|
|
|
آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:45:04 AM |
|
اعداد: كمال ذبيان
الزميل جان داية الباحث والكاتب، كان احد
الذين شاركوا في الانقلاب الذي نفذه الحزب السوري القومي الاجتماعي
ليلة 31 كانون الاول 1961، ضد النظام اللبناني وهي المرة الثانية التي
يقوم بهذه المحاولة بعد الثورة القومية الاجتماعية الاولى التي قام بها
مؤسس الحزب انطون سعاده.
في الثورة الانقلابية الثانية، فشل الحزب
ايضاً، وزج بالقوميين وانصارهم في السجون ولاقوا الاضطهاد والتعذيب
والتشرد، وسقط منهم حوالى 13 شهيداً تحت القتل والتعذيب او بالقتل
عمداً وبدم بارد.
الحزب حاكم هذه المحاولة الانقلابية عبر
محكمة حزبية خاصة، لمعرفة اسباب الفشل واصدر احكاماً. وفي العام 1984
صدر عن المؤتمر القومي الاجتماعي العام توصية برفض اللجوء الى
الانقلابية.
جان داية يروي عن المحاولة الانقلابية
وهو عاشها سجناً ويعرف تفاصيلها، و«الديار» تنشر عن تلك المرحلة من
ضمن ملفها عن الحزب القومي.
قال داية: يصعب عزل محاولة الانقلاب التي
جرت في الليلة الاخيرة من العام 1961، عن «ثورة» او «صيف الدم» في
العام 1958، وتداعياتها على الحزب القومي. فالاخير لم يكن مستعدا لخوض
«الثورة المضادة» من الناحية السياسية. صحيح انه كان موالياً للرئيس
كميل شمعون خلال رئاسته للجمهورية اللبنانية منذ العام 1952 حتى 1958.
ولكن الموالاة لم تكن مطلقة لمجموعة اسباب منها ان فخامته لم يفرج عن
معتقلي الحزب الذين اعتقلوا في ثورة 1949، الا بعد سنوات من وصوله الى
سدة الرئاسة، في حين كان للحزب دور كبير في سقوط الرئيس بشارة الخوري
خصوصا في يوم دير القمر السياسي الضخم، وما تلاه من اضراب عام سمي
بـ«الثورة البيضاء»، وبالتالي ايصال فخامته الى قصر القنطاري.
انطلقت «ثورة» 1958 لقطع الطريق على
الرئيس شمعون كي لا يجدد ولايته لست سنوات اخرى صحيح انه لم يفصح عن
رغبته في التجديد. ولكن كل الدلائل كانت تشير الى ان فخامته راغب في
تجديد الولاية. كانت شرارة الثورة تحتاج للانطلاق، الى ذريعة.
اضاف: وشكل اغتيال الصحافي نسيب المتني
الذريعة المطلوبة نظرا لانه كان من اعنف معارضي شمعون عبر جريدة
«التلغراف».
وبالطبع، اتهمت المعارضة «العهد»
باغتياله، وبدأت بالتفجيرات والحرائق ومهاجمة كل من تعتبره موالياً
لشمعون وفي الطليعة «القوميين السوريين»، ومن اطرف واغرب ما في اغتيال
المتني، ان الذين مشوا بجنازته، وعلى رأسهم عبد الحميد السراج في
دمشق، هم الذين اغتالوه. وهكذا، هاجم «الثوار» منازل القوميين
الاجتماعيين ومعاقلهم وبخاصة «النبي عثمان» في البقاع و«عدبل» في
عكار.
وقال كان الحزب القومي جاهزاً للرد
العسكري بفعل توفر المقاتلين والسلاح منذ العام 1956 حين كان غسان
جديد عميدا للدفاع، ويهدف الى قلب نظام الحكم في دمشق مع بعض القوى
الحزبية والسياسية. وبرزت قوة الحزب العسكرية وتفوقها، في معركة
شملان، حيث منعت مقاتلي كمال جنبلاط من اجتياح المنطقة مقدمة لاحتلال
المطار. ولفت انتصار القوميين في هذه المعركة اجهزة الاعلام الغربية.
وعلى سبيل المثال، فان مراسل «الفيغارو» الفرنسية اكد عبر تحقيق مصور
انه «لاول مرة رأيت رجالا يخوضون قتالاً لا يحقّ انهم اعضاء الحزب
السوري القومي الاجتماعي».
واشار الى ان «الثورة» لم تعمر لان ولاية
شمعون انتهت. وبمباركة واشنطن وعبد الناصر، انتخب نواب شمعون الامير
فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية باكثريتهم الساحقة، فيما نال ريمون اده
بضعة اصوات. والجدير ان سعيد تقي الدين نشر مقالا في احدى الصحف
البيروتية قبل عام، اكد فيه ان رئيس الجمهورية المقبل سيكون احد
شخصين: اما اللواء فؤاد شهاب، او الامير فؤاد شهاب.
وكان ساخر بعقلين على علاقة جيدة مع
الرئيس الجديد. ولكن الامير اللواء لم يكن صديقاً للحزب. بل انه كان
عضوا في مجلس الامن اللبناني الذي تشكل برئاسة رياض الصلح من اجل رصد
تحركات الزعيم سعاده مقدمة لتصفيته.
لذلك، كان واضحاً، منذ البداية، ان الحزب
القومي الذي ربح عسكريا، قد خسر سياسيا. لم يكن له وزير في الحكومة
الشهابية الرباعية الاولى، حيث تولى الشيخ بيار الجميل فيها عدة حقائب
وزارية.ومن الطبيعي ان يترك ذلك شعوراً سلبيا ازاء العهد وسيده. وقد
زاد في الطين بلة، ان العهد بدأ يمارس ضغوطا ومضايقات امنية وادارية
ضد الحزب. وكان من ثمرات تلك السياسة، ابعاد جميع الكوادر الحزبية
الشامية خارج لبنان، وفي طليعتهم محمود نعمه الذي تمكن من الفرار من
سجن المزة بطريقة اسطورية.
وتابع في البداية، تصرف الحزب بحكمة حين
وافق مجلس نوابه - المجلس الاعلى- على استقالة رئيس الحزب النائب اسد
الاشقر، الذي قاد الحزب في معارك صيف 1958، وانتخاب عبدالله محسن
رئيساً جديداً، ذلك ان الاوساط الشهابية تعتبر محسن صديقا، ناهيك بأن
نهجه القيادي يتسم بالتركيز على الشأن الاداري الداخلي الذي كان
ضرورياً بعد معارك 1958.
فجأة «استقبال» الرئيس عبدالله محسن،
وانتخب مكانه الدكتور عبدالله سعاده، وعلى الفور، بدأت ورشة الانقلاب
الحزبي - العسكري، رغم ان الحزب منهك، نتيجة معارك شملان وعدبل والنبي
عثمان، وبمحاولات الوصول الى السلطة في دمشق وبيروت.
قرار الانقلاب
وقال: لم يتفرد رئيس الحزب بقرار
الانقلاب. فقد تداول بشأنه مع مجلس العمد (السلطة التنفيذية) والمجلس
الاعلى (السلطة التشريعية).
ونال موافقة الاكثرية الساحقة من
المجلسين. وسرّ ذلك، ان الموافقين قد ضاقوا ذرعا من محاربة السلطة
للحزب، خصوصا في الانتخابات النيابية حيث اسقط جميع المرشحين القوميين
ومنهم رئيس الحزب. اضف الى ذلك، ان كاريزما الدكتور سعاده لعبت دوراً
كبيراً في اقناع بعض المعارضين والمترددين. وجاء نجاح انقلاب
«الانفصاليين» في دمشق عاملاً اضافياً في حفلة الاقناع، خصوصاً وان
الانفصاليين يلتقون، عملياً، مع الحزب القومي، في مناهضة وحدة مصر
والشام، وهيمنة القاهرة على دمشق. مع ذلك، فقد عارض الانقلاب عضو
المجلس الاعلى الشاعر الدكتور نذير العظمة. وما جرى تنويه بمعارضته في
المحكمة، صاح رئيسها الزعيم جميل الحسامي: سوري وضد الانقلابات
العسكرية!
اضاف ولم يقتصر الانقلاب على الحزب
القومي، بل هو شمل ايضا الجيش اللبناني عبر بعض الضباط الحزبيين
والمحازبين وفي طليعتهم النقيبين: فؤاد عوض وشوقي خيرالله، وليس صحيحا
ان عدد الضباط المشتركين في الانقلاب لم يتعد الرقم 3، وهم عوض
وخيرالله والملازم علي الحاج حسن، فالذين اعتقلوا في ثكنة المير بشير،
لاحظوا ان احد القواويش في الطبقة الرابعة كان مليئا بالضباط
المعتقلين: ويمكن التنويه، على سبيل المثال، بالزغيم غطاس لبكي. وكان
بين المشاركين في الانقلاب الضابطان القوميان الشاميان: محمود نعمه
وعبدالله الجبيلي.
ونفذ الانقلاب في منتصف الليلة الاخيرة
من العام 1961.
وفشل بعد ساعات. ويعود فشله الى عدم تمكن
الانقلابيين من اعتقال رئيس الجمهورية فؤاد شهاب، رغم ان الاخير كان
مستعدا للاستسلام على ما اعلمني به رئيس الحرس. صحيح ان المكتب الثاني
(مخابرات الجيش) تمكن من اختراق الحزب القومي عبر مرافق رئيس الحزب
رياض درويش، ويضيف اللواء سامي الخطيب بان المكتب الثاني اخترق الحزب
القومي بالضابط الشامي القومي فضل الله ابو منصور. وصحيح ايضا ان فؤاد
عوض لم يتمكن من احتلال «كل» وزارة الدفاع، حيث كان يمترس في الطبقة
الثانية منها عدد من الضباط وعلى رأسهم رئيس المكتب الثاني انطون سعد.
ولكن الصحيح الاصح ان سعد وسائر الضباط كانوا محاصرين من عوض وكتيبته
ومصفحاته، وانهم كانوا استسلموا لو تمكن الحزب من اعتقال رئيس
الجمهورية. ويعزز هذا التوقع، قول العقيد سماحه لعوض: انا مع الشرعية،
كائنا من كان ممثلها. وهو قال ذلك، في ليلة الانقلاب، حيث كان يقود
الدبابات الواقفة على مقربة من مصفحات عوض.
ولكن الاختراق المخابراتي كان محدودا،
بدليل ان المكتب الثاني الذي كان يمترس في وزارة الدفاع فوجئ بوصول
فؤاد عوض على رأس كتيبته قادما من صور. وان كل ما زوده به درويش وابو
منصورمن معلومات، تفيد بقيام الحزب بتحركات خلال تلك الليلة.
وقال لقد فشل الانقلاب بسبب فشل
الانقلابيين في عملية اعتقال رمز السلطة في لبنان. ويعود فشلهم الى
عاملين: الاول تخطيطي وهو مكان انطلاق المجموعة التي تولت اعتقال
الرئيس شهاب من منزل في بلدة الفنار شرقي جديدة المتن بدلا من استئجار
منزل في جونية حيث كان يسكن الرئيس. والثاني تنفيذي، وهو تأخر الموكب
عن التحرك لمدة نصف ساعة من انطلياس الى جونية، بسبب تأخر وصول
الملازم علي الحاج حسن الناجم عن عدم اهتداء صبحي ابو عبيد لمكان
الانطلاق، وهو الذي تولى نقل الحاج حسن الى انطلياس. والوقت المهدور
ثمين جدا في الانقلابات، ويرتفع ثمنه كثيرا في انقلاب القوميين، لانه
افسح في المجال لانطون سعد كي يستنفر ثكنة صربا التي قطعت الطريق
بالحواجز والدبابات بين انطلياس وجونية. فلو انطلق الرتل من جونية،
لوصل الى منزل الرئيس شهاب خلال دقائق، ولتمكن من ايصاله الى منزل اسد
الاشقر في ديك المحدي قبل قطع ثكنة صربا الطريق العام. لو لم يتأخر
انطلاق الرتل في انطلياس، لوصل الى جونية قبل انقطاع الطريق، وثمة
«لو» رابعة لا بأس من بدء العبارة بها. عندما تأخر علي الحاج حسن،
اقترح الضابط عبدالله الجبيلي ان يسير الرتل بدونه، خصوصا وانهم ليسوا
بصدد دعوة فخامته لحفلة كوكتيل. ولحسن حظ الرئيس شهاب فان قائد
العملية الضابط محمود نعمه رفض ذلك لانه مخالف للخطة. وحصلت مشادة بين
الرجلين انتهت برضوخ الجبيلي لاوامر رئيسه. فلو كان الجبيلي قائد تلك
العملية الرئيسية، لكان عشرات المقاتلين الذين كانوا يرتدون بزات
عسكرية كالتي يرتديها الجيش اللبناني، وصلوا حتما الى منزل الرئيس
شهاب، ولربما تمكنوا من اعتقاله، وايصاله الى ديك المحدي، ووفروا فرصة
كبيرة لنجاح الانقلاب.
واشار الى ان هناك ثغرة اخرى في خطة
الانقلاب، وتتمثل في مرحلة ما بعد الفشل. اقتضت الخطة ان يتراجع
الانقلابيون في ديك المحدي، ليحدّوا من الخسارة بمعنى ان يدافعوا عن
ملاذهم الاخير الذي هو منزل اسد الاشقر ومحيطه الجغرافي بقوة السلاح،
ويساعدهم على ذلك وجود عشرات الضباط اللبنانيين، ومنهم رئيس الاركان،
رهائن بين سلطة قادة الانقلاب، وقد تولى عبدالله الجبيلي قيادة
المقاتلين في محيط ديك المحدي. ومرة اخرى، ضاعت الفرصة التي توفرت
نتيجة تسوية يتم فيها تسليم الرهائن مقابل تسفير الانقلابيين الى
الخارج: وبالفعل، اتصلت قيادة الجيش برئيس الحزب السابق عبدالله محسن،
وكلفته التوجه الى ديك المحدي للتفاوض ولكنه -كما روى لي - لم يجد
احدا في نزل اسد الاشقر، بل وجد حفنة من المقاتلين، وقد اخبروه ان
الدكتور عبدالله سعاده وسائر القياديين قد تركوا المكان وبرفقتهم
الضباط الرهائن باتجاه بسكنتا.
وسرعان ما اعتقل بعضهم على الحواجز التي
اقيمت في جبال المتن. وكان ابرز المعتقلين الدكتور عبدالله سعاده.
اضاف : وروى لي السائق القومي ان عبدالله
الجبيلي كان داخل السيارة، اضافة الى ثلاثة من كبار الضباط، وفي
اللحظة التي اوقفهم حاجز الجيش، اختفى الجبيلي، واختفى معه رئيس
الاركان يوسف شميط. وتبين، فيما بعد، ان الجبيلي نزل من السيارة
وتوارى في الغابة، وقد اقتاد معه شميط حتى الطريق العام في محلة
المعاملتين، ولم يتركه الا بعد ان اوقف سيارة عمومية متجهة الى
طرابلس. وفي حين توجه شميط الى القصر الجمهوري في صربا، تمكن الجبيلي
من اجتياز الحدود اللبنانية، ولكن الامن السوري اعتقله كما فعل مع
عشرات الفارين من السوريين واللبنانيين. فسلّم هؤلاء الى السلطة
اللبنانية ومنهم خليل دياب، واطلق سراح اولئك وفي طليعتهم عبدالله
الجبيلي ولكن بعد استجوابهم واحتجازهم لعدة اشهر. وتمت الاعتقالات على
الساحة اللبنانية بواسطة الجاروفة التي يستعملها صيادو السمك. يرمي
المكتب الثاني شبكته على احد احياء العاصمة او احدى المدن او على بلدة
بكاملها كالنبي عثمان مثلا. ويبادر الى اعتقال جميع العاقلين في
الشباك، وكأن المواطن متهم بالاشتراك في المحاولة الانقلابية حتى يثبت
العكس. وعلى سبيل المثال، فقد كان الامين علي نزهة مطلوبا، ليس لانه
اشترك في الانقلاب، بل لان اشتراكه تحصيل حاصل في حسابات السلطة
المخابراتية، لانه حائز على رتبة الامانة.
الانكليز وراء الانقلاب
وتابع ومع ذلك، فالاعتقالات شملت كل من
يحمل هذا الاسم في النبي عثمان، وعدد هؤلاء يربو على الخمسين. مثل
آخر؟ طرحت الشبكة في مستديرة الكولا، فعلق فيها عشرات المواطنين،
وبعضهم من خصوم الحزب القومي، ومنهم اعضاء في جمعيات ثقافية وجوقات
زجلية. ومن طرائف او غرائب هذه الاعتقالات ان الجاروفة شملت الزجال
الشهير علي الحاج القماطي، ورغم ابراز هويته الشعرية فقد بات ليلته في
القاووش الرابع عشر لان الاعتقال تم مساء، والفرز يحصل صباحاً، واعتذر
نزلاء مضافة المير بشير من الرجل الذي كان متوجها الى مطعم «يلدزلار»
في الروشة لاكل السمك، فوجد نفسه في القاووش بعد ان علق في شبكة
الجاروفة. وردّ ركن جوقة شحرور الوادي بان اكلة السمك متاحة في كل
عشية، ولكن مجاورة القوميين ومحاورتهم لم تحصل الا في عشية واحدة، وقد
عرف من خلالها حقيقة الانقلاب وشيئا من عقيدة الانقلابيين.
وعلى ذكر الزجل، فقد كان من نزلاء
القاووش نفسه الشاعر الظريف فؤاد ذبيان. وفيما كان عائدا من احدى
حفلات التحقيق، استوقفه الجندي الحارس (حسين) وسدّد على وجهه عدة
صفعات. كان رئيس الحرس من آل ذبيان ومن وقت لآخر كان يتوقف قرب نافذة
القاووش ويحاور نسيبه. وحين علم بما جرى، قال لمرؤوسه: اذا شاء القدر
ان يضع هؤلاء الناس، ومنهم الطبيب والصحافي والشاعر، في هذا المكان،
فمن واجبك ان تقوم بحراستهم بكل احترام، خصوصا وانك بالكاد تستطيع
القيام بوظيفة مزارع لدى اصغر ملاك بينهم. ثم سدد على وجهه دزينة
صفعات، وطيّب خاطر فؤاد.
لم يكن المساعد ذبيان ولا الجندي حسين،
وحيدين بين الضباط والرتباء والجنود الذين كلفوا باعتقال آلاف
القوميين وحراستهم والتحقيق معهم ايضا. ولكن نسبة الذين تصرفوا
بإنسانية كانو اقلّة قياسا لأمثال حسين أفندي. ويعود سرّ ذلك الى ان
الاوامر الشفهية اعطيت من الرؤساء الى المرؤوسين لممارسة نسبة عالية
من الوحشية بحق القوميين «عملاء الانكليز».
وقال استطيع القول ان اكثر الذين مارسوا
الاضطهاد، قتلا وتعذيبا، هم الذين نفوا، فيما بعد، ان يكونوا قد رموا
وردة على القوميين. والمضحك المبكي ان احد كبار الجلادين شارك في اكثر
من احتفال حزبي بصفة صديق كبير. وبالمناسبة، فمنذ الأيام الاولى
للمحاولة الانقلابية، اكد رئيس تحرير «الاهرام» محمد حسنين هيكل في
إحدى مقالاته الطويلة التي نشرها تحت العنوان الدائم «بصراحة»، بأن
الانكليز هم وراء الانقلاب بدليل ان اسطولهم الحربي مرّ قرب الشاطئ
اللبناني قبل أيام. وكرّر الوزير آنذاك كمال جنبلاط الاتهام نفسه.
وعلّق احد الظرفاء على الاتهام الهيكلي - الجنبلاطي، بالقول ان
الانقلاب كان نجح لو ان الانكليز اشتركوا في نظمه وتلحينه. اما السفير
البريطاني،
فإنه طلب مقابلة رئيس الجمهورية فواد
شهاب ووزير الخارجية فيليب تقلا، وقال لهما: تعلمان من خلال التحقيق
والوثائق ان حكومتنا لا علاقة لها بالانقلاب، فما هو مبرر اصرار كمال
جنبلاط على تكرار اتهامه؟ وهنا، استدار شهاب نحو تقلا وتساءل متهكما:
الا يعرف كما جنبلاط اغلاق فمه كما عرف فتحه؟ وهذا التساؤل ورد في
الملف الضخم الخاص بالانقلاب والذي افرجت عنه الخارجية البريطانية بعد
مضي ثلاثين عاما على تاريخ المحاولة، وقد نشرت شيئا منه وعنه في هذه
الجريدة عام 1992.
وقال على ذكر الانكليز، فان اركان
التحقيق فشلوا في انتصار قضائي اثبات اية علاقة بين قادة الانقلاب
وقادة 10 دواننغ ستريت، وفي حين اصر محمد حسنين هيكل وجنبلاط على القول
«بالانكليزية» الانقلاب، اقتنع احد الحراس بعدم علاقة احفاد شكسبير
بالانقلابيين، ولكنه بقي مقتنعا بعلاقة هولاء بدولة اجنبية ما، وذات
يوم كلف الحارس بمرافقة الفنان رضا كبريت من مكتب المحقق الى القاووش
14، فاغتنم الفرصة وطرح عليه السؤال التالي: بشرفك، ما هو اسم الدولة
الاجنبية التي فبركتم معها الانقلاب؟ اجابه رضا متصفاً الجدية ومشددا
على ان تبقى المعلومة سراً بينهما: اليابان اوصل الحارس، الفنان، الى
قاووشه، وعاد مهرولاً الى المحقق وابلغه معتزا باسم الدولة الاجنبية
التي عجز طاقم التحقيق المدني والعسكري في ثكنة المير بشير عن فك
رموزها. فطرده المحقق قبل ان ينفجر من الضحك. لكن رضا دفع ثمن
«المعلومة» حفلة جلد بربرية حيث وضع الجلادون حذاءه في فمه فلحوا ظهره
بكرباج من الحديد. وبعد اسبوع، استنكر العميد ريمون اده في المجلس
النيابي حفلات التعذيب في مضافة المير وهو يرفع قميص رضا الملوثة
بالدم، ولكن مسلسل التعذيب استمر، وتخطى حدود مضافة المير وسائر
المضافات وابرزها «ردهة الشرف» في ثكنة الفياضية، الى بعض الساحات
العامة في المتن الشمالي، وسر ذلك، ان بعض القوميين، امثال امين داغر
في المروج، فازوا في الانتخابات البلدية، وسرعان ما توجهت شاحنات من
قوى الامن الداخلي، فساق عناصرها رؤساء البلديات والاعضاء الفائزين من
القوميين الى ساحات المروج وبسكنتا وجل الديب وغيرها، وجلدوهم بقسوة،
وعلى عينك يا ناخب، والغريب ان الرئيس فواد شهاب الذي ارسى بعض القواعد
الاصلاحية في الجمهورية اللبنانية، والمفترض انه كان عالما بتلك
الممارسات، لم يضع حدا لها. صحيح ان الامير اللواء كان نظيف الكف، ولم
يمض على وجوده في القصر اكثر من ثلاث سنين، وكان من واجب الحزب القومي
دعمه في ورشة الاصلاح بدل الانقلاب عليه. ولكن خطأ الحزب لا يجوز ان
يقابل بخطأ افدح، لقد قتل تحت التعذيب، او بحجة الهرب من السجن،
ثلاثون معتقلا بينهم الضابط محمود نعمه، فهل يتناسب ذلك مع ورشة اصلاح
الدولة؟ كان من حق الحكومة اعتقال المشتركين في المحاولة من مدنيين
وعسكريين والذين لا يربو عددهم على المائة، ولكنها اعتقلت الاف
القوميين والمواطنين الابرياء ونكلت ببعضهم. وكان من حقها محاكمة
المذنبين والحكم عليهم من غير تعذيب كما تفعل الحكومة الفرنسية التي
يعتبرها الرئيس شهاب مثاله الاعلى، ولكنها عذبت ونكلت قبل ان تبدأ
المحاكمة. ولم تدرك حينها ان تلك الممارسات ساهمت في تحويل هزيمة
القوميين الانقلابية العسكرية الى انتصار قضائي كما سيجيء ولم تخل
حالات التعذيب النفسي والجسدي من الغرائب والطرائف، كانت قووايش المير
بشير كعلب السردين بحيث وصل عدد المعتقلين في كل واحد منها الى
التسعين معتقلا. وذات يوم، صاح احد المعتقلين بزملائه: الم ترضوا بالـ
10452كلم2؟ تريدون كل شبر من الهلال الخصيب؟ ناموا، اذن، واقفين في
هذا القاووش الاضيق من قن الدجاج او غصت «ردهة الشرف» التابعة لثكنة
الفياضية، وهي قاعة كبيرة، بمئات المعتقلين، واخذ المسؤولون عنها
تدبيرا اضافيا الى جانب التدابير المزعجة التي يعجز احدث كومبيوتر عن
استيعابها. فقد قطعوا الكهرباء عنها ليلا نهارا، واحكموا اغلاق نوافذها
وطاقاتها، كان بين نزلائها الشاعر الشعبي كميل خوري والد امين عام
المجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري.
وذات يوم كئيب انشد الشاعر قصيدة طويلة
قال فيها:
فيقوا يا رافاقي فيقوا كل مين يقشع طريقو
الواحد منا ما بيعرف مخو من طيز رفيقو
المحاكمات
اضاف: ولنترك ثكنة المير بشير باتجاه قصر
الاونيسكو المجاور لها، والذي تحول انذاك الى قاعة كبرى لمحاكمة
القوميين. في 15 حزيران 1962، افتتح الزعيم ــ عميد ركن ــ جميل
الحسامي المحكمة الاولى التي ترأسها واقتصرت عضويتها على الضباط. اتبع
الحسامي نهج نظيره العراقي المهداوي الذي ادار جلسات محاكمة اركان
العهد الملكي اثر انقلاب عبد الكريم قاسم في صيف 1958، مع فارق ان
المهداوي كان يرطب الاجواء بالقصائد ــ المعلقات، في حين تلفظ الحسامي
بعبارات نثرية عامية طريفة، وعلى سبيل المثال، عندما افاد عامل
السنترال في وزارة الدفاع بأن فواد عوض اطلق النار على الارزة فاصابها
ثم اطلق النار عليه واخطأه، وسأله الحسامي: كم كان يبعد عنك حين اطلق
عليك النار؟ اجاب: ثلاثة امتار! عندئذ قال له منهيا افادته: ولاه،
ضابط نقيب، يطلق النار عليك من على مسافة قريبة ويفشل في اصابتك؟ ولاه،
ما كان بدو يصيبك، كان قصدو يخرّيك طبعاً، كانت الاحكام جاهزة ومعلبة
وتتضمن اعدامات بالجملة، لكن عوامل عدة ساهمت في رجاحة كفة القوميين
في محكمة وجدان الناس وعقولهم، لا بأس من التنويه بثلاثة منها، بسبب
ضيق المجال:
1 - شجاعة المتهمين وتنافسهم في تحمل
المسؤوليات. فؤاد عوض حصر المسؤولية بنفسه وطلب اطلاق سراح كل افراد
كتيبته من رتباء وجنود لانهم كانوا بصدد تنفيذ اوامره، لذلك، عندما
حاول احد جنوده اتهامه بافعال وآراء غير صحيحه، وفقا للامثولة التي
لقنوه اياها، صاح به الحسامي قائلا: به الحسامي قائلا: سد بوزك ولاه،
رئيسك يبرئك ويتحمل المسؤولية وانت مستمر في ثقل الدم!
واستهل الدكتور عبد الله سعادة افادته
بالقول: «ان الذين يعتقدون ان بامكانهم القضاء على الحزب بالقوة
والقمع قد ظلوا ضلالا بعيدا. اني لا اخاف مما يقتل الجسد، بل اخاف مما
يقتل الروح والكرامة». ولم يقل موقف الاعضاء شجاعة وتضحية، وعلى سبيل
المثال، فقد اتهم جبران الاطرش بقتل الرقيب شمعون في بيت الضباط، ومع
انه كان يعرف اسم القاتل، فقد آثر قبول حكم الاعدام عن الجهر باسم
رفيقه، وعندما سأله الدكتور سعاده حول سر تغطية رفيقه، قال له: «زوجتي
نشيطة وقادرة على تأمين معيشة بناتي الثلاث، اما زوجته فغير مؤهلة
لاعالة ابنائه، لذلك اقبل الموت بدلا منه».
وبالمناسبة، فقد كنت ازور الشاعر والزميل
ونقيب المعلمين السابق انطوان رعد في مكتبه التابع لمجلة «الوسط»
اللندنية مع مجموعة من الزملاء. وقتذاك، كانت تجري محاكمة الدكتور
جعجع ورفاقه في بيروت، فشبه احد الزملاء الدكتور جعجع بالدكتور سعاده،
ردا عليه رعد قائلا: «كنت طالبا في كلية الاداب التابعة للجامعة
اللبنانية خلال محاكمة القوميين، وبدلا من الدخول الى الجامعة، كنت
ادخل قصر الاونيسكو والمجاور للكلية، واذا شئت المقارنة بين الدكتورين
ورفاقهما، اقول ان الدكتور سعاده ورفاقه كانوا يتسابقون في تحمل
المسؤوليات، في حين كان يتسابق الدكتور جعجع والضباط مالك والاخرون
على التنصل منها» والجدير ذكره، ان الشاعر رعد يعتبر، عقائديا
وسياسيا، خصم القوميين.
2 - لم يكتف المتهمون بتكليف عدد كبير
من المحامين الكفوئين وعلى رأسهم المحامي والسياسي يوسف السودا. بل
كلّفوا ايضا المرجع الفرنسي القانوني موريس غارسون، اعد الاخير مطالعته
انطلاقا من اضبارة المتهم الاكثر تورطا وهو عميد الدفاع بشير عبيد.
ويمكن تلخيص مطالعة غارسون بان الجريمة سياسية حتى لو كان كل حرف في
القرار الاتهامي صحيحاً.
ولم تكن مرافعات المتهمين الكبار اقل
مستوى وتميزت مطالعة رئيس المجلس الاعلى انذاك محمد بعلبكي بالشمول
والبلاغة والحجج المنطقية والامثلة العملية المقنعة. كانت «النهار»
تغطي المحاكمات كما تحصل وليس كما ارادها جماعة «الدكتيلو» اي المكتب
الثاني. وحين صدرت مطالعة النقيب بعلبكي، دخل احد دكاترة الجامعة
اليسوعية الصف وهو يحمل الجريدة، ولسان حاله يقول لطلابه: «هذه اطروحة
دكتوراه».
اما مطالعة غارسون، فقد اقنعت الرئيس
اميل ابو خير، في المحاكمة الثانية، بان الجريمة السياسية، ،اصر على
قناعته رغم التهديدات والاغراءات. وعندها حوصر الرجل وتأخر صدور الحكم
لمدة اسبوع، سرب مخالفته الى «النهار» حيث نشرت في اعلى الصفحة الاولى.
وهكذا، علم اللبنانيون ان احكام الاعدام التي طالت سعادة وعوض وعددا
غير قليل من القياديين والاعضاء، ممهورة بتواقيع اعضاء هيئة المحكمة
الضباط، في حين خالف الحكم رئيس المحكمة المدني الوحيد والقانوني
الكبير. والجدير ذكره، ان احكام الجرائم السياسية لا تتخطى السنوات
العشر، وتبقى دون الاعدام مهما ارتفع سقفها.
3 - كان بين المحكومين الدكتور منير
خوري الاكاديمي وخبير التنمية في الشرق الاوسط التابع للامم المتحدة.
وعندما نقل المحكمون الى سجن القبة في طرابلس، حول هذا الخبير المناقبي
قوانين السجن الى ورش عمل وانتاج، ولم تمض اشهر، الا وتدفق انتاج
اللوحات والصناعات اليدوية الفنية على السوق والمعارض، وحصد بعضها
الجوائز الاولى في معرض بيت شباب، وكانت العائدات المالة جيدة وكافية
لاعالة زوجات وابناء المعتقلين، لذلك حين زار رئيسس الوزراء حسين
العويني ــ اذا لم تخن الذاكرة، سجن القبة برفقة رئيس المكتب الثاني
غابي لحود، وشاهد ورش العمل والانتاج، استدار نحو خوري وقال: هل انت
على استعداد لتنظيم السجون اللبنانية على غرار ما تفعله هنا؟ اجابه:
نعم، شرط.. وقاطعه لحود بعصبية، رافضا الشرط الذي لم يتسن للدكتور
خوري ذكره، وبالطبع، طوى دولته صفحة العرض، لان مخبر المكتب الثاني
كان يذبح بظفره، فما بالك ولحود كان الرئيس الاعلى. وبالمناسبة، فقد
اخبرني كريم جريج، وهو رقيب اول في المكتب الثاني ويتمتع باخلاق
رفيعة، كيف انه انزل الآرمة التي تعلو باب احد المخربين في جل الديب
ويدعى عفيف حنا، وقد كتب عليها: ممنوع المراجعة بشأن القوميين، ولم
ينس ان يبهدل واضعها. والجدير ذكره، ان هذا المخبر الذي سبب الاذية
لمئات القوميين، وهو شقيق نهاد حنا القومي الشجاع والمناقبي المتميز.
الديار (22 10 2006) |
|
||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||