|
|
|
آخر تحديث vendredi octobre 13, 2006 الساعة 05:33:05 |
|
السعودية والدور
المباشر لوأد الفتنة
.. انطلاقاً من لبنان!
إضافة إلى
الاحتقان السياسي الذي يكاد يختنق فيه لبنان، فإن بين الدوافع الضاغطة
التي جعلت الرئيس نبيه بري يستعجل دعوته إلى السعودية محاولة التخفيف
من الاحتقان المذهبي الذي يكاد يضع المسلمين من أبنائه في معسكرين
متواجهين يستعيدان، اليوم، وقائع الخلافات الغارقة في التاريخ حول
الخلفاء الراشدين.
بهذا المعنى فهي
زيارة تجيء في توقيتها الصحيح تماماً، بالنسبة للبنان كما بالنسبة
للسعودية (وبالنسبة للعراق الذي سيلتقي بعض كبار علمائه وأقطابه
السياسيين في مكة المكرمة قريباً، لمحاولة التصدي لمشروع الفتنة التي
تكاد تودي بالعراق والعراقيين وتهدد جوارهم جميعاً في الشرق والغرب
والشمال والجنوب).
وبهذا المعنى
أيضاً، فإن زيارة بري إلى السعودية محكومة بالنجاح... وليس ضرورياً أن
يتجسد هذا النجاح في حل فوري لمعضلة الحكم في لبنان، رئاسة وحكومة
وأكثرية وأقلية، بل في أن تكون خطوة في سياق فتح الباب أمام نقلة نوعية
في العلاقات بين السنة والشيعة، ليس فقط داخل لبنان، بل على امتداد
العالم الإسلامي حيث يتواجه أتباع هذين المذهبين ويتنازعون الحكم،
وأحياناً خارج الحكم، بالشعارات الإيمانية ذاتها، تقريباً.
ولسوف يحفظ
للبنان شرف أنه بمقاومته الباسلة للاحتلال الإسرائيلي، قبل حرب تموز،
ثم بشكل خاص خلالها وبعدها، والتي كان «حزب الله» حصنها الحصين وقوتها
الضاربة، بينما «جمهور الشيعة» هدفها المباشر، قد فتح الباب لتصحيح
الاختلال في العلاقة بين السنة والشيعة على قاعدة من وحدة الهدف
السياسي المؤكدة والمعززة لجوهر إيمانهما بالدين الحنيف... وهي هي
القاعدة التي ترتفع بالعلاقة مع أخوانهم المسيحيين إلى الأفق الوطني
والقومي الرحب على ركيزة الإيمان بالإله الواحد وحماية المصير الواحد
بمواجهة العدو الإسرائيلي الواحد حتى لو تعدد حلفاؤه الدوليون..
الدعوة التي
«علّقتها» الحرب
والحقيقة أن
السعودية كانت قد التفتت بالود والتقدير إلى قيادة «حزب الله»، من قبل
الحرب الإسرائيلية، وباشرت نسج علاقة سياسية جدية معها، لعب فيها
السفير السعودي في بيروت عبد العزيز الخوجة دوراً طيباً قبل أن يشارك
في توطيدها مسؤولون آخرون، علناً وسراً، إلى أن توجت بدعوة رسمية من
الحكومة السعودية إلى السيد حسن نصر الله لزيارة المملكة ولقاء كبار
المسؤولين، وليس مهماً أن تكون اتخذت من «أداء العمرة» غطاءً شفافاً..
ثم كانت الحرب
الإسرائيلية متخذة من أسر مقاتلي «حزب الله» الجنديين الإسرائيليين في
12 تموز الماضي، ذريعة، قبلتها كل الدول التي تريد الخلاص من المقاومة،
في أي مكان وزمان، وبالذات تلك المقاومة التي تتصدى لإسرائيل ومشاريعها
في التوسع وفي إذلال العرب جميعاً بقهر الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه
في وطنه.
... وكان البيان
الشهير حول «المغامرة» الذي رأت فيه المقاومة ممثلة بقيادة «حزب الله»
غلطة سياسية يمكن لإسرائيل أن تستخدمها في محاولة تبرير حربها الوحشية
على الإنسان والعمران في لبنان.
بعدها، جرت
محاولات للتصحيح عبر بيانات رسمية سعودية، خصوصاً أن أوساطاً دولية
عديدة، فضلاً عن «اعترافات» القيادات الإسرائيلية، حكومية وعسكرية،
كشفت ما يفيد أن الحرب الإسرائيلية إنما كانت مقررة، وبقرار أميركي،
لكن عملية أسر الجنديين استعجلتها..
ثم إن الصمود
البطولي للمقاومة ومجاهديها على التخم مباشرة، في بنت جبيل ومارون
الراس وعيترون وعيتا الشعب وحتى آخر نقطة في الحدود، والاحتضان الوطني
للمهجرين الذين غادروا بيوتهم بغير انكسار، وجلوا موقتاً عن ديارهم
التي دمرها الاجتياح الجوي الإسرائيلي على امتداد شهر أو يزيد... كل
ذلك قد نبّه الأمة العربية جميعاً، والمسلمين في أربع رياح الأرض، وكل
أحرار العالم، إلى أن هؤلاء المجاهدين إنما يحققون مجداً لهم جميعاً..
كان الصدى
الأخطر في فلسطين.
وكان التجلي
الرائع للتضامن في مختلف الديار العربية والإسلامية.
وسقطت المجادلات
الفقهية بين علماء السنة والشيعة أمام إشعاعات الصمود العظيم في مواجهة
العدو.
وحين ارتفعت
صورة السيد حسن نصر الله، بعمامته السوداء الدالة على نسبه في الأزهر
الشريف في القاهرة، فإنها شكلت نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين
المسلمين، خصوصاً أن صورة «هذا المجاهد» قد احتلت صدور البيوت في مشارق
الأرض العربية ـ الإسلامية ومغاربها..
وحّد «العدو»
بين المختلفين ـ فقهياً ـ بقدر ما وحّدتهم المقاومة التي تبدت الآن في
صورة جهادية... وتلاقى في أفياء هذه الوحدة المسلمون، على اختلاف
مذاهبهم، والوطنيون والقوميون والتقدميون والذين يتحركون بدوافع
إنسانية نبيلة.
فرصة تاريخية
للمملكة
نعود إلى
السعودية ودورها، وانطلاقاً من الواقعة الإخبارية: دعوة الرئيس نبيه
بري لزيارة المملكة التي يبدو أنها قررت أخيراً أن تلعب الدور الحيوي
الذي لا يستطيع غيرها القيام به... وإذا كان لبنان هو «المقدمة» فإن
لهذا الدور أبعاده العربية والإقليمية الخطيرة، فضلاً عن انعكاساته
دولياً.
يمكن القول، من
دون مبالغة، إن تطور الأحداث التي تشهدها منطقتنا العربية يوفر فرصة
تاريخية للمملكة قل أن توفرت لها منذ قرون..
إنها تبدو،
اليوم، مرشحة بل مدعوة إلى دور استثنائي يتجاوز «السياسي» إلى ما هو
أخطر وأعظم أهمية مما يمكن اختصاره بالعلاقة بين المسلمين سنة وشيعة..
فليس سراً أن
هذه العلاقة كانت مأزومة باستمرار، ومتفجرة أحياناً، ومحكومة بانعدام
الثقة غالباً، وأن مصالح هائلة قد حكمت وتحكّمت بإدامة هذا الصراع
القديم على السلطة واحتكارها تحت عناوين تتجاوز السياسي إلى الديني، ثم
إنها تعيد صياغة الديني مذهبياً بما يناسب القائم بالأمر..
وليس سراً أن
القوى الأجنبية كثيراً ما استفادت من اعتلال العلاقة بين السنة والشيعة
للدخول طرفاً فاصلاً بينهما، تحرض كلاً منهما على الآخر، لتحقيق
مصالحها على حساب الطرفين اللذين انقلب عندهما الصراع على السلطة إلى
اقتتال مفتوح داخل الدين الواحد حول صحة إسلام أتباع كل من المذهبين..
يمكن الاستشهاد
بعشرات الأمثلة على استخدام المذهبية سلاحاً للوصول إلى السلطة أو إلى
احتكارها في العديد من الأقطار التي وصلها الإسلام واحداً ثم عاد منها
بصياغات جديدة تحت رايات سياسية مختلفة..
لكن ذلك في
التاريخ، فلنعد إلى الحاضر، وإلى واقعنا فيه، وإلى ما ترشح الأقدار أو
الظروف المملكة التي أقامتها واحدة من الحركات المنادية بالعودة إلى
أصول الدين الحنيف، لأن تلعب دوراً قيادياً في التأسيس لمرحلة جديدة
عنوانها إعادة صياغة العلاقة السياسية بين المسلمين على اختلاف
مذاهبهم، وبالدرجة الأولى بين السنة والشيعة..
يمكن،
بالاستطراد أيضاً، الحديث عن العلاقات العربية ـ الإيرانية التي تعكس ـ
في سياقها العام ـ بعض جوانب هذا الصراع المذهبي الذي لا يكفي وحده
لتمويه تضارب المصالح السياسية، وإن كان تقديم المصالح على العقائد قد
يسهم في حل كثير من الإشكالات القائمة، أو إعادتها إلى حجمها الطبيعي
كخلافات فقهية لا يجوز أن تؤثر على مصالح الدول والأوطان، كما لا يجوز
أن تضر بالحقيقة الأعظم: وحدة الدين الحنيف.
إسرائيل
والفتنة... والدور التاريخي
لا نفترض أننا،
بهذا العرض العام، نحمل المسؤولين في المملكة، أو خاصة الرئيس نبيه
بري، فوق ما يطيقون..
لكن الوضع في
لبنان بمخاطره المفتوحة يفرض أن تكون المعالجة أشمل من حصر الكلام في
موضوعات الحكومة بالأكثرية والأقلية، والاحتقان في الشارع الذي يسهل
توظيفه سياسياً لتفجير فتنة طائفية، قد تجد القوى الأجنبية فيها مدداً
لجعل الفتنة قاعدة لحياة العرب في هذه المرحلة، خصوصاً إذا ما استعدنا
الصورة المرعبة لما يجري في العراق..
إن الوضع يفرض
معالجات جدية، تتجاوز لقاءات المصالحة الشكلية إلى البحث الجوهري في
ضمانات مستقبل الأطراف جميعاً.
ولا بد أن
تستحضر إسرائيل وحماياتها الدولية، ومخاطرها التوسعية على سلامة كل هذه
الدول في المنطقة، خصوصاً أن هذا «العدو» يسعى جهده لإحداث الفرقة
وتوظيفها من أجل خدمة مشروعه التوسعي المعلن والدائم.
كذلك لا بد أن
تكون النظرة إلى الخريطة الواسعة لهذه الأمة، ولو كان الموضوع لبنان.
ونجاح زيارة
الرئيس بري، وهو متوقع، سيكون مقدمة أولى لاستجابة المملكة للدور
المطروح عليها حالياً، وهو دور يشرّفها ويعطيها المزيد من «المشروعية»
في التقدم للعب دور قيادي أخطر بكثير مما لعبته حتى اليوم، على أهميته.
والكلمة، من قبل
ومن بعد، لخادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي
طالما مثل دور «المعترض» على كثير من المفاهيم السائدة، والذي باشر
حملة للتغيير داخل المملكة، وها هي الظروف تتيح له أن يوسع إطار هذا
الدور الذي يتطلب شجاعة استثنائية بسبب من طبيعته التاريخية... فهل
يقدم الملك؟ نرجو ذلك!
السفير (09 10
2006) |
|
||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||
|
|
|||||||||||||