|
|
|
آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:44:46 AM |
|
اعداد: كمال ذبيان
ابراهيم يموت من الصحابة الاوائل لسعاده
الذي تعرف عليه منتصف الثلاثينات، وكان على تواصل معه من موقع
مسؤوليته، فهو دوّن الكثير من اللقاءات والاجتماعات والمرويات
والملاحظات في مفكرة خاصة، كما صوّر معظم المناسبات الحزبية
والسياسية، ويحفظ ارشيفاً حزبياً، ويختزن ذاكرة دونها في كتابيه
«الحصار المر» و«اضواء على العقيدة القومية الاجتماعية».
تسلم يموت مسؤوليات عديدة في الحزب من
المديرية الى المناصب العليا وكان آخرها رئيسا للمجلس الأعلى في
الانتفاضة التي شاركا فيها مع عدد من الامناء والقوميين في عام 1957،
وانحازوا فيها الى جورج عبد المسيح الذي طرد من الحزب بسبب اغتيال
العقيد عدنان المالكي، الذي يرفض يموت هذه التهمة، ويعتبر الاغتيال
مؤامرة مدبرة، ولا علاقة للحزب بها.
التحق يموت بتنظيم سمي الانتفاضة مع
«العم» وهو اللقب الذي اطلقه مؤيدو عبد المسيح عليه. في هذه الحلقة
يفتح يموت ذاكرته ويتحدث.
يبدأ يموت حديثه عن معرفته وانتمائه
للحزب فيقول:
واكبتُ الحزب السوري القومي وانا طالبٌ
في الجامعة الاميركية في بيروت منذ عام 1935، وازداد اهتمامي بمبادئه
في السنتين التاليتين، واجريتُ حوارات مطوّلة مع رفقاء لي في الدراسة
كانوا منتمين الى الحزب منهم الرفيق حلمي معلوف، شقيق فوزي ورشدي
وفخري. وانا احتفظ للذكرى بعدد مجلّة المعرض الممتاز الذي صدر في
الخامس والعشرين من شباط 1936 لصاحبها ميشال زكور احد اركان الكتلة
الدستورية آنذاك.
في ذلك العدد مقالٌ لزعيم الحزب عنوانهُ
«ما دفعني الى انشاء الحزب السوري القومي. كما تصدَّرَتْ العدد مبادئ
الحزب الاساسية والاصلاحية، وفيه مقالات لزكي النقاش الذي كان عُضواً
في مجلس العُمد للحزب، ومقال لفؤاد سليمان عنوانه «الزعيم». ومقال
لعبدالله قبرصي بعنوان «بين السّجن والعرس» مع صورة له ولعروسه
جورجيت وهو بالطربوش، ومقال لمأمون ايّاس بعنوان «الزعيم في السجن»
ومقال بعنوان «الامة التي تستحقّ ان تَصيرَ دولةً لصلاح لبكي ومقال
«العوامل الفعّالة في تكوين الامة لرشدي معلوف ومقالات اخرى لاعضاء في
الحزب لصلاح الاسير وجورج حكيم ومفوّض الشرطة اسعد الايوبي ونعمة تابت
والاستاذ روبير ابيلا مع صورة اخذت اثناء محاكمة الحزب انذاك يظهر
فيها سعاده مُحاطاً بنعمة تابت وزكي النقاش. كما تنشرَ لأول مرة خطاب
الزعامة الذي ألقي في الاول من حزيران 1935.
انتميتُ رسمياً الى الحزب في الاسبوع
الاول من عام 1938، وكان لي حظ التعرف الى سعاده شخصياً خلال ذلك
العام وقبل نهاية العام الدراسي كان المنفذ العام لمنفذية الجامعة
الاميركية يوسف صايغ وهو الشقيق الاكبر لفايز صايغ، ثم خلفَهُ في
المنفذية الصيدلي رائف زنتوت وهو صاحب صيدلية المدينة في شارع
الحمراء. كان سعاده يوُلي اهتماماً خاصاً بمنفذية الجامعة ويحضر اكثر
اجتماعاتها. خلال شباط من ذلك العام جرى اجتماع حزبي للمنفذية في بيت
حدّاد في رأس بيروت حضرهُ سعاده.
انقل من مذكراتي في ذلك التاريخ ان سعاده
تكلم عن الوضع المتردّي في البلاد وعمّآ جابههُ الحزب من عداء
المواطنين والمستعمرين له، وعمّآ يرتبه ذلك على المتعلمين من السوريين
القوميين من واجب العناية بنشر المبادئ السورية القومية. وقال ان قيمة
الشهادات هي بما يستطيع حاملوها ان يخدموا بلادهم وشعبهم.
بعد هذا الاجتماع الاول اصبحتُ اشعُر
بفخر واعتزاز لاني تعرفت الى زعيم الحزب وتحادثتُ معه واستمعت الى
شروحه. هذا الشعور بالفخر لم يقتصر عندي وانما تعدّاه الى الاعجاب
بالزعيم الذي يكاد يتفجّر اخلاصاً وايماناً، وتشعُّ منه قوةٌ شخصيةٌ
طاغية الا انها محبَّبة ويتدفّق الحديث منه بتسلسُل ووضوح وليْن مما
لم نكن نعهدُه، فيأخذ النفوس بسحر البيان وقوّة المنطق. كان لهذا
الاجتماع الاول بالزعيم اثرٌ بارزٌ، واضاف الى الانطباع الذي تكوّن
لديَّ عن الزعيم الصارم، الشديد البأس، الرسوليّ الكلام، صورة الانسان
الذي يمازج المستويات الفكرية المتفاوتة ويفعل فيها بقوّة الاقناع
والمنطق والقدوة الحسنة.
المناسبة الثانية التي رأيت فيها سعاده
عن كثب ذلك العام كانت في الاجتماع الذي عُقِدَ بمناسبة ذكرى اول آذار
في الرابعة من بعد الظهر، وهي ذكرى مولد سعاده ولها اهميّة خاصة في
حياة الحزب اذ انها تكونُ مناسبة لمراجعة الذات واستخلاص العبَر من
الحوادث التي مرّت على الحزب والبلاد خلال عام.
الاجتماع كان في بيت زكريا اللبابيدي
وحَضَرهُ مسؤولو الحزب المركزيون ومندوبون عن المناطق. وصدر في اليوم
نفسه كتاب نشوء الامم الذي وضعه سعاده في السجن. جاء الزعيم الى
الاجتماع باللبّاس الحزبي الرسمي - قميص رصاصيّة دون قبّة على بنطلون
غامق اللون مزموم عند الاسفل كالذي يرتديه الفُرسان، وعلى ذراعه رباطٌ
عليه الزوبعة الحمراء.
دخل سعاده بين صفيّن من القوميين آخذين
له التحية الحزبية، وارتجل خطاباً استغرق ساعتين وربع مرّت على
القوميين الاجتماعيين وكأنها دقائق. هذا الخطاب الهامّ مسجَّل ضمن
مجموعة «الاعمال الكاملة» وتضمّن سرداً تاريخيّاً للاحداث التي سبقتْ
نشوء الحزب ومنها الفتوحات المتتالية التي تعرّضتْ لها البلاد
وسبَّبَتْ انقطاع المجاري الثقافية للامّة وسيادة الفوضى. واتى على
ذكر «القومية العربية» التي يقول بها الكثيرون من المتعاطين بالشأن
السياسي خالطين بينها وبين وجود امم عربية دعا الحزب الى جَمعَها في
جبهة عربيّة.
الاجتماع الثالث الذي كان لي حظ الاستماع
الى سعاده كان الاجتماع الاخير لمنفذية الجامعة في نهاية العام
الدراسي وقد عُقِدَ في الثاني والعشرين من ايار عام 1938 وكان في بيت
الدكتور نسيب همّام في شارع عمر بن عبد العزيز قرب الجامعة. من
مدوناتي عمّا قاله سعاده في ذلك الاجتماع كان التشْديد على اهميّة
التنظيم والاخلاص في العمل. ضرب لنا مثلاً في حوادث الشوف وبكفيّا
الاخيرة التي خرج الحزب منها موفور الكرامة بعد صدام مع السلطات
والفئات المحليّة المعادية وذلك بفضل قوة التنظيم والارادة المصمّمة
البعيدة عن التهوّر. قال ان القوميين ليسوا الآن صماء تتحرك بصورة
آليّة كما انهم ليسوا بمتسرّعين ولا متهورين، ولا يسيرون بعواطفهم،
وان عليهم ان يكونوا رسلَ خير للشعب السوري.
نشاط الحزب في بيروت
وعن انتشار الحزب في بيروت والانتماء
اليه من العائلات البيروتية يقول يموت: كان للحزب نشاط قوي في بيروت
وفيها مركز الحزب وعلى رأسه سعاده. توزع قوميو بيروت على مديريات
تجمعهم منفذية عامة، وكان على رأسها منفذ عام تحملت صيف عام 1938
مؤولية القائم باعمال المنفذية وكانت المديريات فيها تحمل اسماء تتضمن
رموزاً حزبية. هناك مديرية الحرية في منطقة الزيدانية ومديرها خضر
سلام ومديرية الواجب في المزرعة ومديرها خليل محيو ومديرية النظام في
وطى المصيطبة ومديرها بديع عبد الصمد، ومديرية القوة في فرن الشباك
ومديرها محمود الفران، والنصر في الناصرة ومديرها احمد الشيخ، والتجدد
في زقاق البلاط ومديرها متعهد الصحف المعروف يومذاك قاسم الزين،
والكفاح في عائشة بكار والتضامن في محلة العكاوي - النهر ومديرها
ادوار توتنجي، والقومية في ملعب السلام في الاشرفية ومديرها حبيب
الحلو والاقدام في حي السراسقة في الاشرفية ومديرها رافع جريديني،
والجهاد في الاشرفية محلة السيوفي ومديرها ميشال حداد.
وهناك مديريات جبل النار في البسطة
وتعاقب على ادارتها محمد راشد اللادقي ووفيق الزين والتعاون في رأس
بيروت والنجاح في الصنائع ومديرية الغبيري وثانية في الجميزة واخرى في
الرميل وغيرها. وكما حملت اسماء المديريات رموزاً معبرة فان اسماء
المديرين، احمد وميشال ومحمود وادوار وقاسم حملت رموزا اشد دلالة
واعمق معنى للحياة الحزبية الجديدة تنبأ بفخر جديد للوحدة القومية
الصحيحة.
فكانت فترة الثلاثينات مرحلة التأسيس
والانتقال الى العمل العلني والصراع مع الاستعمار الفرنسي. وقد اوقف
سعاده مع معاونيه مرات عديدة واحيل الجميع الى محاكمات متتالية. فكان
لهذه المحاكمات فضل في تعريف المواطنين بالحزب ومبادئه. ويجدر بنا ان
نذكر ان المحاكمات كان يتولاها القضاء الفرنسي ويجب الاعتراف ان
مبادىء الثورة الفرنسية الكبيرة كانت تتجلى في الكثير من تصرفات
القضاة واحكامهم.
بيروت كانت ولا تزال مكاناً يتعدد فيه
الطوائف والمذاهب، وقد وجد الكثير من المواطنين في مبادىء الحزب حلولا
للانقسامات الطائفية والمذهبية التي كانوا يعانون منها. كانت تبذل في
سبيل اقناعهم بمبادىء الحزب جهود مضنية وحوارات متواصلة، ولم يكن يقبل
في الحزب الا من تثبت قناعته بالمبادىء. وكان قبل الانتساب يخضع
لامتحانات متتالية قاسية. لم يهتم الحزب بقبول المواطنين المقبلين على
الحزب كيفما كان. كان هناك لجان ادخال مدرّبه وكان المبدأ هو مبدأ
النوعية لا الكمية ولعل ذلك كان اساس استمرار القوميين الفاعل حتى
اليوم.
* وكيف جذب الحزب المواطنين اليه لا
سيما المسلمون منهم وزعيمه مسيحي؟
كان المحمديون تجذبهم فكرة الوحدة مع
الشام، ومنهم من كان يرتاح لان داعية الوحدة السورية زعيم مسيحي. كان
اشد المحاربين للحزب من كان يحركهم الانتداب الفرنسي فكان يخيف
المسيحيين بان الحزب يعمل على اذابة المسيحيين في الاكثرية المحمدية
ويخيف المحمديين من الزعامة المسيحية للحزب. الا ان تلك الاساليب لم
تكن فاعلة في المواطنين الذين يبحثون عن الغاء الاستغلال الطائفي في
العمل السياسي ويتقبلون فكرة فصل الدين عن الدولة التي تتبعه الامم
الراقية مع اعطاء لكل من الدولة والدين حقهما وفي الحياة جنبا الى جنب
من دون الدخول في العلمانية التي تعطي للدين مركزا ثانويا. ومنها من
ينفي وجود الدين.
كان سعاده يتعامل مع العداوات التي
جابهها من افراد متعصبين بروح التسامح فهو لم يأت ليلغي هؤلاء وانما
لتنويرهم. فقد حدث ان صرح بيار الجميل وهو رئيس حزب الكتائب يومذاك
بانه يريد ان يكسر رأس «انطون سعاده». وحين تعرض بيار الجميل الى
اعتداء من الدرك بالضرب ارسل اليه باقة من الزهور الى مستشفاه. وحين
سئل عن سبب ارسال تلك الباقة قال «ان الشيخ بيار طلب كسر رأسي وانا
اطلب سلامة رأسه. وما هو الا مواطن تعرض لاعتداء فواجبنا الوقوف الى
جانبه. وبالمناسبة انضم الى صفوف الحزب موريس الجميل وظل يحوز على
تأييد الحزب له بعد ان طلب اعفاءه من قسمه. وكان عبد الله الجميل، ابن
عم بيار، منفذا عاما لبيروت وهو الذي اشرف على الفيلم السينمائي الذي
سجل عودة سعاده عام 1947.
كان من الطبيعي ان يكون السياسيون الذين
يستغلون الطائفية في عملهم السياسي اخصاما للحزب لانه يقطع عليهم طريق
هذا الاستغلال، ويحاربهم عن طريق نشر الوعي القومي بدل الانغلاق
الطائفي. وقد استقطبت مبادىء الحزب الكثير من افراد العائلات البيروتية
على مختلف طوائفهم ومذاهبهم ومستوياتهم رجالا ونساء وكان من الصعب ان
تجد عائلة بيروتية دون ان يكون من بين افرادها اعضاء في الحزب. ويندرج
المنتسبون تحت كل الطبقات فمنهم العامل البسيط ومنهم النافذ في قومه
وعائلته، وكان يجتمع في مديرية واحدة العامل وصاحب عمله دون تمييز في
المستوى الاجتماعي او الفرق الطائفي ويطول ذكر الشخصيات البيروتية التي
انخطرت في الحزب فهي من كل المستويات وكل الطوائف والمذاهب من رجال
ونساء.
لم ينقطع الاقبال على الحزب خلال اغتراب
سعاده القسري بين 1938 و1947 وذلك بسبب وجود الناشطين والمندفعين
للعمل الحزبي الرسول لم يكن الاتصال منقطعا مع سعاده فهناك جرائد يشرف
عليها الحزب في المهجر، تصل الى الوطن ورغم اتجاهات نعمه ثابت ومأمون
اياس وغيرهم من الذين تسلموا الادارة الحزبية في لبنان نحو «لبننة
الحزب» فان كبار المسؤولين الاخرين كانوا ينتقدون تلك الادارة دون ان
ينتفضوا عليها وهم يعرفون ان الزعيم على رأسهم ويتابع اخبار
الانحرافات ويوجه الرسائل التوجيهية للادارة وللقوميين الاجتماعيين.
الاغتراب القسري لسعاده
* وعن فترة اغتراب سعاده القسري
في المهجر ومن قاد الحزب وما هي نشاطاته؟
كان الادخال في الحزب مستمر في الوطن بين
المواطنين وحتى في السجون والمعتقلات وكان وجود سعاده في المهاجر
اضطراريا، ولو بقي في الوطن لكان وجوده محفوفا باخطار السجن والاعتقال
والاغتيال ولذلك من الصعب ان نقدر وضع الحزب لو ظل سعاده في الوطن. في
غياب سعاده كان لدى القوميين شيء ثابت وهو ان الزعيم موجود على رأس
الحزب، كنا نشعر بان وجود الزعيم ولو بعيدا عن الوطن يكفي لان يجنب
المسؤولين والاعضاء مسؤولية الدخول في نزاع يتناول بحث موضوع اللبننة
وغيرها، جنبنّا سعاده الخوض في الموضوع حين خاطبنا برسائله قائلا دعوا
الديبلوماسية تعمل عملها وهو واثق من ان مجمل السوريين القوميين وحتى
ابسطهم لا تغيب عنهم عقيدة الحزب وانهم اذا ما قبلوا بالاتجاه
اللبناني الجديد فان قبولهم كان بفعل النظام.
اصدر نعمه ثابت، رئيس المجلس الاعلى في
الوطن كراسا بتاريخ 16 ايلول عام 1945 جمع فيه اراءه في «لبننة الحزب»
تحت عنوان «الواقع اللبناني» والقى ما ورد فيه من خطاب تحت عنوان «يوم
لبنان» في بعقلين نسب كل ما ورد في مبادئ الحزب بشأن الامة السورية الى
لبنان وقد اوردت صورة لذلك الكراس الواقع في اربع عشرة صفحة في كتاب
«اضواء على العقيدة في باب الوثائق».
وفي مواضيع الانحرافات خاطب سعادة
القوميين في احدى رسائله: «لتفعل ادارتكم العليا كل ما تقدر عليه في
ميدان السياسة والديبلوماسية فذلك من خصائصها. اما انتم فاياكم من صرف
عقولكم وقلوبكم الى السياسة والديبلوماسية ، واحذروا من اختلاط
السياسة والديبلوماسية واغراضها بعقيدتكم» وقال في مكان آخر : «الظاهر
ان الحزب قبل انتشار الواقع اللبناني بحكم النظام فقط لانني وجدت ان
مجموع القوميين الاجتماعيين لم يتقيدوا بفكرة واحدة من هذه الافكار».
لم يقرر سعادة ان يبت بهذا الموضوع
الحساس الا بعد العودة الى الوطن ومحاورة المسؤولين المعنيين واعطائهم
كل امكانيات الدفاع عن مواقفهم وهذا ما فعله بعد العودة مما يعرفه
السوريون القوميون بالتفصيل، فاجرى محاورات طويلة مع الذين قدّر
انحرافهم عن العقيدة، كان بنتيجتها تطهير الحزب من هؤلاء المنحرفين
دون ان يسبب ذلك للحزب اي اضطراب. وفي محاوراته عمل كل ما في استطاعته
ليجنب المسؤولين عن الانحراف، وهم في الطبقة العليا من المسؤولين ان
يجنبهم الاقصاء الا ان تمسك بعض هولاء بمواقفهم ادى الى اخراجهم من
الحزب. لقد مارس سعاده مع هؤلاء ارقى مسالك الديموقراطية اذ قال
لهؤلاء ان اراءكم تختلف عن اراء الحزب فاذهبوا والفوا حزبا ينسجم مع
ارائكم.
لعب الحزب دورا في استقلال لبنان وكان
منه شهداء ابعدت السلطة الفرنسية مسؤولي الدولة الى قلعة راشيا وكان
هناك رفقاء قوميون معتقلون عملوا على نقل اخبار ما يجري في الخارج
وحاولوا تقوية معنوياتهم التي كانت بحاجة الى من يقويها. وبعد خروج
هولاء عملوا على اخراج كل القوميين الاجتماعيين من السجون الا ان
امكانيات اشتراك الحزب في الحكم كانت معدومة، كان ذلك مطلع عام 1944.
وتحدث يموت عن المسؤوليات التي تسلمها:
لا اذكر انني كنت بعيدا عن المسؤوليات
الحزبية خلال الاربعينات. بعد ان كنت قائما باعمال منفذية بيروت جاءت
مداهمة مركز الحزب السري في رأس بيروت بتاريخ 27 تموز 1940 واعتقال
المسؤولين المتواجدين فيه، وبالرغم من ذلك جاءتنا تعليمات من داخل
السجن بتأليف مجلس عمد جديد برئاسة كامل ابو كامل وكنت انا ناموس ذلك
المجلس، استمرينا في العمل بعيدا عن اعين السلطة الى ان وصل الدور
الينا، اعتقل كامل في احراش بشامون واعتقلت انا في التاسع من ايلول
1940 وسجنت مع كامل وبعض الرفقاء في سجن القلعة العسكري في رأس بيروت
بقيت في ذلك السجن حوالي اربعة اشهر ثم قضيت في سجن الرمل خمسة اشهر
اخرى، وخرجت من ذلك السجن في 11 حزيران 1941 مع كامل الرفقاء
الموجودين وذلك بعد ان افرغ السجن بسبب غارات القوات الانكليزية
الزاحفة مع الديغوليين الفرنسيين من فلسطين نحو لبنان.
عدت بعد الخروج من سجن الرمل الى العمل
الحزبي بعد فترة نقاهة امضيتها في بسكنتا الا ان السلطات الديغولية
الجديدة في لبنان عادت الى ملاحقة افراد الحزب اعتقلت من مقعدي
الدراسي في الجامعة الاميركية وارسلت مع رفقاء كثيرين الى معتقل الميه
وميه في 23 كانون اول 1941 وبقيت هناك حتى مطلع عام 1944 ولم يكن لي
امل في العودة الى الجامعة الاميركية وقد انقضى الفصل الاول من
الدراسة، كنت قبل اعتقال الميه وميه قد انهيت دراسة السنتين
التحضيريتين للطب الا ان طول مدة السجون والمعتقل اخذت من مدة دراستي
خمس سنوات مما جعلني اقرر دراسة بكالوريوس ادارة الاعمال التي انهيتها
صيف 1947 انتقلت بعد ذلك فورا الى شركة طيرن الشرق الاوسط لاشغل فيها
رئيسا للمحاسبة لفترة 38 عاما..
عودة سعاده
وعن عودة سعاده والاستقبال الحاشد له
يتحدث يموت:
كنت اشغل اثناء ذلك مركز وكيل لعميد
مالية الحزب وكنت سلمت ادارة المخيم القومي في تلة الدحدوح في ضهور
الشوير عام 1946 وبقيت مديرا للمخيم خلال عام 1947، عام عودة سعادة من
المهاجر، يوم عودة سعاده في الثاني من اذار كنت بين مستقبليه وتظهر لي
صورة في مقدمة موكبه وانا اهدىء من سرعة السيارة التي تقدمت الموكب
ويظهر فيها سعاده والكثير من مسؤولي الحزب، كنت على الشرفة التي خطب
سعاده من عليها وخاطب فيها المحتشدين الآتين من شتى الكيانات السورية.
البيت يخص مأمون اياس ويقع اليوم مكان مستشفى الساحل في اول طريق
المطار.
اذكر ان سعاده وبعد القاء خطابه التاريخي
انصرف الى مقابلة بعض المسؤولين في الحزب. كان لي شرف ان يقابلني.
سألني عن وضع المخيم القومي في ضهور الشوير عن برنامج المخيم لذلك
العام. دخل في تفاصيل دلت على انه كان متابعا لنشاط المخيم ولنشاطات
اخرى بحثها مع بقية المسؤولين وكأنه كان يعيش معهم.
المسؤوليات التي تحملتها اثناء وجود
سعاده بين 1947 ــ 1947 كانت الاستمرار في مسؤولية وكيل لعميد المالية
ومديرا للمخيم القومي، ثم كلفني سعاده بادارة المكتب الاعلى المختص
(م. ا. م) وهو مكتب سري ملحق مباشرة بسعادة وكان يزوده بمعلومات
سياسية وعسكرية واجتماعية وحزبية تتناول الكيانات السورية وهو من نوع
مكتب لاستقصاء المعلومات. وقد افصحت لأول مرة عن اعمال هذا المكتب
بالتفصيل في كتاب «الحصاد المر» اذ رأيت وقد مضى يومذاك حوالى الاربعة
والاربعين عاما على استشهاد سعاده ان اميط اللثام عن احد انجازات
سعادة في عالم الاستقصاءات ولأعطي دليلا على ان سعاده لم يكن يهمل اي
شأن يكون فيه فائدة للنهضة القومية الاجتماعية رغم انشغالاته
المتعددة.
كان خطاب سعاده في آذار 1949 هو العودة
الى ساحة الجهاد. عادت هتافات تحيا سورية ويحيا سعاده بعد ان غابت
كلمتا سورية وسعاده عن الهتاف ايام نعمه تابت كما عادت اعلام الزوبعة
الحمراء تخفق مجددا بعد ان استحدثت ادارة نعمه تابت علما غريبا.
حين اعلنت اسرائيل دولتها ذكر سعاده في
خطاب له اننا نحضّر لمجابهة العدو بالإعتماد على صفوف التدريب العسكري
وانشاء صف ضباط يكون على استعداد لمواجهة اسرائيل. وقد اختير لهذا
الصيف - وكنت انا احد اعضائه - العقيد زهران يمّين والنقيب جوزف نبهان
لتدريبه في حرب المقاومة - حرب العصابات.
همّ سعاده، بعد تطهير الصف الحزبي من
الانحرافات في التحضير لمجابهة قيام الدولة العبريّة ولم يكن واردا
عنده القيام بثورة ضد النظام والطبقة الحاكمة. لم يكن عمل المكتب
الاعلى المختص الذي توليت ادارته يشمل العسكريين القوميين الاجتماعيين
فهذا الفرع تولاّه وليم سابا على ان تبقى اسماء العسكريين الرفقاء
مكتومة.
(يتبع)
الديار (16 10 2006) |
|
||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||