رسم الاحتدام السياسي الواسع الذي فجرته سلسلة ردود وسجالات ومواقف لفريقي الصراع الداخليين امس على مسمع ومرأى من موفدين أوروبيين الى بيروت، صورة قاتمة لمصير الوساطة الفرنسية. ومع ان التجارب السابقة التي مرت بها هذه الوساطة وسواها لم تكن أصلاً عاملاً مشجعاً لترقب نتائج مغايرة لها هذه المرة، فان ما زاد الاحتدام الداخلي خطورة انه عكس اتجاهاً الى رفع السقوف التصعيدية الى ذروتها كلما اقترب موعد بدء المهلة الدستورية للانتخابات الرئاسية. وهذا الامر لم تترجمه المواقف المعلنة فحسب بل كذلك كثافة التلميحات والتسريبات عن خيارات تصعيدية تعيد الى الاذهان مراحل التحركات الشعبية والتظاهرات والاعتصامات وما اليها مقرونة بخيارات غير دستورية.
وسط هذه الاجواء المحمومة اختلطت السجالات بجولتين لكل من وزير الخارجية البرتغالي لويس امادو وموفد وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير السفير جان – كلود كوسران على المسؤولين والزعماء السياسيين وقد عاينا طبيعة التعقيدات السياسية التي تعترض أي وساطة لاتمام الاستحقاق الدستوري في موعده.
وعَكَس الوزير البرتغالي نتيجة جولته بتوجيهه نداء باسم الاتحاد الاوروبي الى كل الافرقاء السياسيين "ليبذلوا كل الجهود من اجل التفاهم حول المستقبل السياسي للبنان وايجاد الظروف المناسبة للتطبيع السياسي والمؤسساتي الذي سيكون بالتأكيد مناسباً لمستقبل هذه البلاد"، مشدداً على ان انتخاب رئيس للجمهورية هو "فعل أساسي ومهم جداً لهذا التطبيع".
أما كوسران فلم تخرج بدايات جولته مع المسؤولين والزعماء السياسيين عن إطار هدف مزدوج لمهمته الجديدة هو السعي الى الفصل الثاني من "سان – كلو" وهذه المرة في بيروت، والتحضير لزيارة كوشنير لبيروت بحيث يرعى هذا اللقاء الحواري للافرقاء والذي سيتركز هذه المرة على الاستحقاق الرئاسي.
واذ استوقفت الشخصيات التي قابلها كوسران حتى مساء امس تركيزه على الاستحقاق الرئاسي، برز ايضاً نفيه لاي استعدادات راهنة لقيامه بزيارة لدمشق.
وقال مصدر شارك في المحادثات التي اجراها كوسران مع عدد من المسؤولين والسياسيين ان "طلائع" مهمة كوسران توحي بجديد يفترض بلورته في جولته.
ولفت هذا المصدر الى ما كشفه وزير الاشغال العامة والنقل محمد الصفدي اثر لقائه وكوسران من ان "موضوع تشكيل حكومة جديدة قد اقفل وانتقلت المناقشة الى الرئاسة". وأضاف المصدر ان كوسران تجنّب الخوض في اي مسلك قد يقود الى طرح اسماء للمرشحين الرئاسيين، وأصر على ادراج مهمته في اطار الدفع نحو حوار بين اللبنانيين يؤمّن العبور الى الاستحقاق الرئاسي والتوافق على اجرائه في موعده وفق الأصول الدستورية، وحرص على الاعلان ان بلاده "تتمنى ان تجري الانتخابات الرئاسية وفقاً للدستور".
وواكبت باريس مهمة موفدها الى لبنان بايضاحات اضافية اتسمت بتشدد حيال دمشق. ونقل مراسل "النهار" في باريس عن الناطق الرئاسي دافيد مارتينون قوله في مؤتمره الصحافي الاسبوعي انه "من المبكر جداً التكلم على مبادرة يقوم بها الوزير كوشنير مع دمشق حول الملف اللبناني"، موضحاً انه لا يستطيع تأكيد قيام كوشنير بزيارة لسوريا، كما اورد بعض وسائل الاعلام. ورفض مارتينون التعليق على الرسالة التي قد يكون كوشنير وجهها الى الرئيس السوري بشار الاسد بواسطة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في زيارته الاخيرة لبغداد بداية الاسبوع الحالي. لكنه اكد انه "لا يوجد اي انفتاح على سوريا" وقال: "ان مفاتيح الحوار مع سوريا موجودة في دمشق" في اشارة واضحة الى عدم تجاوب النظام السوري مع مطالب الاسرة الدولية التي لا تزال تنتظر منه "اشارات ايجابية".
وعن أهداف زيارة كوسران لبيروت قال مارتينون ان "كوسران من اهم الخبراء الفرنسيين والدوليين في ملفات الشرق الأوسط والعالم العربي، وفرنسا تريد الافادة من خبرته الكبيرة لبلورة حلول للمشاكل التي يتعرض لها لبنان، كما ان صفته كوزير مفوض فوق العادة تسمح له بالتنقل بسهولة بين عواصم القرار".
وشدد على ان "فرنسا تسعى الى اجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري، وان ما تسعى اليه وما يثير اهتمامها هو اقامة حوار بين اللبنانيين واخراج لبنان من الازمة التي يعيشها"، واكد "ان لدى الولايات المتحدة وفرنسا المقاربة نفسها في ما يتعلق بالملف اللبناني". واعلن ان "فوائد انعاش الحوار بين اللبنانيين تتمثل في تخفيف التدخل الخارجي في السياسة اللبنانية".
احتدام
في غضون ذلك، أثار الحديث الذي ادلى به رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط الى "نهار الشباب" ردا حادا من الرئيس بري سرعان ما تحول حملات متبادلة بين نواب من كتلتي بري وجنبلاط. وخاطب بري جنبلاط عبر بيان لمكتبه الاعلامي بقوله: "لكثرة ما تجنيت لم يبق فيك شيء للمدح ولم يعد في كلامك ما يستحق الرد". واتهم جنبلاط بأنه "كان ولا يزال يريد لبنان معسكرين".
ولم تقتصر السجالات على الطرفين بل كان للعماد ميشال عون مساء موقف جديد حمل فيه بعنف على جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع واتهمهما "بالدعوة الى الفرقة والتصادم والحرب الاهلية والطلاق بين اللبنانيين" عبر الدعوة الى انتخاب رئيس الجمهورية بـ65 صوتاً. وإذ حذر من ان "هذه الدعوات تعني التجزئة او التقسيم وما يستتبع ذلك من توطين"، سأل "تيار المستقبل": "هل هو مع التقسيم؟ واذا كان ضده هل يوافق على دعوة تفرقة اللبنانيين؟" واضاف: "لن أسأل غبطة البطريرك صفير اذا كان يوافق على هذه السياسة او لا، فهو حر بالادلاء برأيه او حجبه، ولن نسأل سماحة المفتي ولن أستمع الى رجال الدين الذين يتدخلون كل يوم في السياسة ويقولون رأيهم في ما يجري، لكن سكوتهم بالنسبة الينا أصبح مريباً".
قائد الجيش
الى ذلك نقل زوار قائد الجيش العماد ميشال سليمان عنه ان معركة الجيش مع المجموعات الارهابية في مخيم نهر البارد شارفت نهايتها وان تأخر الحسم ناجم عن سببين: الاول تجنب التعرض للمدنيين الذين جعلت منهم هذه المجموعات متاريس بشرية، والثاني حماية أرواح عناصر الجيش وضباطه الذين يواجهون ارهابيين انتحاريين لا قيمة عندهم للحياة ولا حرمة ولا احترام حتى للجثث اذ لا يتورعون عن تفخيخها.
وإذ قدر زوار العماد سليمان حسم المعركة قريبا وربماخلال عشرة ايام او أكثر بقليل، نقلوا عنه أمله في الحسم "في أسرع وقت"، مضيفا ان الجيش يواجه مجموعات ارهابية غدرت به مدافعا عن نفسه وان الذي زج الجيش في المعركة هي تلك المجموعات الارهابية نتيجة اعتداءاتها الغادرة.
ونقل عن سليمان قوله ردا على سؤال احد أعضاء الوفود التي زارته انه لا يدين ولا يبرىء بل ينتظر حكم القضاء وعندما يدخل في التفاصيل فانه يستند الى معطيات موجودة لديه ويتعامل مع ما يسهل عمل الجيش في مواجهة المجموعات الارهابية بدءا بتحديد الهدف وعدم فتح جبهات جديدة عليه، وانه ينطلق في كل كلمة يقولها من المعطيات المتوافرة لديه.
وأضاف انه يحترم كل الاراء ولكن لا يجوز زج الجيش في التجاذبات السياسية من أي طرف كان، وهذا ما حصل أحيانا ويا للأسف. كما نقل عنه انه لا يريد ان يسجل التاريخ انه كان منحازا الا الى الجيش والوطن أو أنه تقاعس عن الاقدام على أي خطوة لحماية الوطن والمؤسسات. واذ استغرب الضجيج السياسي والاعلامي الذي يزج باسمه في سجالات لا علاقة له بها، أكد أنه لم يقل يوما انه مرشح لهذا الموقع او ذاك ولطالما كرر انه تحت القانون والدستور. ونقل عنه زواره أن "ثمة فرقا شاسعا بين ادعاء الترفع والتهرب من المسؤولية ولا سيما في المفاصل الاساسية عندما يكون الوطن على المحك". وان "في بعض المواقف كلام حق يراد به باطل". كما أكد انه يرفض ان يكون "منصة للتصويب على أي جهة، سواء في المعارضة او الاكثرية، مع شكره لكل المواقف الصادقة الداعمة للجيش وهي كثيرة. وعن العلاقة مع سوريا نقل هؤلاء عن سليمان قوله ردا على سؤال ان "العلاقة مع سوريا تكون بين دولة ودولة ويفترض ان تكون على أفضل حال لمصلحة البلدين وبالتأكيد لمصلحة الشعبين". واشار زوار سليمان الى انه تمنى على الوفود التي زارته عدم رفع لافتات ولا سيما تلك التي تتعلق به شخصياً، وقد أزال الجيش لافتات كثيرة بناء على طلبه التزاما بتعميم سابق يقضي بعدم رفع اللافتات حتى في عيد الجيش.
النهار (24 08 2007)
