|
|
|
آخر تحديث Friday August 25, 2006 الساعة 08:38:17 AM |
تسيطر الشبكات ذات التوجّه السلفي على الساحة الدينية في نهر البارد:
تشكّل أربعة مساجد على الأقل من أصل ثمانية – خالد بن الوليد وفلسطين
والحاووز والعودة – مراكز لنشر التأثير السلفي في الأوساط الفلسطينية.
لا يقع بعض هذه المساجد (خالد بن الوليد وفلسطين) داخل المخيّم. ويلبّي
وجودها عند تخوم نهر البارد همّاً مزدوجاً: استقطاب أكبر عدد ممكن من
الناس في عكّار، من الفلسطينيين واللبنانيين على السواء، والتمكّن من
تسجيل المسجد لدى دار الفتوى، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إذا كان
المسجد مبنياً على أراضٍ مستأجَرة من "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين
الفلسطينيين" (الأونروا). وانطلاقاً من الدوافع عينها، أنجز أحد
المشايخ السلفيين في المخيّم بناء مسجد عند التخوم الشمالية. وقد تعمّد
اختيار موقعه عند ملتقى ثلاث مناطق متحاذية كي يمتدّ إشعاعه على أكبر
مساحة ممكنة فيصل إلى أبعد بكثير من الحدود الجغرافية لنهر البارد.
من المثير للاهتمام معرفة الظروف التي اكتسب فيها دعاة المخيّم معارفهم
الدينية. عام 1981، قصد أكثر من خمسين شاباً لبنانياً وبعض الشبّان
الفلسطينيين من مخيّم نهر البارد، السعودية للدراسة في كلّية الدعوة
وأصول الدين في الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة. وقد جرى تسهيل
سفرهم من خلال الاتّصالات بين الممثّل الأوّل للتيّار السلفي في شمال
لبنان، الشيخ اللبناني سالم الشهّال، والشيخ السعودي ذي المكانة
المرموقة ابن باز. وقد شارك الشيخ أحمد الذي كان بين هؤلاء الشبان
الفلسطينيين وكان لا يزال مراهقاً (وُلد عام 1964)، في تشكيل ميليشيا
إسلامية عام 1980 دُعيت "نواة الجيش الإسلامي". تأسّست هذه الميليشيا
على يد سالم الشهّال وابنه داعي الإسلام الذي كان أحمد مقرّباً جداً
منه (حامت الشبهات حول المنظّمة بأنها كانت وراء تفجير كنائس في حي
الظاهرية في طرابلس خلال الحرب).
شكّل مرور الشيخ أحمد في السعودية حيث انضمّ إلى صديقه داعي الإسلام
الشهّال الذي كان قد سبقه إليها قبل عام، منعطفاً في مساره الديني. في
الواقع، كانت جامعة المدينة المنوّرة تقدّم في ذلك الوقت صورة عالم
طالبي في أوج غليانه حيث كان طلاّب من أصول مختلفة يقارنون بين أوضاع
الحركات الإسلامية في بلدانهم، وبين تجربتهم الدينية وتجربة إخوانهم في
الديانة. كانت التبادلات تحصل بحرية تامة لا سيّما وأنّه لم يكن هناك
أيّ أثر لوجود الدولة السعودية أو عملائها في حرم الجامعة، بحسب شهادات
قدامى الجامعة.
يقول الشيخ أحمد إنّ الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة غيّرت مصير
العالم الإسلامي عبر تأمين التحصيل العلمي لجزء ممّن هم الآن على رأس
المجموعات الإسلامية الأكثر راديكالية: "كان الطلاب من مختلف الجنسيات.
الطلاب الفيليبينيون في تلك الحقبة هم من يناضلون الآن ضدّ الولايات
المتحدة؛ وكان هناك أيضاً عدد كبير من الطلاب الباكستانيين... يمكن
القول إنّ نصف الطلاب كانوا من باكستان أو الهند. هم من أنشأوا المدارس
الدينية التي تخرّج منها عناصر "طالبان". اطّلعت خلال إقامتي هناك على
تجربة العديد من المنظّمات الإسلامية في العالم التي لم أكن قد سمعت
بها من قبل. حتّى إنّ نائب رئيس الجامعة آنذاك، الشيخ زيد، منح إذناً
خاصاً لمئات الطلاب السوريين كي يذهبوا للتدرّب في العراق من أجل
محاربة النظام السوري. اختفوا لفترة ستّة أشهر ثم عادوا بعد أحداث حماة
في حزيران 1982"(1).
عام 1985، عاد الشاب أحمد بعد حصوله على شهادته، إلى لبنان عبر قبرص
بمساعدة من مقاتل شاب قريب من الشيخ منقارة، أحد مسؤول حركة "التوحيد"
التي كنت تسيطر آنذاك على منطقة ميناء طرابلس. بعد بضعة أيام من عودته،
أوقفته الأجهزة السورية على خلفية اتّهامه من جانب أحد سكّان نهر
البارد بالتواطؤ مع "الإخوان المسلمين". وعند الإفراج عنه بعد ثلاثة
أشهر من الحجز في زنزانة صغيرة تحت الأرض في سجن "فرع فلسطين" في دمشق
الذي أنشئ خصّيصاً للرعايا الفلسطينيين، توجّه إلى ليبيا حيث درّس
اللغة العربية لمدّة سنتَين ثم عاد إلى نهر البارد. وبعد انتهاء الحرب
عام 1992، كلّفه الشيخ ابراهيم غنيم الوعظ في مسجد القدس. لكنّ سرعان
ما وضعت حماسة الشيخ الشاب المفرطة حداً لهذه التجربة. ففي سياق
الانتخابات التشريعية الأولى بعد الحرب في صيف 1992، انقسمت الأوساط
الإسلامية في الجدل حول الفرصة المتاحة أمام المسلمين اللبنانيين
للمشاركة في الانتخابات التشريعية – وهو جدل مستجِدّ في لبنان ما يشكّل
مؤشّراً عن تقدّم الأفكار السلفية الأكثر راديكالية.
اعتبر الشيخ أحمد المنطبع بتحصيله العلمي في السعودية، أنّ هذه
المشاركة تتعارض بطريقة فاضحة مع الشريعة الدينية. وهكذا بدأ يتهجّم في
الخطبة التي كان يلقيها يوم الجمعة على المرشد الروحي لـ"الجماعة
الإسلامية"، فتحي يكن، الذي كان مرشّحاً للانتخابات ويؤيّد المشاركة
السياسية. غير أنّ هذا الموقف الراديكالي دفع بالشيخ غنيم إلى تنحيته،
فقد كان الأخير يخشى من العواقب التي يمكن أن تترتّب على تحالفاته
السياسية الخارجية نتيجة اندفاعات الشيخ الشاب(2).
بعدما أُبلِغ طرده من مسجد القدس، باشر الشيخ أحمد التدريس في مركز
داعي الإسلام الشهّال "الهداية والإحسان". وبعدما أغلقت الدولة
اللبنانية المركز عام 1996 بتهمة "التحريض على التعصّب الطائفي"، وجد
وظيفة مدرّس للغة العربية في مدرسة تابعة للأونروا في نهر البارد. غير
أنّ أنشطته في مجال الوعظ لم تتوقّف: ففي العام نفسه، عيّنته مديرية
الأوقاف المحلية في دار الفتوى داعية في قرية عكّار. ومنذ ذلك الوقت،
بدأ يعظ أيضاً مرة في الشهر في مخيّم البدّاوي حيث عمل على بناء الأسس
القتالية والعقيدية لتيّار سلفي كان لا يزال يشكّل أقلّية. وليس
مفاجئاً أنّ الشيخ أحمد تسجّل في معهد الأوزاعي لنيل شهادة الدكتوراه،
وقد وجد داخل المعهد تعليماً مكمِّلاً للتعليم الذي كان قد تلقّاه في
السعودية.
عرف المشايخ الآخرون في نهر البارد مسيرة مشابهة جداً لمسيرة الشيخ
أحمد، ويشكّلون جيلاً هو الآن في العقد الخامس من العمر: عاش إمام مسجد
الحاووز، الشيخ أحمد الحج، "لحظته السعودية" أيضاً حيث كان جزءاً من
الوفد الطالبي الذي أُرسِل إلى السعودية عام 1981. ومن لم يسافروا
تعرّضوا لتأثيرات مشابهة: درس الشيخان هيثم السعيد وأحمد مثقان اللذان
يديران الآن أنشطة مسجد خالد بن الوليد، لدى المشايخ السلفيين في عائلة
الشهّال في مركز "الهداية". وبعد إغلاق المركز، درس أحمد مثقان عاماً
في مركز "مرشد" للشيخ حلاّق كي يتمكّن من التسجّل في معهد الإمام
الأوزاعي. أما هيثم السعيد فهو حائز على شهادة من مركز "الدعوة" في
بيروت. وكل عام، يدعو مشايخ مسجد الخالد بن وليد نحو 15 رجل دين
سعودياً لإلقاء محاضرات في مركز "دار الأرقام" في نهر البارد.
كما في عين الحلوة، أدّت التنشئة الاجتماعية التي يقوم بها الجيل
الجديد من رجال الدين، إلى نقل صورة العدو إلى داخل المخيّم في الوقت
الذي كانت الشبكات الدينية تستمدّ فيه مواردها المالية وقيمها الرمزية
من خارج الشبكات التقليدية ل"المجتمع الفلسطيني" في لبنان. وقد ترجمت
الرواية التي اعتمدتها الأوساط الدينية في المخيّم عن أحداث الضنيّة،
هذا الخروج من المساحة المرجعيّة الفلسطينية لأن العملاء المختلفين
الذين يتولّون التعبئة تبنّوا على الفور الحديث عن "مؤامرة ضدّ
الإسلام"، وقد انتشر هذا الحديث في المساجد الإسلامية في طرابلس
وعكّار. فبحسب هذه الرواية، توجّه الشباب الذين تعرّضوا للاستفزازات من
الجيش، إلى جبال الضنّية هرباً من القمع اللبناني وللاستعداد لمساعدة
إخوانهم المضطهدين في الشيشان. تُفسَّر النهاية المأسوية للمسألة
بتصرّفات "الموارنة الذين زرعوا هم أنفسهم القنابل في الكنائس". وقد
عبّر الشيخ زكريا المصري عن هذه النظرة إلى الأمور منذ شهر تشرين
الثاني 1999، قائلاً "هناك أطراف أخرى ربما وراء هذه التفجيرات كما كان
الحال في انفجار كنيسة سيّدة النجاة في جونيه حيث أظهر التحقيق تورّط
سمير جعجع في هذه القضية"(3).
وقف التضامن الإسلاموي في وجه الدولة كما في وجه "فتح" ياسر عرفات. بعد
المواجهات التي شهدها مخيّم عين الحلوة في 15 آب 2002 بين مقاتلي "فتح"
ومتمرّدي سير الضنية الذين التجأوا إلى المخيّم، اتّهم الفاعلون
الدينيون في نهر البارد حركة "فتح" بأنّها ترغب في التعاون مع الولايات
المتحدة في معركتها ضدّ الإرهاب بعد هجمات 11 أيلول(4). وخلال هذه
الأحداث، تبنّى الممثّلون الأساسيون للحساسية السلفية والمتعاطفون
معهم، من جديد رواية الشيخ زكريا المصري وفيها أنّه "في صباح 15 آب
2002، قتلت "فتح" شاباً من مجموعة الضنية فور انتهائه من تلاوة الصلاة
في المخيّم، من أجل إشعال فتيل المواجهات بين الفريقَين بهدف توقيف
هؤلاء الشباب وتسليمهم للدولة"(5). هذا دليل آخر على التصدّعات في
مخيّمات اللاجئين ونزوع الفاعلين الدينيين إلى تبنّي رواية تنسجم مع
المصالح السورية عندما لا تكون هذه الرواية صادرة مباشرةً عنهم.
هوامش
(•) "Le Jihad au Quotidien" - Bernard Rougier Presse universitaire
de France 2004 (Novembre).
1- مقابلة مع الشيخ أحمد، آب 2002.
2- أنّب الشيخ غنيم الداعية الشاب قائلاً له "بسبب كلامك العنيف، لن
نذهب أبداً أبعد من تلة الست" (التي وُضِع عندها حاجز سوري عند المدخل
الشمالي للمخيّم). مقابلة مع أحمد، آب 2002.
3- بيان الشيخ زكريا المصري في 28 تشرين الثاني 1999.
4- بحسب الإسلامويين، قُتِل أحمد المحمود فور انتهائه من تلاوة الصلاة
في مسجد الطواري في عين الحلوة. أما بحسب رواية فتح، فقد كان هو البادئ
مع نحو عشرين مقاتلاً أطلقوا قنابل على مركز "فتح" عند المدخل الشمالي
للمخيّم في قطاع باراكسات، ولقي مصرعه نتيجة لذلك. كان عمر المحمود 21
عاماً، وكان قد أتمّ دراسته الثانوية في المركز السلفي للإمام البخاري
في طرابلس. وخلال جنازة أحمد المحمود (أبو تابت) في 14 آب 2002 في حيّ
باب التبّانة في طرابلس، هتفت الحشود بشعارات أقل ما يقال عنها أنّها
معادية لياسر عرفات: "لا إله إلاّ الله وأبو عمّار عدوّ الله". واتّهم
والد القتيل الذي يخضع ولداه الآخران للمحاكمة من قبل المجلس العدلي
لدورهما في مواجهات الضنية، سلطان أبو العينين ب"التعامل مع إسرائيل"
مضيفاً "نعرف من قتله عند مدخل المسجد، إنها كتائب "فتح" التابعة لأبو
عمار وسلطان أبو العينين في عين الحلوة" (نقلاً عن "المستقبل"، 15 آب
2002).
5- بيان الشيخ اللبناني زكريا المصري في 16 آب 2002. في الختام، يذكّر
البيان بدور مدينة طرابلس خلال المواجهات بين سوريا ومنظمة التحرير
الفلسطينية: "لا تنسوا أنّه بينما كان بعضكم يتآمرون ضدّ هؤلاء الشبّان
لتسليمهم، استقبلتكم مدينة طرابلس وآوتكم ودافعت عنكم عندما كان آخرون
يسعون وراءكم. وقد أدّى هذا الموقف إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين
أبناء طرابلس وإلى تدمير مادي واسع النطاق".
ترجمة نسرين ناضر
النهار (24 08 2007)
عكار... ضاحية بيشاور
- جهاد الزين
توضيح من برنار روجييه
1 - وضعت كتابي عام 2004 أي قبل أكثر من ثلاثة أعوام في سياق محلي
وإقليمي مختلف كلياً. ومن شأن ترجمة مقطع في الوضع اللبناني الحالي أن
يؤدّي إلى تفسيرات خاطئة (أضيف أنّ هذا المقطع نُشِر من دون إذن منّي).
في تلك الحقبة، لم أسلّط الضوء بما يكفي على الاختلاف في الطبيعة بين
نوعين مختلفين من السلفية – السلفية الجهادية من جهة وسلفية الدعوة من
جهة أخرى. من المهم جداً تفادي الخلط بين هاتين العبارتين – فأنا لم
أتجنّبه بما يكفي وأود أن ألفت نظر القرّاء إلى هذه النقطة.
أنوي أن أتوسّع في الحديث عن هذا الجانب من الأمور في نسخة مقبلة مع
التركيز على الروابط التي يصعب تحليلها نظراً إلى تعقيداتها، بين
الانضواء في السلفية (غير الجهادية) ذي الطبيعة الدينية والانتماء
الثقافي والسياسي إلى العالم الفلسطيني.
2 - لا شكّ في أنّ المشايخ الفلسطينيين المذكورين في التقرير لا
يتحمّلون أيّ مسؤولية عمّا يجري في نهر البارد منذ استقرّت فيه "فتح
الإسلام" اعتباراً من خريف 2006. على العكس، بذل مشايخ "مجلس خطباء
المساجد في مخيّم نهر البارد" – هيثم السعيد وأحمد المثقان وأحمد الحج
ومحمود شقير ومحمد عبد الغني – قصارى جهدهم لتطويق الظاهرة وتفادي
اللجوء إلى العنف وتأمين رحيل مقاتلي "فتح الإسلام" – بالتعاون مع
الأجهزة اللبنانية المختصة والمنظمات الفلسطينية داخل المخيم. علاوةً
على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن عدداً قليلاً جداً من فلسطينيي نهر
البارد انضمّ إلى هذا التنظيم الذي يتألّف في شكل أساسي من فلسطينيين
من سوريا ومن لبنانيين وسوريين وسعوديين.
3 - ليس من السهل العمل على "موضوع دراسة" متحرّك. يجب إعادة بناء
العمليات الاجتماعية بأكبر قدر ممكن من الأمانة من دون تشويه حقيقة
الأمور ولا الغوص في الإشكاليات الداخلية.
لا يبدو لي أن الموضوع الأساسي للكتاب – تحوّل المخيّمات مساحة
لاستقبال التأثيرات الأيديولوجية المتنوّعة – هو موضع تشكيك.
فالمخيّمات العالقة بين العولمة والتهميش لم تعد تشكّل عالماً سياسياً
وأنتروبولوجياً متجانساً قادراً على احتواء هذه التأثيرات الخارجية.
يتحمّل المجتمع الدولي، عبر إهمال الإنشاء الضروري لدولة فلسطينية
حقيقية وترك مأساة اللاجئين من دون حل منذ أكثر من خمسين عاماً،
مسؤولية كبيرة في هذا الإطار، شأنه في ذلك شأن جميع الذين منعوا في
لبنان الحوار المؤسّسي بين الفلسطينيين واللبنانيين. وكما أظهرت
التجربة المـرّة لـ"فتح الإسلام"، هناك خطر بأن يقع الجميع ضحيّة وضع
مماثل.
برنار روجييه
النهار (25 08 2007) |
|
|||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||
|
|
||||