موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:45:54 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

13 تشرين الأول 2006

الحزب السوري القومي الاجتماعي 75 عاماً من النضال والمقاومة والثورة والاستشهاد والتحالفات والازمات (4)

حزب الكتائب دبّر حادثة الجميّزة باحراق مطبعة الجيل الجديد والحكومة استغلتها لاعتقال ‏سعاده

حسني الزعيم نكث بشرفه العسكري وسلمه الى السلطة اللبنانية التي أعدمته بعد محاكمة ‏صورية

اعداد: كمال ذبيان

اثار الاستقبال الشعبي الكبير والذي فاق المئة الف مواطن، الحكومة اللبنانية وشعرت بالخطر ‏على أشخاصها وعلى مواقعهم في السلطة، فقررت ابعاد الزعيم عن الحياة السياسية لاسيما ‏وان عودته جاءت عشية الانتخابات النيابية في ايار 1947، فقامت دورية من قوى الامن بعد ‏وصول سعاده باربع وعشرين ساعة بمحاولة القاء القبض عليه، وفي الوقت الذي كانت دائرة ‏الامن العام تطلبه من اجل الاستفسار منه عما ورد في خطابه، ولكن القيادة الحزبية، الحت ‏على سعادة عدم الاستجابة لطلب الامن العام، فاصدرت الدوائر المختصة مذكرة احضار ‏اتبعتها بعد وقت قصير بمذكرة توقيف دون أي مبرر قانوني أو سبب، مما اضطر سعاده الى ‏التواري عن انظار السلطة، وتنقل في عدد من المناطق في ضهور الشوير، عين عنوب، بشامون ‏وغيرها، وقام القوميون بحراسة سعاده وانتشروا على التلال في ضهور الشوير.‏

المشاركة في انتخابات 1947‏

ورغم صدور مذكرة التوقيف، قرر سعاده ان يشترك الحزب في الانتخابات النيابية في ايار ‏‏1947، ويخوضها في جبهة مستقلة في جميع انحاء الجمهورية اللبنانية، نظراً لقوة الحزب في اوساط ‏الشعب وقوته بحد ذاته، وفعلاً بدأت قيادة الحزب تعد العدة للانتخابات وتأليف الجبهة ‏الانتخابية، واصبح مقر الزعيم في ضهور الشوير، مرجعية للسياسيين اللبنانية والصحافيين، ‏ويعلنون تأييدهم للحزب وبرنامجه الانتخابي، واصدر سعاده اربع بيانات موجهة الى الشعب ‏اللبناني في 6 آذار و5 نيسان و16 يار و30 ايار.‏

وحصلت الانتخابات في 25 ايار 1947، وقامت الحكومة بممارسة التزوير في الانتخابات، وتم ‏اخراج ممثلي المعارضة من اقلام الاقتراع لاسيما القوميين، وتم التعامل معهم بالعنف. واصدر ‏سعاده بيانا توجه فيه الى الشعب اللبناني حول الانتخابات وقال فيه: ان الحزب القومي ‏يعلن ان الانتخابات التي جرت في 25 ايار هي انتخابات باطلة لا قيمة صحيحة لنتائجها، ‏لثبوت التزوير والتزييف لذلك، وان كل هيئة تنبثق منها لا صلاحية لها لتمثيل ارادتك.‏

طرد نعمة ثابت ومأمون اياس

وبعد اربعة اشهر على عودته، اتخذ سعاده قراراً بطرد نعمة ثابت ومأمون اياس من الحزب، ‏واسقط لبننة الحزب واعلان الاسم الجديد للحزب الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقام بتوضيح ‏الحدود الشرقية للامة السورية بحيث تضم العراق، وكشف ان الخطر الصهيوني لا يقتصر على ‏فلسطين بل يهدد كل اجزاء الامة السورية.‏

ولم يمض وقت قليل الا وكان طرد فايز صايغ في 9 كانون الاول 1947 (فلسطيني) من الحزب وكان ‏عميداً للاذاعة والثقافة فيه، بسبب ارائه وافكاره الفلسفية الفردية.‏

الجيش القومي الاجتماعي

ومع تركيزه للوضع الداخلي في الحزب وتثبيت هويته العقائدية، واخراج المنحرفين منه عن ‏عقيدته، وفي الوقت الذي كان يواجه فيه ملاحقات ومضايقات السلطة في لبنان ويدعو الى تغيير ‏النظام السياسي فيه، تابع سعاده باهتمام تطورات المسألة الفلسطينية، وهو الذي تنبه ‏الى الخطر الصهيوني، وبدأ تفكيره يتجه الى تنظيم صفوف القوميين لمواجهة هذا الخطر، وقد ‏أعلن في خطاب له «ان القوميين الاجتماعيين هم اليوم في حالة حرب من اجل فلسطين.. على جميع ‏نظار التدريب والمدربين ان يحصوا القوميين الاجتماعيين جرائد جرائد. وعلى جميع المنفذيات ‏العامة والمديريات التابعة لها فتح سجلات تطوع الذين يريدون الانضمام الى الجيش القومي ‏الاجتماعي ليحاربوا تحت راية الزوبعة. ان الحرب نفسها يجب أن يبتدئها الذين اعلنوا انهم ‏قد هيأوا للحرب وان يشترك فيها الذين اعلنوا انهم لها، فاذا كان الامر مجرد شعوذة، واذا ‏كان القروض المالية والمصالح السياسية والاقتصادية قد جعلت التهديدات انبهاراً وخدعة، ‏فان قوتنا تقف متأهبة ليوم اعلنه بارادة الشعب، ولا نساق اليه سوقاً بسياسة الخصوصيات ‏والاختلاطات الغربية، ان يوم 30 تشرين الثاني هو يوم حداد للقوميين الاجتماعيين وعبره ‏للامة السورية».‏

شكلت فلسطين الاساس عند سعاده، ولكنه لم يتراجع عن مراقبة تصرف الانظمة السياسية في ‏الكيانات السورية، التي خيرها بانها مطية للارادات الخارجية، حيث ظهرت ممارسات الطبقة ‏السياسية الحاكمة في لبنان وسوريا. فقام رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي بتعديل ‏الدستور السوري لتجديد انتخابه، وهو ما فعله بشارة الخوري في لبنان عبر تزوير ‏الانتخابات النيابية ليأتي بنواب يجددون له في رئاسة الجمهورية.‏

واعتبر سعاده ان محاولة تعديل الدستور لصالح القوتلي ستتوجه ملكا على جمهورية الشام، ‏وهي محاولة غير حقوقية، من اساسها، هي لعبة سياسية للقفز فوق الاساس الحقوقي الدستوري.‏

الندوة الثقافية

ولم يترك الزعيم شأناً الا وتابعه، لاسيما مع ابتعاده مدة تسع سنوات عن قيادة الحزب، فوضع ‏الثقافة في اولى اهتماماته الى جانب الاعداد العسكري لمقاومة العدو الصهيوني، فأنشأ في 8 ‏كانون الثاني 1948 الندوة الثقافية، بعد الانحراف العقائدي الذي اصاب بعض المسؤولين ‏الحزبيين، فنظم سلسلة محاضرات بلغت عشرة واختتمها في 4 نيسان 1948، وقد تم جمع هذه ‏المحاضرات بكتاب عرف بـ«المحاضرات العشر».‏

ويقول سعاده في محاضرته الاولى التي القيت في 8 كانون الثاني 1948: ان النهضة لها مدلول ‏واضح عندنا وهو: خروجنا من التخبط والبلبلة والتفسخ الروحي بين مختلف العقائد الى ‏عقيدة جلية صحيحة واضحة نشعر انها تعبر عن جوهر نفسيتنا وشخصيتنا القومية والاجتماعية ‏الى نظرة جلية قوية الى الحياة والعالم. ان استغرابي بلغ حدا عالياً عندما وجدت ان اعضاء ‏الحزب السوري القومي الاجتماعي يدعون انفسهم قوميين اجتماعيين، لانهم مسجلون رسمياً في الحزب، ‏يتقولون في قضايا الحزب والعقيدة والحركة كما لو كانوا جماعة غرباء عن الحركة القومية ‏الاجتماعية بالكلية».‏

وهذا المقطع من احدى محاضرات سعاده في الندوة الثقافية تكشف انه كان يعيد بناء الحزب ‏عقائدياً، ويؤهل القوميين اعضاء ومسؤولين فكرياً، بعد الميعان الذي اصاب الحزب والانحراف ‏الذي اخذه اليه بعض القياديين فيه.‏

النظام الجديد

ورافق الندوة الثقافية صدور مجلة النظام الجديد في اذار 1948، وكانت تصدر شهرياً، واصدر ‏منها الزعيم ستة اعداد، كان يوجه فيها القوميين نحو الكتابة في مسائل فكرية وثقافية ‏وفلسفية وانسانية.‏

واختار سعاده اسم النظام الجديد لتحمل خطط التفكير الجديد كما يقول في مقال في العدد ‏الاول منها، اي وضع تفكير قومي اجتماعي، ومخططات النظام الجديد الذي تسير عليه الحركة ‏القومية الاجتماعية بالامة نحوه، كما ترسمها مدرسة الفكر القومية الاجتماعية.‏

ومع صدور مجلة النظام الجديد الثقافية، عطلت الحكومة اللبنانية في 9 نيسان 1948 جريدة ‏الحزب الرسمية «الجيل الجديد» ودام التعطيل سنة كاملة وثلاثة ايام وافرج عنها في 12 نيسان ‏‏1948.‏

احداث سبقت الثورة القومية

لقد سبق الثورة القومية الاجتماعية الاولى التي اعلنها سعاده وقبل عام من حصولها، اعلان ‏‏«دولة اسرائيل» بعد مسرحية قامت بها الجيوش العربية التي حركتها الانظمة العربية ‏المرتبطة بالدول الاجنبية والمخابرات البريطانية والاميركية، والتي شنت حرباً صورية لتكريس ‏تقسيم فلسطين من خلال القرار الذي اتخذته الامم المتحدة في 29 تشرين الثاني عام 1947، ‏فردت عليه الجامعة العربية التي انشئت في العام 1945 بتأسيس «جيش الانقاذ» بقيادة فوزي ‏القاوقجي، لكن الملك عبدالله عاهل الاردن اجتمع في 12 نيسان 1948 مع اثنين من كبار ‏المسؤولين الصهاينة هما «شرتوك» وقائد عصابات « الهاغاناه» في منطقة الغور المعروف بـ«ابي ‏يوسف» في مزرعة محمد الضباطي، واتفق الجانبان حسبما يقول عبدالله التل على قبولهما مشروع ‏التقيم، وتكون عملية تحريك الجيوش ما هي الا عملية لتغطية التقسيم والقبول بالكيان ‏الصهيوني، وكان منتصف ليل 15 أيار 1948، هو الليل الاسود في الامة والذي تم فيه تكريس ‏اغتصاب فلسطين على يد انظمة عربية متآمرة.‏

وولدّت هذه المؤامرة المدبرة والمكشوفة، غضباً في الرأي العام العربي، وكان الرد عليها ‏بانقلابات عسكرية افتتحها حسني الزعيم في سوريا، في 30 آذار 1949 الذي تبين فيما بعد ان ‏انقلابه كان من تدبير خارجي وتحديداً اميركي لامتعاض نقمة الفلسطينيين والعرب على خسارة ‏فلسطين وتشريد شعبها الذي وعد بالعودة، وما زال يعيش في الشتات، ويمنع عليه حق العودة ‏رغم صدور القرار 194.‏

الاعداد للثورة

مع النكبة التي اصابت الشعب الفلسطيني، قرر سعاده الاعداد للثورة على النظام اللبناني ‏وهو الذي كان يحضر له منذ عودته من مغتربه القسري، واسّر بذلك الى عدد من معاونيه ومن ‏بينهم عبدالله قبرصي الذي كتب في مذكراته ان الزعيم كلف العقيد زهران يمين تدريب القوميين ‏للجهاد في فلسطين ولتغيير واقع الانظمة ومنها النظام في لبنان.‏

وقد رافق التحضير للثورة مقالات وخطب وبيانات كان يتوجه بها سعادة الى الشعب اللبناني ‏يعري فيها الطبقة السياسية الحاكمة ويكشف مفاسدها ويحذر من خطرها على لبنان.‏

وبدأ سعاده يعد القوميين نفسياً للثورة، ففي خطاب له في اول اذار 1949، وكان خطاب ‏الوداع، يقول: كل ما فينا هو من الامة، وكل ما فينا هو للامة، الدماء التي تجري في ‏عروقنا عينها ليست ملكنا بل هي وديعة الامة فينا ومتى طلبتها وجدتها. نحن حركة صراع، ‏لذلك نحن حركة قتال، حركة صراع بالمبادىء التي نحمل. قلت ان الحياة تعني لنا وقفة عز ‏واننا نقتل العيش لنقيم الحياة.‏

هذا التوجيه السياسي والنفسي كان يقصد منه سعاده مواجهة مع النظام اللبناني الذي ‏فتح المعركة معه، منذ عودته الى الوطن، اذ قرر اركان السلطة الحاكمة تصفية سعاده جسديا ‏ليرتاحوا منه، بعد ان شكل خطراً عليهم، وعلى مصالحهم المرتبطة بمصالح دول خارجية.‏

حادثة الجميزة

وكانت شرارة المؤامرة على سعاده من منطقة الجميزة التي بدأت تحتضن العقيدة القومية ‏الاجتماعية، مما اغاظ حزب الكتائب، الذي قرر التصدي لزعيم الحزب والتعدي عليه، اثناء ‏حضوره الى المطبعة التي نطبع فيها جريدة «الجيل الجديد» في الجميزة ويملكها آل فضول.‏

قرر حزب الكتائب عقد اجتماع له في مواجهة المطبعة في 9 حزيران 1949، وارادوا من هذا ‏الاجتماع استفزاز القوميين والتعرض لهم ولزعيمهم، وهذا ما حصل، فعند الساعة السابعة ‏والنصف مساء حضر سعاده الى المطبعة ليأخذ لمحة عن سير العمل فيها، وليكتب مقالة فيها، وفي ‏هذه الاثناء بدأ الكتائبيون يتوافدون واصبح عددهم 300 شخص، في الوقت الذي كان عدد من ‏مرافقي الزعيم من القوميين ينتظرون خروجه من المطبعة، وبعد انتهاء مهرجان الكتائب، ‏قام عدد منهم وتعرضوا لاحد القوميين عند خروجه من المطبعة وقالوا له «عد الى المطبعة وقل ‏لانطون ان يطلع هو» فدخل وبلغ ما جرى. استمع الزعيم الى ما حصل واستمر في عمله واستقبل ‏وفدا من منفذية دمشق وقرر ان ينتقل مع الوفد الى منزله في رأس بيروت، وخرج الزعيم ‏متحديا بنظراته جموع الكتائب يحيط به بعض القوميين، فهدأ الضجيج وتوقفت ايدي التهديد ‏والوعيد، وتقدم الى السيارة وادى له القوميون التحية وهتفوا بحياته، ثم دخل السيارة ‏وسارت به مع الوفد بدون اي حادث، وبعد برهة رمى احدهم حجرا في اثر السيارة، بعد ذلك ‏هجم ما بين 150 و200 من عناصر الكتائب على المطبعة ومن تبقى فيها واعتدوا عليهم ‏فجرحوا ثلاثة بالرصاص، وبعد اكثر من نصف الساعة اقتحم الكتائبيون المطبعة واضرموا ‏النار فيها، بالرغم من الاتصالات التي اجرتها ادارة الجريدة بالشرطة وبالامن العام ‏والدرك.‏

صدرت تعليمات من الزعيم بالمحافظة على الهدوء الى ان ينجلي الموقف ومن يقف وراءه ثم اخذ ‏يتأهب لزيارة الجرحى، الا انه وقبل ان ينتقل جاءه رسول يخبره ان السلطة تتحرك في اعتقال ‏القوميين وانها تداهم منزله، فتركه وتوجه الى منزل آخر، وشنت قوى الامن حملة اعتقالات ‏للقوميين وقيادتهم، وداهمت مركز الحزب في شارع المعرض وفتشوه وختموه بالشمع الاحمر.‏

تمكن الزعيم من الافلات من قوى الامن ووصل الى دمشق وقرر اعلان الثورة ضد السلطة في لبنان، ‏فاستنفر القوميين وتألفت منهم فصائل مقاتلة، واعلن سعاده عن قيادة للثورة اطلق عليها ‏اسم «قيادة الثورة القومية الاجتماعية العليا الاولى»، التي اصدر بلاغها الاول وجاء فيه: ‏‏«ان الرجال المتسلطين على الشعب اللبناني بطرق الارهاب والتزوير في الانتخابات والتنكيل ‏بالقوى السياسية الفتية الناهضة بمبادئ الحياة الاجتماعية الجديدة قد داسوا ارادة الشعب ‏الحر، ووقفوا حجر عثرة في سبيل حريته ومحاربين للمبادئ السياسية العامة التي تؤمن خيره ‏وارتقاءه. لذلك يعلن الحزب القومي الاجتماعي الحكومة طاغية خارجة عن ارادة الشعب ‏اللبناني، وان الحكومة اللبنانية الخائنة حرية الشعب، العابثة بحقوق ابنائه، قد فرضت ‏بجشعها ورعونتها الثورة للدفاع عن الحرية المقدسة، وقد قبلت حركة الشعب الكبرى التحدي ‏واعلنت الثورة، والى الثورة على الطغيان الخيانة ايها الشعب النبيل.‏

اعلان الثورة

اعلن سعاده الثورة في 4 تموز 1949، وكان التقى اثناء وجوده في دمشق حسني الزعيم الذي ‏اكرمه واهداه مسدسه وامن له اللجوء والحماية، ووعده بمد ثورته بكل ما يحتاج اليه من ‏سلاح، وقد وثق سعاده به، لكن احد مساعدي حسني الزعيم الضابط ابراهيم الحسيني شك بوعود ‏رئيسه واخبر نذير فنصة الذي روى انه قال له: نحن في ورطة وانا خائف من عواقبها. ان ‏انطوان سعاده في حمى حسني الزعيم، وانا اعتقد بانه ينوي تسليمه الى السلطات اللبنانية، ‏وقال فنصة للحسيني: مستحيل ان يقدم الزعيم على عمل كهذا، فقال الحسيني: عيب علي ان ‏انفذ امرا بتسليم انطون سعاده، عليك بالتدخل فوراً.‏

ذهب فنصة الى عديله حسني الزعيم وسأله مستفسرا حول موضوع تسليم سعاده فقال له: ان ‏هناك ضغطا عليه من بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية ومن رياض الصلح، فقال لحسني ‏الزعيم، أليس من العار ان تسلم شخصا تعرف انه سيعدم بعدما منحته الامان فقال حسني ‏الزعيم: انهم يطلبون مني حتى ان ادبر قتله هنا في دمشق وانا لن افعل ذلك طبعا، لذا ‏سأسلمه؟

في هذا الوقت كان القوميون يقومون بالثورة، وتحركوا لاحتلال مخافر الدرك في اكثر من منطقة ‏وتمكنوا في المتين والغبيري، واصطدموا مع قوات الدرك، في الوقت الذي كانت فصائل من ‏القوميين تتقدم في مشغرة التي استشهد فيها الضابط القومي الصدر عساف كرم، الذي طوقته ‏قوة من الدرك بعد ان وصلت معلومات الى الحكومة عن تحركات للقوميين حيث قتل في سرحمول نقيب ‏في الدرك من آل شمعون.‏

فشلت الثورة، وسقط شهداء من القوميين والدرك، وقامت الحكومة بحملة اعتقالات واسعة في ‏صفوف الحزب.‏

في هذا الوقت لم يتمكن نذير فنصة من اقناع حسني الزعيم بان لا يسلم سعاده الى الحكومة ‏اللبنانية، وان يؤمن له سفراً الى خارج سوريا، فوعده بان يفعل ذلك وقال له اقسم بشرفك ‏العسكري انك لن تسلم انطوان سعاده فقال له «بشرفي العسكري».‏

وبعد ثلاثة ايام حضر ابراهيم الحسني بسرعة الى مكتب فنصة في القصر الجمهوري وقال له: الم ‏يقسم لك حسني الزعيم بشرفه العسكري انه لن يسلم انطون سعاده لقد طلبني الى منزله في ‏الصباح، وقال لي ان ادبر قتل انطون سعاده فقلت له: انني لا اقتل احدا ولا ادبر مقتل ‏احد. وبعد اربعة ايام عقب خلوة طويلة بين حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي، وله ‏نسب مع رياض الصلح، قال الزعيم لفنصة: جاءتنا برقية مستعجلة من القاهرة ان الملك ‏فاروق يريدك لامر هام، فسافر اليوم، او غداً الطائرة بانتظارك في المطار لتقلك؟ قائد ‏الطائرة كان عصام مزبود وهو سوري قومي اجتماعي، وصل فنصة الى القاهرة، ولم يكن هناك ‏اي طلب من الملك فاروق لحضوره.‏

تسليم سعاده

وفي ليلة السادس من تموز نكث حسني الزعيم بشرفه العسكري وسلم سعاده الى وفد لبناني ضم ‏مدير الامن العام الامير فريد شهاب، قائد الدرك نور الدين الرفاعي، فابتسم سعاده واعاد ‏الى حسني الزعيم المسدس الذي كان اهداه اياه عربون صداقة وتعاون وقال له: شكرا.‏

كان لدى الوفد تعليمات بقتل سعاده على الحدود اللبنانية ـ السورية بحجة انه حاول الهرب ‏لكنهم ترددوا في ارتكاب الجريمة.‏

وصل سعاده الى بيروت في السابع من تموز وتقرر وقتئذ استجوابه ومحاكمته في محاكمة صورية ‏والحكم عليه في الحال خوفا من ان يتسرب خبر اعتقاله الى القوميين.‏

عرف سعاده بنيات السلطة وطلب تعيين اميل لحود محاميا عنه، ورفض لحود ان يكون محاميا في ‏محاكمة صورية لم تتوافر فيها ابسط اسباب العدالة وانسحب، فقال له سعاده انا اعرف ‏النهاية يا اميل اريدك ان تبقى لكنه انسحب، وتكلم سعاده امام المحكمة ساعتين، ثم دخلت ‏هيئة المحكمة للتداول وفي الساعة السابعة والنصف من مساء 7 تموز 1949 صدر حكم المحكمة ‏العسكرية بالاعدام، وبعد ساعتين فقط اجتمعت لجنة العفو واعطت قرارها، وكان رئيس ‏الجمهورية بشارة الخوري ينتظرها ساهرا، ووصلت الاوراق المعدة للتوقيع، وكان الشرط ان ‏يقتل الزعيم فور تسلمه من الشام فلا يسمع كلماته احد.‏

شكراً لجلاديه

وفي الساعة الواحدة والنصف من فجر 5 تموز بدأت عملية التنفيذ، فحضر الكاهن الذي عرفه، ‏وقد استقبل سعاده حكم الموت هادئا فشرب فنجان قهوة وقال: انه لا يخاف الموت ولا ضرورة ‏لعصب عينيه فقالوا: بل هو القانون وعصبوا عينيه وحين ركع احس بحصاة تحت ركبتيه فطلب ‏إزالتها لانها تؤلمه، وحين أزيلت ابتسم وقال لجلاده: شكرا، ومن كلماته الاخيرة: لقد اتممت ‏رسالتي وختمتها بدمي انا اموت اما حزبي فباق، وان موتي شرط لانتصار قضيتي وشكراً.‏

وانطلق الرصاص في ذلك الفجر، من دون ان يرى سعاده زوجته وبناته الثلاث وترك له ‏اربعماية ليرة ومنزل في ضهور الشوير، ودفن في مدافن مار الياس بطينا.‏

‏(يتبع)‏

الديار (13 10 2006)


الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة