مع تمادي الأيام بعضها بالبعض الآخر وكونت شعبا واحدا. فاليهود مثلا هم أحق الناس بأن يكونوا شعبا واحدا أو أمة واحدة تنتمي الى عنصر واحد،  ومع ذلك فهم خليط من كل الأمم.  فترى من هذا أن المراد بالأمة ليس أصل العناصر منفردة بل العناصر المندمجة في بعضها البعض، مكونة شعبا واحدا ذا عوائد واحدة وأخلاق واحدة ويتكلم لغة واحدة. ولكن بعض الكتاب يحاولون أن يثبتوا أن الأمة ليست أمة بمجرد أن فيها انقسامات سياسية وتشعبات دينية.

هذه محاولة من سعادة في سياق مقالته التي يتناول فيها السياسة الاوروبية والدور الالماني في اوروبا المانيا كأمة ودولة عظيمة محاولة لتحديد ما هي الأمة والدولة وبما أن موضوع تحديد الأمة يتعلق بالتركيب الاجتماعي والجغرافي والثقافي للامة، فقد وجد في اليهود أنهم خليط ثقافي من كل الأمم لا يكونون شعبا واحدا أو أمة واحدة. وسنعود الى هذا الموضوع عند تناولنا لمعنى الأمة وصفتها عند سعادة.

كما قرأنا فاننا نجد أن هذه اولى المقالات التي يذكر فيها اليهود كيهود.

وكتب في: القضية الوطنية – المجلة ، سان باولو ، السنة10، الجزء1، 1/2/1924  ( أ ك ج 1- ص 81 ).

تحت عنوان: العودة الى محجة الصواب خطوة جديدة نحو الفلاح

يناقش سعادة أزمة لا بل معضلة المجتمع السوري مع الحزبية الدينية، والخلط بين القضايا الوطنية والدينية، وبين القضايا السورية والقضايا العربية.

..أما الاسلام فقد توهم كثيرون أنه يكفي لتجريدنا من سوريتنا وادغامنا في العرب ادغاما لا يعود يفرقنا عنهم في شيء، وهو غلط فاضح لا يشفع في مرتكبيه الا حسن القصد وعدم التعمق في نظرياتهم تعمقا يدركون معه الحقيقة.

ذلك ان الاسلام خرج من السيطرة  العربية منذ ابتدأ ان يدين به غير العرب. فهو في سوريا ديانة سورية، كما انه في الهند ديانة هندية، وفي تركيا ديانة تركية. انه اصبح دينا للعالم كله وقوة روحية عالمية،  كما اصبح الدين المسيحي كذلك بعد ان كان دينا وجد لليهود أولا. واظن ان ما تقدم كاف لتعليل هذه النظرية وتبيان خلوها من الحقائق الحيوية التي لا بد من الاستناد اليها في مثل هذه الابحاث والنظريات.

أن يكون الدين المسيحي دين وجد لليهود فهذا ما سنعرفه لاحقا من سعادة في سياق هذا البحث!. عندما نتناول كتابه الاسلام في رسالتيه.

·        في مقالته: "سقوط الولايات المتحدة من عالم الانسانية الادبي": (المجلة، سان باولو، السنة10 ، الجزء 4، 1/5/1924). ( أ ك ج 1 – ص 98).

ليست هذه اول مرة تقدم فيها الولايات المتحدة على مس كرامة السوريين واهانة شعورهم الوطني،  بل المرة الاولى كانت عندما صادق مجلسها على وعد بلفور بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود.  وقد احتمل السوريون تلك الصدمة الغير المنتظرة بصبر جميل، حتى جاءت هذه الصدمة الاخيرة بالموافقة على استعمار فرنسا لسوريا،

وهو ما كان بعيدا عن تقدير السوريين لنوايا الولايات المتحدة بعد الارض عن السماء.  ولكن الظاهر ان للولايات المتحدة من وراء ذلك غرضا خاصا غير الامتيازات التي أتينا على ذكرها، وهو ان تبّين للعالم انها دولة مصابة بقحط هائل من رجال السياسة والاصلاح الى حد انه لم يكن يوجد في طول بلادها وعرضها رجل واحد قام يندد بهذا العمل العدائي ضد شعب صغير مسالم لم يتاخر عن تقديم ألألوف من رجاله فداء شرف الولايات المتحدة والعلم الذي يظللها.  ومن هذه الوجهة ايضا بلغت ما تبتغيه.

في هذه المقالة لاول مرة يذكر سعادة عبارة  وطن قومي لليهود، وما أشبه اليوم بالبارحة. ها قد عاد الحلف الفرنسي- الأميركي- الاوروبي ليدخل من الخاصرة اللبنانية ويعيد الانتداب على سوريا ولبنان ومتعاضدا بقوة مع الدولة اليهودية-الاسرائيلية التي قامت على جزء من ترابنا القومي في فلسطين. وتثبت الولايات المتحدة بعد قرابة قرن انها فاقدة كل المثل والآداب وانها ما زالت مصابة بقحط هائل من رجال السياسة والاصلاح.

وكان عام 1925 حيث بدات تنضح لسعادة تفاصيل عمل الحركة الصهيونية وادواتها فكتب في المجلة، (سان باولون السنة11، الجزء1 ، في 1/2/ 1925 – أ ك ج 1 – ص 173 ) مقالته الشهيرة:

الصهيونية وامتدادها (النص الكامل):

يحاول الصهيونيون اليوم أن يخالفوا الاعتقادات الشائعة في العالم عن تحديد موت الأمم موتاً أبدياً تبعاً لحالات معينة وسنن طبيعية واضحة قام بشرحها وتحليلها فريق كبير من مشاهير مفكري العالم.

تعتبر الأمة اليهودية اليوم أمة بائدة. وهي بائدة فعلاً رغماً من محاولة الصهيونيين ستر الحقيقة بالقول أن اليهود أمة متفرقة لا ينقصها إلا أن تجتمع في بقعة من الأرض تكون وطناً لها. فتشتت اليهود في جميع أقطار العالم مدى أجيال طويلة يعني القضاء على وجود أمة يهودية، إذ لا يمكن أن يكون اليهود قد احتفظوا كل هذه المدة بعنصرهم خالصاً. وعلى افتراض أن هذا ممكن وواقع، فمما لا شك فيه أنه لا يمكن أن يكونوا قد بقوا تحت تأثير أفكار إسرائيلية بحتة، بل المعقول أنهم تشربوا أفكار الشعوب التي نزلوا بينها.

بيد أن اليهود، وخصوصاً الصهيونيين منهم، يعتقدون كثيراً بالعنصر. وقد قال الزميل الأستاذ "حبيب إبراهيم كاتبه" في مقالة له تحت عنوانها "هل نحن عرب؟" ما يأتي: "قال أحد كبار المفكرين اليهود ما معناه إنني بمشاربي الأدبية ألماني وبأميالي الاجتماعية أميركي. فـ " شلر" و "غويتي" و "كانت" لهم مقام سام في قلبي ولكنني مع كل ذلك يهودي بالعنصر. والحق أنه ألماني أميركي إذ إنه لم يترك للعنصر اليهودي ما يميزه به أي الاسم".

ومن هنا نفهم جيداً مبلغ تعلق اليهود بالعنصر ونعرف لماذا يؤلفون مجاميع مضطهدة وسط أمم شتى. ولولا التشبث بالعنصرية الفارغة لما كنا نسمع اليوم بحركة يهودية صهيونية وبادعاءات صهيونية تضحك الثكلى.

نفتح الآن مسألة الصهيونية بمناسبة قدوم أحد زعماء الحركة الصهيونية لبث الدعوة والتحريض على إيجاد الوطن القومي اليهودي في فلسطين. فقد حضرنا محاضرة هذا الزعيم الصهيوني الذي يدعى "الدكتور موسنسن" في إحدى قاعات ترمينس برفقة صديقنا الحميم وزميلنا السيد توفيق قربان. ورغماً من أن الدكتور المشار إليه تكلم بلغة الجرغون أو "السكناجي" التي هي خليط من اللغة الألمانية والعبرانية فقد تمكنّا بعد الجهد من فهم النقط الأساسية والإيضاحات الجوهرية التي أبداها الخطيب.

نترك الرد على كلام الدكتور موسنسن وادعاءاته من الوجهة التي تهم العالم الخارجي للصديق توفيق قربان الذي أنشأ مقالاً باللغة البرتغالية وسينشره في بعض الصحف الوطنية. ونحن لا نريد الآن إلا أن نأتي على القضية الصهيونية من الوجهة التي يهمّ السوريين خصوصاً الوقوف عليها، أي الوجهة التي تتعلق بالقضية الوطنية السورية.

الباعث على الحركة الصهيونية في الدرجة الأولى أفكار جماعة تريد أن توجد من يهود العالم المختلفي النزعات والمشارب،.. والمتبايني الأخلاق والعوائد، أمة إسرائيلية. ومع أن هذه العملية غير طبيعية، فإن انتشارها بين اليهود المضطهدين جعل لها صفة إمكانية الحدوث. وهذا هو الفصل الأول من رواية الصهيونية التي جاء الدكتور موسنسن من أرض الميعاد ليمثل بعض أدوارها في البرازيل.

لا نعترض على فكرة تأليف أمة إسرائيلية من يهود العالم، لآن اعتراضنا يكون إذ ذاك من قبل المداخلة في شؤون لا تعنينا. وإذا كان في إمكان اليهود أن يؤلفوا أمة واحدة فليفعلوا، ولكننا نرى من باب الشعور مع اليهود أن ننصحهم بالعدول عن هذه المسألة لأنها مسألة ليس من ورائها إلا تعب ووجع رأس، لأن الأمة لا معنى لها إذا لم يكن لها بلاد تمارس فيها معتقداتها وأفكارها. واليهود لا بلاد لهم فضلاً عن أنهم لا يكوّنون اليوم أمة واحدة هم في غنى عن تكوينها، لأنه لا مكان لها تحت الشمس. بيد أن الصهيونيين يريدون أن يكوّنوا الأمة الإسرائيلية مهما كلفهم الأمر، وأن يوجدوا لها مكاناً تحت الشمس، وهو المكان الذي خرج منه الإسرائيليون كما دخلوا – هو فلسطين أرض الميعاد، وهذا أهم فصول رواية الصهيونية الغريبة!!

ولمّا كان لا بد للحركة الصهيونية من مبرر، لجأ الصهيونيون إلى فلسفات غريبة، وقالوا إن اليهود يجب أن يتخلصوا من الاضطهاد على أنفسهم. بيد أننا نعلم، كما يعلم العالم كله، كيف يعيش اليهود جماعات مستقلة وسط شعوب يأخذون من مالها وتهذيبها دون أن يفيدوها في شيء. لقد قام في بلدان كثيرة نوابغ يهود، ولكن قيام نوابغ يهود لا يعني أن هؤلاء أرادوا أن يعطوا الشعوب التي يمتصون دماء قلوبها بدل ما يأخذون. فالهيئة الاجتماعية لا تحكم لمجموع او عليه بمجرد النظر إلى أفراد قلائل منه. ومتى أردنا التحليل سألنا سؤالاً بسيطاً،.. هو: هل غيّر النوابغ اليهود صفة اليهود؟

لم يقم قط نابغة يهودي تمكن من أن يغرس في قلوب اليهود صفة التقرب من الشعوب التي يعيشون بينها، والتضامن معها في أعمالها الإجتماعية والعمرانية. فظل اليهود بنوابغهم كاليهود بلا نوابغهم يعيشون كالحلميات، آخذين من قلب الهيئة الاجتماعية بلا مقابل. أفبعد هذا يتذمر اليهود من اضطهاد الشعوب الحية لهم؟

يوجد فريق من اليهود الراقين يفهم العلل وأسبابها، ويعرف عقم دعوة الصهيونيين، ويحاربها من أجل اليهود كما من أجل الإنسانية جمعاء. وقد اشتهر من هذا الفريق مورغنثو "سفير الولايات المتحدة السابق في تركية"،.. وله في هذا المجال حملات صادقة أثبت فيها فساد الحركة الصهيونية من وجوه كثيرة. ولكن لا يمكننا أن ننتظر من هذا الفريق أن يشهر حرباً على الصهيونية، فذلك ليس من شأنه.

لا يعضد الحركة الصهيونية من العالم الخارجي إلا وعد بلفور بجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود. وهذا الوعد هو ضد الرأي العام في الشرق والغرب معاً، فلا الشعوب المسيحية ترضى عنه، ولا الشعوب الإسلامية ولا غيرها، لأنه فضلاً عن أن فلسطين أرض سورية لا يجيز الحق الطبيعي والاجتماعي إخراج السوريين منها وإعطاءها لطبقة منحطة من اليهود، تأتي من نواحي بولونية وما جاورها، فهي مبعث المسيحية وقسم من البلاد التي ازدهر فيها الإسلام.

رغماً من كل ما تقدم، ومن أن الحركة الصهيونية غير دائرة على محور طبيعي، تقدمت هذه الحركة تقدماً لا يستهان به. فإجراءاتها سائرة على خطة نظامية دقيقة، وإذا لم تقم في وجهها خطة نظامية أخرى معاكسة لها كان نصيبها النجاح. ولا يكون ذلك غريباً بقدر ما يكون تخاذل السوريين كذلك إذا تركوا الصهيونيين ينفذون مآربهم ويملكون فلسطين.

حتى الآن لم تقم حركة سورية منظمة في شؤون سورية الوطنية ومصير الأمة السورية. لذلك نرى أننا نواجه الآن أعظم الحالات خطراً على وطننا ومجموعنا. فنحن أمام الطامعين والمعتدين في موقف تترتب عليه إحدى نتيجتين أساسيتين هما: الحياة والموت. وأيُّ نتيجة حصلت كنا نحن المسؤولين عن تبعتها.

ولا يسعنا في هذا الموقف الذي نعالج فيه إحدى معضلاتنا الحيوية إلا التصريح بالحقيقة التي تدمي أفئدة الأحرار، وهي أنه رغماً من مشاهدتنا اليهود يجتمعون في كل صقع من أصقاع العالم للتآمر علينا مع المستعمرين وغيرهم، لم تقم فينا حركة تميل إلى الإجراءات الفعالة التي يشير بها الزعماء الذين كادوا يقتلون أنفسهم بانفرادهم في الجهاد. ورغماً من الاحتلالين الفرنسي والإنكليزي ووجوب اتحادنا على التخلص من قيودهما، لم يبلغ آذاننا خبر قيام حركة اتحادية كبرى تقوم بالدفاع عن حقوقنا في وطننا الذي يلقي عليه الغرباء قرعة بينهم.

هذه الحال من الجمود تحمل المرء على الاعتقاد بعدم وجود رجال سوريين أو بندرتهم. وهذا عار لا يمكننا التخلص منه بالجعجعة والوطنية الكاذبة. فلو سألنا سائل كيف تتركون اليهود يشترون بلادكم ويطردونكم منها؟.. لاحترنا بماذا نجيبه. ونحن في هذا الموقف لا نريد أن ننكر العمل الذي قام به سوريو فلسطين، ولكننا نقول أن ذلك العمل لا يكفي، لأنه لا يشمل سورية كلها، وينقصه التضامن الضروري لحياة الأمم التي لا تتجزأ. فما زالت أعمالنا الوطنية مترتبة على فئات قليلة، ولذلك لا يمكننا أن نقف في وجه التيارات الغريبة التي تريد جرفنا من بلادنا.

لقد دعونا أبناء وطننا، ولا نزال ندعوهم، إلى التضامن والوقوف بعضهم إلى بعض كالبناء المرصوص لكي نتمكن من الدفاع عن حقوقنا، وصد هجمات المعتدين علينا وعلى أوطاننا. ويسوؤنا كثيراُ أن نرى كثيرين يقعدون عن تلبية دعوتنا، وهم لا يدركون أنهم يحقرّون بذلك أنفسهم وجنسيتهم تحقيراً يخجل منه كل إنسان يعتبر نفسه إنساناً حراً.

كل سوري، أينما كان وحيثما وجد، مسؤول عن الذل الضارب أطنابه في بلاده، وعن العبودية الواضعة نيرها على عنقه وأعناق مواطنيه. لذلك، يجب على كل سوري، سواء كان في الوطن، أو في المهجر، أن يعمل لإنقاذ وطنه من الذل والعبودية، منخرطاً في الأحزاب والجمعيات الوطنية التي تمكنه من خدمة وطنه خدمة فعالة تترتب عليها نتائج كبيرة، وفيما سوى ذلك لا يمكن سوري واحد من التخلص من وصمة العار الذي لم يجرب أن يزيله عنه.

كل الأوطان تعتبر أبناءها الهاربين من وجه خدمتها أنذالاً عقوقين. وهذا الاعتبار لا يحتاج إلى كتابة تنص على النذالة والعقوق، فليس أسهل من معرفة النذل العاق من الوطني العامل بإيمان وإخلاص، لأن كل إنسان تشهد عليه أفعاله. ولا يظننّ أحد أن الجعجعة الباطلة تستر الحقيقة، ..كذلك لا يسترها اختلاق الأعذار والتفلسف الفارغ.

يقول فريق إن عمل المهاجرين لا يفيد، ويقول أن المهاجرين هم الذين يجب أن يعملوا. وعذر الفريق الأول هو أن العمل يجب أن يكون في سورية، وعذر الفريق الثاني هو أن المتخلفين مضغوط عليهم كثيراً،.. وبعكسهم المهاجرون. فالحق الحق أقوله لكم: إن مؤلفي الفريقين يرون الواجب منتصباً أمامهم يطلبهم بنصيبه من الإنسانية والرجولة، ويحاولون الهرب من وجهه بقتل الوقت بالتفلسف الفارغ،.. إنهم جبناء. هذه هي الحقيقة التي كنا نبذل الجهد لنبقيها مكتومة إلى أن لم يعد إلى الكتمان من سبيل.    

أليس من الجبن والتخاذل أن تجتمع في سان باولو حفنة من اليهود للتآمر على سلب السوريين قسماً كبيراً من بلادهم دون أن يكون لآلاف السوريين الموجودين في سان باولو جمعية منظمة تنظر في مثل هذا التآمر المعيب وتعمل على إحباط المساعي التي يقوم بها الصهيونيون لإخراجنا من بلادنا؟

أليس من العار أن تعتمد الجالية السورية في صد هجمات الصهيونيين، على أفراد قلائل ليس في أيديهم من الممكنات ما يخوّلهم إتيان شيء فعال؟ أيكفي أن ينشر السيد توفيق قربان احتجاجاً على الصهيونية في الجرائد البرازيلية وأن تفند المجلة إدعاءات الصهيونيين معلنة أن سورية للسوريين؟ ماذا يفيد ذلك كله إذا لم تترتب عليه حركة فعالة تقوم بها جمعية أو حزب يمثل الجالية؟ الصهيونيون آخذون في عملهم . ونحن لا نأتي عملاً إلا الكلام الفارغ وقتل الوقت، وفي حالة كهذه لا نرى كيف يمكننا الدفاع عن حقوقنا دفاعاً ناجحاً.

وقال مورغنثو الذي أشرنا إليه آنفاً عن الحركة الصهيونية. إنها أعظم تضليل ظهر في التاريخ. وقال أيضاً إن اليهود وجدوا في البلدان التي يقيمون فيها أوطاناً لهم، فاليهودي الألماني وجد في ألمانية صهيوناً أخرى، واليهودي الإنكليزي وجد في إنكلتره صهيوناً أخرى، ومثلهما اليهودي الفرنسي واليهودي الأميركي الذي يمثله مورغنثو الذي لا يريد أن يترك صهيون أميركة ويتعلق بصهيون كان فيها أجداده منذ نحو ألفي سنة. ولكن ما يصح أن يقوله مورغنثو لليهود لا يصح أن نقوله نحن للسوريين، لأن السوريين لا تزال لهم جنسيتهم وبلادهم. فكل سوري يقول إنه يجد في البلاد التي هو فيها سورية أخرى لا يبرهن إلا عن تخاذل مكروه، وعن محاولة التملص من تبعة المسؤولية التي تضعها عليه بلاده. صحيح أن البلدان التي ننزح إليها كالبرازيل وغيرها تشبه وطناً ثانياُ لنا بما نجده فيها من حسن الضيافة، وهذا يوجب علينا شكر هذه البلدان الحرة، ولكنه في الوقت نفسه يوجب علينا الاهتمام بالبلاد التي رأينا فيها نور الحياة، وعُرفنا فيها بقوميتنا التي يجب أن نحافظ عليها، وأن نقوم بواجباتنا نحوها. والذي لا يعتبر قوميته في سورية لا يعتبرها في بلاد أخرى.

نقف في هذه العجالة عند هذا الحد آملين أن يقع كلامنا على آذان مصغية وقلوب واعية، منتظرين أن نرى كل سوري يلبي نداء وطنه كما يليق بكل سوري شريف، لكي نتمكن من حفظ حقوقنا كأمة حية لها مكانها تحت الشمس، والكيل لأعدائنا بالكيل الذي يكيلون لنا به وأكثر.

في الشرح يمكننا أن نحدد الخلاصات للأوصاف أو الصفات التي يعطيها سعادة لليهود كالتالي:

-         تعتبر الأمة اليهودية أمة بائدة.

-         تشتت اليهود في جميع اقطار العالم مدى أجيال طويلة يعني القضاء على وجود أمة يهودية، اذ لا يمكن أن يكون اليهود قد احتفظوا كل هذه المدة بعنصرهم خالصا. (ولنا عودة مفصلة الى الموضوع).

-         وعلى افتراض أن هذا ممكن وواقع، فمما لا شك فيه أنه لا يمكن أن يكونوا قد بقوا تحت تأثير أفكار اسرائيلية بحتة، بل المعقول أنهم تشربوا أفكار الشعوب التي نزلوا بينها.

-         بيد أن اليهود، وخصوصا الصهيونيين منهم، يعتقدون كثيرا بالعنصر. وهنا يذكر المثل الذي أعطاه عن "شلر" و"غويتي".

-         بقي اليهود: يؤلفون مجاميع مضطهدة وسط أمم شتى. ولولا تشبثهم بالعنصرية الفارغة لما كنا نسمع اليوم بحركة يهودية صهيونية وبادعاءات صهيونية تضحك الثكلى.

-         يريد اليهود على ايجاد الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

-         نحن لا نريد الآن الا أن نأتي على القضية الصهيونية من الوجهة التي يهمّ السوريين خصوصا الوقوف عليها، أي الوجهة التي تتعلق بالقضية الوطنية السورية.

-         الباعث على الحركة الصهيونية في الدرجة الأولى أفكار جماعة تريد أن توجد من يهود العالم المختلفي النزعات والمشارب والمتبايني الأخلاق والعوائد أمة اسرائيلية.

-         انها عملية غير طبيعية فان انتشارها بين اليهود المضطهدين جعل لها صفة امكانية الحدوث.

-         اليهود المضطهدين !؟. كما يقول سعادة وله أن يجيبنا في سياق البحث عن سؤال من اضطهد اليهود الذين في يومنا هذا يضطهدون البشرية كلها؟.

-         رواية الصهيونية عن أرض الميعاد ؟ كما يسميها سعادة أي انها خرافة يهودية.

-         لا نعترض على تأليف أمة اسرائيلية من يهود العالم ! لان اعتراضنا يكون اذ ذاك من قبل التدخل في شؤون لا تعنينا.

-         اذا كان في امكان اليهود أن يؤلفوا أمة واحدة فليفعلوا .

-         ولكننا نرى من باب الشعور مع اليهود ان ننصحهم بالعدول عن هذه المسألة لأن ليس من وراءها الا تعب ووجع رأس. لماذا؟ فالجواب يتبع:

-         لأن الأمة لا معنى لها اذا لم يكن لها بلاد تمارس فيها معتقداتها وأفكارها واليهود لا بلاد لهم.

-         بيد أن الصهيونيين يريدون أن يكونوا الأمة الأسرائيلية مهما كلفهم الأمر وأن يوجدوا مكانا لها تحت الشمس وهو المكان الذي خرج منه الاسرائيليون كما دخلوا، هو فلسطين أرض الميعاد وهذا أهم فصول رواية الصهيونية الغريبة.

ما هي المبررات يقول سعادة:

-         لما كان لا بد للحركة الصهيونية من مبرر لجأ الصهيونيون الى فلسفات غريبة وقالوا أن اليهود يجب أن يتخلصوا من الاضطهاد على أنفسهم.! وسؤالنا المستنتج من أي اضطهاد يجب أن يتخلصوا وهل نحن مضطهديهم؟. وكما قول سعادة أن الاعتراض على انشاء أمة اسرائيلية يكون من باب التدخل في شؤون لا تعنينا. كذلك اعتراضنا على تخلص اليهود من الاضطهاد أو من مضطهديهم سواء على أيديهم أو بغير أيدي، أيا كانوا يكون كذلك من باب التدخل في شؤون لا تعنينا.

-         بيد أننا نعلم كما يعلم العالم كله كيف يعيش اليهود جماعات مستقلة وسط شعوب يأخذون من مالها وتهذيبها دون أن يفيدوها في شيء!. (اليهود كمن يجلد نفسه بنفسه).

-         لقد قام في بلاد كثيرة نوابغ يهود لا يعني أن هؤلاء ارادوا أن يعطوا الشعوب التي يمتصون دماءها بدل ما يأخذون. فاينشتاين مثلا نابغة وهو يهودي، وكذلك "سيغموند فرويد " صاحب نظرية التحليل النفسي. وكما سبق وقلنا عن "تشلر " و "غويتي". وغيرهم..

-         فالهيئة الاجتماعية لا تحكم لمجموع أو عليه بمجرد النظر الى أعمال أفراد قلائل منه ومتى أردنا التحليل سألنا سؤالا بسيطا هو هل غيّر النوابغ اليهود صفة اليهود؟.

-         لم يقم قط نابغة يهودي تمكن من أن يغرس في قلوب اليهود صفة التقرب من الشعوب التي يعيشون بينها والتضامن معها في اعمالها الاجتماعية والعمرانية.

-         ظلّ اليهود بنوابغهم كاليهود بلا نوابغهم يعيشون كالحلميات آخذين من قلب النهضة الاجتماعية بلا مقابل. أي ان هؤلاء النوابغ لم يغيروا شيئا في الفكر اليهودي –التوراتي والصهيوني حديثا.

حتى أن اينشتاين عاصر قيام دولة اليهود "اسرائيل" وقد رشح لرئاسة الدولة بعد بن غوريون.

-         أفبعد هذا يتذمر اليهود من اضطهاد الشعوب الحية لهم ؟. كما يتساءل سعادة.

الخلاصة أن أحد أهم أسباب اضطهاد اليهود هم اليهود أنفسهم وأن مضطهديهم في عصرنا هذا هي المجتمعات الغربية.

هل من فرق بين يهودي وآخر؟

-         يوجد فريق من اليهود الراقين يفهم العلل واسبابها ويفهم عقم دعوة الصهيونيين ويحاربها من أجل اليهود كما من أجل الانسانية جمعاء، وقد اشتهر من هذا الفريق مورغنثو سفير الولايات المتحدة السابق في تركيا وله في هذا المجال حملات صادقة أثبت فيها فساد الحركة الصهيونية من وجوه كثيرة.

-         ولكننا كما يتابع سعادة: لا يمكننا أن ننتظر من هذا الفريق أن يشهر حربا على الصهيونية فذلك ليس من شأنه.

-         وسؤالنا أنه بعد مورغنثو قامت دولة اسرائيل على جزء من فلسطين وتعاظم دور الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية وتوسعت اسرائيل الى لبنان والجولان وها هي تهدد الأمة كلها وهل كان من تأثير لمورغنثو وجماعته على هذا الأمر لايقاف التوسع أو لاقناع يهود العالم أن رواية الصهيونية الغريبة ان كتب لها مكان تحت الشمس فهو لن يطول؟ وهل تجدد مورغنثو في الوفد اليهودي من الحاخامات الذي شارك في مؤتمر في بيروت حول المسألة الفلسطينية وهل سيكون دور هؤلاء أفضل من دور مورغنثو ليس هذا التساؤل نكران لايجابية موقفهم وعدائهم للصهيونية كما يدعون، لكن نقول مع سعادة أن محاربة الصهيونية ليس من شأنهم ولن يكون تأثيرهم باليهود أكثر من تأثير النوابغ اليهود.

-         الحليف الأول للحركة الصهيونية هو وعد بلفور بايجاد وطن قومي لليهود في فلسطين.

-         هو وعد ضد الرأي العام في الشرق والغرب.

-         فلا الشعوب المسيحية ترضى به ولا الشعوب المحمدية ولا غيرها.

-         الحل الطبيعي لا يجيز اخراج السوريين من فلسطين واعطائها لطبقة منحطة من اليهود.

-         فاليهود طبقة منحطة بامتياز.

-         من اين اتى هؤلاء اليهود؟ من نواحي بولونيا وما جاورها .(ما نعرفه نحن باوروبا الشرقية).

-         أتوا ليسلبوا ويغتصبوا أرضا هي "مبعث المسيحية وقسم من البلاد التي ازدهر فيها الاسلام".

-         البلاد السورية او الارض السورية ليس من رابط لليهود فيها سوى خرافة أرض الميعاد.

-         كل هذه العوامل تؤكد لسعادة أن الحركة الصهيونية غير دائرة على محور طبيعي.

-         لكنها تقدمت تقدما لا يستهان به فاجراءاتها سائرة على خطة نظامية دقيقة.

-         اذا لم تقم في وجهها خطة نظامية اخرى معاكسة لها كان نصيبها النجاح وما الذي يدعم ويؤكد نجاح هذه الخطة؟

-         تخاذل السوريين اذا تركوا الصهيونيين ينفذون مآربهم ويملكون فلسطين؟.

-         ماذا تشكل هذه الحركة الصهيونية: نواجه الآن أعظم الحالات خطرا على وطننا ومجموعنا فنحن أمام الطامعين والمعتدين في موقف تترتب عليه احدى نتيجتين أساسيتين هما الحياة والموت وأي نتيجة حصلت كنا نحن المسؤولين عن تبعتها.

-         يجتمع اليهود في كل صقع من أصقاع العالم للتآمر علينا مع المستعمرين وغيرهم.

-         فلو سأل سائل كيف تتركون اليهود يشترون بلادكم ويطردونكم منها..؟

-         ليس بالاضطهاد وحده سيطر اليهود بل بالشراء بالمال اليهودي أيضا اشتروا النفوس الضعيفة واشتروا القوى المستعمرة أو المنتدبة على أمتنا وخاصة بريطانيا.

ويصف سعادة التضامن والتعاضد بين اليهود عندما يتحدث عن حفنة من اليهود في ساوباولو يتآمرون على السوريين بينما آلاف السوريين هناك ليس من جمعية تلم شملهم.

ثم يعود ويتحدث عن مورغنثو مرة أخرى فقد وجد مورغنثو : "أن الحركة الصهيونية أعظم تضليل في التاريخ" ودعا اليهود لان يجدوا صهيونهم في الامم النازلين بين ظهرانيها.

يلاحظ القارىء من هذا النص أن سعادة حدد الحركة الصهيونية وخطرها وحدد بشكل عام صفات الشخصية اليهودية ونفسيتها. ودعا الى مقاومة مشروعها باقامة الخطة النظامية الدقيقة المعاكسة أي بتأسيس منظمة أو حزب سوري أو عدة منظمات وأحزاب سرية وعلنية تأخذ هذه القضية من موقع المسؤولية والمواجهة.

أن هذا المشروع اليهودي يشكل  الذل والعبودية على السوريين.

أما كيف حال السوريين في مواجهة هذا المشروع "ونحن لا نأتي عملا الا الكلام الفارغ وقتل الوقت، وفي حالة كهذه لا نرى كيف يمكننا الدفاع عن حقوقنا دفاعا ناجحا.

·        "سوريا تجاه بلفور" (النص كاملا). (المجلة، سان باولو،  السنة 11، الجزء4، 1 مايو 1925 – أ ك ج 1 – ص 189).

صح الصحيح وزار بلفور سوريا لكي يهلل مع اصحابه الصهيونيين اثناء الاحتفال باقامة المعهد اليهودي العلمي الاول من نوعه في فلسطين، التي وعدهم بجعلها وطنا قوميا لليهود، للحالة المرعبة التي تهدد ذلك القسم الكبير من سوريا بويلات ستكون في صفحات التاريخ لعنة ابدية على بلفور والسياسة الانكليزية.

كنا قد كتبنا في الجزء الاول من سنة المجلة الحالية (عن مقالته الصهيونية وامتدادها) شيئا عن امتداد الصهيونية المرتبطة ببلفور بعهد اقل ما يقال فيه انه "اسوأ العهود الدنيئة" في تاريخ الدول لأنه، فضلا عن انه عهد غير مبني على شيء من العدل الانساني والحق الطبيعي، جاء طعنة من الوراء في ظهر الشعب السوري الذي قدر امانة سياسيي الحلفاء وسلامة نيتهم تقديرا سليما ، انتهى بهذا الغدر الذي قلما سمع بمثله وهو غدر صادر عن اسمى مقام سياسي في اوروبا، بوقاحة وصلابة جبين يخجل عن اتيان مثلهما البرابرة فضلا عن المتمدنين الذين يفهمون الحقوق الانسانية.

ذكرنا في ما كتبناه عن الصهيونية وامتدادها في الجزء المذكور من المجلة استفحال الحركة الصهيونية؛ واشرنا الى الخطر الذي يتهدد سوريا من وراء ذلك، وقلنا بالعدول عن الموقف المخجل الذي وقفه السوريون تجاه محاولة الصهيونيين امتلاك فلسطين؛ وتهديد سوريا كلها بخراب اقتصادي وسياسي مؤكد.

 وأوضحنا ان محاربة الحركة الصهيونية لا يجب ان تقتصر على فلسطين التي هي جزء من سورية، بل يجب ان تتناول سورية كلها، التي يجب ان لا يحول دون تضامنها الفعلي لحفظ كيانها ونيل استقلالها التام، التقسيم السياسي الذي وضعه سياسيو اوروبا  وفقا لاغراض ومقاصد دولهم التي أخفوها تحت اسماء الوصاية والانتداب وما شاكل تسهيلا لتنفيذها.

 ويسرنا ان تكون زيارة بلفور لسورية قد جعلت السوريين جميعهم يظهرون نوعا من التضامن، الذي قلنا ولا نزال نقول بوجوب التمشي عليه اذا كنا نرجو لانفسنا حرية تستحق الحياة.

لم يلاق بلفور في زيارته لسورية سوى تيار عام من الاستياء والسخط  العظيمين. وهذه هي بارقة الامل الاولى التي بدت في غياهب الياس من تكوين راي سوري عام. فهي المرة الاولى التي تبدو فيها اقسام سورية كلها متفقة على رأي واحد فيما يختص بالقضايا السياسية التي لها مساس بحياة سورية، وهي المرة الاولى التي نشعر فيها بفرح واستبشار من وجهة قضيتنا الوطنية.

كان اعظم استياء في سوريا اتخذ وجهة خطرة هو الاستياء الذي حدث في دمشق عاصمة سورية وكعبة الحركة الوطنية السورية. فان ما جرى في دمشق على اثر وصول بلفور اليها لما يستحق التسجيل في بطون التاريخ.  واننا عند اطلاعنا على تفاصيل ما حدث في دمشق كما نشرتها جريدة "الف باء" الدمشقية لم نتمالك من الهتاف لدمشق وحياة دمشق.

بيد انه رغما من كل ما حدث في طول سوريا وعرضها من المظاهرات الدالة على استياء السوريين من بلفور وكرههم لوعده التاريخي السيء الطالع، لا يمكننا ان نهرب من وجه الحقيقة التي لا تقبل جدلا، وهي ان كل ما حدث كان اقل شيء يمكن او اية امة اخرى ان تفعله ونريد بهذا ان نقول ان سورية لم تفعل ما يجب فعله لادخال قضيتها الوطنية في طور جديد، يكون من الخطورة بمكان يدعو الى جعل المسألة السورية مسالة يجب حلها على ما يتفق مع رغائب السوريين الوطنية .

ان ما حدث مع اعتبار وجهته الحسنة، هو على الحقيقة غير ما كان يجب ان يحدث. واننا نعترف باننا عندما بلغنا خبر سفر بلفور الى سورية رجحنا ان بلفور سيبقى هناك الى الابد، وتوقعنا ان تظهر الوطنية السورية في هيئة بركان يقذف على الصهيونيين ومعاضديهم حمما قتّالة. واننا بعد التفكير توصلنا الى الاعتقاد بان ذلك كان يكون افعل كثيرا من اي شيء آخر. اما ألأسباب التي تحملنا على هذا الاعتقاد فنبديها في الفقرات التالية:

اننا قبل كل شيء من الذين يعتقدون بتاثير الجمعيات السياسية السرية.

فلما جمعتنا الظروف ببعض الاصدقاء لم نتمالك من ابداء راينا بترجيح القيام بحركة فعلية لا تكون اقل من ثورة تديرها جمعية او جمعيات تعمل في الخفاء لانقاذ الوطن من الطامعين فيه المعتدين على حقوقه الاجتماعية والطبيعية.

وقلنا انه سيقع لـ بلفور وصهيونييه حوادث مؤلمة تكون قصاصا لهم وعبرة لمن ينوي ان ياتي بعدهم ويتمم العمل الشائن الذي ابتدا فيه. ويكون للناظرين الى احوال العالم صورة حقيقية لما يجره على الامم مثل وعد بلفور. ولكن اولئك الاصدقاء اظهروا من المخاوف من مثل ما ارتايناه ما جاوز حد الاعتدال فضلا عن انه ليس في محله واننا نفصح عن ذلك الان ونبدا بالسؤال: ماذا يحدث لسوريا لو اصاب بلفور مكروه مقصود فيها؟

نعتقد ان ما يحدث لسوريا حينئذ يتوقف على المكان الذي يحصل فيه المكروه. فاذا كان ذلك في فلسطين، فان المعقول ان الحكومة البريطانية تسأل حكومة فلسطين، عن ذلك وهي حكومة يرأسها يهودي ثم ياخذ في الفحص والاستقصاء عن مسببي ذلك وما هي الاسباب التي حملتهم على القيام بفعلهم لكي تجري بحقهم المحاكمات اللازمة. وقد يكون من وراء ذلك القبض على كثيرين من زعماء الحركة الوطنية في فلسطين، الى ان تكون الامور قد عادت الى مجاريها من السكينة. اما اذا حدث المكروه في دمشق او اي بقعة اخرى تحت النفوذ الفرنسي، فان المفوضية الفرنسية السامية لسوريا تكون هي المسؤولة في الدرجة الاولى عن كل ذلك. فيكون من شان هذه ان تصل الى اتفاق مع حكومة بريطانيا بهذا الصدد والقيام بالتحريات اللازمة لمعاقبة مرتكبي الجرم.

ولا تتعدى الحال اكثر من ذلك، اذ لا يخشى في مثل هذه المسألة على استقلال سورية كما يخشى على استقلال مصر فسورية لا استقلال لها ولا يمكن الاجانب أن يستبدوا أكثر مما هم مستبدون.

هذا من جهة ومن جهة اخرى ننظر الى الوقع الذي يكون لهذا الحادث في نفوس الصهيونيين في العالم كله، والى ما يكون من التاثير والتغيير في موقف الحركة الوطنية السورية. وهنا نسأل سؤالا اخر هو: ماذا كان يحدث للحركة الصهيونية لو اصاب بلفور مكروه في سوريا؟

بعد الاجتماع الذي اتينا على ذكره، جمعتنا الظروف بصديق اخر رزين هادىء يفكر في الامور مليا قبل اعطاء حكمه وكان مدار كلامنا بلفور وزيارته لسورية. قال الصديق ان بلفور كان يجب ان يلاقي حتفه "اذ لا يخيف اليهود شىء مثل الموت".

اجل: لا يخيف اصحاب الحركة الصهيونية التهويل من بعيد والجعجعة بل الشيء الحقيقي الذي يخيفهم هو الموت، ولو وجد في سوريا رجل فدائي واحد يضحي بنفسه في سبيل وطنه ويقتل بلفور لكانت تغيرت القضية السورية من الوجهة الصهيونية تغيرا مدهشا. فان الصهيونيين عندما يرون ان واعدهم بفلسطين قد لقي حتفه يعلمون انهم يواجهون ثورة حقيقية على اعمالهم غير المشروعة ويوقنون ان سوريا مستعدة للمحافظة على كل شبر من ارضها بكل ما لها من القوى وما لديها من الاسلحة العصرية والقديمة.

ان المعارك التي حدثت بين السوريين والصهيونيين في اول مايو من سنة 1922 في حيفا واماكن اخرى من فلسطين وقتل فيها عدد غير قليل من اليهود، لم تكن بلا تاثير ، بل ادت الى نتائج هامة والقت على الصهيونيين عظات بليغات، كان من ورائها ان عائلات كثيرة تركت فلسطين وعائلات كثيرة رجعت عن عزمها على استيطان تلك البقعة السورية. اما احتجاجات السوريين على وعد بلفور اثناء زيارته لسورية فلم تأت بنصف التاثير الذي أتت به حوادث 1922.

هنا نرى انه لا بد لنا من العودة الى تكرار ما قلناه سابقا عن الاعتماد على القوة المنظمة لا على الضعف المنظم. فكل امة تريد ان تحافظ على كيانها المستقل يجب ان تعلم ان ذلك يتوقف على استعدادها هي لدفع كل اعتداء بكل ما لديها من الوسائل والممكنات. المحافظة على كيان امة ما علم حربي من الطبقة الاولى، انه علم سياسي من الطبقة الاولى. وبدون الاعتماد على هذين العلمين يكون كل تعب للمحافظة على الحرية والاستقلال او لنيل الحرية والاستقلال باطلا.

نحن لا نقول بالاعمال الجنونية لأننا لا ندعو الى الانتحار الوطني، لذلك نرجو القراء ان لا يسيئوا فهم ما نقول، فما حدث في فلسطين سنة 1923 لم يكن عملا جنونيا قط بل كان في غاية الحكمة وقد يوجد كثيرون يفسرون الحكمة بالجنون، ولكن الحقيقة لا يغيرها كلام الجهال الذين اجهل منهم من يسمع لهم.

كنا ولا نزال وسنظل نقول انه لا خلاص لنا الا بالقوة المنظمة. فنحن ندعو الى تنظيم جمعياتنا واحزابنا الجهرية والسرية وجعلها كلها تسير على هذه القاعدة التي برهن التاريخ انها افعل القواعد في المحافظة على حقوق الامم وحياتها الاستقلالية. ولو كان عندنا احزاب وجمعيات قوية تسير على هذا المبدأ لكانت حالنا على غير ما هي عليه الآن.

ان تاريخنا الماضي يدلنا على ان موضع الضعف في حياتنا الوطنية هو هنا، أي في عدم وجود احزاب وجمعيات قوية علنية كانت ام سرية تضع نصب اعينها العمل بمبدأ القوة المنظمة. ومن هنا نرى ان واجبنا صريح لا يقبل جدلا، ونعني بهذا الواجب ان نكون مؤلفين احزابا وجمعيات قوية تعتمد على المبدأ المذكور في تاييد حقوقنا واستقلالنا ولا عبرة بما يقوله الكسالى الذين يظنون انهم افهم الناس ويصرحون علنا بانهم يريدون تهذيب سورية، وكان الاحرى بهم ان يذهبوا هم انفسهم الى مدارس يتلقنون فيها مبادىء التهذيب الاولية. فاولئك من الجهال الذين يدعون المعرفة والحكمة كما ادعى العلم قارىء الصحيفة الصفراء.

اننا نوجه كلامنا هنا الى الشبيبة السورية خصوصا، فان المسؤولية الملقاة على عاتقها مسؤولية كبرى وينتظر منها ان تقوم بواجبها نحو وطنها بكل امانة واخلاص، غير مصغية الى اقوال فلاسفة الكسل والخمول، او الى اقوال المضللين والمرجفين. فاذا عقدت الشبيبة السورية عزيمتها على بذل كل قواها لانقاذ وطنها اتمت ذلك فعلا. فما عقدت شبيبة بلاد ما عزيمتها على امر الا وفعلته. ان الشبيبة العزومة تتغلب على المصاعب التي يحجم الشيوخ عن مواجهتها بحكمتهم.

ان الذين يقولون ان الشبيبة مجنونة دائما يخطئون كثيرا، فان للشبيبة حكمة فائقة اذا كان لا يدركها الشيوخ فلأن العصر القديم لا يفهم العصر الجديد تماما.

لو كان كل ما يقول به الشبان جنونا، لما كانت الثورات العظمى في العالم التي قام بها الشبان أتت بنجاح باهر في سبيل تأييد الحقوق الطبيعية ونيل الحرية والاستقلال. اذا كان كل عمل تقوم به الشبيبة جنونا فكل عمل يقوم به الشيوخ خرف.

ولكن ما لنا ولهذا، فالحقيقة هي أن للشيوخ حكمة الاختبارات الطويلة وللشبان عزم الفكر الوقاد والنفس العزيزة. فليستعمل الشيوخ حكمتهم لعضد عمل الشبان لا لاقعاد هؤلاء عن العمل!

أني أنادي شبان سوريا كلهم، أينما كانوا وحيثما وجدوا، واستحلفهم بكل عزيز لديهم، أن يكونوا يدا واحدة لأنقاذ وطننا من المعتدين عليه. وعسى أن نرى قريبا الوحدات السورية قائمة بالعمل المطلوب منها بكل دقة وشجاعة! أما الذين يقعدهم الجبن عن اتمام واجباتهم تجاه الوطن والانسانية فان عار جبنهم يكون عليهم مدى الحياة. وليكن ختام هذه العجالة تلك العبارة الخالدة "الى الأمام!" فهي لذيذة على سمع الأحرار.

في الخلاصات المضيئة من هذا الخطاب:

-         أن الوعد بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود، شكل حالة مرعبة للسوريين بتهديده ذلك القسم الكبير من سوريا بويلات ستكون في صفحات التاريخ لعنة أبدية على بلفور والسياسة الانكليزية.

-         انه "أسوأ العهود الدنيئة" في تاريخ الدول لأنه:

-         عهد غير مبني على شيء من العدل الانساني والحق الطبيعي.

-         شكل طعنة من الوراء في ظهر الشعب السوري الذي قدر أمانة سياسيي الحلفاء وسلامة نيتهم تقديرا سليما، انتهى بهذا الغدر.

-         من أرفع مقام سياسي في أوروبا.

-         بكل وقاحة وصلابة جبين يخجل عن الاتيان بمثلهما البرابرة فضلا عن المتمدنين الذين يفهمون الحقوق الانسانية.

-         ان امتداد الحركة الصهيونية ووعد بلفور يهددان سوريا كلها بخراب سياسي واقتصادي مؤكد.

-         محاربة هذا المشروع لا يجب أن تقتصر على فلسطين التي هي جزء من سورية، بل يجب أن تتناول سورية كلها.

-         لا يجوز للانتداب والتقسيم السياسي الذي وضعه سياسيو أوروبا (سايكس – بيكو وسان ريمو وسيفر ولوزان)، وفقا لأغراض ومقاصد دولهم التي أخفوها تحت أسماء الوصاية والأنتداب وما شاكل تسهيلا لتنفيذها.

-         زيارة بلفور لسورية جعلت السوريين جميعهم يظهرون نوعا من التضامن.

-         لم يلاق بلفور في زيارته لسورية سوى تيار عام من الاستياء والسخط العظيمين.

-         كان أعظم موقف تجاه بلفور اتخذته دمشق عاصمة سورية وكعبة الحركة الوطنية السورية. (وما زالت دمشق الى يومنا هذا كعبة الوطنيين السوريين والعرب جميعا).

-         موقف يستحق التسجيل في بطون التاريخ.

-         ان كره السوريين للوعد التاريخي السيء الطالع، كان اقل شيء ممكن ان تفعله أية امة أخرى.

-         لقد رجح سعادة ان بلفور مرتكب أعظم جرائم التاريخ كان يجب أن يبقى في سورية الى الأبد. طبعا ليس مستعمرا. كيف ذلك:

-         توقعنا أن تظهر الوطنية السورية في هيئة بركان يقذف على الصهيونيين ومعاضديهم حمما قتالة.

-         انها دعوة الى تأسيس مقاومة وصراع عسكري مع الأعداء. لكن كيف يمكن ذلك ولا يوجد قوى تنظم هذه المقاومة فكانت دعوة سعادة :

-         اننا قبل كل شيء من الذين يعتقدون بتأثير الجمعيات السياسية السرية.

-         لو تمت المواجهة مع بلفور والصهاينة لكان ذلك عبرة لمن ينوي أن ياتي بعدهم ويتمم جريمتهم ويكون عبرة للناضرين لكل الأمم لما يمكن أن يجره وعد كوعد بلفور.

يقف سعادة من بلفور ووعده المشؤوم موقف الثائر الداعي ابناء وطنه الى مقاومة المشروع اليهودي –الصهيوني وداعميه وعلى رأسهم انكلترا ويدعو الى العمل الفدائي، لأن انتصار الشعوب لكسب حريتها واستقلالها وسيادتها هو علم حربي من الطبقة الأولى، انه علم سياسي من الطبقة الأولى، وبدون الاعتماد على هذين العلمين يكون كل تعب للمحافظة على الحرية والاستقلال أو لنيل الحرية والاستقلال باطلا .

فيؤيد بقوة ثورات مقاومة اليهود سنة 1922 و1923 ويدعو لان تكون أكثر تنظيما والى تأسيس أحزاب ومنظمات سورية سرية وعلنية، تدعو الى العمل الفدائي وتعمل للاستقلال لأن :"اذ لا يخيف اليهود شيء مثل الموت".

يدعو الى القوة المنظمة لا الى الضعف المنظم.

ماذا يحدث لسوريا لو أصاب بلفور مكروه مقصود فيها؟

أجل لا يخيف أصحاب الحركة الصهيونية التهويل من بعيد والجعجعة بل الشيء الحقيقي الذي يخيفهم هو الموت، ولو وجد في سوريا رجل فدائي واحد يضحي بنفسه في سبيل وطنه ويقتل بلفور لكانت تغيرت القضية السورية من الوجهة الصهيونية تغيرا مدهشا. فان الصهيونيين عندما يرون أن واعدهم بفلسطين قد لقي حتفه يعلمون أنهم يواجهون ثورة حقيقية على اعمالهم غير المشروعة ويوقنون أن سورية مستعدة للمحافظة على كل شبر من ارضها بكل ما لها من القوى وما لديها من الاسلحة العصرية والقديمة.

ثم يعرض للهجرة اليهودية المعاكسة من فلسطين تحت تأثير المقاومة.

ان المعارك التي حدثت بين السوريين والصهيونيين في اول مايو من سنة 1922 في حيفا واماكن اخرى من فلسطين وقتل فيها عدد غير قليل من اليهود،  لم تكن بلا تاثير، بل ادت الى نتائج هامة والقت على الصهيونيين عظات بليغات، كان من ورائها ان عائلات كثيرة تركت فلسطين وعائلات كثيرة رجعت عن عزمها على استيطان تلك البقعة السورية. اما احتجاجات السوريين على وعد بلفور اثناء زيارته لسورية فلم تأت بنصف التاثير الذي أتت به حوادث 1922.

والخلاص لا يكون عند سعادة الا بالقوة المنظمة، كما سبق وقال أن الحركة الصهيونية قائمة على خطة نظامية دقيقة  ان لم تقم في وجهها خطة نظامية معاكسة وأدق كان نصيبها النجاح.

·        في مقالته "الجنسيات السورية واللبنانية والفلسطينية" (المجلة ، يان باولو، السنة 11، الجزء 5، 1/6/1925) ( أ ك ج 1 – ص 194):

...اما البرهان على حالة الشلل فظاهر في جميع القضايا الوطنية التي يطلب حلها من الشعب. ففلسطين المنفردة في مقاومة الحركة الصهيونية والانتداب البريطاني تجاهد كثيرا، دون ان ياتي جهادها بالغاية المطلوبة، لأن اليهود لا يزالون يتوافدون عليها، ويشترون أرضها، ويزاحمون أهلها على الحكم مزاحمة المتفوق. وهذه حالة كان يمكن ان تتغير كثيرا لو كانت سورية كلها قائمة بمقاومة الحركة الصهيونية. ولبنان المستقل بضرائبه ومصائبه يجاهد كثيرا او قليلا في مقاومة تغلب المصالح الفرنسية خصوصا والاجنبية عموما على المصالح الوطنية بدون جدوى، ويرغب في استقلال سياسي واقتصادي ولا يناله ويطلب ان يحكم نفسه بنفسه ولا يجاب الى طلبه،  وقس على حال فلسطين ولبنان حال دمشق وحلب والعلويين وسائر المقاطعات الاخرى.

كما نرى يعرض سعادة لانفراد الفلسطينيين بمقاومة اليهود واليهود ما زالوا يستعملون المال لاغراء المواطنين على بيع اراضيهم لليهود أو انهم يشترون من الاقطاعيين اراضي واسعة مما يشجع الهجرة اليهودية.

 

·        وفي مذكرات كتبها سعادة في 19 سبتمبر 1929 نشرت لاول مرة في جريدة النهضة، بيروت، العدد105، 1/3/1938. ( أ ك ج 1 – ص 217 ):

"منذ ايام عدة واخبار ثورة السوريين في فلسطين على اليهود الدخلاء تملاء الصحف. وقد اثّر فيّ  كثيرا ارسال بريطانيا مراكبها حاملة جحافل بريطانية جديدة الى فلسطين للدفاع عن اليهود،  ألأمر الذي كان من ورائه سقوط عدد وفير من السوريين قتلى، واضطرار القائمين بالحركة الشعبية الوطنية الى الاخلاد الى السكينة.

بيد ان ما ساءني أكثر من كل ما تقدم، بقاء الجالية السورية هنا جامدة لا ينبض لها عرق ولا يختلج لها عضو كأن ما هو جار ليس في بلاد رأت فيها نور الحياة ولا يهم أمة تنتمي اليها. وكل ما قامت به جمعية الرابطة الوطنية السورية بهذه المناسبة لم يتعدّ حد صغار الشؤون التي لم يكن – ولا يمكن أن يكون – من ورائها ما يرجح أو على الأقل أن يوازي الاذاعة لمصلحة اليهود في الصحف البرازيلية.

ومع ذلك أراني مضطرا الى كتمان آلام نفسي أمام أبناء جنسي لأنهم يسخرون من هذه العواطف ولا يخجلون من العار الذي يلحقهم".

·        رد على  لويد جورج -  نشرت في جريدة الف باء الدمشقية 18 مايو 1931 (النهضة – بيروت، العدد99، 11/2/1938 – أ ك ج 1 – ص241 )

انني اتجرأ ان اتوجه اليكم يا سيدي، هذا الجواب المفتوح بالبساطة والصراحة اللتين تمتاز بهما أمتي السيئة الطالع، لان لخطابكم التاريخي الذي القيتموه في المأدبة التي أقامتها لكم الجمعية الصهيونية في لندن، علاقة مباشرة بمصير أمتي: الامة التي وضعت حجر الزاوية في بناء التمدن، الامة التي فعلت في سبيل المدنية كل شيء.

ترون يا سيدي، أن جوابي سيكون بسيطا صريحا، خاليا من مجاملات المداهنة العصرية التي تتطلبها مزاياكم السامية. ولكنه جواب يختلف شرفه عن الشرف الذي قلتم انكم اوليتموه في مأدبة الجمعية الصهيونية في أمر بسيط، صريح، اعني أنه شرف حقيقي!

لا أدري، يا سيدي، اذا كان في المأدبة التي ادبتها لكم الجمعية الصهيونية شرف لكم او لها.

لا بل لا ادري اذا كان في تلك المادبة شرف على الاطلاق.

 اجل لا ادري، وليس الذنب ذنبي اذا كنت لا ادري.

فقد تلون الشرف في هذا العصر بالوان متعددة. اما انا فاني أعرف شرفا واحدا، لا أعرف ولا ابالي بسواه. هو الشرف غير الملون!

ان من المبادىء الاولية التي يعرفها صبيان المكاتب، فضلا عن المتنورين، انه لا يجوز مزج الشرف بالسياسة او مزج السياسة بالشرف. ولكنكم ضربتم بهذا المبدأ عرض الحائط حين كنتم رئيس وزراء بريطانيا العظمى واجزتم (تصريح بلفور) المشؤوم الممقوت، وعدتم وضربتم بهذا المبدأ عرض الحائط ووقفتم في مأدبة الصهيونية مباهين بصنيعتكم الذي اذا تم – وهو لن يتم- قضى على حياة أمة كان من جملة عهودكم ان تعترفوا باستقلالها وتحترموه.

 وقفتم في تلك المأدبة ومحياكم طلق وقلبكم مفعم سرورا كانكم تباهون بعمل شريف!.

لو كنتم وقفتم في مباهاتكم عند حد ذكر اجازتكم "تصريح بلفور" السيء الطالع، لما كان هناك ما يدعو الى احمرار وجهكم خجلا اذ لو كان حدث شيء من ذلك لاعتبر شذوذا عن تقاليد طبيعتكم الانغلوسكسونية لا يغتفر، ولكنكم لم تقفوا في مباهاتكم عند ذلك الحد بل تجاوزتموه الى المفاخرة بتلك العملية الدموية التي اجريتموها في جسم أمتي بقطعها الى قسمين في تلك المدينة الجميلة القائمة على شواطىء البحر المتوسط الغربية المعروفة "بسان ريمو".

وكما خرجتم في ذلك الوقت من المؤتمر الذي أجريتم فيه تلك العملية مهنئين بعضكم بعضا انتم ورصفاؤكم دون ان يحمر لكم وجه او يندي لكم جبين، كذلك وقفتم في مأدبة الجمعية الصهيونية بعد مرور احدى عشرة سنة على تلك العملية الشاذة مفاخرين بنجاحكم فيها دون ان يحمر لكم وجه او يندي لكم جبين.

تجاه هذه الحقيقة الراهنة يترتب عليّ ان اعترف بمقدرتكم الفائقة على الاحتفاظ بتقاليد طبيعتكم ألأنغلوسكسونية، الى أبعد حد ممكن، اثناء قيامكم بعملية مزج الشرف بالسياسة ومزج السياسة بالشرف.

تعلمون، يا سيدي، اكثر مما اعلم ان العلم من طبيعة الغربي، وان الفلسفة الى طبيعة الشرقي اقرب، ومع ذلك فانكم لم تراعوا هذه الحقيقة واقبلتم، في خطابكم في مأدبة الجمعية الصهيونية، على الفلسفة حين كان الاولى بكم ان تقبلوا على العلم فكانت النتيجة انكم ارتكبتم خطأ منطقيا وخطأ علميا وخطأ فلسفيا حين قلتم في خطابكم المشار اليه: "لم تكن البلاد (فلسطين) وطنا لقوم ما، بل كانت خرابا وافضل ما فيها انها تصلح ان تكون وطنا".

لست في حاجة لأن ادلكم على مواضع خطأكم لاني على يقين تام من انكم تعرفون جيدا، كما انا اعرف جيدا: بان تلك البلاد، فلسطين هي جزء حيوي من وطن كامل غير قابل التجزئة لامة واحدة هي الامة السورية. "انتم انفسكم كنتم في عداد الذين تبجحوا كثيرا اثناء الحرب العالمية بانكم تقومون بتلك المجزرة الهائلة، لا لغرض آخر سوى تحرير الامم الضعيفة، ومن ضمنها الامة السورية وقبلتم انتم ورصفاؤكم الفرنسيون متطوعين من هذه الامة جاؤوا ليسفكوا دماءهم في سبيل نصرتكم ونصرة أمتهم.

واذا أحصيتم يا مولاي، قتلى جيوش الحلفاء على العموم،  وقتلى الجيش الاميركاني على الخصوص، وجدتم بينها عددا غير قليل من هذه الامة التي قمتم الان تنكرون وجودها في وطنها بصلابة جبين قلّ نظيرها.!

 لو لم يكن قد سفك من دم هذه الامة سوى قطرة واحدة في سبيل نصرتكم في احرج اوقاتكم لكفى ذلك لحملكم على احترامها لوكنتم منصفين.

تقولون، يا سيدي ان الاعمال التي انجزتها الصهيونية الى الان كافية للدلالة على ان الارض التي كانت تفيض لبنا وعسلا لم تكن حديث خرافة، وتنسون ان اللبن والعسل كانا يفيضان من تلك الارض بفضل سواعد الامة التي كانت فيها، قبل مجيء اليهود اليها هاربين من عبودية مصر حيث كان وطنهم القومي الاول، والتي لا تزال فيها الى الآن. بل انتم تشيرون الى ذلك في غير موضع من خطابكم اشارة ضئيلة مبهمة. الى هذا الحد بلغت فيكم الحنكة السياسية والدبلماسية في التذكر والنسيان واهمال المنطق!!

بيد أن هذا الحد، على بعده، قد قصر عن الحد الذي بلغتموه في قولكم:" ان لليهودي المقيم في تل ابيب حقا بالحماية كما المقيم في كنبور" جعلتم لليهودي الغريب في فلسطين ، وللمسلم الوطني في الهند منزلة واحدة ولم تجدوا في ذلك تناقضا غريبا قط.

ان الغرابة التي لا غرابة بعدها هي انكم خلطتم بين السياسة والشرف خلطا فادحا وادخلتم المصلحة السياسية في واجبات الشرف بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الخلط. فقد ضربتم صفحا عن جميع الامور والعهود التي يتوقف عليها شرف العلم البريطاني وجعلتموه يتوقف على حماية اليهودي في ارض دخلها قوم، يدعي هو-وقد يكون ادعاؤه باطلا – انهم اجداده منذ ثلاثة آلاف سنة بطريقة غير شرعية.

تتكلمون عن فلاح العرب والمسيحيين" بسبب نجاح الحركة الصهيونية،  اما الفلاح فساعود اليه فيما يلي ، وأما  قولكم " العرب والمسيحيين" ففيه خطأ قد يعيركم به باعة الجرائد عندنا لانه لا يوجد في فلسطين "عرب ومسيحيون" جماعة هو جزء من الامة السورية التي تحمل رسالة تنص في جملة موادها على انهاض العالم العربي أجمع.

الحقيقة ان سوريي فلسطين قد افلحوا" فلاحا عظيما ولكنه غير الفلاح الذي تعنونه. انه الفلاح الذي لا تتمنونه، الفلاح في ضرب الطامعين في وطنهم ضربات كادت تكون قاضية لولا تدخل جنود بريطانيا.

 ان في الدماء التي اسالوها من اليهود الغرباء ، في الدماء الذكية التي بذلوها، برهانا قاطعا يكذب ادعاءكم بانه ليس في فلسطين امة!

 يمكنكم يا سيدي، ان تغتبطوا انتم واخوانكم الصهيونيون "بزوال الشكوك التي قامت على اثر الورقة البيضاء البديعة"، لكن لا يمكنكم ان تغتبطوا بالحقيقة الراهنة التي تعرفونها وهي ان وجود ورقة ما، بيضاء كانت ام سوداء، او عدم وجودها لا يغير شيئا من ايمان امة مصممة على الاحتفاظ بجميع حقوقها في وطنها ورد الطامعين به مهما كلفها الامر.

 "لليهود دعوى خاصة بحقهم في ارض كنعان" ولكنها دعوى نحن نعرف والعالم كله يعرف مبلغها من الصحة.

 انكم تحاولون اثبات هذه الدعوى بالقول، ان اليهود لم يجدوا وطنا لهم في مصر وفي بابل. فهل وجد اليهود لهم وطنا في فلسطين؟ اذا كنتم تعجزون عن اعطاء جواب يتفق والحقيقة فان "سني السبي" والف وتسعماية سنة نفي تعطي الجواب الصحيح.

مولاي

اذا كان الواجب يدعوني الى انتقاد خطاكم، فان العدل يدعوني ايضا الى الاعتراف باقوالكم المصيبة. قولا واحدا مصيبا يستحق الذكر وجدت في خطابكم. اعني قولكم في الصهيونية: "لم يحدث في تاريخ العالم محاولة كهذه المحاولة".

 اجل، يا مولاي، ان التاريخ لم يسجل من قبل محاولة اثيمة كهذه المحاولة. واذا كنتم تجدون في الاثم مدعاة للفخر فاني اهناكم بهذه الحكمة التي اخفيت عن الحكماء والعقلاء، واعطيت للجهال.

اسمحوا لي يا مولاي، ان اختم جوابي هذا بالموافقة على ختام خطابكم التاريخي الذي جاء فيه: "...يحق لنا ان ننتظر من هذه التجربة امورا عظيمة لا تقتصر فقط على فلسطين بل تتناول العالم اجمع، ليس لأبناء اسرائيل فقط، بل لجميع أبناء الانسان".

الحقيقة،