موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث vendredi octobre 13, 2006 الساعة 05:46:46

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

 

10 تشرين الأول 2006

الحزب السوري القومي الاجتماعي 75 عاماً من النضال والمقاومة والثورة والاستشهاد والتحالفات والازمات (1)

المراحل الاولى للتأسيس والعمل السري والاعتقالات والملاحقات في عهد الانتداب الفرنسي

سعاده : لا تستطيع الحكومة اللبنانية حل الحزب لانه اكبر منها فهو يمثل عقيدة تجري في العروق مع الدم

اعداد: كمال ذبيان

يطل الحزب السوري القومي الاجتماعي على عامه الـ75 من ذكرى تأسيسه بعد شهر، وهو عمر الشيخوخة عند الكائنات الحية، وقد يكون الحزب دخل مرحلة الشيخوخة، كاداة وحركة، لكنه وكمبادئ وقضية، فتبقى المقياس لما تقدمه من حلول والنهوض بالمجتمع واثبتت الوقائع والاحداث صحتها سواء في الدعوة الى الوحدة القومية او محاربة الطائفية ومقاومة الصهيونية.

فعندما وضع انطون سعاده العقيدة القومية الاجتماعية، انطلق من اسئلة تتعلق بامته وشعبه، وكانت كلها نقدية، فسأل سؤاله الاساسي من نحن للتعرف على الهوية القومية لبلاده التي شهد وهو فتى كيف عمل الاستعمار الفرنسي والبريطاني في تقسيمها باتفاقية سايكس - بيكو، في العام 1916، بعد ان كان رفض رفع العلم التركي على مدرسته في برمانا، كما اغضبه ان يعطي بلفور وعداً لليهود بانشاء وطن لهم على ارض فلسطين.

هذه الاسئلة ترافقت مع ما رآه سعاده وفي العاشرة من عمره، من مجاعة لشعبه وهو يموت منها اثناء الحرب العالمية الاولى، ثم الهجرة التي كانت سبيل اللبنانيين والسوريين الى الخارج بحثاً عن لقمة العيش.

القلق كان يعمل في عقل ووجدان سعاده، الذي بدأ يعمق قراءاته وابحاثه فاطلع على الاحزاب التي نشأت في الوطن والمهجر.

لذلك تبلورت عند سعاده فكرة انشاء حزب يحقق المبادئ التي ترسخت في فكره وعقله، فكان الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي بدأت نواته من الطلاب في الجامعة الاميركية، الذين اعتبرهم نقطة الارتكاز في العمل القومي.

من خمسة طلاب في الاميركية بدأ تكوين الحزب الذي حله عندما رأى تردداً وتقاعساً من الخمسة الذين اختارهم ليكونوا معه من المؤسسين، واعاد التجربة من جديد، وبعمل سري، وبدأت العقيدة القومية الاجتماعية تنتشر في صفوف الطلاب وتنتقل معهم الى مناطقم، ومع انكشاف امر الحزب عند الانتداب الفرنسي كان عدد المنتمين كبيراً، وكان 16 تشرين الثاني، تاريخ التأسيس، الذي بدأ في العام 1932 وظهر في العام 1935.

الحزب الذي اسسه سعاده قبل 75 عاماً، استقطب الشباب والطلاب في لبنان وسوريا وفلسطين والاردن، وتأخر في الوصول الى العراق ايام سعاده، لكن النشاط الابرز كان بين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، حيث نشأت فروع للحزب في هذه الكيانات.

هذا الحزب اخترق الحواجز الطائفية والمذهبية، وواجه الحالات الاقطاعية، وحارب الرأسمالية، وقاوم الاستعمار الفرنسي والبريطاني ومن ثم الاستيطان اليهودي والاحتلال الاسرائيلي.

لقد لعب القوميون الاجتماعيون دوراً كبيرا في استقلال لبنان وسوريا وكان لهم شهداء، وشكلوا اول منظمة فدائية (منظمة الزوبعة) قاتلت الصهاينة في فلسطين وسقط منهم شهداء، في الثلاثينات والاربعينات ثم في الخمسينات وفي كل عقود القرن الماضي، وتحديداً في اثناء الاحتلال الاسرائيلي للبنان.

وفي مواجهته لقوى الاستعمار وللدولة العبرية، فان الحزب عمل على اسقاط الانظمة التي انتجها الاستعمار لتكون حارسة للكيانات التي اقامها، على الاسس الطائفية وزرع فيها احزابا طائفية موالية له.

لم يهادن سعاده وحزبه النظام السياسي في لبنان فثار عليه بعد ان كشفه امام الرأي العام انه نظام طائفي وقمعي، فوضع برنامجاً لانقاذ الشعب اللبناني منه، في الوقت الذي كان يدعو الى قيام جيش قومي يواجه اسرائيل، ويطالب الدول النفطية باستخدام النفط كسلاح «انترسيوني» (دولي) في وجه الدول التي تدعم الكيان الغاصب، فتآمرت عليه حكوماتها وقررت تصفيته، فكانت المؤامرة عليه التي بدأت في الجميزة وامتدت الى السراي الحكومي والقصر الجمهوري في لبنان، ووصلت الى حسني الزعيم في سوريا والملك فاروق في مصر، والدوائر الاستعمارية والصهيونية، فكان اغتيال سعادة في 8 تموز العام 1949.

بعد استشهاد سعاده قبل 57 سنة، كيف استمر رفقاؤه بعده، ومن قاد الحزب، وما هي النشاطات والنضالات التي قام بها، ومع من تحالف سياسيا، وما هي اسباب الازمات التي عصفت به، وادت الى حصول انشقاقات فيه، واين هو الحزب اليوم من الاحداث التي تحصل، ولماذا تراجع عن المقاومة، وماذا فعل اثناء اشتراكه في السلطة.

«الديار» التي فتحت ملفات الاحزاب في لبنان، تبدأ اليوم بالحزب السوري القومي الاجتماعي لتنشر على حلقات محطات من تاريخه، والاضاءة على نضالاته والتوقف امام الازمات التي عصفت به، وتسأل عن موقعه اليوم.

عاد سعاده الى الوطن في تموز 1930 فوجد ان الحالة فيه لم تكن افضل مما عاناه مع المهاجرين في البرازيل، «فجميع اراخنة السياسة والاجتماع كانوا مجتمعين على انه لا فائدة من فعل شيء وانه لا تقوم للامة السورية قائمة في ذلك الوقت».

كانت تميزت هذه الفترة بسيطرة جيش الانتداب الفرنسي في لبنان والشام، واستخباراته منتشرة في كل مكان. كما ان القانون الصادر عن الفرنسيين (LR-115) كان يحظر اي نشاط حزبي او سياسي (1).

- في هذا الجو قرر سعاده ان يبدأ العمل في دمشق، ذلك انها كانت تستقطب العمل السياسي، وقد وصفها سعاده «انها كعبة الحركة الوطنية السورية» (مقالته سورية تجاه بلفور).

الا ان تجربته مع رجال الكتلة الوطنية، وكان سعاده قد انتقل من التدريس في «الجامعة العلمية» الى جريدة «اليوم» التي كانت تصدرها الكتلة الوطنية، تجربته هذه اعطته صورة واضحة عن «صبيان السياسة» في بلادنا كما يصفهم سعاده في مقالات نشرها في جريدة «النهضة» في بيروت، وفي احداها يقول :«لقد تغنى الكتلويون كثيرا بجهادهم، والحقيقة انهم لم يكونوا غير مستغلين لجهاد الامة ومحولينه الى النتائج التي ارادوها لانفسهم».

بعد ان امضى سعاده سنة كاملة في دمشق كانت كافية كي يكتشف ان الارض فيها لم تكن صالحة للزرع، قرر العودة الى بيروت بعد ان كان انشأ بعض الصداقات والعلاقات مع مواطنين. (جميعهم انتموا الى الحزب فيما بعد باستثناء عادل الصلح. وهم : يعقوب جبور، اديب بربر، معروف صعب، محمد روح غندور، محمد روحي خياط، ورياض حماده.

في لبنان

الاتصالات الاولى اقامها سعاده في كل من ضهور الشوير، وفي المثلث الثقافي (المؤلف من بلدات برمانا - رومية - بيت مري) والى هذا المثلث انتمى رفقاء في بدايات سنوات التأسيس، والبعض منهم كان له شأنه في النضال القومي الاجتماعي. تلك الاتصالات ساهمت في تأسيس الحزب، الا ان النواة الاولى للتأسيس اوجدها سعاده في الجامعة الاميركية في بيروت التي كان انتقل اليها مدرسا اللغة الالمانية للراغبين من الطلبة.

النواة الاولى تألفت من خمسة رفقاء : 4 منهم كانوا طلبة في الجامعة الاميركية (جورج عبد المسيح، جميل عبدو صوايا، زهاء الدين حمود ووديع تلحوق) اما الخامس : فؤاد حداد فهو ابن جريس حداد صاحب المطعم تجاه الجامعة الاميركية الذي كان يرتاده سعاده. وبعد ان تعرف الى فؤاد انتقل الى منزل العائلة في شارع «جان دارك» اذ كانت تؤجر غرفا فيه للطلبة.

المعروف انه تبين بسرعة زيف اثنين من الخمسة (وديع تلحوق وزهاء الدين حمود) عنهما يقول سعاده :«تظاهرت بأني اقتنعت بصحة قبولهما في حين ان شكوكا كثيرة خامرتني في صددهما، ولكني رأيت ان استعين بهذا العدد غير المتجانس على القيام بالاختبار الاول لتأسيس الحزب» (من خطاب اول آذار 1938).

ولانه لم يكن قد وضع دستوراً للحزب فقد رأى سعاده ان يكون الطرد بصورة حل للحزب، فدعا الاعضاء الخمسة الى اجتماع وابدى لهم رغبته في تأجيل العمل الحزبي «الى ان اكون قد وجدت استعداداً وتفاهما تامين بين الذين يرغبون في السير معي. وان عملنا قد انتهى وان كل واحد حر» (خطاب اول آذار 1938).

ما يجدر ذكره ان الصعوبات التي رافقت تأسيس الحزب كانت جديرة بأن تثني سعاده عن الاستمرار والعودة مجددا الى البرازيل، كما رغب اليه الرفيق جورج عبد المسيح عندما تعرف على افكار سعاده :«خير لك، يا استاذ، ان تعود الى مهجرك، انت مغشوش بهذا الشعب فالفساد قد غير قلبه، ولا يمكن ان تجد خمسة يمكن ان يجرأوا على عمل كهذا في ظل الانتداب».

بدوره الدكتور انيس فريحة، وكان سعاده قد كاشفه برغبته في تأسيس حزب يكفل للامة وحدتها ورقيها، يجيبه :«اسمك انطون وتأمل ان يكون وراءك قاسم وعلي وعبد الساتر؟ بدعسك على رقبتي ان نجحت في مسعاك».

في رسالته الخامسة الى غسان تويني في 9 تموز 1946 يتحدث سعاده عن ضعف النبتة الحزبية سنة 1933 ويشير :«الى ان الرفقاء الاول للزعيم ومعاونيه متفاوتون في المعرفة والادراك والمؤهلات، فبعضهم تفوتهم تفاصيل هامة لا يدركون قيمتها التاريخية، وبعضهم يميلون الى الناحية الشعرية من الامور، وبعضهم لم يتسن لهم عرفان امور سابقة لعهد دخولهم وغير ذلك».

مع ذلك فالخمسة الذين تحولوا الى ثلاثة، اصبحوا 15، فثلاثين في حزيران 1934، فستين ونيف في آخر العام، حتى اذا عقد اجتماع الاول من حزيران 1935 وفيه تلا سعاده خطابه المنهاجي الاول كان عدد اعضاء الحزب يتجاوز الثلاثمئة.

في فترات السنوات الثلاث من العمل السري ورغم الواقع الذي كانت تفرضه سلطات الانتداب الفرنسي، تمكن الحزب من الانتشار في لبنان والشام واجزاء من فلسطين، ونظم فروعه في منفذيات، ووضع دستوره فضلا عن مبادئه، وقام سعاده بزيارات حزبية الى مناطق طرابلس، الكورة، جزين، برمانا، بيت مري، جل الديب والشوف. وفي تلك الفترة ايضا عين سعاده عمدا وشكل منهم مجلس عمد، اختار شكلا لشعار الحزب من بين اكثر من اقتراح تقدم به رفقاء مهندسون، اصدر اربعة اعداد من مجلة «المجلة» (تلك التي اصدرها والده في الارجنتين ثم في البرازيل) ودعا الأعضاء الى اجتماع حزبي عام في دارة نعمة ثابت وفيه تلا عميد الدعاية والنشر الأمين عبدالله قبرصي تقريرا عن أعمال العمدات وألقى سعاده الخطاب التاريخي الذي يعتبر من وثائق الحزب الهامة والاساسية (اول حزيران 1935).

بدوره أنشأ عميد الدعاية (تسمية عميد الإذاعة في تلك الآونة) أول لجنة إذاعية مركزية.

تمّ ايضا اعتماد بطاقة عضوية، واخرى مالية بحيث يتسلم العضو عند انتمائه وثيقة العضوية (عليها رسمه، توقيعه، وبصمة الإبهام بالإضافة الى معلومات اساسية عنه) وبطاقته المالية التي تنظم تسديده لاشتراكاته الشهرية.

على صعيد وضع الدستور نبرز النقاط التالية:

1- القسم الذي كان يؤديه الرفقاء الاوائل لم يكن في نصه اية اشارة الى القوانين او الأنظمة ولا الى صفة القيادة و صلاحياتها.

2- كل من الأعضاء الأوائل (يقول الأمين جبران جريج ان عددهم 12، إنما في الشروحات التي ترد في الجزء الاول من «من الجعبة» يتبين ان العدد 15) كان يحمل لقب مؤسس وتشكل منهم مجلس سمي «مجلس المؤسسين».

3- كان الأعضاء الأوائل يتوجهون الى سعاده تارة بـ «الاستاذ» وطورا بـ «الرئيس» وأحيانا بـ «الزعيم» الى ان تمّ الاتفاق على اصطلاح تسمية «القائد العام».

4- وضع «القائد العام» التشريع الاساسي للحزب مواد متلاحقة بلغ عددها اربعين او خمسين مادة ان لم يكن اكثر (كما يقول الأمين جبران جريج). وفي الثلث الأول من العام 1934 دعا «القائد العام» مجلس المؤسسين الى اجتماع يعقد للتداول بمسودة «التشريع الاساسي» التي وضعها.

5- عقد مجلس المؤسسين جلسات عديدة لمناقشة المواد واحدة واحدة، وإقرارها. بعد مشادات وخلافات في وجهات النظر وكان سعاده لا يتدخل في النقاش الا قليلا لإيضاح ابهام او شرح إحدى النقاط، توصل «مجلس المؤسسين» الى حسم موضوع الصلاحيات المطلقة للقائد العام، واعتماد تسمية «الزعيم» وتمت إضافة النصوص التي تشير الى القوانين والأنظمة في القسم الحزبي.

6- الأمين عبدالله قبرصي لا يتحدث عن ذلك في مذكراته إنما يفيد انه بعد انتمائه وتعيينه عميدا للدعاية والنشر: «كان علينا في بادئ عهدنا بالنشاط ان نضع دستورا للحزب شاملا لأن دستورنا كان نواة لا بناء شاملا، وقد كلفت بوضع مشروع للدستور وبالفعل وضعته، وتبنى سعاده اكثر ما ورد فيه».

ويضيف: «وما ان أطل علينا الدكتور جورج حكيم حتى كلف بوضع النظام المالي وهو جزء هام من دستورنا. ولا يزال نظامنا المالي الحالي هو نفسه الذي وضعه الدكتور حكيم وناقشناه في مجلس العمد واصدره سعاده بمرسوم تشريعي».

ويضيف ايضا:

«اما المشروع الذي قدمته فظل عرضة للتعديل حتى أبرم في 21/11/1934 ثم صنف في 20 كانون الثاني 1937. وقد عيدنا اول مرة في سجن الرمل عيد دستورنا في 21/11/1935. (من الجعبة الجزء الثاني ص 275/276).

برأينا ان الامرين تلازما الى ان وضع دستور للحزب. خصوصا أن الامين جبران يستند في شرحه عن مجلس المؤسسين الى افادات رفقاء عايشوا تلك المرحلة: جورج عبد المسيح، فؤاد حداد، فكتور اسعد، جميل عبده صوايا، ورفيق مروش.

الاعتقالات الثلاثة التي تعرض لها سعاده

تلك كانت البدايات. اما أهم مفاصل تاريخ الحزب حتى سفر سعاده الى المغتربات عام 1938 فنوردها في السياق التالي:

* الاعتقال الأول: تم اثر انكشاف امر الحزب في 16/11/1935 وقد شكل بداية التحدي بين الحزب والانتداب الفرنسي. واذا كان الفرنسيون رغبوا ان يحاكموا سعاده على امل ان يجهضوا تصميمه على بناء حزب - النهضة، الا ان سعاده حوّل محاكمته الى منبر يطرح فيه أفكار الحزب والى محكمة يدين فيها الارادات الاجنبية التي تريد العبث بمصير الأمة:

«إني متهم بخرق وحدة البلاد الجغرافية وانتهاك حرمة الارض. فأراني مضطرا للقول ان خرق وحدة وطننا الجغرافية وانتهاك حرمة ارضنا قد تمّا بالفعل في «سان ريمو» و«سيفر» و«لوزان» والمسؤولون عن ذلك هم غير الحزب السوري القومي».

الرفيق فكتور اسعد وكان بين الذين اعتقلوا إثر انكشاف امر الحزب يقول: «ما أشد ما كان اعتزازنا نحن في تلك اللحظة وما اعظمه في وقفة العز تلك. كنا نكاد نرقص في قفص الإتهام إعجابا وتحية واعتزازا. يقال ان سعاده ترك لحزبه قضية ونظاما. لقد ترك سعاده للأمة كلها تاريخا مجيدا حافلا بمواقف العز».

وعن ذلك يقول الأمين الياس جرجي في إحدى مقالاته: «بزغ فجر النهضة في السادس عشرمن تشرين الثاني سنة 1935 بعد مرور ثلاث سنوات على تأسيسها السري فتلقى الناس عموما النبأ المفاجئ بمشاعر ومواقف متقاربة ومتناقضة وراحوا جميعا يتسقطون اخبار التحقيق والمحاكمة امام القضاء الاجنبي الفرنسي، وخصوصا ما تكشفت عنه شخصية الزعيم العبقري ودفاعه، من جرأة وصلابة وشجاعة لم يعهد مثيلها الانتداب طيلة وجوده».

اما على صعيد الحزب فيقول سعاده في رسالته الرابعة الى غسان تويني بتاريخ 26 ايار 1946: «لم يكن بين أيدي القوميين الاجتماعيين غير المبادئ والدستور الأول، خطاب الزعيم في اول حزيران 1935 ونص كتاب خصوصي موجه مني الى سائل عن رأيي في العالم العربي. دافع الأعضاء بهذه الوسائل وما اكتسبوه من المحادثات مع الزعيم وما نقل عنه، وبديهي أن هذه الوسائل كانت ناقصة ولا تفي بحاجة عقيدة خطيرة كعقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي ولكن الدعوة القضائية والمحاكمة في المحكمة المختلطة انقذتا الموقف وأحدث دفاع الزعيم في المحكمة ذلك التيار من القوة المعنوية الذي رفع منزلة الحزب في أعين الشعب وأعين الفرنسيين.

في فترة اعتقال سعاده شارك الحزب عبر نائب الزعيم صلاح لبكي، وكل من نعمة ثابت ومأمون اياس في مؤتمر الساحل الثاني، الذي جرى بتاريخ 10 آذار 1936 في منزل السيد سليم علي سلام في بيروت. من الذين حضروا المحامي فوزي بردويل الذي تأثر بموقف الحزب وانتمى اليه (تولى مسؤولية محافظة البقاع لاحقاً).

ومن المعروف أن مؤتمر الساحل نادى بالوحدة السورية وكان له موقف واضح تجاه الانتداب الفرنـسي وتجاه وحـدة الأراضـي السورية.

فيما سعاده في السجن، أصدرت الحكومة اللبنانية المؤتمرة بأوامر السلطات الفرنسية قرارها بحل الجمعية المسماة الحزب القومي السوري (المرسوم الجمهوري رقم E-218 تاريخ 17 آذار 1936). رغم ذلك كانت القيادة الحزبية خارج الأسر، ومعها العديد من الرفقاء، تستقبل سعاده عند خروجه من سجن الرمل وتواكبه إلى المنزل الذي استؤجر له مقابل الجامعة الأميركية. أما قوميو بيروت فقد أشعلوا سماء العاصمة مساء بإطلاق صواريخ الابتهاج والأسهم النارية.

في منزل سعاده، وبعد أن قدم نائب الزعيم صلاح لبكي المسؤولين فرداً فرداً مع تسمية المناطق، وفي أول تصريح له، قال سعاده: «علمت وأنا في السجن أن الحكومة اللبنانية حلت الجمعية المسماة الحزب القومي السوري، أما أنا فأقول أن الحكومة اللبنانية لا تستطيع حل الحزب السوري القومي لأن الحزب السوري القومي أكبر من الحكومة اللبنانية، ولأن الحزب السوري القومي يمثل عقيدة تجري في العروق مع الدم فلا يحل بقرار».

* الاعتقال الثاني: بعد خروج سعاده من أسره الأول في أواسط أيار 1936 تعرّض في أواخر حزيران 1936 لاعتقال ثان.

في الفترة الفاصلة بين الاعتقالين، الأول والثاني، جرت الأحداث التالية:

ـ إصدار سعاده في 15 حزيران لبلاغ عالج فيه الوضع السياسي الشامل لسورية كلها، عرف بالبلاغ الأزرق.

ـ قيام الرفقاء بتأديب الصحافي عارف الغريب بعد تناوله الحزب والزعيم بالكلمات البذيئة.

ـ اجتماع سعاده مع رئيس الغرفة السياسية في المفوضية الفرنسية العليا السيد كيفر Keifer، رافقه فيها الأمين عبدالله قبرصي. في المقابلة التاريخية تمنى كيفر أن ينهج الحزب سبل التبشير كإصدار مجلات فكرية في القدس ودمشق وبيروت وتأليف كتب، وأن يتخلى عن كونه حزباً شبه عسكري، إلا أن جواب سعاده الصريح الواضح هو أنه يريد لأفكاره التحقيق العملي الفعلي في الشعب، ولا يريدها كتباً توضع على رفوف المكتبات.

يقول سعاده في رسالته من الأرجنتين إلى القوميين الاجتماعيين المنشورة في الجزء السادس من الآثار الكاملة (ص 63) ما يلي: «كانت المقابلة ودية أظهرت فيها كل التساهل الذي تسمح به قضيتنا القومية، وأفهمت السيد كيفر أن مصالح سورية وفرنسا المتبادلة توجب على المفوضين الفرنسيين الاعتراف بحركتنا والتفاهم معنا. ولكن رئيس الغرفة الفرنسية كان يطمع، على ما يظهر، بالحصول على اكثر من هذه النتيجة مني».

ـ إصدار مرسوم الطوارىء في 20/6/1936 الذي ينظم الإجراءات التي يجب اعتمادها في حال اعتقال الزعيم وهيئة الإدارة العليا. هذا المرسوم عثرت عليه السلطات مع الرفيق فؤاد شاوي. لذا تعدى التحقيق مع سعاده حين اعتقاله مسألة تأديب الصحافي عارف الغريب، إلى توجيه تهمة مباشرة إلى سعاده وهي إعادة تشكيل الحزب السياسي الذي كان صدر مرسوم جمهوري بحله.

* * *

في 8 تموز 1936، أي بعد اعتقال سعاده بأيام، جرت تظاهرات حزبية أمام سجن الرمل والعديد من السرايات المحلية في المناطق، كانت قررتها القيادة الحزبية دعماً لموقف سعاده ورفقائه في السجن.

وفي 27 تموز جرى تأديب ثان للصحافي الغريب (تمّ في ضهور الشوير عندما التقى به الرفقاء وعرفوه فأشبعوه ضرباً).

في أوائل تشرين الثاني 1936 خرج سعاده من الأسر (أي بعد نيف وأربعة أشهر). في 16 منه وجه نداء إلى القوميين الاجتماعيين يقول فيه: «إني أخرج من السجن بكفالة مالية قدرها خمسماية ليرة لبنانية سورية عائداً الى وسطكم لنتابع معاً عملنا القومي الصحيح وخططنا السياسية بدون أي تغيير او تبديل فيها». ثم يضيف: «إن موقفنا السياسي فيما يختص بالسياسة الجارية والأوضاع الحالية لن يكون على غير ما أعلناه في البلاغ الأزرق الصادر بتاريخ 15 حزيران 1936 وعالجنا فيه القضايا السياسية المحلية، ولن يكون على غير ما هو واضح في شرح غاية الحركة السورية القومية وخططها. إن خصوم الحركة القومية لا يعدمون أن يجدوا في كل خطة سياسية فنية من خطط الحركة موقعاً للتأويل. فمنعاً لأي التباس، نصرّح بأن مبادئنا ستظل هي هي، وبأن كل برنامج سياسي فرعي سيكون مؤسساً على هذه المبادىء ومستمداً منها».

الاحداث بعد الاعتقال الثاني

من الأحداث التي جرت بعد خروج سعاده من الأسر الثاني نورد ما يلي:

* في أواسط شهر تشرين الثاني 1936 حصلت الفتنة الطائفية في بيروت، فعالجها سعاده بأن أصدر نداء إلى القوميين الاجتماعيين، وطلب إلى منفذية بيروت أن تنظم فرقاً من الرفقاء تتوجه الى مناطق البسطة والجميزة والأشرفية لمنع الصدامات ولتوزيع نداء سعاده. كذلك عمد الى نشر مقال في مجلة «الجمهور» بعنوان «دم الغوغاء».

جدير بالذكر ان تشكيلات حزبية بدأت تظهر، رغم ان قانون قمع الجرائم يمنع قيامها.

فسياسة فرنسا ان تقسو وتلاحق الحزب السوري القومي الاجتماعي من جهة، اما من جهة اخرى فأن تشجع على انشاء احزاب من نوع آخر تخدم مصالحها، والتشكيلات هي التالية:

- حزب «الوحدة اللبنانية» برئاسة توفيق عواد الا انه سرعان ما انهار وانتهى.

- حزب «الجبهة القومية اللبنانية» برئاسة المحامي يوسف السودا.

- حزب اشتراكي النزعة برئاسة الصحافي فؤاد الشمالي (كان يصدر جريدة باسم «المريخ»).

- حزب «الكتائب اللبنانية».

- «النجادة» ومن مؤسسيها واول رئيس لها قائد الكشاف المسلم، الصحافي والنائب محي الدين النصولي. (تسلم الرئاسة فيما بعد عدنان الحكيم).

الى جانب تلك التشكيلات، وبالاضافة الى الحملات المنظمة التي كانت تستهدف الحزب السوري القومي، وتقودها صحف مأجورة، فقد صدر في اواسط الثلاثينات مؤلفان ضد الحزب، احدهما من منطلق شيوعي بعنوان «اصابع الاستعمار والفاشيستية في بلادنا ــ الحزب السوري القومي لفايز يارد، والثاني من منطق كنائسي للخور اسقف لويس خليل (وكان برتبة مرسل بطريركي ماروني) بعنوان «الحزب السوري مؤامرة على الدين والوطن». وقد أشار سعاده في المحاضرة الاولى من «المحاضرات العشر» الى الخور اسقف المذكور.

* في هذه الاثناء كان الغليان يعم فلسطين نتيجة السياسة البريطانية المشجعة للهجرة اليهودية، فكان قرار الزعيم المشاركة في التصدي المسلح للاستعمار البريطاني على ارض فلسطين وفي رد الغزوة اليهودية المتصاعدة، وقد سقط للحزب في ثورة العام 1936 الرفيق حسين البنا (من شارون) والقائد الرفيق محمد سعيد العاص.

للرفيق سعيد العاص سجل حافل بالنضال، فقد كان قائدا للجبهة الشمالية في الثورة السورية عام 1925 قبل ان ينضم الى الثورة التي اندلعت في فلسطين عام 1936 حيث التقى هناك بفرقة من المتطوعين للقتال «افرادها من مناطق متعددة ومن طوائف دينية مختلفة. فكان فيها ابن الشوف وابن المتن وابن بيروت وابن صيدا من لبنان وابن حيفا والناصرة ويافا وما جاورها من فلسطين. وكان فيها المحمدي والمسيحي والدرزي، وهي الفرقة الوحيدة التي اجتمع افرادها على تعداد مناطقهم وتباعدها، اجتماعا مقصودا ظهروا فيه بوحدة روحية وفكرية متينة ميزتهم عن جميع المجاهدين الآخرين، وكان تصرفهم النظامي في غاية الدقة والحماس.

«استلفتت هذه الفرقة نظر القائد سعيد العاص فأعجب بروحيتها ونظامها اعجابا كبيرا وحمله اعجابه على البحث عن سر روحيتها ونظامها فسأل افرادها فأخبروه بأمرهم وعرفوه حقيقة العقيدة السورية القومية الاجتماعية التي يدينون بها. (الجزء الاول من سيرة شهداء الحزب ــ الخالدون).

نعود الى سعاده وهو يدير الصراع من بيروت فننقل هنا مقطعا ورد في خطبة القاها عام 1933 في النادي الفلسطيني في بيروت ففيه يتوضح كيف كان سعاده يستشرف اوضاع امته، يقول: «اني اخشى ان تكون سوريانا آخذة في الانزلاق من ايدينا المتفرقة، ففي الجنوب تتراجع الخطوط السورية امام الحدود اليهودية وفي الشمال تتقلص الحدود السورية امام الحدود التركية». وايضا نقرأ مقطعا من رسالة وجهها سعاده الى الرفيق عبد الله نعواس في فلسطين، بتاريخ 25 حزيران 1936 يقول فيها: «ان مركز الحزب اليوم في حالة لا يتمكن البعيد من تقديرها، فنحن في معركة شديدة وان تكن صامتة مع قوى الحكومة والقوى الرجعية التي ترى في حركة الحزب السوري القومي خطرا على كيانها وهذا الضغط في مركز العمل يجعل اشتراك المركز في حوادث سورية غير ممكن من الوجهة العملية، لذلك اعتمدنا على مجهودات اعضائنا في تلك المناطق لقيام بواجبهم في هذه الظروف»، ثم يضيف: «ان وصيتي اليوم اليكم والى جميع السوريين القوميين في الجنوب هي ان يقوم كل فرد بما يدعوه اليه الواجب القومي في الظروف العصيبة الحاضرة وان لا يسمح احدكم باليأس يتسرب الى قلبه عند مشاهدته الفوضى في العمل وما يؤدي اليه من نتائج، بل ان يظل كلكم يؤمن بأمته التي لن تموت وبحزبه الذي يسير دائما الى امام».

(يتبع)

هوامش:

(1) عرف بقانون قمع الجرائم الذي كان يعني ان كل فئة تتجاوز الخمسة اشخاص تجتمع في مكان ما بغير اذن رسمي وتشاء الحكومة ان تظن انه يوجد مقاصد وراء الاجتماع فلم يكن ما يمنع من دخول رجال التحري والامن العام واستياق المجتمعين الى دوائر التحقيق.

الديار (10 10 2006)

 

مزيد من الأخبار

10 10 2006

 

لبنان يتسلم خرائط انسحاب الألفين وقائد الجيش لإزالة أية تعديات على «الأزرق»

الرياض تحرص على جميع الطوائف ... وبري يستعد لزيارة دمشق وطهران

التشكيلات الدبلوماسية عقـدتها «الأمانـة العامـة» ... و«القضائيـة» في التوزيع الطائفي

جلسة استثنائية الاثنين للوضع المالي والاقتصادي تمهيداً لمؤتمر دعم لبنان

مجلس الوزراء يبحث مشكلة الرمل العالي بعد درس الخطة الصحية وتعديلها

تأكيد منع المخالفات في كل المناطق واستمرار التحقيق لتحديد المسؤوليات

مبادرة قطرية في غزة بمباركة عربية أميركية:

اشتراطات «الرباعيـة» في لغة سـياسية مفهومة

واشنطن تطالب مجلس الأمن بحصار بحري ومالي

كوريا الشمالية تفي بوعدها: تفجير نووي يهز العالم

الحزب السوري القومي الاجتماعي 75 عاماً من النضال والمقاومة والثورة والاستشهاد والتحالفات والازمات (1)

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى