موقع يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Friday August 17, 2007 الساعة 02:28:23 PM

 

مفارقات لافتة في انتخابات المتن

عايد خطار

شكلت الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي محطة مهمة في الحياة السياسية اللبنانية. وهي ككل حدث مهم اختلفت حوله الآراء، وتعددت وجهات النظر في تقييمه. وقد يكون من الطبيعي أن تتوزع وجهات النظر أولاً، وبشيء من الحدة، وفقاً للانقسام السياسي الحاد المسيطر على لبنان في هذه المرحلة، بين فريقي المولاة والمعارضة.

والنتائج التي انتهت إليها معركة المتن عكست بكثير من الدقة حدة الانقسام السائد على امتداد لبنان بين مولاة ومعارضة. والفارق الطفيف في الأصوات، يعكس هو أيضاً مشهد المظاهرات المليونية التي سبق أن شهدتها شوارع العاصمة والمناطق اللبنانية المختلفة. فلبنان منقسم إلى تيارين كبيرين متقاربين في حجمهما إلى حد كبير. هذه هي النتيجة الموضوعية للواقع اللبناني. وهذا الانقسام، على الرغم من مظاهره الطائفية والمذهبية الحادة، هو انقسام سياسي بامتياز.

واللافت في معركة المتن الانتخابية هو بروز هذا العامل السياسي بوضوح، على الرغم من التباس اتسم به خطاب التيار الوطني الحر بشكل خاص على هذا الصعيد. فالرئيس أمين الجميل خاض معركته الانتخابية بكل شعارات فريق 14 آذار "السيادية" المعروفة، مستحضراً بقوة شهادة ابنه الشاب بيار لاستدرار العواطف، وللتحريض على خصمه العماد ميشال عون، بتظهيره وكأنه غطاء للمحور السوري الإيراني، المسؤول ولو من دون أدلة عن كل مسلسل الاغتيالات في لبنان، وباعتباره اختراقاً من هذا المحور وحلفائه في لبنان لأمن "المجتمع المسيحي"، هذا "المجتمع" الذي بات هو محور المعركة الانتخابية ومحور شعارات السيادة والاستقلال، التي من أجله وحده كانت "ثورة الأرز"!!.

وقد أجاد حلفاء الجميل الأداء فتقاطر إلى تأييده، تحت الأضواء، فقط من يخدم هذه الخصوصية المسيحية، في حين بقي القادة الفعليون لقوى 14 آذار (سعد الحريري ووليد جنبلاط) في المشهد الخلفي، وخارج الصورة تماماً، إلى حين إقفال صناديق الاقتراع. فبادر جنبلاط أولاً، وقبل إعلان النتائج، إلى مواساة حليفه والتخفيف من وقع هزيمته بإطلاق نظريته، التي تحولت إلى "شعار" للمعركة، وهي "الانتصار السياسي في مقابل الانتصار الانتخابي". وهكذا فعل الحريري، في اليوم التالي، حيث وصف معركتي المتن وبيروت بـ"الانتصار الكبير"، في حين أن نتائج المتن انتهت إلى هزيمة، ونتائج بيروت جاءت باهتة. 

في المقابل، بدا ميشال عون في موقع الدفاع. تردد في خوض المعركة، وهي معركة، كما قال مراراً، فرضت عليه ولم يخترها. جهد كثيراً، من دون أن يكون مقنعاً، في تبرير خوضه إياها، وهو الرافض لشرعية الحكومة والطاعن في دستورية قرارها. كما جهد أيضاً في تحييد بكركي من دون جدوى، بالإعلان عن قبول وساطاتها المتكررة، وهي التي اتخذت منذ البداية موقفاً داعماً لخصمه، على قاعدة استحضار العادات والتقاليد اللبنانية، وحق الوراثة السياسية، حفاظاً على البيوتات السياسية وعدم إغلاقها بالقتل والاغتيال. وتحول الشهيد نفسه إلى عامل ضغط شديد الوطأة على المعركة، خصوصاً عندما تحولت "الوردة البيضاء" إلى ورقة اقتراع، يوم الانتخاب.

وارتباك العماد عون، امتد أيضاً ليطال خطابه السياسي، فخاض المعركة تحت شعارات أقل ما فيها أنها غير جذابة قياساً بشعارات الخصم، وأبرز هذا الشعارات إثنان: رفض تهميش المسيحيين، والحفاظ على صلاحيات رئيس الجمهورية. وكلا الشعارين لا ينسجم مع طروحات العماد المنفتحة على الآخر، ولا مع "علمانية" يدعيها تياره. كما بدت معركته بشعاراتها غير منسجمة مع التحالفات التي نسجها مع القوى السياسية التي ينضوي وإياها تحت لواء المعارضة، خصوصاً أن خصومه استدرجوه لاستحضار ذكريات الحرب الأهلية، في سوق الغرب، وفي مخيم تل الزعتر. ولاستحضار مواقعه النضالية في وجه الوصاية السورية وأدواتها في لبنان.

وإزاء هذا الواقع بدت تحالفات عون عبءاً عليه في معركته، خصوصاً أن بعض هؤلاء الحلفاء لم يجيدوا البقاء خلف الستار، كما فعل حلفاء الجميل الكبار.

وفي هذا السياق، بدت نافرة الحملة التي سيقت ضد "الثنائي" قانصو، (رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي علي قانصو، وعضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي عاصم قانصو)، بسبب تصريحين يتيمين أدليا بهما تأييداً لمرشح العماد عون. وإذا كان "التعيير" واسع النطاق الذي جوبه به هذين التصريحين من قبل الرئيس الجميل وجميع حلفائه من دون استثناء، غير مستغرب في خضم الحملة الشعواء التي استخدمت فيها كل أسلحة التحريض والتعبئة لتجييش الغرائز. إلا أن اللافت كان رد فعل عون على هذه الحملة، الذي بدا على درجة كبيرة من الإرباك، إلى حد التنكر صراحة لتأييد حزب البعث، والتعاطي بكثير من الخفر مع تأييد الحزب القومي، فاكتفى بتذكير خصومه بتحالفات سبق أن عقدوا لواءها مع هذا الحزب الذي يتواجد في منطقة المتن منذ ثلاثينات القرن الماضي.

وفي تعاطيه مع الحملة التي استهدفت أيضاً تحالفه مع حزب الله، بدا عون مربكاً فحاول إبراز إنجازاته هو في ورقة التفاهم التي وقعها مع الحزب، باعتبارها "لبننة" لمفاهيم الحزب ومواقفه، و"وسيلة" لحل معضلة السلاح ولتطبيق قرار مجلس الأمن 1959. هذا الشكل من التعاطي لم يكن مقنعاً على المستوى الإعلامي، ولا على المستوى السياسي، لا بل أثار أسئلة عدة حول طبيعة التحالف القائم بين قوى المعارضة ومدى صلابة التفاهمات التي صيغت بين أطرافها.

وطرح هذه الإشكالية، بعد انتهاء الانتخابات، باتت حاجة ملحة، على الأطراف مقاربتها، ليس على قاعدة حاجة هذه الأطراف إلى مزيد من التماهي والتوحد، خصوصاً على مستوى المفاهيم، بل على قاعدة الحاجة إلى تظهير التمايز وإبرازه كعنصر غنى يعكس واقع التنوع، القائم فعلاً بين أطراف المعارضة، كما بين أطراف الموالاة، وذلك في إطار من الديمقراطية والحرية التي تشكل ميزة لبنان.

وهذا التمايز، لا ينبغي أن يكون عامل إحراج لأي من أطراف التحالف، وقد يكون ما أنجزه حزب الله والتيار الوطني الحر في ورقة التفاهم الموقعة بينهما في مطلع العام 2006، مثالاً لبرنامج سياسي مرحلي، تحتاج الأطراف جميعاً، سواء في جبهة المعارضة أو جبهة الموالاة، إلى مثيل له.

فالصراع الذي احتدم في معركة المتن الانتخابية، وهو صراع سياسي في العمق، كان يمكن أن يكون دليل عافية، لو لجأ أطرافه إلى تظهيره ببعده السياسي، بدلاً من اللجوء إلى أسلحة التحريض الطائفي والمذهبي والعنصري. وهذه مهمة تحتاج إلى أحزاب أكثر حيوية تأخذ دورها في صياغة المشاريع السياسية وطرح المفاهيم الموحدة للمجتمع، والقادرة على مواجهة التحديات التي تواجه لبنان والمنطقة، بدلاً من الانكفاء وراء الزعامات الفردية والاقطاعات العائلية، وخوض المعارك تحت شعاراتها البائسة.

والمفارقة في انتخابات المتن، أن حزب الكتائب، صاحب التاريخ العريق، لم يجد غير تراث العائلة ملجأ لمعركته، وغير الأب "وريثاً" لابنه الشهيد، فتماهت مؤسسات الحزب وغيبت كلياً وراء "الرئيس الأعلى" وكل مكونات عائلته، من الزوجة المكلومة، إلى الابن ذي النزعة "المتمردة"، إلى "الشهيد"، الذي استحضر إلى المعركة مع زوجته الثكلى وبراءة ولديهما الطفلين، فضلاً عن زوجة الشقيق بشير، "الشهيد" أيضاً، وكل عائلتها.

في المقابل، حاول التيار الوطني الحر، وهو الحزب الفتي، صياغة تجربة مختلفة فلجأ إلى ترشيح أحد أعضائه المغمورين في وجه "صاحب الفخامة" و"الرئيس الأعلى" المتربع على أرث حزبي وعائلي كبير. إلا أن هذه التجربة، على الرغم من تميزها في الظاهر، لم تتبلور بشكل كاف، إذ أن صورة  "القائد" و"الزعيم" الذي يحاول عون تلبسها، طغت بشكل لافت على المعركة الانتخابية، طمست "الخيار" المتميز، و"التجربة" الوليدة، فغيّب دور المرشح "المغمور"، تحت وطأة الحضور الإعلامي والسياسي الطاغي للقائد. إنها تجربة للتيار الوطني الحر تحتاج إلى متابعة.

ويبقى القول أن هذه المعركة الانتخابية، بالنتائج التي انتهت إليها، عكست الواقع السياسي على حقيقته، وأظهرت أحجام القوى كما هي في الواقع، لا كما يتوهمها أصحاب الطموحات الكبيرة. فإذا كان الفارق الطفيف في عدد الأصوات التي أوصلت المرشح العوني كميل خوري إلى المجلس النيابي، من شأنه أن يخفف من غلواء ميشال عون، وادعائه، غير الواقعي، كسب سبق الزعامة والمرجعية "الوحيدة" للمسيحيين، فالخوف أن تكون هذه النتيجة نفسها عاملاً لإشعال غلواء أمين الجميل، بعد "النصر السياسي الكبير" الذي توهم هو وحلفاؤه إنجازه، على الرغم من خسارته المدوية في صناديق الاقتراع.

منتدى النهضة (08 08 2007)

 

مزيد من الأخبار

08 04 2007

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

[The link bar feature is not available in this web]

[The link bar feature is not available in this web]