|
|
|
آخر تحديث Sunday October 29, 2006 الساعة 08:44:54 AM |
|
اعداد: كمال ذبيان
مرّ في الحزب السوري القومي الاجتماعي
شخصيات قيادية ومسؤولون مركزيون عايشوا الفترات العصيبة فيه، لا سيما
مرحلتي الخمسينات والستينات، وتعرض فيهما القوميون لابشع انواع
الاضطهاد من قبل النظامين في سوريا ولبنان، في تلك الفترة الاولى سبب
اغتيال عدنان المالكي التي نتج عن العملية حل الحزب وتعرض القوميين
لاعمال القتل والسجن والتشرد، وفي الثانية كان الانقلاب الفاشل وما
سببه ايضا من كوارث الحقها النظام الامني اللبناني (المكتب الثاني)
بالقوميين وعائلاتهم ومؤيديهم.
عن تلك المرحلتين يروي منذر المنذر ما
حدث، وهو الذي واكبهما من خلال تسلمه المسؤوليات الحزبية وقربه من
قيادة الحزب ومناقشته لها.
منذر المنذر الذي تبوأ مراكز قيادية فوصل
الى عضوية المجلس الاعلى وكان عميداً في الحزب، يجري عملية نقد جريئة
لتلك المراحل، وصولا الى الصراع على السلطة في السبعينات.
قال منذر: كانت مرحلة الخمسينيات من أشد
المراحل خطورة بتاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، اذ في هذه
المرحلة البالغة الاهمية شهد الحزب تحولات جذرية على كافة الصعد
العقائدية والفكرية وضعت الحزب في مآزق حرجة وفي مواجهة ازمات شديدة
الخطورة. تلك المرحلة التي تركت بصمات بارزة في تاريخ الحزب، لا تزال
حتى يومنا هذا تؤثّر على نهجه السياسي وخطه العقائدي وعلى موقعه
المخلخل من الاحداث التي تجري اليوم في الشرق الاوسط، لا سيما في
الأمة السورية بالتحديد.
ولهذه المرحلة محطتان اثنتان، الاولى
انتقال القيادة الى دمشق اثر استشهاد الزعيم عام 1949، والثانية عودة
القيادة الى بيروت على أثر اغتيال العقيد عدنان المالكي عام 1955. لكل
محطة من هاتين المحطتين خصوصيتها، وان اختلفت في بعض تفاصيلها ونتائجها
السلبية، الاّ أن الازمات الحادة والقاسية التي واجهها الحزب تبقى
القاسم المشترك بين الاثنتين.
- اولاً: انتقال القيادة الى دمشق
استشهد الزعيم انطون سعاده في الثامن من
تموز عام 1949 فانتقل القوميون الى دمشق ولم يكن هنالك قيادة حزبية
تتولى شؤون الحزب لأن الزعيم لم يكن قد شكل بعد المجلس الاعلى. فتداعى
الامناء الذين كان الزعيم قد منحهم رتبة الأمانة وشكلوا فيما بينهم
مجلساً أعلى وانتخب هذا المجلس جورج عبد المسيح رئيساً لمجلس العمد
بصلاحيات رئيس الحزب.
في فترة قصيرة جداً تمكن الحزب من تحقيق
انتشار واسع جداً على الصعيد الشعبي وفي صفوف القوات المسلحة السورية
ولكنه لم يتمكن من الاستفادة من هذا الانتشار اذ بقي الحزب مهمشاً
بعيداً عن مركز القرار، ولم يتمكن من ايصال اكثر من نأبين او ثلاثة
ولدورة واحدة.
استمر جورج عبد المسيح رئيساً لمجلس
العمد ولكنه لم يتمكن من الاستئثار بالسلطة لأن الانسجام بينه وبين
المجلس الأعلى لم يكن متوفراً بشكل يتيح له التصرف بحرية ويتخذ
القرارات الفردية التي تخدم طموحاته. وفي خريف عام 1954 لجأ جورج عبد
المسيح الى عملية ابتزاز فقدم استقالته من رئاسة مجلس العمد ظناً منه
ان المجلس الاعلى لن يقبل تلك الاستقالة فيعود الى الرئاسة بصلاحيات
واسعة تخوّله التفرد في قيادة الحزب. هذه الاحلام لم تتحقق في بداية
الأمر، لان المجلس خيّب أمله فقبل الاستقالة وانتخب عصام المحايري
رئيساً للحزب خلفاً لجورج عبد المسيح الذي استاء كثيراً لهذا التدبير
غير المتوقع، فلجأ الى التهديد والوعيد. استجاب المجلس الاعلى لرغبات
جورج عبد المسيح فألغى قرار انتخاب عصام المحايري واعاد انتخاب عبد
المسيح رئيساً للحزب وبصلاحيات أوسع مما كان يتمتع بها من قبل.
تلك كانت أول أزمة دستورية واجهها الحزب
في دمشق، وقد وضعها الامين عبدالله قبرصي بمرحلة التخاذل والجبن لأن
المجلس الأعلى لم يتحلَّ بالشجاعة الكافية لاسقاط هذا الابتزاز غير
المبرر.
هذا التدبير التسوية جعل جورج عبد المسيح
اكثر قوة من المجلس الاعلى فراح يتصرف وكأنه الحاكم المطلق ويتخذ
القرارات الفردية والفورية دون العودة الى مجلس العمد أو المجلس
الأعلى الذي لم يتجاسر على ايقافه عند حدود صلاحياته الدستورية، فأقدم
على ارتكاب تجاوزات كثيرة كان ابرزها بل واخطرها اتخاذه قرار اغتيال
العقيد عدنان المالكي في نيسان من عام 1955. هذه المغامرة الهوجاء غير
المدروسة التي تفرد جورج عبد المسيح بها ورّطت الحزب والقوميين في
محنة بالغة القسوة وغير متوقعة. فبدأت السلطات السورية حملة واسعة من
الاعتقالات فأعدمت من أعدمت وزجت بالكثيرين من القوميين في السجون حيث
خضعوا لأبشع أنواع التعذيب، ومن ابرز المعتقلين كانت الامينة الاولى
وعصام المحايري وكامل حسان فضلاً عن المئات من القوميين الذين لجأوا
الى لبنان واستقروا فيه ولا يزالون حتى اليوم.
تلك الحادثة غير المبررة شكلت نقطة تحوّل
بالغة الخطورة ونكسة قاسية جداً انعكست نتائجها على وجود الحزب في
سورية وألفت قوته العسكرية التي كان يتمتع بها في الجيش السوري.
في العام 1951 وتحديداً في السادس عشر من
تشرين الثاني اقدم المجلس الاعلى على اجراء اول تعديل دستوري لتحديد
الصلاحيات بعد استشهاد الزعيم. هذه التعديلات لم ترتكز يومها الى
المفاهيم الصحيحة لعلم الادارة، فجاءت لتقلص من صلاحيات المجلس الاعلى
وتعطي رئاسة الحزب صلاحيات أوسع، كما شرع القانون الدستوري عودتها.
- ثانياً: عودة القيادة الى بيروت
اغتيال عدنان المالكي في دمشق ترك بصمات
سوداء في تاريخ الحزب انعكست سلباً على مستقبله بعد انتقال السلطة الى
لبنان. في لبنان اجتمع المجلس الاعلى وانتخب أسد الاشقر رئيساً للحزب
وبدأ يعد الترتيبات لمحاكمة جورج عبد المسيح لارتكابه تلك الجريمة
البشعة التي قوضت دعائم الحزب واعادته الى نقطة الصفر.
جورج عبد المسيح لم يستجب لدعوات المجلس
الاعلى لحضور جلسات المحاكمة فاضطر المجلس الاعلى الى اصدار الحكم
بطرده من الحزب.
لم يتقبل جورج عبد المسيح القرار، فعمد
الى اعلان أول انشقاق داخل الحزب عنوانه «الانتفاضة» كان ذلك عام
1956.
عند حصول ذلك الانشقاق، ايده عدد كبير من
القوميين وانضموا الى جورج عبد المسيح، ولكن سرعان ما بدأت الحقائق
تتكشّف وتظهر جلية واضحة دفعت بالعديد منهم الى العودة الى احضان
الشرعية. في تلك الفترة كنت مسؤولاً في هيئة منفذية الكويت. على أثر
اعلان «الانتفاضة» اعلن القوميون جميعهم، وكان عددهم يربو على
الثلاثمئة عضو، الالتحاق بها ولم يبق من المنفذية الا الهيئة المسؤولة
ومعها رفيق واحد فقط. كانت هيئة المنفذية على اتصال بكافة الفرقاء
بالتنسيق مع منفذية البحرين التي عانت كما عانت منفذية الكويت.
اتهمنا عبد المسيح بقبض اموال
ولتوضيح الصورة التي كانت غامضة الى حدّ
كبير انتدبت للمجيء الى لبنان وتقصّي الحقائق من مصادرها خصوصاً وان
الاخبار غير المؤكدة والشائعات الرائجة هي التي كانت تحرك القوميين في
الكويت.
حضرت الى لبنان وكان لقائي الاول مع جورج
عبد المسيح في بيت مري برفقة الرفيق سماح طليع، رفيق شامي قدم الى
لبنان اثر اغتيال العقيد عدنان المالكي.
طالت مقابلتنا لجورج عبد المسيح لاكثر من
سبع ساعات متواصلة ناقشنا فيها بشكل رئيسي وبإسهاب موضوع اغتيال عدنان
المالكي وقد انكر عبد المسيح ضلوعه في هذه الجريمة، اذن لماذا لم
تستجب لدعوات المجلس الاعلى لاستجوابك حول هذا الموضوع طالما انك بريء
من هذه التهمة كما تقول.
اجاب :«ان عدم تلبيته الدعوات كان بسبب
الحذر الشديد، خصوصا وانه ملاحق من قبل السلطات اللبنانية والسورية
معا.
قلت، لماذا لم تطلب من الرفيق الذي جاءك
بالدعوة ان ينقلك الى المكان المحدد في الدعوة، قال انه لا يثق بهذا
الرفيق.
كان جورج عبد المسيح طيلة ذلك اللقاء
يتهجم على الامناء والمسؤولين وينعتهم بالغباء والسخافة وانهم لا
يصلحون لان يكونوا ركائز فاعلة في ادارة الحزب، وكان يردد بين الحين
والاخر دعوة «جماعة مكتب كرم» اي القيادة الشرعية للحزب، الى الالتحاق
بالانتفاضة التي اعلنها والتي تشكل بمفاهيمها ومضامينها «دعائم
العقيدة القومية الاجتماعية، وانه لن يتراجع عن هذه الخطوة التي «صححت
مسار الحزب واعادته الى الاطار القومي الاجتماعي الصحيح».
وعندما تعرضنا الى موضوع الشرعية
والالتزام بالمؤسسات التي هي وحدها المخولة تصحيح المسار، اجاب ان
المؤسسات الشرعية تسقط ولا يكون لها قيمة او دور امام مصلحة الحزب
العليا التي تتخطى هذه «الشكليات الفارغة».
طالبته اكثر من مرة بحل هذا الانشقاق
الذي لا يخدم الحزب، فأجاب ان ما نسميه انشقاقا ليس الا انتفاضة على
المفاسد والشرور التي تجذرت في الحزب وفي نفوس «جماعة مكتب كرم».
خرجنا من هذا اللقاء دون ان نتوصل مع
جورج عبد المسيح الى مخرج ينهي ذلك الانشقاق الذي كان فاتحة
للانشقاقات الاخرى التي حصلت فيما بعد واسهمت الى حد كبير في اضعاف
الحزب.
اللقاء الثاني كان مع رئيس الحزب اسد
الاشقر الذي بين لي مدى العناد الذي كان يمارسه جورج عبد المسيح في
تعاطيه مع السلطات الحزبية ومدى الاستهتار بها وعدم احترامه لمقام
المجلس الاعلى.
وعندما ذكرت له ان عبد المسيح لم يكن يثق
بالرفيق الذي نقل اليه الدعوة لحضور جلسة المجلس الاعلى، افاد بأن ذلك
الرفيق كان المرافق الخاص لعبد المسيح وذكر لي اسمه الذي غاب عن
ذاكرتي.
حضرت تقريري وعدت الى الكويت، وكان لهذا
التقرير التأثير الكبير في عودة القوميين الى احضان الشرعية الحزبية،
كما فعلت ايضا منفذية البحرين.
لم تمضِ ايام قليلة حتى اتهمنا عبد
المسيح بقبض اموال من «مكتب كرم» وشن علينا هجوما عنيفا.
الانحراف الاخر البارز في تاريخ الحزب
كان في دخوله الحرب الاهلية اللبنانية عام 1958 الى جانب الكتائب
اللبنانية للحفاظ على النظام اللبناني ولدعم الرئيس كميل شمعون الذي
كان مرتبطا بعلاقات مشبوهة مع الدول الغربية وابرزها الولايات المتحدة
وبريطانيا.
وكان الحزب في تلك الفترة التي اشتد فيها
الصراع في الشرق الاوسط قد ارتبط هو الاخر بحلف بغداد لا سيما العراق،
فقبض الاموال وتسلم الاسلحة على شواطىء الاوزاعي.
وابرز وجوه ذلك التعاون التخطيط للقيام
بانقلاب ضد الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان قد امم قناة السويس عام
1956.
ان هذا الواقع السياسي المنحرف الذي
التصق الحزب به كان وصمة عار بارزة في تاريخه وان الحزب في مؤتمر
ملكارت عام 1969 قد ادانها بشدة، وتكررت الادانة في مؤتمرات لاحقة.
دخل الحزب الحرب الى جانب كميل شمعون
والكتائب اللبنانية وخرج من تلك الحرب خالي الوفاض، فلم يكن لتلك
التضحيات الغالية التي قدمها من شهداء وضحايا وخسائر وفقدان ثقة اي
ثمن، فلم يحصد سوى الخيبة والعزلة، كما خسر الشارع الاسلامي ولم يربح
الشارع المسيحي.
لقد حققت القيادة الحزبية آنذاك برئاسة
اسد الاشقر نكسة كبيرة وخطيرة للغاية ما يزال صداها يضج في الصدور حتى
اليوم، وجميع القوميين خصوصا اولئك الذين قدموا الشهداء والخسائر في
تلك الحرب التي خاضها الحزب في غير موقعه الصحيح، يلهجون سرا وعلنا
باللعنات على قيادات مستهترة وغير مسؤولة تزج بالحزب في مواقع ومواقف
خطيرة دون ان تبالي بالعواقب التي تنتج منها.
انتهت الحرب الاهلية في لبنان وانتخب
فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية وكذلك انتخب المجلس الاعلى الدكتور عبدالله
سعاده رئيسا للحزب عام 1960 وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الحزب.
بدأ عبد الله سعاده من خلال الخطب
الطنانة الرنانة يشحن نفوس القوميين بالعداء لحكم الرئيس فؤاد شهاب
وللمكتب الثاني الذي بدأ ينشط في شكل بارز وظاهر.
هذه المرحلة تحتاج الى الكثير من الدقة
في الحديث عنها، ولكن يمكننا القول ان الرئيس عبدالله سعاده لم يخرج
الحزب من ارتباطاته مع الدول الغربية وبعض الدول العربية الرجعية وراح
يعدّ الخطة للقيام بانقلاب عسكري في لبنان.
مرحلة الستينيات
مرحلة الستينيات تحمل عنوان «صراع
الوجود»، وقد استمرت هذه المرحلة من 19 تموز 1960 تاريخ انتخاب الامين
عبدالله سعاده رئيساً للحزب ولغاية شهر كانون الاول 1969 تاريخ انعقاد
مؤتمر ملكارت الذي يعتبر بحق المحطة الهامة جدا في تاريخ الحزب. في هذه
المرحلة اعد رئيس الحزب عبدالله سعاده الخطة للقيام بانقلاب عسكري
ينهي فيه عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي لم يبد تعاونا مع الحزب السوري
القومي الاجتماعي ولكنها باءت بالفشل نتيجة بعض الثغر في التنفيذ
والتخطيط وبمراجعة الترتيبات التي اعدت، نجد ان الذهنية الارتجالية
غيرالمتخصصة هي التي كانت تتولى الاعداد والتنفيذ.
وبفشل الانقلاب، انقضت القوات المسلحة
اللبنانية على القوميين الاجتماعيين انقضاض الصاعقة فاعتقلت بأقل من
ثمان واربعين ساعة على فشل الانقلاب اكثر من ستين الف قومي اجتماعي
ومواطن لبناني، كما سقط عدد من القتلى القوميين جراء التعذيب الهمجي
الذي تعرضوا له داخل السجون والمعتقلات. في هذه المرحلة بدأ النشاط
الحزبي السري ما جعل القوميين شديدي الحذر، حتى ان الثقة ببعضهم البعض
اصبحت ضعيفة وشبه مفقودة، لان الاجهزة الامنية كانت قد زرعت عددا
كبيرا من المخبرين بين القوميين ومن بعض القوميين انفسهم فلم يعد يعرف
الرفيق الصادق الشريف من الرفيق المخبر العميل، وهذه ظاهرة غريبة عن
القوميين الاجتماعيين الذين كانت الثقة العمياء تشدهم الى بعضهم البعض
ولا تقبل التشكيك .
عدت الى الكويت وقد اتخذت القرار بانهاء
اعمالي هناك والعودة الى لبنان، لانني اعتبرت يومها ان الحزب في تلك
المرحلة الحرجة والخطيرة من تاريخه يحتاج الى جهود كل القوميين
القادرين على البذل والعطاء لانقاذ الحزب مما يتخبط فيه من معاناة
وتملك.
النشاط الحزبي السري
عدت الى لبنان في منتصف عام 1962 وبدأت
مع عدد من القوميين النشاط لاستنهاض الرفقاء الذين كانوا قد ابتعدوا
عن الحزب هرباً من ملاحقة الاجهزة الامنية ومضايقاتهم المستمرة.
لقد تعرضنا فعلاً الى الكثير من
الملاحقات والمضايقات ولكننا لم نستسلم، فتابعنا نشاطنا وكنا نواجه من
وقت لآخر ومن الرفقاء انفسهم بالصد والخذلان ولكن دون ان نيأس او نتخلى
عن النشاط الذي بدأناه والذي بدأت نتائجه الايجابية تعطي ثماراً جيدة،
فتشكلت الوحدات الحزبية بشكل سري مع التشديد على الحيطة والحذر وان
كانت تلك الوحدات تضم العدد القليل ممن كانت تتألف منهم قبل المحاولة
الانقلابية.
الانتخابات النيابية
خلال مرحلة الستينيات جرت دورتان
انتخابيتان نيابيتان الاولى عم 1964 والثانية عام 1968 ودورة لانتخاب
المجالس البلدية والاختيارية عام 1963.
في هذه الدورات الانتخابية الثلاث تمكن
القوميون من ان يتنفسوا الصعداء قليلاً وبينوا للعالم وللدولة
اللبنانية ايضاً ان الحزب باق وان القوميين باقون في ميادين النضال
والصراع مهما قست الصعاب واشتدت العراقيل.
عام 1963 كان بروز الحزب والقوميين خجولا
اقتصر على الترشح على لوائح المعارضين للسلطة اللبنانية وقد نجح عدد
كبير منهم رغم الضغوطات التي مارستها الدولة عليهم وحاولت اسقاط
ترشيحاتهم ولكنها لم تفلح. اما بالنسبة للدورة النيابية التي اجريت
عام 1964 فكان المرشحون يتدافعون الينا لكسب اصوات القوميين في
المناطق التي لهم وجود فيها ومنها قضاء المتن الشمالي الذي كان ولا
يزال معقلاً حصيناً للحزب السوري القومي الاجتماعي لا يمكن تجاهله،
فالقوميون الاجتماعيون قوة انتخابية بارزة ولها ثقلها وانهم صادقون في
تحالفاتهم فلا يخادعون ولا يداهنون.
هذه الدورة الانتخابية افسحت في المجال
امام القوميين ليتشجعوا ويبرزوا وينشطوا في العلن مع القليل من الحيطة
والحذر.
وجاءت دورة 1968 للانتخابات النيابية
لتفجر العمل الحزبي على نطاق واسع، فرشحنا الرفيق غسان الاشقر عن
المقعد الماروني في المتن الشمالي، وقد اعتبر هذا الترشيح التحدي
الكبير للدولة اللبنانية، وكانت الاجهزة الامنية قد خفّفت الكثير من
ضغوطاتها بعد رحيل الرئيس فؤاد شهاب وانتخاب الرئيس شارل حلو خلفاً،
وان كانت تلك الاجهزة لا تزال تتمتع بحضور ونشاط بارزين.
ترشيح غسان الاشقر خلق جواً مربكاً
للمرشحين الآخرين، فراحوا يتوافدون الى ديك المحدي للتفاوض حول
المعركة الانتخابية.
لا شك ان دورة 1968 فسحت المجال امام
القوميين الاجتماعيين للمزيد من النشاط الحزبي العلني، فأسقطوا من
حساباتهم الحيطة والحذر وراحوا ينشطون علنا دون خوف او وجل.
وجاءت الحرب الاسرائيلية على الدول
العربية في السادس من حزيران العام 1967 واحتلالها شبه جزيرة سيناء
حتى قناة السويس والضفة الغربية بكاملها بالاضافة الى هضبة الجولان
السورية. لتشرّع الابواب امام كافة التحولات السياسية المرتقبة نتيجة
فشل الدولة العربية في مواجهة اسرائيل او على الاقل في الصمود بوجهها
لاكثر من الساعات الست التي حسمت اسرائيل الحرب خلالها لصالحها.
هذه التغيرات السريعة والمفاجئة بالاضافة
الى الظروف السياسية الدولية التي انعكست على الدولة اللبنانية. ربما
كانت (هذه التغيرات) من بين الاسباب او الدوافع التي ساعدت على اصدار
العفو العام عن القوميين الاجتماعيين باستثناء العسكريين وتشجيعهم على
العمل وبزخم لمساعدة الدولة اللبنانية في مواجهة التيارات السياسية
التي كانت ناشطة آنذاك وذات طابع يساري.
ومرحلة الستينيات التي ابتدأت بانتخاب
الامين عبدالله سعاده رئيساً للحزب بتاريخ 19 تموز 1960 وانتهت
بانعقاد مؤتمر ملكارت بين 26-31 كانون الاول 1969 تحمل الكثير من معالم
البؤس والشقاء والكثير الكثير من معالم الانهيار فقد حلت بالحزب كوارث
كثيرة متعددة الوجوه والالوان تركت بصماتها البارزة على مستقبل الحزب
وعلى موقعه العقائدي والنضالي وحولته عن ثوابته العقائدية ومسلماته
الفكرية والثقافية.
مرحلة السبعينيات والصراع على السلطة
في هذه المرحلة من تاريخ الحزب السوري
القومي الاجتماعي كان الصراع على السلطة على أشده ويأخذ عناوين كثيرة
ومتعددة، منها الصراع الفكري الذي لم يخرج عن اطارالحوار البيزنطي
العقيم. فموقع الحزب خضع لحوارات متشعبة ولم تتحدد هويته. الاشتراكية
نالت النصيب الاوفر من هذا الصراع ولم تتأكد معالمها، فبقي الحزب
يتقلب بين رأسمالية ظالمة متزمتة واشتراكية عادلة منفتحة، فلا
الرأسمالية توضحت مظالمها ولا الاشتراكية تأكدت عدالتها. واليسارية
الساعية الى التقدم والازدهار لم تتكشّف معالمها فبقي الحزب يتقلب بين
يمينية العام 1958 ويسارية العام 1961، فلا هو يميني رجعي متزمت ولا
هو يساري تقدمي منفتح وقابل للتطور والارتقاء. هذا الصراع الفكري
العقيم لم يحسم كذلك الجدل القائم حول الفشل والانتصار المتعلقين
بالمحاولة الانقلابية الفاشلة فبقي الانقلابيون يتبجحون بالبطولات التي
سجلوها في صمودهم الفكري والعقائدي امام المحكمة عام 1962.
ومن خلال رؤية شاملة موضوعية فيها شيء من
التعمق، يتبين لنا ان هذا الصراع الفكري لم يكن الا اقنعة تخفي وراءها
حقيقة ذلك الصراع الهادف الى الإمساك بالسلطة على الحزب ليس أكثر.
في هذه الاجواء المضطربة والمربكة، خرج
الحزب عن محوره الطبيعي وتاه بين مفاهيم مختلفة في مضامينها وأبعادها
واصبح القوميون منقسمين بين «معسكرين» مختلفين ومتناقضين ولا يلتقيان.
الاول يقوده الامين أَسد الأشقر يسانده عدد من الامناء والرفقاء
ابرزهم عصام المحايري ومسعد حجل ويوسف الأشقر وكثيرون غيرهم، والثاني
يقوده الامين الدكتور عبدالله سعاده ويؤيده عدد كبير من الامناء
ابرزهم الامناء انعام رعد وبشير عبيد ومنير خوري وغيرهم، ويتمحور حول
مفاهيم الانقلاب الفاشل لعام 1961.
هذان الموقعان المختلفان والمتباعدان
خلقا بين القوميين انقساماً حاداً أدى الى اتساع الهوة فيما بينهم.
أـ مؤتمر ملكارت
جاء مؤتمر ملكارت لتتوضح من خلاله هوية
الحزب العقائدية ويتحدد موقعه النضالي.
وتحدد موعد انعقاد المؤتمر وهو بين 26 ـ
31 كانون الاول من العام 1961، والمكان هو فندق ملكارت الكائن في جناح
بيروت عرف فيما بعد بمؤتمر ملكارت وشارك فيه أكثر من ثلاثمئة عضو
يمثلون كافة التيارات الفكرية، وباختصار انهى المؤتمر اعماله باعلان
التوصيات التي صدرت عنه والتي أقرها المجلس الاعلى الذي كان قائماً
يومذاك وحلّ بناء على نص دستوري يقضي بحلّ المجلس الأعلى نفسه عند
اجراء اي تعديل دستوري.
ب ـ توصيات المؤتمر
أبرز تلك التوصيات كانت الآتية:
1ـ اعتماد الكفاح المسلح نهجاً نضالياً
وتصعيده ليأخذ ابعاد الثورة القومية، وان يلتزم القوميون بممارسته
فعلياً واعتباره جزءا من النهضة القومية الاجتماعية كما أن النهضة هي
جزء منه.
2ـ انبثاق السلطة من القاعدة اذ لم يعد
جائزاً حصر انبثاق السلطة بالامناء وحدهم.
3ـ الغاء رتبة الامانة، وقد جاءت هذه
التوصية كردة فعل طبيعية ومبررة نظراً لتخاذل الكثيرين من الامناء
خلال مرحلة الستينيات التي كانت تتطلب الجهد المتواصل والصمود.
4ـ الانفتاح على كتلة الدول الاشتراكية
بالاضافة الى كتلة الدول الاشتراكية الشرقية والتنديد بكل القوى
الاستعمارية المساندة للصهيونية خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا.
5ـ التأكيد على أن الامة السورية هي امة
عربية والدعوة الى شرح عروبة النهضة القومية الاجتماعية والتزاماتها
العربية، بحيث تضع حداً نهائياً حول التفسيرات الخاطئة والاشاعات
المغرضة.
6ـ الانفتاح على كافة الحركات التحررية
والثورية في العالم العربي وشجب التعاون مع الرجعة، واقامة الحوار
الايجابي مع هذه الحركات.
7ـ مكافحة الخطرين الصهيوني والاستعماري
ودعوة القوميين لان تكون مجابهة هذين الخطرين شغلهم الشاغل وتحريك
القوى الحزبية والشعبية في الوطن والمغتربات ودفعها للتصدي لهذين
الخطرين.
8ـ اعتماد مبدأ النقد الذاتي وممارسته
بصراحة وشفافية بحيث يبقى القوميون على اطلاع مستمر على منجزات حزبهم
الايجابية والسلبية وافساح المجال امامهم لابداء ارائهم حولها.
9ـ انشاء محكمة عليا تكون العين الساهرة
على سلامة الحزب وعلى جميع العاملين في مؤسساته وتقييمهم بالنسبة
لعملهم واخلاصهم ومسؤوليتهم.
هذه التوصيات حدّدت بوضوح هوية الحزب
ورسمت النهج الواجب اتباعه والموقع الطبيعي للنضال القومي الاجتماعي،
وبهذه التوصيات الفاصلة ايضاً يستعيد الحزب دوره الطليعي على الساحة
اللبنانية وفي الكيانات السورية الاخرى ويعزز مركزه وحضوره بين
الحركات التحررية الثورية في العالم العربي.
ج ـ الصراع ما بعد ملكارت
لكي تصبح هذه التوصيات ثابتة ونافذة، فهي
تحتاج الى تصديقها من قبل المجلس الاعلى الجديد. وما أن بدأت
الاستعدادات لانتخاب مجلس أعلى يتولى تصديق التوصيات حتى بدأ الصراع
يشتد بين الجناحين المتصارعين، الجناح اليميني ويشكل المعارضة لتوصيات
ملكارت التي اقرها المجلس الاعلى قبل أن يحل نفسه، والجناح اليساري
المؤيد لتلك المقررات، وكل جناح يسعى لايصال الاكثرية منه الى المجلس
الأعلى العتيد الذي انتخب عصام المحايري رئيساً له. هذا المجلس الاعلى
كان محور الصراع على مدى اكثر من سنتين (1971 ـ 1972) هذا التباعد
انعكس سلباً على العمل الحزبي في كافة المنفذيات لا سيما منفذية المتن
الشمالي التي كانت تعتبر من اكبر المنفذيات وأقواها، حتى ان بعض
المديريات انقسمت على ذاتها نتيجة ذلك الصراع.
الحل السلمي
في تلك المرحلة الحرجة استقال اكثر من
نصف اعضاء المجلس الاعلى في ايلول من عام 1971 فحل نفسه لفقدانه الصفة
الشرعية وبدل من أن يبدأ بالاعداد لانتخاب مجلس أعلى جديد، استأثر
الاعضاء الباقون برئاسة عصام المحايري بالسلطة واداروا الحزب بأساليب
تعسفية غير دستورية وباستخفاف واضح بالأكثرية التي كانت تشكل القوة
والثقل في صفوف القوميين. تلك كانت نتائج الفردية المدمرة وانعكاساتها
على الحزب كله فتعطلت المؤسسات والتقيد بالنظام واحترام المسؤولين
وهبط التخاطب بين القوميين.
كان المسؤولون يدركون ذلك جيداً ويسمعون
بآذانهم الانتقادات التي كانت تنهال عليهم دون ان يحركوا ساكناً أو
يبادروا الى تصحيح ذلك الخلل الدستوري فيعيدوا الامور الى نصابها
ويوقفوا هذا النزيف الحاد وهذا التدهور الدستوري واللانظامي الذي هدد
الحزب بوحدته.
است الحزب في هذه الحالة، يتقلب من سيء
الى أسوأ الى أن اعلنت السلطة أخيراً موعداً لانتخاب المجلس الاعلى.
فدعت أولاً الوحدات الحزبية الى انتخاب لجان المديريات فمجالس
المنفذيات وصولاً الى المجلس القومي.
د ـ اجتماع المجلس القومي في برمانا
في عام 1973، وفي فندق «برنتانيا بالاس»
في برمانا عقد المجلس القومي اجتماعه على شكل مؤتمر حضره الى جانب
المندوبين المرشحون لعضوية المجلس الاعلى وعدد كبير من الكوادر
الحزبية. ترأس الاجتماع الرفيق احمد هاشم الذي كان من مؤيدي السلطة
القائمة. في هذا الاجتماع جرت مشادات كلامية وحوارات عنيفة جداً كادت
تفجر ذاك المؤتمر الذي يحتاج الى التوقف قليلاً عنده لاعطاء الصورة
الواضحة والصريحة.
في هذا المؤتمر برزت الصراعات الشديدة
واضحة بين «اليمين» الذي يقوده أسد الاشقر و«اليسار» بقيادة عبدالله
سعادة. وزيادة في التوضيح فأقول ان أسد الاشقر لم يكن يمينياً في
العمق ولا عبدالله سعاده يسارياً في العمق ايضاً، بل كانا متنافسين
بالعمق للوصول الى السلطة بأي ثمن. فعلت اصوات من المجلس القومي
مطالبة بذكر اسم المقصود بهذه الاتهامات، عصام المحايري وكان يجلس في
الصف الامامي الى جانب الرئيس مسعد حجل أشار برأسه الى رئيس المؤتمر
احمد هاشم لعدم السماح لي بذكر الاسم. وقبل أن يطلب أحمد هاشم مني ذلك،
كنت قد ذكرت اسم عبدالله بأنه المتهم بالاتصالات الاميركية ـ السعودية
عندها وقف مسعد حجل وانكر ذلك اذ قال ان الرفيق منذر المنذر قال «لا
إله» وهذا كفر وزندقة ولم يكمل الآية لتصبح ايماناً وتقوى. فردّ
عبدالله بالقول: «انت لا تقول الحقيقة يا حضرة الرئيس» فساد الهرج
والمرج وكاد المؤتمر يتفجّر وتضيع الفرصة الثمينة لانبثاق المجلس
الاعلى. في هذا الجو الثائر قدم عصام المحايري اقتراحاً يقضي باعتبار
عبدالله سعاده مرشحاً لعضوية المجلس الاعلى، فرفض سعاده هذا الاقتراح
لعدم دستوريته.
عبدالله سعاده تجاهل هذه الفترة الحافلة
بالاحداث والصراعات الداخلية التي تدور كلها تقريباً حوله، فأسقطها من
مذكراته مدعياً انه لم يكن خلالها في «موقع المعرفة الجيدة
والقرار..»
يقول عبدالله سعاده في الصفحة 229 من
كتابه «اوراق قومية»: «لا اريد ان اكتب عن هذه المرحلة الممتدة من سنة
1970 حتى 1974 لانني لم اكن في موقع المعرفة الجيدة والقرار، وليست
عندي بفعل ابتعادي عن السلطة الرسمية أية وثائق محفوظة لتؤكد ما وصلني
من مباشرة او بالتواتر..»
هذا الكلام غير صحيح لأن ولوج هذه
المرحلة يوجب التوغل في دقائق وتفاصيل الاحداث التي سادت اجواءها
وأكثرها تتمحور حول عبدالله سعاده بالذات. فالحديث عن احداث هذه
السنوات الخمس التي اسقطها عمداً من مذكراته يقوده الى التنديد بعصام
المحايري وهذا يعني اعطاء انعام رعد شهادة حسن سلوك مجانية وهذا ما
أراد ان يتحاشاه، لأن الصراع بينه وبين انعام رعد بدأ يأخذ منحى
فردياً رغم ان الاثنين لا يختلفان من حيث الفكر والموقع.
جرت الانتخابات وانبثق المجلس الاعلى
الذي تألف من ستة اعضاء لصالح أسد الاشقر وثلاثة اعضاء لصالح عبدالله
سعاده.
انتخب المجلس الأعلى أسد الاشقر رئيساً
للحزب، فأصبح توزيع الاعضاء بصعود الرديف الاول الذي كان مؤيداً
لعبدالله سعاده، خمسة اعضاء لصالح أسد الأشقر واربعة لصالح عبدالله
سعاده.
ولم يمض وقت طويل حتى قدّم أسد الاشقر
استقالته من رئاسة الحزب وانتخب يوسف الأشقر خلفاً له والذي لم تدم
مدة رئاسته أكثر من ثلاثة أشهر.
بانتخاب يوسف الاشقر رئيساً ودخول الرديف
الثاني الى المجلس الاعلى تبدلت خريطة المجلس الاعلى بشكل جذري اذ
اصبح مؤلفاً من خمسة اعضاء لصالح عبدالله سعادة واربعة اعضاء لصالح
أسد الاشقر. حاول يوسف الاشقر العودة الى المجلس الاعلى ليحتفظ
بالاكثرية لصالح الجناح الذي يمثله، الا ان ذلك لم يكن مقبولاً
دستورياً.
باستقالة يوسف الاشقر وتبدل خريطة المجلس
الاعلى تم انتخاب عبدالله سعاده رئيساً للحزب. على اثر ذلك قاد أسعد
حردان هجومه المسلح على المركز في جل الديب وقام بحركة تمرد مسلحة دعيت
يومها «بحركة المنفذين العامين» ثم بالخوارج، ثم بدأت حركات التمرد
والانشقاقات تتزايد وتأخذ ابعاداً جديدة مغايرة لطبيعة الحزب وموقعه.
الديار (26 10 2006) |
|
||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||