|
|
|
آخر تحديث Friday August 18, 2006 الساعة 09:21:14 AM |
عايدة الجوهري «مفهوم الوطن في فكر مؤسسي الأحزاب اللبنانية»، عنوان سلسلة ندوات اقامتها «حلقة الحوار الثقافي» وهي احدى هيئات المجتمع المدني اللبناني الناشطة. وما يلفت في اشكالية «مفهوم الوطن لدى الأحزاب اللبنانية»، هو الدوافع الكامنة وراء طرحها، أي الاسئلة والهواجس التي تسبقها والتي أفترض أن بعضها يتعلق بصيرورة لبنان ككيان سياسي، بفكرة لبنان نفسها، كبلد قائم بذاته في دولة خاصة به. بمعنى ما، بماهيته ووجوده، نظراً الى الازمات المستمرة التي تعترض هذا الكيان وهذه الدولة المربكة. تفترض الاشكالية المذكورة، السؤال عن مسؤولية الاحزاب تجاه تشكل لبنان كوطن بالمعنى العصري، تنتظم فيه حياة الافراد في شكل منطقي وحقوقي، وقبل أن أفكر ونفكر بترابط مفهومي الوطن والمواطنة، أو في التمييز بين مفهومي البلد والوطن، البلد كمجرد مكان للاقامة، والوطن كمكان لعيش منظم لائق بكرامة الانسان، كما تحدده شرعة حقوق الانسان والشرائع الانسانية المتقدمة، الى ما هنالك من ثنائيات. نفترض انه لو كانت فكرة لبنان كدولة مستقلة قائمة بذاتها، ومن أجل جميع أبنائها مستوعبة تماماً، لربما تبدلت أحوال كثيرة، ولتقدمت الهوية اللبنانية على الهويات الفرعية الأخرى. ويترتب على هذه الهواجس السؤال عما اذا كانت الاحزاب اللبنانية مؤهلة لتوليد الشعور بالهوية اللبنانية المشتركة، صحيح أن الدولة تقوم على القوانين والأنظمة والمؤسسات، لكنها لا تتماسك من دون شعور المواطنين بالهوية والمصير المشتركين. هذا الشعور بالهوية يتجسد في مستويين: مستوى الافراد أولاً ثم المستوى الجمعي، فبعض اجتهادات علماء التحليل النفسي (جوليا كريستيفا على سبيل المثال) تفضي الى أن الشعور بالهوية الوطنية ضروري لتوازن الافراد النفسي ولصورتهم الايجابية عن ذاتهم، وإلا تعرضوا للتشتت والقلق والبحث عن هويات أخرى مضادة للوطن، لكن هذا الشعور الفردي بالهوية الوطنية يظل ناقصاً ما لم يندرج في الشعور بالهوية الجمعية، كمحطة ضرورية لا غنى عنها لادخال العناصر الثقافية والتاريخية الموروثة في تجمعات سياسية واجتماعية واقتصادية معاً. ثم، هل يتشكل وطن بقرار أم بالشعور بالهوية المشتركة، بشعور الافراد بالانتماء العميق الى حيز جيوسياسي مشترك، وامتلاك شعور تضامني يشد الافراد بعضهم الى بعض ويحضهم على التعاضد، انطلاقاً من الشعور بحاضر (على الأقل بحاضر) ومصير مشتركين. ماذا يعني عملياً أن ننظر الى الآخر على انه شيعي أو مسيحي أو درزي أو سني؟ هل الانتماء الديني هو البعد الأوحد للشخصية البشرية؟ وهل يتموضع انسان هذا العصر المعقد، في التاريخ على أسس هويته الدينية؟ اذا عدنا الى الأحزاب اللبنانية والى دورها في تشكيل الهوية الفردية والمشتركة، واذا اعتمدنا معيار مدى تكريسها لما اسميها «فكرة لبنان» أو مدى نجاحها، أي نجاح هذه الأحزاب في توليد أهداف سياسية مشتركة، كعامل اضافي براغماتي وديناميكي لتوليد هذه الهوية، باستمالة بعض من كل الجماعات المكونة للمجتمع اللبناني والتي لا يستقيم حزب بالمفهوم العصري من دونها. فالاحزاب العصرية لا تقوم على الاثنيات (إلا في حال وجود مشكلة مخصوصة كالقضية الكردية مثلاً) أو على الانتماءات الأولية العائلية والطائفية. والحال وبلمحة سريعة، نجد أن الاحزاب التي تبنت «فكرة لبنان»، كفكرة أساسية وحيدة، اعتبرت لبنان ضرورة طائفية، ولم تنشغل بالتالي بتحويله الى دولة مدنية، الى وطن للجميع. ولم تتمكن هذه الاحزاب ربطاً من اختراق المكونات الأخرى للمجتمع اللبناني، ولعل هذا التوجه ساهم في استفزاز الطوائف الأخرى، وعزّز ريبتها وتوجسها لا سيما أنها لم تكن استدخلت تماماً «فكرة لبنان» لبنان الكبير، وتعتبر في وعيها أو لا وعيها، انه تأسس لغيرها، وأن لهذا الغير امتيازات دونها هي، ونتذكر كيف أن العلم والنشيد اللبنانيين كانا في حقبة ما موضع نفور فئة من اللبنانيين وكأن هذا اللبنان لا يعنيها. في المقابل، استعاضت الأطراف الأخرى عن تمثلها فكرة لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة، بالهوية العربية أو الهوية السورية، وعززتها كهوية بديلة، وتبنت من دون غيرها، قضايا العرب المشتعلة، عدا عن انسياقها لأهواء بعض الانظمة «المتبنية» لهذه القضايا. وكان التقاتل طريقاً للدفاع عن الهويات القاتلة والمختلفة ومقتضياتها، وعن حقوق اعتبرت مهدورة، أو على العكس، عن امتيازات ومثالات. بمعنى آخر، لم تساهم الأحزاب اللبنانية التاريخية، ولا تلك التي استجدت خلال الحرب وبعدها، وكانت طائفية أو دينية خالصة، في توليد الهوية المشتركة، طالما ليست عابرة للطوائف وليست مؤهلة لذلك بحكم بنيتها نفسها وأهدافها نفسها، وما كان منها مؤهلاً لاستقطاب المعنيين بالصراع الاجتماعي في كل مكونات المجتمع اللبناني وأعني الاحزاب اليسارية، لم ينجح في توليد الروح اليسارية، في توليد حس اجتماعي واقتصادي وانسانوي عام، لأسباب ذاتية وموضوعية (المحاصرة الاعلامية والسياسية مثلاً)، وأرهقت هذه الاحزاب الحرب الأهلية والتغيرات العالمية، وكانت تنطلق وربما ما زالت (لا نعلم)، من عقيدة كليانية جعلتها هدفاً بحد ذاتها ولم تحسن تكييف أهدافها العليا، كالرفاة والتنمية والعدالة الاجتماعية مع معطيات ومستجدات واستحقاقات الواقع اللبناني. وحالياً يبدو الحزب – الأب، منشغلاً بالصراع «الأمني» ضد الامبرالية العالمية وبالممانعات، ما أفسح بالمجال للانشقاقات وللتفكك والخروج عن الطاعة. تجري الأمور في لبنان بالمقلوب، فالأحزاب تنبثق أساساً عن مجموع أفراد متجانسين تجمعهم وحدة المصير والأهداف والتطلعات والآمال، أي أنهم متفقون على هوية الوطن، على بداهته، وتوزعوا على هذا الحزب أو ذاك تعبيراً عن رؤى اقتصادية واجتماعية وتنموية وثقافية، فيما احزاب لبنان تلتصق بجماعات طائفية، سابقة على تشكل الوطن (إلا ما ندر منها) لتعبر عن مصالح فئة حاكمة فيها، مذيبة كل طبقات هذه الطائفة وفئاتها. قد يقال إن من شأن القوانين المدنية الديموقراطية التي تضمن الحريات والحقوق والمساواة في الفرص، كما من شأن السياسات التي تأخذ على عاتقها مصائر الناس ومعاشهم، أن تولد الشعور الوطني، وأن الاستثمار في الشعور الوطني لوحده يتأتى من فراع المواطنة، والاستثمار فيه جدير بالديكتاتوريات. هذا يصح في بلد حسم فيه الشعور الوطني. وفي الحالة اللبنانية يصح العمل على مستويين لأن فكرة لبنان ورديفتها فكرة الهوية المشتركة، ليست ناضجة وتكاد تكون ثانوية ان لم نقل ملتبسة. فإذا رسخت لدى بعض الاحزاب «فكرة لبنان» ومستلزماتها، لا يعنيها على سبيل المثال قيام نظام مدني يساوي قانونياً بين الجميع. ولا يتوقع أي متأمل نقدي للواقع اللبناني أن تقوم الأحزاب الحاكمة بتغيير البنية القائمة ولا أن تعيد هذه الاحزاب النظر في بنيتها التي تخدم استمرارها في السلطة، والحال هذه يتوقع من منظمات المجتمع المدني السير في الاتجاه المعاكس والقيام مقام الاحزاب في زرع قيم جديدة وطرح اسئلة لا يطرحها المستفيدون من الأمر الواقع. خلاصة القول إن الازمات التي يمر بها منذ تشكله عام 1920 تجعلنا نطرح هذه الاشكاليات والاسئلة، كي لا يصدق ما قاله الشاعر محمود درويش أخيراً عن لبنان، ببلاغة شعرية لا تخلو من الواقعية: «لا أحد يفهم لبنان، لا أصحابه المجازيون، ولا صنّاعه، لا مدمّروه ولا بناؤوه، لا الداخلون ولا الخارجون منه، لن نفهم لبنان الى الأبد». في المحصلة يجب أن تستمر الجهود الفكرية والنضالية كي نفهم هذا اللبنان ونتساءل عن مفهومه ومفهوم الهوية المشتركة لدى الاحزاب اللبنانية، نظرية وممارسة، كما في مؤسسات وتعبيرات أخرى، من الدستور والقوانين، وفي مؤسسات الاعلام، المرئية خصوصاً، وفي مناهج التعليم، وفي التعبيرات الابداعية الخ...، لنفهم هذا الالتباس الكبير حول مفهوم هذا الوطن وهذه الهوية الجريح. الحياة (15 08 2007) |
|
||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||