موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:44:46 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

مـلـف

الحزب السوري القومي الاجتماعي 75 عاماً من النضال والمقاومة والثورة والاستشهاد والتحالفات والازمات (7)

ابراهيم يموت: اعلان سعاده الثورة كان الخيار الوحيد المتاح في وجه سلطة طاغية

المسيحيون كانوا خائفين من اذابتهم في الاكثرية المحمدية والمحمّديون خافوا من الزعامة ‏المسيحية للحزب

اعداد: كمال ذبيان

ابراهيم يموت من الصحابة الاوائل لسعاده الذي تعرف عليه منتصف الثلاثينات، وكان على ‏تواصل معه من موقع مسؤوليته، فهو دوّن الكثير من اللقاءات والاجتماعات والمرويات ‏والملاحظات في مفكرة خاصة، كما صوّر معظم المناسبات الحزبية والسياسية، ويحفظ ارشيفاً ‏حزبياً، ويختزن ذاكرة دونها في كتابيه «الحصار المر» و«اضواء على العقيدة القومية ‏الاجتماعية».‏

تسلم يموت مسؤوليات عديدة في الحزب من المديرية الى المناصب العليا وكان آخرها رئيسا ‏للمجلس الأعلى في الانتفاضة التي شاركا فيها مع عدد من الامناء والقوميين في عام 1957، ‏وانحازوا فيها الى جورج عبد المسيح الذي طرد من الحزب بسبب اغتيال العقيد عدنان المالكي، ‏الذي يرفض يموت هذه التهمة، ويعتبر الاغتيال مؤامرة مدبرة، ولا علاقة للحزب بها.‏

التحق يموت بتنظيم سمي الانتفاضة مع «العم» وهو اللقب الذي اطلقه مؤيدو عبد المسيح ‏عليه. في هذه الحلقة يفتح يموت ذاكرته ويتحدث.‏

يبدأ يموت حديثه عن معرفته وانتمائه للحزب فيقول:‏

واكبتُ الحزب السوري القومي وانا طالبٌ في الجامعة الاميركية في بيروت منذ عام 1935، وازداد ‏اهتمامي بمبادئه في السنتين التاليتين، واجريتُ حوارات مطوّلة مع رفقاء لي في الدراسة كانوا ‏منتمين الى الحزب منهم الرفيق حلمي معلوف، شقيق فوزي ورشدي وفخري. وانا احتفظ للذكرى ‏بعدد مجلّة المعرض الممتاز الذي صدر في الخامس والعشرين من شباط 1936 لصاحبها ميشال زكور ‏احد اركان الكتلة الدستورية آنذاك.‏

في ذلك العدد مقالٌ لزعيم الحزب عنوانهُ «ما دفعني الى انشاء الحزب السوري القومي. كما ‏تصدَّرَتْ العدد مبادئ الحزب الاساسية والاصلاحية، وفيه مقالات لزكي النقاش الذي كان عُضواً في ‏مجلس العُمد للحزب، ومقال لفؤاد سليمان عنوانه «الزعيم». ومقال لعبدالله قبرصي بعنوان ‏‏«بين السّجن والعرس» مع صورة له ولعروسه جورجيت وهو بالطربوش، ومقال لمأمون ايّاس ‏بعنوان «الزعيم في السجن» ومقال بعنوان «الامة التي تستحقّ ان تَصيرَ دولةً لصلاح لبكي ‏ومقال «العوامل الفعّالة في تكوين الامة لرشدي معلوف ومقالات اخرى لاعضاء في الحزب لصلاح ‏الاسير وجورج حكيم ومفوّض الشرطة اسعد الايوبي ونعمة تابت والاستاذ روبير ابيلا مع صورة ‏اخذت اثناء محاكمة الحزب انذاك يظهر فيها سعاده مُحاطاً بنعمة تابت وزكي النقاش. كما ‏تنشرَ لأول مرة خطاب الزعامة الذي ألقي في الاول من حزيران 1935. ‏

انتميتُ رسمياً الى الحزب في الاسبوع الاول من عام 1938، وكان لي حظ التعرف الى سعاده شخصياً ‏خلال ذلك العام وقبل نهاية العام الدراسي كان المنفذ العام لمنفذية الجامعة الاميركية يوسف ‏صايغ وهو الشقيق الاكبر لفايز صايغ، ثم خلفَهُ في المنفذية الصيدلي رائف زنتوت وهو صاحب ‏صيدلية المدينة في شارع الحمراء. كان سعاده يوُلي اهتماماً خاصاً بمنفذية الجامعة ويحضر اكثر ‏اجتماعاتها. خلال شباط من ذلك العام جرى اجتماع حزبي للمنفذية في بيت حدّاد في رأس بيروت ‏حضرهُ سعاده.‏

انقل من مذكراتي في ذلك التاريخ ان سعاده تكلم عن الوضع المتردّي في البلاد وعمّآ جابههُ ‏الحزب من عداء المواطنين والمستعمرين له، وعمّآ يرتبه ذلك على المتعلمين من السوريين ‏القوميين من واجب العناية بنشر المبادئ السورية القومية. وقال ان قيمة الشهادات هي بما ‏يستطيع حاملوها ان يخدموا بلادهم وشعبهم. ‏

بعد هذا الاجتماع الاول اصبحتُ اشعُر بفخر واعتزاز لاني تعرفت الى زعيم الحزب وتحادثتُ معه ‏واستمعت الى شروحه. هذا الشعور بالفخر لم يقتصر عندي وانما تعدّاه الى الاعجاب بالزعيم ‏الذي يكاد يتفجّر اخلاصاً وايماناً، وتشعُّ منه قوةٌ شخصيةٌ طاغية الا انها محبَّبة ويتدفّق الحديث ‏منه بتسلسُل ووضوح وليْن مما لم نكن نعهدُه، فيأخذ النفوس بسحر البيان وقوّة المنطق. كان ‏لهذا الاجتماع الاول بالزعيم اثرٌ بارزٌ، واضاف الى الانطباع الذي تكوّن لديَّ عن الزعيم ‏الصارم، الشديد البأس، الرسوليّ الكلام، صورة الانسان الذي يمازج المستويات الفكرية ‏المتفاوتة ويفعل فيها بقوّة الاقناع والمنطق والقدوة الحسنة.‏

المناسبة الثانية التي رأيت فيها سعاده عن كثب ذلك العام كانت في الاجتماع الذي عُقِدَ ‏بمناسبة ذكرى اول آذار في الرابعة من بعد الظهر، وهي ذكرى مولد سعاده ولها اهميّة خاصة في ‏حياة الحزب اذ انها تكونُ مناسبة لمراجعة الذات واستخلاص العبَر من الحوادث التي مرّت على ‏الحزب والبلاد خلال عام.‏

الاجتماع كان في بيت زكريا اللبابيدي وحَضَرهُ مسؤولو الحزب المركزيون ومندوبون عن المناطق. ‏وصدر في اليوم نفسه كتاب نشوء الامم الذي وضعه سعاده في السجن. جاء الزعيم الى الاجتماع ‏باللبّاس الحزبي الرسمي - قميص رصاصيّة دون قبّة على بنطلون غامق اللون مزموم عند الاسفل ‏كالذي يرتديه الفُرسان، وعلى ذراعه رباطٌ عليه الزوبعة الحمراء.‏

دخل سعاده بين صفيّن من القوميين آخذين له التحية الحزبية، وارتجل خطاباً استغرق ساعتين ‏وربع مرّت على القوميين الاجتماعيين وكأنها دقائق. هذا الخطاب الهامّ مسجَّل ضمن مجموعة ‏‏«الاعمال الكاملة» وتضمّن سرداً تاريخيّاً للاحداث التي سبقتْ نشوء الحزب ومنها الفتوحات ‏المتتالية التي تعرّضتْ لها البلاد وسبَّبَتْ انقطاع المجاري الثقافية للامّة وسيادة الفوضى. واتى ‏على ذكر «القومية العربية» التي يقول بها الكثيرون من المتعاطين بالشأن السياسي خالطين ‏بينها وبين وجود امم عربية دعا الحزب الى جَمعَها في جبهة عربيّة.‏

الاجتماع الثالث الذي كان لي حظ الاستماع الى سعاده كان الاجتماع الاخير لمنفذية الجامعة في ‏نهاية العام الدراسي وقد عُقِدَ في الثاني والعشرين من ايار عام 1938 وكان في بيت الدكتور ‏نسيب همّام في شارع عمر بن عبد العزيز قرب الجامعة. من مدوناتي عمّا قاله سعاده في ذلك ‏الاجتماع كان التشْديد على اهميّة التنظيم والاخلاص في العمل. ضرب لنا مثلاً في حوادث الشوف ‏وبكفيّا الاخيرة التي خرج الحزب منها موفور الكرامة بعد صدام مع السلطات والفئات المحليّة ‏المعادية وذلك بفضل قوة التنظيم والارادة المصمّمة البعيدة عن التهوّر. قال ان القوميين ‏ليسوا الآن صماء تتحرك بصورة آليّة كما انهم ليسوا بمتسرّعين ولا متهورين، ولا يسيرون ‏بعواطفهم، وان عليهم ان يكونوا رسلَ خير للشعب السوري.‏

نشاط الحزب في بيروت

وعن انتشار الحزب في بيروت والانتماء اليه من العائلات البيروتية يقول يموت: كان للحزب ‏نشاط قوي في بيروت وفيها مركز الحزب وعلى رأسه سعاده. توزع قوميو بيروت على مديريات ‏تجمعهم منفذية عامة، وكان على رأسها منفذ عام تحملت صيف عام 1938 مؤولية القائم ‏باعمال المنفذية وكانت المديريات فيها تحمل اسماء تتضمن رموزاً حزبية. هناك مديرية الحرية ‏في منطقة الزيدانية ومديرها خضر سلام ومديرية الواجب في المزرعة ومديرها خليل محيو ‏ومديرية النظام في وطى المصيطبة ومديرها بديع عبد الصمد، ومديرية القوة في فرن الشباك ‏ومديرها محمود الفران، والنصر في الناصرة ومديرها احمد الشيخ، والتجدد في زقاق البلاط ‏ومديرها متعهد الصحف المعروف يومذاك قاسم الزين، والكفاح في عائشة بكار والتضامن في ‏محلة العكاوي - النهر ومديرها ادوار توتنجي، والقومية في ملعب السلام في الاشرفية ‏ومديرها حبيب الحلو والاقدام في حي السراسقة في الاشرفية ومديرها رافع جريديني، والجهاد في ‏الاشرفية محلة السيوفي ومديرها ميشال حداد.‏

وهناك مديريات جبل النار في البسطة وتعاقب على ادارتها محمد راشد اللادقي ووفيق الزين ‏والتعاون في رأس بيروت والنجاح في الصنائع ومديرية الغبيري وثانية في الجميزة واخرى في ‏الرميل وغيرها. وكما حملت اسماء المديريات رموزاً معبرة فان اسماء المديرين، احمد وميشال ‏ومحمود وادوار وقاسم حملت رموزا اشد دلالة واعمق معنى للحياة الحزبية الجديدة تنبأ بفخر ‏جديد للوحدة القومية الصحيحة.‏

فكانت فترة الثلاثينات مرحلة التأسيس والانتقال الى العمل العلني والصراع مع الاستعمار ‏الفرنسي. وقد اوقف سعاده مع معاونيه مرات عديدة واحيل الجميع الى محاكمات متتالية. ‏فكان لهذه المحاكمات فضل في تعريف المواطنين بالحزب ومبادئه. ويجدر بنا ان نذكر ان المحاكمات ‏كان يتولاها القضاء الفرنسي ويجب الاعتراف ان مبادىء الثورة الفرنسية الكبيرة كانت تتجلى ‏في الكثير من تصرفات القضاة واحكامهم.‏

بيروت كانت ولا تزال مكاناً يتعدد فيه الطوائف والمذاهب، وقد وجد الكثير من المواطنين في ‏مبادىء الحزب حلولا للانقسامات الطائفية والمذهبية التي كانوا يعانون منها. كانت تبذل في ‏سبيل اقناعهم بمبادىء الحزب جهود مضنية وحوارات متواصلة، ولم يكن يقبل في الحزب الا من ‏تثبت قناعته بالمبادىء. وكان قبل الانتساب يخضع لامتحانات متتالية قاسية. لم يهتم الحزب ‏بقبول المواطنين المقبلين على الحزب كيفما كان. كان هناك لجان ادخال مدرّبه وكان المبدأ هو ‏مبدأ النوعية لا الكمية ولعل ذلك كان اساس استمرار القوميين الفاعل حتى اليوم.‏

‏* وكيف جذب الحزب المواطنين اليه لا سيما المسلمون منهم وزعيمه مسيحي؟

كان المحمديون تجذبهم فكرة الوحدة مع الشام، ومنهم من كان يرتاح لان داعية الوحدة ‏السورية زعيم مسيحي. كان اشد المحاربين للحزب من كان يحركهم الانتداب الفرنسي فكان يخيف ‏المسيحيين بان الحزب يعمل على اذابة المسيحيين في الاكثرية المحمدية ويخيف المحمديين من الزعامة ‏المسيحية للحزب. الا ان تلك الاساليب لم تكن فاعلة في المواطنين الذين يبحثون عن الغاء ‏الاستغلال الطائفي في العمل السياسي ويتقبلون فكرة فصل الدين عن الدولة التي تتبعه الامم ‏الراقية مع اعطاء لكل من الدولة والدين حقهما وفي الحياة جنبا الى جنب من دون الدخول في ‏العلمانية التي تعطي للدين مركزا ثانويا. ومنها من ينفي وجود الدين.‏

كان سعاده يتعامل مع العداوات التي جابهها من افراد متعصبين بروح التسامح فهو لم يأت ‏ليلغي هؤلاء وانما لتنويرهم. فقد حدث ان صرح بيار الجميل وهو رئيس حزب الكتائب يومذاك ‏بانه يريد ان يكسر رأس «انطون سعاده». وحين تعرض بيار الجميل الى اعتداء من الدرك ‏بالضرب ارسل اليه باقة من الزهور الى مستشفاه. وحين سئل عن سبب ارسال تلك الباقة قال ‏‏«ان الشيخ بيار طلب كسر رأسي وانا اطلب سلامة رأسه. وما هو الا مواطن تعرض لاعتداء ‏فواجبنا الوقوف الى جانبه. وبالمناسبة انضم الى صفوف الحزب موريس الجميل وظل يحوز على ‏تأييد الحزب له بعد ان طلب اعفاءه من قسمه. وكان عبد الله الجميل، ابن عم بيار، منفذا ‏عاما لبيروت وهو الذي اشرف على الفيلم السينمائي الذي سجل عودة سعاده عام 1947.‏

كان من الطبيعي ان يكون السياسيون الذين يستغلون الطائفية في عملهم السياسي اخصاما ‏للحزب لانه يقطع عليهم طريق هذا الاستغلال، ويحاربهم عن طريق نشر الوعي القومي بدل ‏الانغلاق الطائفي. وقد استقطبت مبادىء الحزب الكثير من افراد العائلات البيروتية على مختلف ‏طوائفهم ومذاهبهم ومستوياتهم رجالا ونساء وكان من الصعب ان تجد عائلة بيروتية دون ان ‏يكون من بين افرادها اعضاء في الحزب. ويندرج المنتسبون تحت كل الطبقات فمنهم العامل ‏البسيط ومنهم النافذ في قومه وعائلته، وكان يجتمع في مديرية واحدة العامل وصاحب عمله ‏دون تمييز في المستوى الاجتماعي او الفرق الطائفي ويطول ذكر الشخصيات البيروتية التي ‏انخطرت في الحزب فهي من كل المستويات وكل الطوائف والمذاهب من رجال ونساء.‏

لم ينقطع الاقبال على الحزب خلال اغتراب سعاده القسري بين 1938 و1947 وذلك بسبب وجود ‏الناشطين والمندفعين للعمل الحزبي الرسول لم يكن الاتصال منقطعا مع سعاده فهناك جرائد ‏يشرف عليها الحزب في المهجر، تصل الى الوطن ورغم اتجاهات نعمه ثابت ومأمون اياس وغيرهم من ‏الذين تسلموا الادارة الحزبية في لبنان نحو «لبننة الحزب» فان كبار المسؤولين الاخرين كانوا ‏ينتقدون تلك الادارة دون ان ينتفضوا عليها وهم يعرفون ان الزعيم على رأسهم ويتابع ‏اخبار الانحرافات ويوجه الرسائل التوجيهية للادارة وللقوميين الاجتماعيين.‏

الاغتراب القسري لسعاده

* وعن فترة اغتراب سعاده القسري في المهجر ومن قاد الحزب وما هي نشاطاته؟

كان الادخال في الحزب مستمر في الوطن بين المواطنين وحتى في السجون والمعتقلات وكان وجود سعاده ‏في المهاجر اضطراريا، ولو بقي في الوطن لكان وجوده محفوفا باخطار السجن والاعتقال ‏والاغتيال ولذلك من الصعب ان نقدر وضع الحزب لو ظل سعاده في الوطن. في غياب سعاده كان ‏لدى القوميين شيء ثابت وهو ان الزعيم موجود على رأس الحزب، كنا نشعر بان وجود الزعيم ‏ولو بعيدا عن الوطن يكفي لان يجنب المسؤولين والاعضاء مسؤولية الدخول في نزاع يتناول بحث ‏موضوع اللبننة وغيرها، جنبنّا سعاده الخوض في الموضوع حين خاطبنا برسائله قائلا دعوا ‏الديبلوماسية تعمل عملها وهو واثق من ان مجمل السوريين القوميين وحتى ابسطهم لا تغيب ‏عنهم عقيدة الحزب وانهم اذا ما قبلوا بالاتجاه اللبناني الجديد فان قبولهم كان بفعل ‏النظام.‏

اصدر نعمه ثابت، رئيس المجلس الاعلى في الوطن كراسا بتاريخ 16 ايلول عام 1945 جمع فيه ‏اراءه في «لبننة الحزب» تحت عنوان «الواقع اللبناني» والقى ما ورد فيه من خطاب تحت ‏عنوان «يوم لبنان» في بعقلين نسب كل ما ورد في مبادئ الحزب بشأن الامة السورية الى لبنان ‏وقد اوردت صورة لذلك الكراس الواقع في اربع عشرة صفحة في كتاب «اضواء على العقيدة في ‏باب الوثائق».‏

وفي مواضيع الانحرافات خاطب سعادة القوميين في احدى رسائله: «لتفعل ادارتكم العليا كل ما ‏تقدر عليه في ميدان السياسة والديبلوماسية فذلك من خصائصها. اما انتم فاياكم من صرف ‏عقولكم وقلوبكم الى السياسة والديبلوماسية ، واحذروا من اختلاط السياسة والديبلوماسية ‏واغراضها بعقيدتكم» وقال في مكان آخر : «الظاهر ان الحزب قبل انتشار الواقع اللبناني ‏بحكم النظام فقط لانني وجدت ان مجموع القوميين الاجتماعيين لم يتقيدوا بفكرة واحدة من هذه ‏الافكار».‏

لم يقرر سعادة ان يبت بهذا الموضوع الحساس الا بعد العودة الى الوطن ومحاورة المسؤولين ‏المعنيين واعطائهم كل امكانيات الدفاع عن مواقفهم وهذا ما فعله بعد العودة مما يعرفه ‏السوريون القوميون بالتفصيل، فاجرى محاورات طويلة مع الذين قدّر انحرافهم عن العقيدة، ‏كان بنتيجتها تطهير الحزب من هؤلاء المنحرفين دون ان يسبب ذلك للحزب اي اضطراب. وفي ‏محاوراته عمل كل ما في استطاعته ليجنب المسؤولين عن الانحراف، وهم في الطبقة العليا من ‏المسؤولين ان يجنبهم الاقصاء الا ان تمسك بعض هولاء بمواقفهم ادى الى اخراجهم من الحزب. لقد ‏مارس سعاده مع هؤلاء ارقى مسالك الديموقراطية اذ قال لهؤلاء ان اراءكم تختلف عن اراء ‏الحزب فاذهبوا والفوا حزبا ينسجم مع ارائكم.‏

لعب الحزب دورا في استقلال لبنان وكان منه شهداء ابعدت السلطة الفرنسية مسؤولي الدولة ‏الى قلعة راشيا وكان هناك رفقاء قوميون معتقلون عملوا على نقل اخبار ما يجري في الخارج ‏وحاولوا تقوية معنوياتهم التي كانت بحاجة الى من يقويها. وبعد خروج هولاء عملوا على ‏اخراج كل القوميين الاجتماعيين من السجون الا ان امكانيات اشتراك الحزب في الحكم كانت ‏معدومة، كان ذلك مطلع عام 1944.‏

وتحدث يموت عن المسؤوليات التي تسلمها:‏

لا اذكر انني كنت بعيدا عن المسؤوليات الحزبية خلال الاربعينات. بعد ان كنت قائما باعمال ‏منفذية بيروت جاءت مداهمة مركز الحزب السري في رأس بيروت بتاريخ 27 تموز 1940 واعتقال ‏المسؤولين المتواجدين فيه، وبالرغم من ذلك جاءتنا تعليمات من داخل السجن بتأليف مجلس ‏عمد جديد برئاسة كامل ابو كامل وكنت انا ناموس ذلك المجلس، استمرينا في العمل بعيدا عن ‏اعين السلطة الى ان وصل الدور الينا، اعتقل كامل في احراش بشامون واعتقلت انا في التاسع ‏من ايلول 1940 وسجنت مع كامل وبعض الرفقاء في سجن القلعة العسكري في رأس بيروت بقيت في ‏ذلك السجن حوالي اربعة اشهر ثم قضيت في سجن الرمل خمسة اشهر اخرى، وخرجت من ذلك السجن في ‏‏11 حزيران 1941 مع كامل الرفقاء الموجودين وذلك بعد ان افرغ السجن بسبب غارات القوات ‏الانكليزية الزاحفة مع الديغوليين الفرنسيين من فلسطين نحو لبنان.‏

عدت بعد الخروج من سجن الرمل الى العمل الحزبي بعد فترة نقاهة امضيتها في بسكنتا الا ان ‏السلطات الديغولية الجديدة في لبنان عادت الى ملاحقة افراد الحزب اعتقلت من مقعدي ‏الدراسي في الجامعة الاميركية وارسلت مع رفقاء كثيرين الى معتقل الميه وميه في 23 كانون اول ‏‏1941 وبقيت هناك حتى مطلع عام 1944 ولم يكن لي امل في العودة الى الجامعة الاميركية وقد ‏انقضى الفصل الاول من الدراسة، كنت قبل اعتقال الميه وميه قد انهيت دراسة السنتين ‏التحضيريتين للطب الا ان طول مدة السجون والمعتقل اخذت من مدة دراستي خمس سنوات مما جعلني ‏اقرر دراسة بكالوريوس ادارة الاعمال التي انهيتها صيف 1947 انتقلت بعد ذلك فورا الى ‏شركة طيرن الشرق الاوسط لاشغل فيها رئيسا للمحاسبة لفترة 38 عاما..‏

عودة سعاده

وعن عودة سعاده والاستقبال الحاشد له يتحدث يموت:‏

كنت اشغل اثناء ذلك مركز وكيل لعميد مالية الحزب وكنت سلمت ادارة المخيم القومي في تلة ‏الدحدوح في ضهور الشوير عام 1946 وبقيت مديرا للمخيم خلال عام 1947، عام عودة سعادة ‏من المهاجر، يوم عودة سعاده في الثاني من اذار كنت بين مستقبليه وتظهر لي صورة في مقدمة ‏موكبه وانا اهدىء من سرعة السيارة التي تقدمت الموكب ويظهر فيها سعاده والكثير من ‏مسؤولي الحزب، كنت على الشرفة التي خطب سعاده من عليها وخاطب فيها المحتشدين الآتين من شتى ‏الكيانات السورية. البيت يخص مأمون اياس ويقع اليوم مكان مستشفى الساحل في اول طريق ‏المطار.‏

اذكر ان سعاده وبعد القاء خطابه التاريخي انصرف الى مقابلة بعض المسؤولين في الحزب. كان لي ‏شرف ان يقابلني. سألني عن وضع المخيم القومي في ضهور الشوير عن برنامج المخيم لذلك ‏العام. دخل في تفاصيل دلت على انه كان متابعا لنشاط المخيم ولنشاطات اخرى بحثها مع ‏بقية المسؤولين وكأنه كان يعيش معهم.‏

المسؤوليات التي تحملتها اثناء وجود سعاده بين 1947 ــ 1947 كانت الاستمرار في مسؤولية ‏وكيل لعميد المالية ومديرا للمخيم القومي، ثم كلفني سعاده بادارة المكتب الاعلى المختص ‏‏(م. ا. م) وهو مكتب سري ملحق مباشرة بسعادة وكان يزوده بمعلومات سياسية وعسكرية ‏واجتماعية وحزبية تتناول الكيانات السورية وهو من نوع مكتب لاستقصاء المعلومات. وقد ‏افصحت لأول مرة عن اعمال هذا المكتب بالتفصيل في كتاب «الحصاد المر» اذ رأيت وقد مضى ‏يومذاك حوالى الاربعة والاربعين عاما على استشهاد سعاده ان اميط اللثام عن احد انجازات ‏سعادة في عالم الاستقصاءات ولأعطي دليلا على ان سعاده لم يكن يهمل اي شأن يكون فيه فائدة ‏للنهضة القومية الاجتماعية رغم انشغالاته المتعددة.‏

كان خطاب سعاده في آذار 1949 هو العودة الى ساحة الجهاد. عادت هتافات تحيا سورية ويحيا ‏سعاده بعد ان غابت كلمتا سورية وسعاده عن الهتاف ايام نعمه تابت كما عادت اعلام ‏الزوبعة الحمراء تخفق مجددا بعد ان استحدثت ادارة نعمه تابت علما غريبا.‏

حين اعلنت اسرائيل دولتها ذكر سعاده في خطاب له اننا نحضّر لمجابهة العدو بالإعتماد على ‏صفوف التدريب العسكري وانشاء صف ضباط يكون على استعداد لمواجهة اسرائيل. وقد اختير ‏لهذا الصيف - وكنت انا احد اعضائه - العقيد زهران يمّين والنقيب جوزف نبهان لتدريبه في ‏حرب المقاومة - حرب العصابات.‏

همّ سعاده، بعد تطهير الصف الحزبي من الانحرافات في التحضير لمجابهة قيام الدولة العبريّة ولم ‏يكن واردا عنده القيام بثورة ضد النظام والطبقة الحاكمة. لم يكن عمل المكتب الاعلى ‏المختص الذي توليت ادارته يشمل العسكريين القوميين الاجتماعيين فهذا الفرع تولاّه وليم ‏سابا على ان تبقى اسماء العسكريين الرفقاء مكتومة.‏

‏(يتبع)‏

الديار (16 10 2006)


العودة إلى الصفحة الأولى من الملف

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة