|
|
|
آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:45:12 AM |
|
اعداد: كمال ذبيان
اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام
1982، سجل القوميون الاجتماعيون بطولات، بدأت من حاصبيا مع اول عملية
اطلاق صواريخ «كاتيوشا» على الجليل الاعلى في تموز من ذلك العام
لاسقاط هدف الغزو الصهيوني، الذي كان بعنوان «سلامة الجليل»، ثم امتدت
اعمال المقاومة في كل مكان داسه العدو الصهيوني الى ان وصل الى
العاصمة بيروت وكانت عملية «الويمبي» ابرز العمليات.
محمود غزالي الصحافي العتيق والمناضل
القومي الاجتماعي العريق الذي واكب الحزب في كل مراحله ولم يغب لحظة
عن مواقع النضال، نقل مرويات مقاومين ومقاتلين سطروا بطولات بعضها
كتبه في مجلة «البناء» ثم اصدر كتاباً حول عملية الويمبي. وهو هنا
يستعرض ما يختزنه من معلومات حول دور الحزب السوري القومي الاجتماعي
في المقاومة.
يقول غزالي: لم نقف يوماً، ويدنا على
قلبنا ننتظر غير الذي حصل، فلا نحن توقعنا ان تضغط واشنطن على
اسرائيل، ولا ان تقف المعارضة الاسرائيلية في وجه الحكومة، ولا توقعنا
ان ينقلب نتانياهو الى ملاك، فيعنّف ايهود اولمرت على هجوم جيشه على
لبنان.
الذين اقاموا دولتهم على الاغتصاب،
يعرفون ان هذه الدولة، ستسقط وتنهار، عندما يتوقف اليهود عن المضي في
الاغتصاب. ولم يدر في خلدنا ان اسرائيل ستتوقف عن التمدد والتضخم، الى
ان يعي شعبنا ان معركة المصير محتومة مع اسرائيل، الى ان تزول.
مراهنتنا الوحيدة على شعبنا الذي يستطيع ان يطهر القدس من اليهود
وفلسطين من الصهينة، مراهنتنا على المقاومة الشعبية. وشعلة من نار
يرتفع لهيبها كل ساعة، حق قومي يدافع عنه ابطال مجهولون، انهم من هذا
الشعب الذي مزقته المؤامرة، من هذه الامة التي رفضت ان يكون قبر
التاريخ مكاناً لها في الحياة.
الجواب الذي تقدمه للعدو
في مقامات المقاومة كتب مقدسة، خطها
أبطالنا بدمائهم، فاذا هي عناوين صهرها الايمان، ودفعتها الحمية
الوطنية، الى مقارعة العدو وملاحقته. عند هذه النماذج يبقى الجواب
الوحيد الممكن، الذي لا بد منه، عن السؤال الذي يؤرق الشعب، ويشغل بال
الدولة انه المقاومة، الطريق الوحيد، الى انتزاع السيادة، بعد ان
تتمكن من ايقاف حالة الانهيار المتمادي. الجواب قدمه سمير خفاجة،
وفارس زويهد وفيصل الحلبي في حاصبيا عندما اسقطوا مقولة «سلامة
الجليل» يوم قصفوا مستعمرات العدو ومستودعات اسلحته وذخائره داخل منطقة
الجليل. فتفجرت على دائرة قطرها 13 كيلومتراً.
والجواب تلقيناه بكل بساطة، وايمان من
وجدي الصايغ وسناء محيدلي، ومالك وهبي، ورفقائهم الاستشهاديين الذين
اقتحموا العدو بكل آلته المدججة وفجروها بأجسادهم، وتلقيناه من بطل
المقاومة الفذ عاطف الدنف الذي غزل بأجساد الجنود اليهود علامات النصر
المظفر، في أمكنة لم يكن لأحد ان يدرك دقة الوصول اليها، او امكان
الوصول حتى...
والجواب سمعناه من الكثيرين، وكان على
درجة عالية من البراءة والايمان على لسان خالد علوان، والحديث عن
الذكريات لا يعني النوم على الامجاد، بل على العكس فهو كما اسلفنا
للتذكير والعبرة.
كان اعضاء من الحزب يقاومون العدو في
تبنين وبنت جبيل ومرجعيون ويسقطون له مروحية في جبل علي الطاهر
ويسجلون اغلى وقفات العز في قلعة الشقيف، حيث تمكنوا من ابادة الجنود.
وتناقلت وسائل الاعلام العالمية صور الشعارات، والشارات، التي خلّفها
المقاومون على جثث الجنود والمهاجمين. ويوم بدأ الاجتياح لبيروت
الغربية، كانت خطة التوافق مع القوى الوطنية تقضي بتسليم القوميين
الاجتماعيين مواقع ساحة رياض الصلح، ساحة الشهداء، الغومون بالاس
جنوباً، ومن المعرض حتى تخوم الجامع العمري شمالا. في حين تسلمت باقي
عناصر الحركة الوطنية مواقع المرفأ الفنادق- على ان يتم تبادل
المعلومات في حال حصول هجوم اسرائيلي على اي من المحاور.
لكن القوات العدوة دخلت منطقة المرفأ
اتجاه مبنى بنك سوريا ولبنان واكملت الطوق في اتجاه بناية فتال، الى
الفنادق فبرج المر، صعوداً الى المدرسة البطريركية، لتشكل طوقاً حول
مواقع القوميين، من غير ان تتولى القوات الحليفة ابلاغ القوميين بحصول
الاجتياح.
ودارت المعارك على امتداد المحاور، تمكن
القوميون من اختراق الطوق الاسرائيلي المؤلل.
لعل حديث احد القوميين الاجتماعيين يحل
اللغز فيقول:
السبب الرئيسي يكمن في كثافة النيران
التي يستخدمها العدو بحالة هستيرية غريبة، تسمح للمقاتل الفدائي ان
يستفيد من جبانة الجنود فيلجأ الى داخل الدبابة بحثاً عن السلامة
الشخصية - مما يترك زاوية بين خط النار وشعاع الآلية التي يطلق منها
النيران، ومن خلال هذه الزاوية الميتة كان المقاومون يتسللون الى
الدبابة فيرشقونها بالقنابل اليدوية ويتركونها بحيرة من الدماء.
حكاية شارون ومقاوم
قال الراوي: وصل محدثي الى واقعة وصول
آرييل شارون الى مبنى برج المر في بيروت، عندما انتابه غصة حادة وهو
ىأكل اصابعه ندماً.
فقد كان وزير حرب العدو، ومهندس الاجتياح
اليهودي للبنان على بعد ثلاثين متراً منه. وكان في امكان محدثي ان
يطلق عليه النار ويرديه، فهو يعرف ان ارييل شارون يلبس ثياباً واقية
من الرصاص، ويعرف ان الفرصة لا تسمح له باطلاق اكثر من رصاصة او
اثنتين، ليرد الجنود اليهود بوابل من الرصاص. لذلك لا بد من اختراق
رأس هذا البولوني الضخم برصاصة الرحمة من الطلقة الأولى.
كاد يفعل وهو يهم بذلك، حين تنبه الى انه
يمسك بيده اليسرى طفلته ابنة السنوات الست، ويرفعها من سقطة احدثت لها
جروحا في ساقيها، ما زالت آثارها بادية حتى الآن.
«لم اندم مرة في حياتي، كما ندمت على
لحظة الجبن التي اربكتني في تلك الواقعة» قال محدثي.
وحين وصل الى هنا حدثني كيف ان خالد
علوان اطلق عليه النار عندما سمع منه انه كان على بعد ثلاثين متراً من
شارون ولم يصرعه، لاحقه رفيقه وهو يطلق النار بين رجليه ومن حواليه
ويصرخ به" «ليتك قتلته، ليته قتله... ليته لم يجبن». «لقد لاحقني
رفيقي» - قال المتحدث وهو يوبخني بانفعال: «هكذا فعل الذي ذهب ليقتل
بلفور... فحين كان العجوز البريطاني تحت مرمى نيرانه جبن قاصده..
وانتابته نوبة ضعف في لحظة كانت كافية لانقاذ بلفور واغتيال فلسطين».
لكن الراوي لا يستطيع ان ينسى ما تيسرت له مشاهداته من وقائع بطولة على
يد محدثه هذا، ورفقائه ومواطنيه الذين طاردوا العدو في كل مكان.
لا يستطيع ان ينسى وقائع مشاهداته
ومرويات الشهود الذين شاركوا احيانا وعاينوا احيانا اخرى، نماذج من
البطولات النادرة في فلسطين، منذ بداية المؤامرة العالمية اليهودية
على بلادنا، حتى عودة المقاولين الى فلسطين على حساب دم المقاومين
والشهداء.
على رصيف الويمبي
وفي لبنان كذلك، وبالتحديد في بيروت، حيث
بضعة رجال لا يتجاوز عددهم اصابع اليدين الا نادرا، كانوا بالمرصاد
للعدو ضربوه في موقعه زقاق البلاط امام مدرسة مار يوسف وفي عائشة بكار
وفي تلة الخياط، وفوق جسر حوض الولاية، وامام منزل صائب سلام في
المصيطبة، وداخل مقر منظمة التحرير على كورنيش المزرعة، وفي محلة
الصنائع وداخل مقهى الويمبي في شارع الحمراء، وسواها الكثير الكثير.
نبدأ من الاخير من عملية الويمبي البطولية، ترويها احدى الفتيات التي
كانت في المقهى مع صديقها حيث قالت: «كنا نحتسي المبردات، حين دخل فجأة
شاب اشقر مربوع القامة يضع نظارتين فوق عينيه، وقد استطالت لحيته
الشقراء، فبادر فورا الى انتزاع كأسي من امامي ليرشف منه وهو يبتسم،
ولاحظ الانفعال على وجه رفيقي، فبادر بسرعة الى الكشف عن مسدس في
وسطه، الامرالذي تركنا نتوقع حصول امر اما، بتنا ننتظره بفارغ الصبر.
وتبادلنا التحية مع الفتى الاشقر، الذي
كان يجول بناظريه في زوايا المقهى، وعرفت فيما بعد انه في انتظار
رفيقين له ذهبا لاحضار سلاحهما.
وقف الفتى الاشقر يودعنا بحرارة الصديق
المشتاق ومشى بين الناس، وكان رفيقاه يدخلان من اتجاهين مختلفين.
كانت لحظة شبيهة بالخيال ...
وصل الثلاثة في وقت واحد الى حيث يجلس
ثلاثة من ضباط العدو وجنوده يحتسون القهوة، وفي ثوان قليلة كانت ثلاثة
مسدسات على مسافات لا تبعد اكثر من سنتيمتر واحد عن رقاب اليهود.
انطلقت رصاصتان وروكب المسدس الصغير الذي في يد احدهم، وبحركة خاطفة
امسك المسدس من موقع فوهته ليضرب رأس الضابط اليهودي بالمقبض، وبعنف
شديد، استقر المسدس في رأس ذلك المغتصب، وكان من عيار 9 ملم من نوع
شميزر (الماني الصنع).
وتقول الفتاة انها شاهدت فجوتين كبيرتين
في رقبتي الاثنين احدثهما الحريق الناشىء عن النار، كما شاهدت الضابط
الثالث يهوي على الارض وقد ثبت المسدس في رأسه، وانهمر الرصاص في كل
اتجاه من الضباط في لحظة الموت، ومن شرطة السير الذين كانوا في
المنطقة.
خالد يروي الواقعة
ويعود الراوي هنا يعدد مصادر معلوماته،
فقد استمع الى خالد علوان قبل استشهاده يروي له الحكاية، بأسلوبه
البيروتي الصافي ووعي القومي العميق: «كنا في جولة تفتيش عن العميل
وليد الجمل، نجوب شوارع بيروت لننفذ حكم الامة بالخائن، حين فوجئنا
بثلاثة من ضباط العدو وجنوده، واحد برتبة نقيب واخر برتبة ملازم وثالث
جندي عادي، قد يكون سائق السيارة، لكزت م. لكز ع. فهمنا على بعض لكننا
لا نملك سوى مسدس واحد فهرعنا الى رفيق لنا في عين المريسة اعطانا
المسدس، واحضرنا الثالث من منزل احدنا ع.. اما رفيقنا طوني روكز الذي
اختطفته قوة من جيش بشير الجميل فيما بعد، فأحضر مسدسا من عيار 9-14
واهدانا الدكتور عبد الله سعاده مسدس سميث من عيار 36 وتكتمل الرواية
كما وصفتها الفتاة.
«لم نكن قد عثرنا بعد على العميل الذي
نبحث عنه، فذهبنا الى منطقة المصيطبة بالقرب من مقررئيس الحكومة
الاسبق صائب سلام، وهناك شاهدنا مسرحية ولا اجمل : ثلاثة فتية صغار لا
يتجاوز عمر كبيرهم العشر سنوات، ارسلوا صغيرهم الى مجموعة من جنود
العدو، يخبرهم ان في الخربة الخالية القريبة بعض المسلحين، فتقدمت قوة
مؤللة باتجاه هذه الخربة، حيث كان الفتيان الصغيران الاخران بالمرصاد
يفاجئان العدو بقذيفتين حارقتين، كل من زاويته في الخربة، وتكررت
القذائف وتكومت الجثث»، هذه الواقعة قال الراوي انه سمعها من احد افراد
مجموعة خالد علوان.
ولكن الراوي طماع وشره، لا تشبع نهمه
حكاية، ولا تكفيه واقعة، اذ في كل من هذه العمليات نكهة ورائحة تفوح
بعبق التراب المقدس من بلادي، وفي كل واقعة وقفة عز تسابق اختها الى
البطولة.
في بيروت ملامح من البطولات حملت وسائل
للعدو في بصمات الابطال، وفي الشاحنات الثلاث التي دمرت بمن فيها شرقي
حديقة الصنائع وفي الاليات الضخمة التي احترقت على جسر حوض الولاية
حيث بقيت الجثث معلقة ثلاثة ايام متتالية.
وفي هجمات الابطال الذين التقوا من غير
موعد امام مكاتب منظمة التحرير لينهالوا بالقذائف الحارقة على مضاجع
العدو بعد منتصف الليل، في حين كانت القذائف وطلقات البنادق، تزغرد
على ايقاع متناغم، اين منه براعة المايسترو، بل اين منه علم حرب
العصابات، انه النغم الوحيد الذي يلتقي عليه هؤلاء الابطال من غير
موعد، ولا سابق معرفة، انه الايمان بالارض انه الجواب الوحيد الذي
يردون به على رسائل العدو.
وفي مجموعة خالد، حيث تمكنت من فك هذا
الحصار واسر ثلاثة ضباط، واحدهم قتل في سيارة الجيب وهواعلاهم مسؤولية
واثنان رميت جثتاهما في المجارير. لقد كان ابناؤنا الابطال يشاهدون في
وجوه ضباط العدو وجنوده، صورة يشوع الذي بقر بطون الحبالى وسبل الرجال
وذبح الاطفال، وصورة ميناحيم بيغن وارييل شارون، كانوا يشاهدون في
وجوه جنود العدو، يهوذا الذي باع المسيح بثلاثين من الفضة، ويهوه
الاله الذي تسقط عنده كل الالهة وكل الشعوب.
حيث كنت انقل مرويات الراوي عن بطولات
المقاومة هتف جاري في المكتب :«لو كانت هذه البطولات في الغرب لانتجوا
منها الف فيلم سينمائي، فكيف اذا اضفنا اليها صورا، لانتجوا عن
العمليات الاخرى التي نقلت الينا من ابطالها وشهودها مباشرة». مثلا :
خليل طفيلي ونجله فادي ومعهما جورج وسركيس كانوا يجلسون امام صالون
الاول، عندما تجمعت اليات العدو في مواجهتهم، امام محطة ايوب الشهيرة،
ناقلات جنود ودبابات وسيارة جيب تويوتا، جاء بها الجنود من حي
الوتوات، وكانت لاتزال صورة ياسر عرفات ملصقة على زجاجها الامامي، فما
ان شاهد الجنود هذه السيارة المزدانة بصورة ابي عمار، حتى هرعوا
اليها، يبحثون عن اشياء لا يعرفونها، وبالفعل كانت المفاجأة، قذيفة من
الزاوية الغربية، على تجمع الجند الذي ضرب طوقا حول السيارة، واخرى من
الزاوية الشرقية على ناقلتي الجند، وهما تتحركان قبل ان تفرغا
حمولتيهما.
صاحب الصالون يقول ان رد فعل القذيفة
الاولى رمى به وبابنه وبصديقيه جورج وسركيس، من الرصيف الى عمق
الصالون، وعندما كانوا يحاولون النهوض، سمعوا انفجار القذيفة الثانية،
ولملموا انفسهم ليسارعوا ويشاهدوا المنظر العجيب الغريب، حيث كانت
شاحنات العدو، تحمل الجثث التي زادت على 16 قتيلا وتهرب بها.
لسنا في هذا المقام لنحصي كل العمليات
البطولية التي نفذها ابطال المقاومة في فترة اجتياح بيروت، انما نماذج
نوعية نسوقها فقط لنشير الى ان المقاومة الفاعلة، هي القادرة ان تضرب
بقسوة وتترك فجوات من الهلع، والانهيار في صفوف العدو، هي نفسها التي
تبتكر في كل واقعة سلاحها من ارض المعركة.
نسوق هذه الامثلة وليس في متناولنا متسع
لننقل صورا عن بطولات سبقت، كالتي افتتح بها سمير خفاجة ورفقاؤه عهد
المقاومة الوطنية اللبنانية بعد الاجتياح العام 1982 اسقطت ادعاء
العدو «سلامة الجليل وكذلك بين سحمر وسهل مشغرة حيث تمكن المقاومون من
تفجير مواكب العدو المؤللة وهم يزرعون الالغام بين رتل الدبابات مضى
واخر آت من خلف منعطف او منحدر».
وفي الباروك، نقلوا الصواريخ المضادة
للدروع على ظهرحمار البسوا ارجله طبقة من الكوتشوك، وفي الدامور هاجم
المقاومون ضباط قيادة العدو في مقرهم، فصرعوا كبارهم وجها لوجه، وفي
خلدة نفذ الابطال من الزاوية الميتة بين مصدر النيران ومداها ليتسلقوا
الدبابات ويفجروها بالقنابل اليدوية.
هذه النماذج بقيت بلا ضجة، لولا ان الناس
اخذوا يسألون عن اسباب هروب العدو من موقع الى آخر، نسوقها للمقارنة
بين مقاوم مؤمن تعمد بالنار واجترح الاعاجيب وبين منظر توسل الثورة
للمساومة.
شهادات اخرى
بعد عملية حاصبيا، كرت سبحة العمليات
التي نفذتها مجموعات المقاومة الوطنية اللبنانية، وقد قادها بداية
الشهيد فؤاد صالح والمجموعات المتعاونة معه، في كل موقع من مواقع
الجنوب اللبناني حيث وصلت القوات «الاسرائيلية». واخذت مجموعة خالد
علوان، على عاتقها ملاحقة العدو ابتداء من موقعة خلدة، الى معارك
المتحف، وسباق الخيل، ومواقع المركز الثقافي الفرنسي والفواييه
الفرنسية، حيث بقي خالد اكثر من اسبوعين يرمي الجنود اليهود الذين
يحتلون الموقع المجاور، بقنابل الهاون من عيار 60 ميلمترا، وعمد في
احد الايام الى تسلق السارية، وانزال العلم الاسرائيلي ورفع علم
الحزب، في هذه العملية اصيب خالد في كتفه، ونقل الى المستشفى
للمعالجة. ففر من سريره وعاد الى الموقع بكل مهمته.
في تلك الاثناء قيض لنا ان ننقل شهادات
بعض الذين شاهدوا بضع عمليات نفذت في بيروت الغربية، فكان منها:
أ - اشكال هندسية جديدة:
كانوا ستة اشخاص، كبيرهم في الستين
وصغيرهم لم يصل بعد الى حدود العشرين، يتناقشون في توزع المهمات، حين
وردتهم معلومات تفيد ان الشارع الذي يقيمون فيه الان، يتعرض لعملية
اجتياح مفاجئة، وان العدو اقفل المداخل الرئيسية والفرعية للشارع.
وتوزع الستة الى مجموعتين، انطلقت الاولى
في اتجاه شارع برج ابي حيدر ومنه نزولا في اتجاه المزرعة. وركب
الثلاثة الاخرون سيارة اقلتهم في اتجاه شارع مار الياس، حيث توقفت بهم
السيارة على مفرق ثكنة الحلو، واستقرت في زاوية محددة الى اليمين،
فيما كان الابطال الثلاثة يتسللون في زواريب ثلاثة لمواجهة تجمع اليات
العدو وجنوده امام مكتب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في المزرعة.
واخذ الابطال الثلاثة مواقعهم في
المواجهة، تمهيدا لتنفيذ العملية التي اتفقوا عليها اثناء رحلة الطريق
القصيرة، من غير ان يكون لرفقائهم الثلاثة الاخرين معرفة بذلك.
كان رئيس المجموعة يوزع الادوار: انت
تتسلل الى هذه الزاوية، وانت الى تلك، اما انا فسوف اتخذ من خلف تلك
السيارة موقعا لاطلاق القذيفة الاولى.
ولم يكد رئيس المجموعة يكمل اشاراته،
ويعطي تعليماته حتى كانت القذائف تقطع عليه الحديث، وتنهمر على الموقع
الذي شاؤوا ان ينتزعوا شرف مواجهته قبل سواهم.
لحظات لم تتجاوز الثواني، اصيب خلالها
الثلاثة بذهول المفاجأة، ثم افاقوا على اصوات الصياح والاستغاثة، فقد
كانت الحمم المتساقطة على آليات العدو اخذت طريقها الى السواتر
الحديدية من الدبابات والناقلات التي يحتمي داخلها عشرات الجنود،
وكانت حرارة القذائف قد بدأت تمارس دورها فتلصق اجساد الجنود بالحديد
الذي يحميها، فاذا هي واحدة في اشكال هندسية جديدة، عبثت بها حرارة
القذائف وداعبتها السنة النيران، فتركتها جثثا ضخمة لا حراك فيها.
خلال هذه اللحظات افاق رجال المجموعة
الثانية من صدمة الدهشة - ليجدوا عددا من جنود العدو يفرون في كل
اتجاه، ويطلقون النار بشكل دائري مجنون، بحثا عن ملاذ يقيهم الموت
المحتم.
واستبدل الابطال اسلحتهم القاذفة،
برشاشات خفيفة يعالجون برصاصها اولئك الذين لم يكتب لهم «حظ الشواء»
داخل الياتهم.
في رحلة العودة الى المنزل الذي انطلقوا
منه، التقى ابطال المجموعة الثانية برفقائهم الذين افترقوا عنهم قبل
دقائق.
وفيما كان قائد المجموعة يهم بالحديث عن
العملية التي شاركوا في جزء منها، وقعت عيناه على واحد من اعضاء
المجموعة الاولى ينظف فوهات القواذف المضادة للدروع، تمهيدا لعملية
جديدة في الشارع اياه الذي انطلقوا منه. ففي هذا الشارع، حلت مجموعات
اضافية من قوات العدو وهي تتصرف بشكل هستيري مرعب.
وكان الشارع، كورنيش تلة الخياط، وهناك
بدأت العمليات البهلوانية الذكية التي افقدت العدو صوابه.
ب - الدخان الذي لوث الغسيل:
الذين لم يتركوا بيروت الغربية اثناء
الاجتياح الاسرائيلي يذكرون بنشوة وفرح هذه الصورة بل هذا المشهد الذي
يمثل جزءا من لوحة البطولة ملحمة المقاومة الرائعة للاحتلال.
يذكرون هذه الدبابة الضخمة التي احترقت
الى جانب خمس اخرى من النوع اياه وفي كل واحدة طاقم من ضابط واربعة
جنود.
هنا على جسر حوض الولاية كانت هذه
الدبابات تتقدم باتجاه مدخل سوق الخضار بالجملة الذي كان يقوم موقتا
تحت الجسر المؤدي الى الكولا.
كمن الابطال لقافلة الدبابات حتى وصلت
اولها الى نهاية الجسر واخرها عند بدايته فصرعوا الاولى والاخيرة
بقذائف مضادة للدروع حارقة لاهبة، واحترق طاقما الدبابتين فيما حاولت
طواقم الدبابات الاربع الاخرى الفرار حتى انهمرت القذائف ورصاص
الرشاشات يعالج ضباط العدو وجنوده ثم اكمل الابطال لعبة احراق
الدبابات التي اخذت تصب نيرانها عشوائيا على المنازل نتيجة موجة الهلع
التي اصيب بها الجنود فسقطت واحدة من على الجسر الى الاسفل، فيما نجا
بضعة جنود من الموت فلجأوا الى حيث عائلة لا تزال تعتقد باستجارة
الملهوف، وذهب رب العائلة الى حيث كانت قيادة العدو تتمركز في منطقة
كركول الدروز يبلغ قائد جنود العدو ان نفرا من جنوده نجوا من الموت
ولجأو الى منزل هذا المواطن، لكن قائد جند العدو لم يصدق بل هو خشي في
موجة ذعره من كمين له، فطلب من المواطن «اذا كنت صادقا جئني بواحد
منهم» لكن الجنود المذعورين رفضوا الخروج من المنزل وطلبوا من صاحبه
ان يوفر لهم ثيابا مدنية فألبس اثنين منهم ثيابه، وهي عبارة عن قميص
وبنطلون بلون ازرق سماوي واوصلهما الى قائد جند العدو وهكذا تم
«تسريب» باقي الجنود بثياب مدنية.
وبقيت اللوحة الجميلة ست دبابات تحترق
والاطفال يتفرجون عليها والدخان يتصاعد منها، مما حمل ربات البيوت
المجاورة على رفع غسيلهن المنشور على الشرفات بسبب الدخان الاسود الذي
يتصاعد من الدبابات وجثث القتلى.
الذين لم يتركوا بيروت الغربية اثناء
الاجتياح الاسرائيلي تمتعوا على مدى ثلاثة ايام بهذا المنظر وشاهدوا
الجثث التي احصوها مرارا فكان الرقم 16 جثة. الى ان زاد عدد الاطفال
المتحلقين حول الموقع، فاستغل الصهاينة الظرف ورفعوا حطام الجنود وجثث
الآليات المحترقة.
ولم يصدر عن الناطق العسكري الاسرائيلي
يومها بلاغ عن هذه المعركة، بينما سارع الاهالي الى رش المبيدات
والمطهرات منعا لانتشار الجراثيم.
ج- تلة الخوذات:
«نرجوكم ايها المواطنون اللبنانيون ان
توقفوا اطلاق النار علينا، فنحن منسحبون الآن...»
اجل بالصوت العالي، ارتفعت الاستغاثة،
وبمكبرات الصوت التي وصلت اصداؤها الى فردان، فساقية الجنزير، والى
شارع البريستول فالصنوبرة والى عائشة بكار فالظريف ومن هنا امتدادا
الى المزرعة.
بالصوت العالي كان جنود الاحتلال يصرخون
في شارع كورنيش تلة الخياط، عندما انهمر عليهم الرصاص من الزوايا
والزواريب من على السطوح والشرفات وجها لوجه ومن الخلف، ومن
الجانبين.
يومها كانت الدبابات الاسرائيلية تسللت
الى بيروت في ظل خدعة اميركية اسرائيلية مشتركة تعهدت بعدم التعرض
لبيروت الغربية مقابل خطة امنية تنفذ الاولى في الغربية والثانية في
الشرقية. وبهذه الخدعة اجتاحت «اسرائيل» بيروت الغربية وخرجت منها
بالقوة.
ولم تكد الدبابات انذاك تأخذ مواقع لها
في الشارع وفي الطرق المؤدية له حتى كان ابطال المقاومة اللبنانية
يرشقونها بوابل من القذائف المحرقة.
واستخدم العدو هذه المرة بربريته
المعروفة عنه، واستعان بكل آلة الدمار المتطورة التي هيأها له
«اصدقاؤنا الاميركان» واختبأ الجنود خلف حواجز بشرية من النساء
والاطفال الذين هرعوا يكحلون اعينهم بمرأى الدبابات تحترق والاسطورة
تنهار والجنود يتدكسون جثثا على الارصفة.
واستفاد العدو الخبيث من «طيبة» بعض
الصبية. ومن عمالة واحد رافق الغزاة مختارا لقاء دريهمات، واخر نفد
اليه العدو باستخدام التهديد والوعيد، من هذه الاختراقات حاول الغزاة
الوصول الى مواقع المقاومة لكنهم عبثا حاولوا، فالأبطال لن يلقوا
السلاح والمارد الذي خرج من القمقم لم تتمكن قيود الجبانة ان تغل
يديه.
والمقاتل الذي شهر سيف التحرير لم يعده
الى غمده، وفي نصله حد ماض يعالج رؤوس الغزاة ورؤوس الخونة، والعدو
جبان، جبان، لا يقوى على المواجهة، ولم تعد دباباته صالحة لإيوائه
وحمايته.
كادوا يصابون بالجنون وقد سرت في رؤوسهم
موجة من الهستيريا المفزعة وفي ذاكرتهم - الى ساعات خلت - صور مرعبة
عن النهايات التي وصل اليها زملاؤهم في مواقع اخرى من بيروت، على الرغم
من ستار التعتيم الذي فرضته سلطاتهم في بلاغاتها العسكرية عن حقيقة
الاصابات التي انزلت في صفوفهم.
اطقوا مئات القنابل المضيئة، واستخدموا
الطيران المدمر في محاولات منهم لإضعاف معنويات المقاتلين، ووجهوا
فوهات مدافع البوارج البحرية الى كل زاوية وكل بناية.
لكل المقاتل المقاوم المقاتل البطل ادرك
بالتجربة ان الجندي «الاسرائيلي» جبان وان كل ما لدى «اسرائيل»
والولايات المتحدة من آلات الدمار غير قادرة على منعه من الوصول الى
العدو وهو على بعد امتار منه ولذلك لكل هذه الاسلحة مؤهلة لإصابة
العدو اكثر من اهليتها لإنزال ضربة بالمقاتل الدائم الحركة السريع
المناورة الخفيف الحمل.
ولما لم يعد امام جنود الاحتلال من وسيلة
للاحتماء لجأوا الى الاستغاثة طلبوا النجدة من المقاتل، رجوه الرأفة،
استجدوه الرحمة.
وارتفعت اصواتهم بمكبرات الصوت:
نرجوكم ايها المواطنون اللبنانيون ان
توقفوا النار علينا فنحن منسحبون الآن».
وما هي الا ساعات حتى كانت آليات اخرى
تأتي بخفر وكأني بها مجموعة من الاسرى ترفع الايدي الى الاعلى علامة
التسليم.
ورفع الجنود جثث قتلاهم وبقايا آلياتهم
المحترقة وخرجوا من شارع تلة الخياط يجرون كما في المواقع الاخرى من
بيروت أذيال الخيبة.
وصدر بلاغ على الفور عن الناطق العسكري
الاسرائيلي يقول ان قواتهم في هذا الشارع «تعرضت لعمليات عسكرية اصيب
على اثرها جندي بجراح طفيفة»، لكن مجموع الخوذات التي بقيت في الشارع
زادت على 25 خوذة.
الديار (21 10 2006) |
|
||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||