موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:45:12 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

مـلـف

الحزب السوري القومي الاجتماعي 75 عاماً من النضال والمقاومة والثورة والاستشهاد والتحالفات والازمات (12)

محمود غزالي ينقل روايات المقاومين القوميين من حاصبيا الى رصيف ‏‏«الويمبي» الى الاستشهاديين

حكاية مقاوم مع شارون في برج المرّ: لم أندم في حياتي كما ندمت على لحظة الجبن الذي انتابني

اعداد: كمال ذبيان

اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، سجل القوميون الاجتماعيون بطولات، بدأت من ‏حاصبيا مع اول عملية اطلاق صواريخ «كاتيوشا» على الجليل الاعلى في تموز من ذلك العام ‏لاسقاط هدف الغزو الصهيوني، الذي كان بعنوان «سلامة الجليل»، ثم امتدت اعمال المقاومة في ‏كل مكان داسه العدو الصهيوني الى ان وصل الى العاصمة بيروت وكانت عملية «الويمبي» ابرز ‏العمليات.‏

محمود غزالي الصحافي العتيق والمناضل القومي الاجتماعي العريق الذي واكب الحزب في كل ‏مراحله ولم يغب لحظة عن مواقع النضال، نقل مرويات مقاومين ومقاتلين سطروا بطولات بعضها ‏كتبه في مجلة «البناء» ثم اصدر كتاباً حول عملية الويمبي. وهو هنا يستعرض ما يختزنه من ‏معلومات حول دور الحزب السوري القومي الاجتماعي في المقاومة.‏

يقول غزالي: لم نقف يوماً، ويدنا على قلبنا ننتظر غير الذي حصل، فلا نحن توقعنا ان تضغط ‏واشنطن على اسرائيل، ولا ان تقف المعارضة الاسرائيلية في وجه الحكومة، ولا توقعنا ان ‏ينقلب نتانياهو الى ملاك، فيعنّف ايهود اولمرت على هجوم جيشه على لبنان.‏

الذين اقاموا دولتهم على الاغتصاب، يعرفون ان هذه الدولة، ستسقط وتنهار، عندما يتوقف ‏اليهود عن المضي في الاغتصاب. ولم يدر في خلدنا ان اسرائيل ستتوقف عن التمدد والتضخم، الى ‏ان يعي شعبنا ان معركة المصير محتومة مع اسرائيل، الى ان تزول. مراهنتنا الوحيدة على ‏شعبنا الذي يستطيع ان يطهر القدس من اليهود وفلسطين من الصهينة، مراهنتنا على ‏المقاومة الشعبية. وشعلة من نار يرتفع لهيبها كل ساعة، حق قومي يدافع عنه ابطال ‏مجهولون، انهم من هذا الشعب الذي مزقته المؤامرة، من هذه الامة التي رفضت ان يكون قبر ‏التاريخ مكاناً لها في الحياة.‏

الجواب الذي تقدمه للعدو

في مقامات المقاومة كتب مقدسة، خطها أبطالنا بدمائهم، فاذا هي عناوين صهرها الايمان، ‏ودفعتها الحمية الوطنية، الى مقارعة العدو وملاحقته. عند هذه النماذج يبقى الجواب ‏الوحيد الممكن، الذي لا بد منه، عن السؤال الذي يؤرق الشعب، ويشغل بال الدولة انه ‏المقاومة، الطريق الوحيد، الى انتزاع السيادة، بعد ان تتمكن من ايقاف حالة الانهيار ‏المتمادي. الجواب قدمه سمير خفاجة، وفارس زويهد وفيصل الحلبي في حاصبيا عندما اسقطوا مقولة ‏‏«سلامة الجليل» يوم قصفوا مستعمرات العدو ومستودعات اسلحته وذخائره داخل منطقة الجليل. ‏فتفجرت على دائرة قطرها 13 كيلومتراً.‏

والجواب تلقيناه بكل بساطة، وايمان من وجدي الصايغ وسناء محيدلي، ومالك وهبي، ورفقائهم ‏الاستشهاديين الذين اقتحموا العدو بكل آلته المدججة وفجروها بأجسادهم، وتلقيناه من بطل ‏المقاومة الفذ عاطف الدنف الذي غزل بأجساد الجنود اليهود علامات النصر المظفر، في أمكنة ‏لم يكن لأحد ان يدرك دقة الوصول اليها، او امكان الوصول حتى...‏

والجواب سمعناه من الكثيرين، وكان على درجة عالية من البراءة والايمان على لسان خالد ‏علوان، والحديث عن الذكريات لا يعني النوم على الامجاد، بل على العكس فهو كما اسلفنا ‏للتذكير والعبرة.‏

كان اعضاء من الحزب يقاومون العدو في تبنين وبنت جبيل ومرجعيون ويسقطون له مروحية في ‏جبل علي الطاهر ويسجلون اغلى وقفات العز في قلعة الشقيف، حيث تمكنوا من ابادة الجنود. ‏وتناقلت وسائل الاعلام العالمية صور الشعارات، والشارات، التي خلّفها المقاومون على جثث ‏الجنود والمهاجمين. ويوم بدأ الاجتياح لبيروت الغربية، كانت خطة التوافق مع القوى الوطنية ‏تقضي بتسليم القوميين الاجتماعيين مواقع ساحة رياض الصلح، ساحة الشهداء، الغومون بالاس ‏جنوباً، ومن المعرض حتى تخوم الجامع العمري شمالا. في حين تسلمت باقي عناصر الحركة الوطنية ‏مواقع المرفأ الفنادق- على ان يتم تبادل المعلومات في حال حصول هجوم اسرائيلي على اي ‏من المحاور.‏

لكن القوات العدوة دخلت منطقة المرفأ اتجاه مبنى بنك سوريا ولبنان واكملت الطوق في اتجاه ‏بناية فتال، الى الفنادق فبرج المر، صعوداً الى المدرسة البطريركية، لتشكل طوقاً حول مواقع ‏القوميين، من غير ان تتولى القوات الحليفة ابلاغ القوميين بحصول الاجتياح.‏

ودارت المعارك على امتداد المحاور، تمكن القوميون من اختراق الطوق الاسرائيلي المؤلل.‏

لعل حديث احد القوميين الاجتماعيين يحل اللغز فيقول:‏

السبب الرئيسي يكمن في كثافة النيران التي يستخدمها العدو بحالة هستيرية غريبة، تسمح ‏للمقاتل الفدائي ان يستفيد من جبانة الجنود فيلجأ الى داخل الدبابة بحثاً عن السلامة ‏الشخصية - مما يترك زاوية بين خط النار وشعاع الآلية التي يطلق منها النيران، ومن خلال هذه ‏الزاوية الميتة كان المقاومون يتسللون الى الدبابة فيرشقونها بالقنابل اليدوية ويتركونها ‏بحيرة من الدماء.‏

حكاية شارون ومقاوم

قال الراوي: وصل محدثي الى واقعة وصول آرييل شارون الى مبنى برج المر في بيروت، عندما ‏انتابه غصة حادة وهو ىأكل اصابعه ندماً.‏

فقد كان وزير حرب العدو، ومهندس الاجتياح اليهودي للبنان على بعد ثلاثين متراً منه. وكان ‏في امكان محدثي ان يطلق عليه النار ويرديه، فهو يعرف ان ارييل شارون يلبس ثياباً واقية ‏من الرصاص، ويعرف ان الفرصة لا تسمح له باطلاق اكثر من رصاصة او اثنتين، ليرد الجنود ‏اليهود بوابل من الرصاص. لذلك لا بد من اختراق رأس هذا البولوني الضخم برصاصة الرحمة ‏من الطلقة الأولى.‏

كاد يفعل وهو يهم بذلك، حين تنبه الى انه يمسك بيده اليسرى طفلته ابنة السنوات الست، ‏ويرفعها من سقطة احدثت لها جروحا في ساقيها، ما زالت آثارها بادية حتى الآن.‏

‏«لم اندم مرة في حياتي، كما ندمت على لحظة الجبن التي اربكتني في تلك الواقعة» قال محدثي.‏

وحين وصل الى هنا حدثني كيف ان خالد علوان اطلق عليه النار عندما سمع منه انه كان على ‏بعد ثلاثين متراً من شارون ولم يصرعه، لاحقه رفيقه وهو يطلق النار بين رجليه ومن حواليه ‏ويصرخ به" «ليتك قتلته، ليته قتله... ليته لم يجبن». «لقد لاحقني رفيقي» - قال المتحدث ‏وهو يوبخني بانفعال: «هكذا فعل الذي ذهب ليقتل بلفور... فحين كان العجوز البريطاني تحت ‏مرمى نيرانه جبن قاصده.. وانتابته نوبة ضعف في لحظة كانت كافية لانقاذ بلفور واغتيال ‏فلسطين». لكن الراوي لا يستطيع ان ينسى ما تيسرت له مشاهداته من وقائع بطولة على يد ‏محدثه هذا، ورفقائه ومواطنيه الذين طاردوا العدو في كل مكان.‏

لا يستطيع ان ينسى وقائع مشاهداته ومرويات الشهود الذين شاركوا احيانا وعاينوا ‏احيانا اخرى، نماذج من البطولات النادرة في فلسطين، منذ بداية المؤامرة العالمية اليهودية ‏على بلادنا، حتى عودة المقاولين الى فلسطين على حساب دم المقاومين والشهداء.‏

على رصيف الويمبي

وفي لبنان كذلك، وبالتحديد في بيروت، حيث بضعة رجال لا يتجاوز عددهم اصابع اليدين الا ‏نادرا، كانوا بالمرصاد للعدو ضربوه في موقعه زقاق البلاط امام مدرسة مار يوسف وفي عائشة ‏بكار وفي تلة الخياط، وفوق جسر حوض الولاية، وامام منزل صائب سلام في المصيطبة، وداخل مقر ‏منظمة التحرير على كورنيش المزرعة، وفي محلة الصنائع وداخل مقهى الويمبي في شارع الحمراء، ‏وسواها الكثير الكثير. نبدأ من الاخير من عملية الويمبي البطولية، ترويها احدى الفتيات ‏التي كانت في المقهى مع صديقها حيث قالت: «كنا نحتسي المبردات، حين دخل فجأة شاب اشقر ‏مربوع القامة يضع نظارتين فوق عينيه، وقد استطالت لحيته الشقراء، فبادر فورا الى ‏انتزاع كأسي من امامي ليرشف منه وهو يبتسم، ولاحظ الانفعال على وجه رفيقي، فبادر بسرعة ‏الى الكشف عن مسدس في وسطه، الامرالذي تركنا نتوقع حصول امر اما، بتنا ننتظره بفارغ ‏الصبر.‏

وتبادلنا التحية مع الفتى الاشقر، الذي كان يجول بناظريه في زوايا المقهى، وعرفت فيما ‏بعد انه في انتظار رفيقين له ذهبا لاحضار سلاحهما.‏

وقف الفتى الاشقر يودعنا بحرارة الصديق المشتاق ومشى بين الناس، وكان رفيقاه يدخلان من ‏اتجاهين مختلفين.‏

كانت لحظة شبيهة بالخيال ...‏

وصل الثلاثة في وقت واحد الى حيث يجلس ثلاثة من ضباط العدو وجنوده يحتسون القهوة، وفي ثوان ‏قليلة كانت ثلاثة مسدسات على مسافات لا تبعد اكثر من سنتيمتر واحد عن رقاب اليهود. ‏انطلقت رصاصتان وروكب المسدس الصغير الذي في يد احدهم، وبحركة خاطفة امسك المسدس من موقع ‏فوهته ليضرب رأس الضابط اليهودي بالمقبض، وبعنف شديد، استقر المسدس في رأس ذلك المغتصب، ‏وكان من عيار 9 ملم من نوع شميزر (الماني الصنع).‏

وتقول الفتاة انها شاهدت فجوتين كبيرتين في رقبتي الاثنين احدثهما الحريق الناشىء عن النار، ‏كما شاهدت الضابط الثالث يهوي على الارض وقد ثبت المسدس في رأسه، وانهمر الرصاص في كل ‏اتجاه من الضباط في لحظة الموت، ومن شرطة السير الذين كانوا في المنطقة.‏

خالد يروي الواقعة

ويعود الراوي هنا يعدد مصادر معلوماته، فقد استمع الى خالد علوان قبل استشهاده يروي ‏له الحكاية، بأسلوبه البيروتي الصافي ووعي القومي العميق: «كنا في جولة تفتيش عن العميل ‏وليد الجمل، نجوب شوارع بيروت لننفذ حكم الامة بالخائن، حين فوجئنا بثلاثة من ضباط العدو ‏وجنوده، واحد برتبة نقيب واخر برتبة ملازم وثالث جندي عادي، قد يكون سائق السيارة، ‏لكزت م. لكز ع. فهمنا على بعض لكننا لا نملك سوى مسدس واحد فهرعنا الى رفيق لنا في عين ‏المريسة اعطانا المسدس، واحضرنا الثالث من منزل احدنا ع.. اما رفيقنا طوني روكز الذي ‏اختطفته قوة من جيش بشير الجميل فيما بعد، فأحضر مسدسا من عيار 9-14 واهدانا الدكتور ‏عبد الله سعاده مسدس سميث من عيار 36 وتكتمل الرواية كما وصفتها الفتاة.‏

‏«لم نكن قد عثرنا بعد على العميل الذي نبحث عنه، فذهبنا الى منطقة المصيطبة بالقرب من ‏مقررئيس الحكومة الاسبق صائب سلام، وهناك شاهدنا مسرحية ولا اجمل : ثلاثة فتية صغار لا ‏يتجاوز عمر كبيرهم العشر سنوات، ارسلوا صغيرهم الى مجموعة من جنود العدو، يخبرهم ان في ‏الخربة الخالية القريبة بعض المسلحين، فتقدمت قوة مؤللة باتجاه هذه الخربة، حيث كان ‏الفتيان الصغيران الاخران بالمرصاد يفاجئان العدو بقذيفتين حارقتين، كل من زاويته في ‏الخربة، وتكررت القذائف وتكومت الجثث»، هذه الواقعة قال الراوي انه سمعها من احد افراد ‏مجموعة خالد علوان.‏

ولكن الراوي طماع وشره، لا تشبع نهمه حكاية، ولا تكفيه واقعة، اذ في كل من هذه العمليات ‏نكهة ورائحة تفوح بعبق التراب المقدس من بلادي، وفي كل واقعة وقفة عز تسابق اختها الى ‏البطولة.‏

في بيروت ملامح من البطولات حملت وسائل للعدو في بصمات الابطال، وفي الشاحنات الثلاث التي ‏دمرت بمن فيها شرقي حديقة الصنائع وفي الاليات الضخمة التي احترقت على جسر حوض الولاية ‏حيث بقيت الجثث معلقة ثلاثة ايام متتالية.‏

وفي هجمات الابطال الذين التقوا من غير موعد امام مكاتب منظمة التحرير لينهالوا ‏بالقذائف الحارقة على مضاجع العدو بعد منتصف الليل، في حين كانت القذائف وطلقات ‏البنادق، تزغرد على ايقاع متناغم، اين منه براعة المايسترو، بل اين منه علم حرب ‏العصابات، انه النغم الوحيد الذي يلتقي عليه هؤلاء الابطال من غير موعد، ولا سابق ‏معرفة، انه الايمان بالارض انه الجواب الوحيد الذي يردون به على رسائل العدو.‏

وفي مجموعة خالد، حيث تمكنت من فك هذا الحصار واسر ثلاثة ضباط، واحدهم قتل في سيارة الجيب ‏وهواعلاهم مسؤولية واثنان رميت جثتاهما في المجارير. لقد كان ابناؤنا الابطال يشاهدون في ‏وجوه ضباط العدو وجنوده، صورة يشوع الذي بقر بطون الحبالى وسبل الرجال وذبح الاطفال، ‏وصورة ميناحيم بيغن وارييل شارون، كانوا يشاهدون في وجوه جنود العدو، يهوذا الذي باع ‏المسيح بثلاثين من الفضة، ويهوه الاله الذي تسقط عنده كل الالهة وكل الشعوب.‏

حيث كنت انقل مرويات الراوي عن بطولات المقاومة هتف جاري في المكتب :«لو كانت هذه ‏البطولات في الغرب لانتجوا منها الف فيلم سينمائي، فكيف اذا اضفنا اليها صورا، لانتجوا ‏عن العمليات الاخرى التي نقلت الينا من ابطالها وشهودها مباشرة». مثلا : خليل طفيلي ‏ونجله فادي ومعهما جورج وسركيس كانوا يجلسون امام صالون الاول، عندما تجمعت اليات العدو ‏في مواجهتهم، امام محطة ايوب الشهيرة، ناقلات جنود ودبابات وسيارة جيب تويوتا، جاء بها ‏الجنود من حي الوتوات، وكانت لاتزال صورة ياسر عرفات ملصقة على زجاجها الامامي، فما ان ‏شاهد الجنود هذه السيارة المزدانة بصورة ابي عمار، حتى هرعوا اليها، يبحثون عن اشياء لا ‏يعرفونها، وبالفعل كانت المفاجأة، قذيفة من الزاوية الغربية، على تجمع الجند الذي ضرب ‏طوقا حول السيارة، واخرى من الزاوية الشرقية على ناقلتي الجند، وهما تتحركان قبل ان ‏تفرغا حمولتيهما.‏

صاحب الصالون يقول ان رد فعل القذيفة الاولى رمى به وبابنه وبصديقيه جورج وسركيس، من ‏الرصيف الى عمق الصالون، وعندما كانوا يحاولون النهوض، سمعوا انفجار القذيفة الثانية، ‏ولملموا انفسهم ليسارعوا ويشاهدوا المنظر العجيب الغريب، حيث كانت شاحنات العدو، تحمل ‏الجثث التي زادت على 16 قتيلا وتهرب بها.‏

لسنا في هذا المقام لنحصي كل العمليات البطولية التي نفذها ابطال المقاومة في فترة اجتياح ‏بيروت، انما نماذج نوعية نسوقها فقط لنشير الى ان المقاومة الفاعلة، هي القادرة ان تضرب ‏بقسوة وتترك فجوات من الهلع، والانهيار في صفوف العدو، هي نفسها التي تبتكر في كل واقعة ‏سلاحها من ارض المعركة.‏

نسوق هذه الامثلة وليس في متناولنا متسع لننقل صورا عن بطولات سبقت، كالتي افتتح بها سمير ‏خفاجة ورفقاؤه عهد المقاومة الوطنية اللبنانية بعد الاجتياح العام 1982 اسقطت ادعاء ‏العدو «سلامة الجليل وكذلك بين سحمر وسهل مشغرة حيث تمكن المقاومون من تفجير مواكب العدو ‏المؤللة وهم يزرعون الالغام بين رتل الدبابات مضى واخر آت من خلف منعطف او منحدر».‏

وفي الباروك، نقلوا الصواريخ المضادة للدروع على ظهرحمار البسوا ارجله طبقة من ‏الكوتشوك، وفي الدامور هاجم المقاومون ضباط قيادة العدو في مقرهم، فصرعوا كبارهم وجها ‏لوجه، وفي خلدة نفذ الابطال من الزاوية الميتة بين مصدر النيران ومداها ليتسلقوا ‏الدبابات ويفجروها بالقنابل اليدوية.‏

هذه النماذج بقيت بلا ضجة، لولا ان الناس اخذوا يسألون عن اسباب هروب العدو من موقع ‏الى آخر، نسوقها للمقارنة بين مقاوم مؤمن تعمد بالنار واجترح الاعاجيب وبين منظر توسل ‏الثورة للمساومة.‏

شهادات اخرى

بعد عملية حاصبيا، كرت سبحة العمليات التي نفذتها مجموعات المقاومة الوطنية اللبنانية، ‏وقد قادها بداية الشهيد فؤاد صالح والمجموعات المتعاونة معه، في كل موقع من مواقع الجنوب ‏اللبناني حيث وصلت القوات «الاسرائيلية». واخذت مجموعة خالد علوان، على عاتقها ملاحقة ‏العدو ابتداء من موقعة خلدة، الى معارك المتحف، وسباق الخيل، ومواقع المركز الثقافي ‏الفرنسي والفواييه الفرنسية، حيث بقي خالد اكثر من اسبوعين يرمي الجنود اليهود الذين ‏يحتلون الموقع المجاور، بقنابل الهاون من عيار 60 ميلمترا، وعمد في احد الايام الى تسلق ‏السارية، وانزال العلم الاسرائيلي ورفع علم الحزب، في هذه العملية اصيب خالد في كتفه، ‏ونقل الى المستشفى للمعالجة. ففر من سريره وعاد الى الموقع بكل مهمته.‏

في تلك الاثناء قيض لنا ان ننقل شهادات بعض الذين شاهدوا بضع عمليات نفذت في بيروت ‏الغربية، فكان منها:‏

أ - اشكال هندسية جديدة:‏

كانوا ستة اشخاص، كبيرهم في الستين وصغيرهم لم يصل بعد الى حدود العشرين، يتناقشون في توزع ‏المهمات، حين وردتهم معلومات تفيد ان الشارع الذي يقيمون فيه الان، يتعرض لعملية اجتياح ‏مفاجئة، وان العدو اقفل المداخل الرئيسية والفرعية للشارع.‏

وتوزع الستة الى مجموعتين، انطلقت الاولى في اتجاه شارع برج ابي حيدر ومنه نزولا في اتجاه ‏المزرعة. وركب الثلاثة الاخرون سيارة اقلتهم في اتجاه شارع مار الياس، حيث توقفت بهم ‏السيارة على مفرق ثكنة الحلو، واستقرت في زاوية محددة الى اليمين، فيما كان الابطال ‏الثلاثة يتسللون في زواريب ثلاثة لمواجهة تجمع اليات العدو وجنوده امام مكتب ممثل منظمة ‏التحرير الفلسطينية في المزرعة.‏

واخذ الابطال الثلاثة مواقعهم في المواجهة، تمهيدا لتنفيذ العملية التي اتفقوا عليها ‏اثناء رحلة الطريق القصيرة، من غير ان يكون لرفقائهم الثلاثة الاخرين معرفة بذلك.‏

كان رئيس المجموعة يوزع الادوار: انت تتسلل الى هذه الزاوية، وانت الى تلك، اما انا فسوف ‏اتخذ من خلف تلك السيارة موقعا لاطلاق القذيفة الاولى.‏

ولم يكد رئيس المجموعة يكمل اشاراته، ويعطي تعليماته حتى كانت القذائف تقطع عليه الحديث، ‏وتنهمر على الموقع الذي شاؤوا ان ينتزعوا شرف مواجهته قبل سواهم.‏

لحظات لم تتجاوز الثواني، اصيب خلالها الثلاثة بذهول المفاجأة، ثم افاقوا على اصوات الصياح ‏والاستغاثة، فقد كانت الحمم المتساقطة على آليات العدو اخذت طريقها الى السواتر الحديدية ‏من الدبابات والناقلات التي يحتمي داخلها عشرات الجنود، وكانت حرارة القذائف قد بدأت ‏تمارس دورها فتلصق اجساد الجنود بالحديد الذي يحميها، فاذا هي واحدة في اشكال هندسية ‏جديدة، عبثت بها حرارة القذائف وداعبتها السنة النيران، فتركتها جثثا ضخمة لا حراك ‏فيها.‏

خلال هذه اللحظات افاق رجال المجموعة الثانية من صدمة الدهشة - ليجدوا عددا من جنود ‏العدو يفرون في كل اتجاه، ويطلقون النار بشكل دائري مجنون، بحثا عن ملاذ يقيهم الموت ‏المحتم.‏

واستبدل الابطال اسلحتهم القاذفة، برشاشات خفيفة يعالجون برصاصها اولئك الذين لم يكتب ‏لهم «حظ الشواء» داخل الياتهم.‏

في رحلة العودة الى المنزل الذي انطلقوا منه، التقى ابطال المجموعة الثانية برفقائهم ‏الذين افترقوا عنهم قبل دقائق.‏

وفيما كان قائد المجموعة يهم بالحديث عن العملية التي شاركوا في جزء منها، وقعت عيناه ‏على واحد من اعضاء المجموعة الاولى ينظف فوهات القواذف المضادة للدروع، تمهيدا لعملية ‏جديدة في الشارع اياه الذي انطلقوا منه. ففي هذا الشارع، حلت مجموعات اضافية من قوات ‏العدو وهي تتصرف بشكل هستيري مرعب.‏

وكان الشارع، كورنيش تلة الخياط، وهناك بدأت العمليات البهلوانية الذكية التي افقدت ‏العدو صوابه.‏

‏ب - الدخان الذي لوث الغسيل:‏

الذين لم يتركوا بيروت الغربية اثناء الاجتياح الاسرائيلي يذكرون بنشوة وفرح هذه الصورة ‏بل هذا المشهد الذي يمثل جزءا من لوحة البطولة ملحمة المقاومة الرائعة للاحتلال.‏

يذكرون هذه الدبابة الضخمة التي احترقت الى جانب خمس اخرى من النوع اياه وفي كل واحدة ‏طاقم من ضابط واربعة جنود.‏

هنا على جسر حوض الولاية كانت هذه الدبابات تتقدم باتجاه مدخل سوق الخضار بالجملة الذي ‏كان يقوم موقتا تحت الجسر المؤدي الى الكولا.‏

كمن الابطال لقافلة الدبابات حتى وصلت اولها الى نهاية الجسر واخرها عند بدايته فصرعوا ‏الاولى والاخيرة بقذائف مضادة للدروع حارقة لاهبة، واحترق طاقما الدبابتين فيما حاولت ‏طواقم الدبابات الاربع الاخرى الفرار حتى انهمرت القذائف ورصاص الرشاشات يعالج ضباط ‏العدو وجنوده ثم اكمل الابطال لعبة احراق الدبابات التي اخذت تصب نيرانها عشوائيا على ‏المنازل نتيجة موجة الهلع التي اصيب بها الجنود فسقطت واحدة من على الجسر الى الاسفل، فيما ‏نجا بضعة جنود من الموت فلجأوا الى حيث عائلة لا تزال تعتقد باستجارة الملهوف، وذهب رب ‏العائلة الى حيث كانت قيادة العدو تتمركز في منطقة كركول الدروز يبلغ قائد جنود العدو ‏ان نفرا من جنوده نجوا من الموت ولجأو الى منزل هذا المواطن، لكن قائد جند العدو لم يصدق ‏بل هو خشي في موجة ذعره من كمين له، فطلب من المواطن «اذا كنت صادقا جئني بواحد منهم» ‏لكن الجنود المذعورين رفضوا الخروج من المنزل وطلبوا من صاحبه ان يوفر لهم ثيابا مدنية ‏فألبس اثنين منهم ثيابه، وهي عبارة عن قميص وبنطلون بلون ازرق سماوي واوصلهما الى قائد ‏جند العدو وهكذا تم «تسريب» باقي الجنود بثياب مدنية.‏

وبقيت اللوحة الجميلة ست دبابات تحترق والاطفال يتفرجون عليها والدخان يتصاعد منها، مما ‏حمل ربات البيوت المجاورة على رفع غسيلهن المنشور على الشرفات بسبب الدخان الاسود الذي ‏يتصاعد من الدبابات وجثث القتلى.‏

الذين لم يتركوا بيروت الغربية اثناء الاجتياح الاسرائيلي تمتعوا على مدى ثلاثة ايام بهذا ‏المنظر وشاهدوا الجثث التي احصوها مرارا فكان الرقم 16 جثة. الى ان زاد عدد الاطفال ‏المتحلقين حول الموقع، فاستغل الصهاينة الظرف ورفعوا حطام الجنود وجثث الآليات المحترقة.‏

ولم يصدر عن الناطق العسكري الاسرائيلي يومها بلاغ عن هذه المعركة، بينما سارع الاهالي الى ‏رش المبيدات والمطهرات منعا لانتشار الجراثيم.‏

ج- تلة الخوذات:‏

‏«نرجوكم ايها المواطنون اللبنانيون ان توقفوا اطلاق النار علينا، فنحن منسحبون ‏الآن...»‏

اجل بالصوت العالي، ارتفعت الاستغاثة، وبمكبرات الصوت التي وصلت اصداؤها الى فردان، ‏فساقية الجنزير، والى شارع البريستول فالصنوبرة والى عائشة بكار فالظريف ومن هنا ‏امتدادا الى المزرعة.‏

بالصوت العالي كان جنود الاحتلال يصرخون في شارع كورنيش تلة الخياط، عندما انهمر عليهم ‏الرصاص من الزوايا والزواريب من على السطوح والشرفات وجها لوجه ومن الخلف، ومن ‏الجانبين.‏

يومها كانت الدبابات الاسرائيلية تسللت الى بيروت في ظل خدعة اميركية اسرائيلية مشتركة ‏تعهدت بعدم التعرض لبيروت الغربية مقابل خطة امنية تنفذ الاولى في الغربية والثانية في ‏الشرقية. وبهذه الخدعة اجتاحت «اسرائيل» بيروت الغربية وخرجت منها بالقوة.‏

ولم تكد الدبابات انذاك تأخذ مواقع لها في الشارع وفي الطرق المؤدية له حتى كان ابطال ‏المقاومة اللبنانية يرشقونها بوابل من القذائف المحرقة.‏

واستخدم العدو هذه المرة بربريته المعروفة عنه، واستعان بكل آلة الدمار المتطورة التي ‏هيأها له «اصدقاؤنا الاميركان» واختبأ الجنود خلف حواجز بشرية من النساء والاطفال الذين ‏هرعوا يكحلون اعينهم بمرأى الدبابات تحترق والاسطورة تنهار والجنود يتدكسون جثثا على ‏الارصفة.‏

واستفاد العدو الخبيث من «طيبة» بعض الصبية. ومن عمالة واحد رافق الغزاة مختارا لقاء ‏دريهمات، واخر نفد اليه العدو باستخدام التهديد والوعيد، من هذه الاختراقات حاول ‏الغزاة الوصول الى مواقع المقاومة لكنهم عبثا حاولوا، فالأبطال لن يلقوا السلاح والمارد ‏الذي خرج من القمقم لم تتمكن قيود الجبانة ان تغل يديه.‏

والمقاتل الذي شهر سيف التحرير لم يعده الى غمده، وفي نصله حد ماض يعالج رؤوس الغزاة ‏ورؤوس الخونة، والعدو جبان، جبان، لا يقوى على المواجهة، ولم تعد دباباته صالحة لإيوائه ‏وحمايته.‏

كادوا يصابون بالجنون وقد سرت في رؤوسهم موجة من الهستيريا المفزعة وفي ذاكرتهم - الى ساعات ‏خلت - صور مرعبة عن النهايات التي وصل اليها زملاؤهم في مواقع اخرى من بيروت، على الرغم ‏من ستار التعتيم الذي فرضته سلطاتهم في بلاغاتها العسكرية عن حقيقة الاصابات التي انزلت في ‏صفوفهم.‏

اطقوا مئات القنابل المضيئة، واستخدموا الطيران المدمر في محاولات منهم لإضعاف معنويات ‏المقاتلين، ووجهوا فوهات مدافع البوارج البحرية الى كل زاوية وكل بناية.‏

لكل المقاتل المقاوم المقاتل البطل ادرك بالتجربة ان الجندي «الاسرائيلي» جبان وان كل ما ‏لدى «اسرائيل» والولايات المتحدة من آلات الدمار غير قادرة على منعه من الوصول الى العدو ‏وهو على بعد امتار منه ولذلك لكل هذه الاسلحة مؤهلة لإصابة العدو اكثر من اهليتها ‏لإنزال ضربة بالمقاتل الدائم الحركة السريع المناورة الخفيف الحمل.‏

ولما لم يعد امام جنود الاحتلال من وسيلة للاحتماء لجأوا الى الاستغاثة طلبوا النجدة من ‏المقاتل، رجوه الرأفة، استجدوه الرحمة.‏

وارتفعت اصواتهم بمكبرات الصوت:‏

نرجوكم ايها المواطنون اللبنانيون ان توقفوا النار علينا فنحن منسحبون الآن».‏

وما هي الا ساعات حتى كانت آليات اخرى تأتي بخفر وكأني بها مجموعة من الاسرى ترفع الايدي ‏الى الاعلى علامة التسليم.‏

ورفع الجنود جثث قتلاهم وبقايا آلياتهم المحترقة وخرجوا من شارع تلة الخياط يجرون كما في ‏المواقع الاخرى من بيروت أذيال الخيبة.‏

وصدر بلاغ على الفور عن الناطق العسكري الاسرائيلي يقول ان قواتهم في هذا الشارع «تعرضت ‏لعمليات عسكرية اصيب على اثرها جندي بجراح طفيفة»، لكن مجموع الخوذات التي بقيت في ‏الشارع زادت على 25 خوذة.‏

الديار (21 10 2006)


العودة إلى الصفحة الأولى من الملف

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة