"الغضب السعودي على نظام الرئيس بشار الاسد جدي وشديد ويعكس اقتناعا لدى قيادات عربية عدة بأن هذا النظام يشكل تهديدا للامن القومي العربي وللمصالح العربية العليا اذا انه تبنى، بأعماله وممارساته وتوجهاته، الخيار الايراني بدلا من الخيار العربي واصبح جزءا من مخطط الجمهورية الاسلامية لإضعاف الانظمة العربية المعتدلة ولزعزعة الامن والاستقرار في المنطقة تمهيدا لفرض الهيمنة على الخليج العربي وعلى ساحات اقليمية رئيسية ابرزها لبنان والعراق وفلسطين. وهذا التهديد تكشفه وتعكسه، خصوصا، مساعي النظام السوري لتخريب الاوضاع الداخلية في لبنان للسيطرة مجددا وبأي ثمن على هذا البلد، وخططه لضرب السلطة الوطنية الفلسطينية لإضعافها، كما يعكسه دعمه السري للجهاديين الناشطين في لبنان والعراق ودول اخرى، واعتماده استراتيجيا استخدام ساحات اخرى لتعزيز موقعه التفاوضي مع اميركا واسرائيل ولو ادى ذلك الى تفجير حروب ونزاعات مدمرة في بعض دول المنطقة كلبنان. وقد فقدت قيادات عربية عدة الثقة بالنظام السوري الحالي لانه يقدم وعودا وتعهدات ويمتنع عن الوفاء بها، ولانه يحمّل دائما الآخرين مسؤولية سياساته الفاشلة ووجوده في حال من العزلة والضعف ويرفض الاعتراف بمسؤوليته هو عن سلسلة اخطاء كبيرة ارتكبها ويحاول تعويضها باعتماده سياسات الاذى والتخريب في لبنان وفلسطين ودول اخرى".
هذا ما اكده لنا مسؤول عربي كبير، واوضح ان العاصفة التي هبت على العلاقات بين سوريا والسعودية ليست مفاجئة، اذ ان هناك ازمة عميقة صامتة بين البلدين منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقد عمد الى تفجيرها علنا نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الذي اعلن في تصريحات اخيرة ان الدور السعودي في المنطقة "شبه مشلول"، وان السعودية تتحمل مسؤولية الخلل في العلاقات بين البلدين، وان اتفاق مكة بين "فتح" و"حماس" تم انجازه في دمشق، لاغيا بذلك الدور الاساسي الذي لعبته المملكة من اجل التوصل الى هذا الاتفاق. وذهب الشرع الى حد اتهام السعودية ضمنا "بالضعف والاستكانة" في التعامل مع الاميركيين والاجانب ورافقت تصريحات الشرع حملة افتراءات على سياسة السعودية في لبنان شنها عدد من حلفاء دمشق. وردت السعودية بقسوة على حملة النظام السوري هذه فاتهمت الشرع بالكذب وبانه احد المسؤولين عن الخلل في العلاقات بين الرياض ودمشق. وشددت على ان الدور السوري في المنطقة هو المشلول، وان القيادة السورية "تنكرت لوحدة الصف العربي وعملت على نشر الفوضى والقلاقل في المنطقة" معيدة الى الاذهان ان المملكة هي التي انجزت اتفاق مكة وليست سوريا.
وامام قسوة الرد السعودي تراجعت دمشق وذكرت مصادر مسؤولة فيها انه "جرى تحريف وتشويه" تصريحات الشرع، وهو تراجع يشبه اعتذار الرئيس بشار الاسد من الملك عبدالله بن عبد العزيز بعدما اتهم الرئيس السوري علنا الزعماء العرب المعتدلين الذين انتقدوا "مغامرة" "حزب الله" بانهم "اشباه رجال". وهذا النوع من التراجع شكلي ولن يبدل واقع وجود خلافات جوهرية وعميقة بين الرياض ودمشق حول قضايا المنطقة الاساسية. واوضحت لنا مصادر ديبلوماسية عربية وثيقة الاطلاع ان الحملة السورية وما تبعها من تراجع "دليل ضعف نظام الاسد وانزعاجه الشديد من الدور السعودي ومن رفض السعودية الرضوخ لمطالبه" كما ان هذه الحملة ناتجة من "ان النظام السوري فقد المبادرة ولم يعد يملك خيارات جيدة تؤمن له مصالحه بل انه يملك فقط خيارات سيئة في الوقت الذي يواجه هذا النظام تهديدات جدية سواء من جانب اسرائيل او من جانب المحكمة الدولية المكلفة محاسبة ومعاقبة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه وشخصيات وطنية استقلالية اخرى".
"الانزعاج" السوري من السعودية
وضمن هذا الاطار كشفت مصادر ديبلوماسية عربية وثيقة الاطلاع ان هناك اربعة اسباب رئيسية "للانزعاج" السوري من القيادة السعودية هي الآتية:
اولا، ان السعودية متمسكة فعليا وجديا بدعم استقلال لبنان وسيادته وارادة اللبنانيين الحرة وهي تضطلع بدور اساسي في حشد التأييد الدولي والعربي للبنان المستقل والمتحرر من الهيمنة السورية. وقد رفضت السعودية في الفترة الاخيرة عقد اي نوع من الصفقة او التفاهم مع القيادة السورية لاختيار رئيس جديد للبنان يلائم دمشق، كما رفضت ايضا مبعوث رفيع المستوى الى العاصمة السورية للتوصل الى تفاهمات مع الاسد حول مسار الاوضاع في لبنان تحقق اهداف النظام السوري وحلفائه في هذا البلد.
ثانيا، اصيبت القيادة السورية بصدمة حقيقية لاستبعادها عن المؤتمر الدولي الذي سيعقد في واشنطن في الخريف المقبل لمناقشة تسوية النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي في حضور عدد من الدول البارزة والمعنية بالامر ومنها مصر والسعودية والاردن. والقيادة السورية "عاتبة" على السعودية لانها لم تدعم اشراكها في هذا المؤتمر الدولي اذ ان استبعادها عنه يعكس تقلص الدور السوري في المنطقة وتدني الاهتمام الدولي بهذا الدور، كما يظهر وجود نوع من التفاهم الدولي على "معاقبة" نظام الاسد بسبب سياساته الخاطئة المزعزعة للامن والاستقرار في عدد من الدول والمعارضة للتوجهات السلمية.
ثالثا، القيادة السورية قلقة جديا، ولو لم تعترف بذلك علنا، من اقتراب موعد بدء اعمال المحكمة الدولية من دون ان تتلقى اي مساعدة سعودية او عربية لتأمين الحماية لنظام الاسد من المحاسبة الدولية في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه.
رابعا، القيادة السورية "منزعجة" ايضا لان السعودية ترفض تحسين موقع سوريا في الساحة العربية من خلال احياء التحالف الثلاثي المصري – السعودي – السوري الذي تم تجميده بعد اغتيال الحريري او من خلال اقامة تنسيق حقيقي وجدي بين الرياض ودمشق حول القضايا الاقليمية، ذلك ان السعودية ترفض وتعارض السياسات السورية الحالية اللبنانية والعربية والاقليمية وتتعامل معها على اساس انها تهدد المصالح العربية العليا وتساهم جديا في اضعاف التضامن العربي.
ولكن في مقابل هذا العتب والانزعاج السوريين فان السعودية ودولا عربية عدة لديها مآخذ على نظام الاسد وتوجه اليه اتهامات عدة. وكشفت المصادر الديبلوماسية العربية المطلعة ان "الملف الاتهامي العربي" ضد النظام السوري يتضمن الامور والوقائع الاساسية الآتية:
اولا، تملك قيادات عربية معلومات دقيقة ومحددة تفيد ان القيادة السورية هي التي احبطت فعليا اتفاق مكة، اذ انها هي التي شجعت قيادة "حماس" على تنفيذ انقلابها ضد حركة "فتح" والسلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية والسيطرة على قطاع غزة في حزيران الماضي، كما حاولت ان تفعل في لبنان عبر "حزب الله" وحلفائها الآخرين. وخلافا لما قاله الشرع فان المعروف لدى جميع المسؤولين الفلسطينيين وكل الجهات المعنية ان الملك عبدالله بن عبد العزيز هو الذي قام بالدور الاساس الحاسم في تأمين توقيع اتفاق مكة بين "فتح" و"حماس" في شباط الماضي، وانه لولا تدخله وجهوده لكان الطرفان فشلا في التوصل الى اتفاق. وقد اوقف اتفاق مكة في حينه انزلاق الفلسطينيين نحو الحرب الاهلية، وادى الى ايجاد شراكة سياسية بين "فتح" و"حماس" كرسها تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما ان هذا الاتفاق استهدف ابعاد "حماس" عن ايران وتشجيعها على تقبل متطلبات المجتمع الدولي والشرعية الدولية من اجل تسهيل تحريك عملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. واستنادا الى المعلومات التي تلقتها هذه القيادات العربية فان المسؤولين السوريين والايرانيين انزعجوا من توقيع اتفاق مكة ومن الدور السعودي في انجازه، فعمدت القيادة السورية الى استغلال الخلافات بين "فتح" و"حماس" حول طريقة تطبيق هذا الاتفاق وقامت بتشجيع "حماس" على تنفيذ انقلاب حقيقي على غزة تمهيدا للسيطرة تدريجا على سائر المناطق والمخيمات الفلسطينية بهدف انتزاع "الورقة الفلسطينية" من ايدي الانظمة العربية المعتدلة ووضعها في ايدي المحور السوري – الايراني من اجل الدخول في مساومات عليها مع الدول الكبرى المعنية.
افشال الحل العربي والدولي في لبنان
ثانيا، تملك دول عربية عدة معلومات محددة تؤكد بوضوح ان القيادة السورية هي التي احبطت كل الجهود السعودية والعربية والفرنسية والدولية للتوصل الى حل شامل متكامل للازمة اللبنانية يحفظ استقلال هذا البلد وسيادته وامنه واستقراره ووحدته الوطنية ويضمن اجراء انتخابات رئاسية حرة وفي موعدها الدستوري، كما ان القيادة السورية هي التي طلبت من حلفائها رفض صيغة لا غالب ولا مغلوب لحل الازمة اللبنانية التي تؤيدها السعودية وسائر الجهات العربية والدولية المعنية بالامر والتي وافقت عليها الغالبية لانها تؤمن مصالح جميع الافرقاء اللبنانيين، وحرضت دمشق حلفاءها بدلا من ذلك على العمل من اجل الهيمنة على السلطة وانهاء دور الغالبية واضعاف القوى الاستقلالية عبر الاصرار على تشكيل حكومة وحدة وطنية تملك فيها المعارضة الثلث المعطل والعمل على منع انتخاب رئيس جديد بكل الوسائل، اذا لم يكن هذا الرئيس مواليا لسوريا.
ثالثا، جريمة اغتيال الحريري ورفاقه ادت الى قطيعة حقيقية بين السعودية والنظام السوري، وفقا لما اكده لنا مسؤول عربي كبير. فكل الدول العربية والاجنبية المعنية بمسار الاوضاع اللبنانية تعلم من قتل الحريري لكنها ترفض توجيه الاتهامات العلنية الى الجناة وتعتمد على التحقيق الدولي والمحكمة الدولية لمعاقبة القتلة والمتورطين في هذه الجريمة الارهابية. وما يجعل هذه الدول العربية ترفض تأمين اي حماية للنظام السوري من الملاحقة الدولية هو انها تعلم ماذا جرى وتريد وضع حد للاغتيالات السياسية في لبنان، وان التحقيق الدولي اكد رسميا وجود "ادلة متطابقة" على تورط مسؤولين امنيين بارزين سوريين ولبنانيين في جريمة اغتيال الحريري، وان ملف هذه الجريمة اصبح من مسؤولية مجلس الامن وليست هناك دولة واحدة راغبة في الدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي دفاعا عن النظام السوري.
رابعا، الملف الاتهامي العربي يتضمن ايضا معلومات تملكها قيادات عربية تؤكد ان المسؤولين السوريين يسهلون انتقال مئات الجهاديين من جنسيات عربية مختلفة الى العراق ولبنان ودول اخرى من اجل اثارة الاضطرابات وزعزعة الامن والاستقرار فيها عبر تنفيذ عمليات تخريبية والقيام بنشاطات ارهابية. ووفقا لهذه المعلومات فان تنظيم "فتح الاسلام" مرتبط بالاجهزة الامنية السورية ولذلك تمكن من السيطرة بسهولة على كل مواقع واسلحة تنظيم "فتح الانتفاضة" التابع للنظام السوري في لبنان كما انه تلقى دعما بالرجال والسلاح من تنظيمات فلسطينية وثيقة الصلة بدمشق لخوض معركته الطويلة مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد.
خامسا، استبعاد سوريا عن المؤتمر الدولي المقبل في واشنطن ليس ناتجا من تقصير سعودي او عربي بل انه ناتج من سياسات النظام السوري الخاطئة الداعمة للقوى المتشددة الفلسطينية واللبنانية العاملة على زعزعة الامن والاستقرار في المنطقة والرافضة الحل السلمي للنزاع المستند الى قرارات الشرعية الدولية.
سادسا، تتهم هذه الدول العربية النظام السوري الحالي بانه اصبح جزءا من التركيبة المتشددة الحاكمة في ايران، وانه يساهم فعليا في تنفيذ المخططات الايرانية المتعارضة مع المصالح العربية العليا والمهددة للامن القومي العربي والهادفة الى فرض هيمنة الجمهورية الاسلامية على المنطقة وتغيير موازين القوى والمعادلات القائمة فيها بالاعتماد على القوى المتشددة وباستخدام اسلحة واساليب مختلفة ومتعددة. واكد لنا المسؤول العربي الكبير "ان المطلوب سعوديا وعربيا من النظام السوري ليس الاعتذار الشكلي واقالة الشرع من منصبه، بل إحداث تغييرات جدية وجذرية في مواقفه وسياساته حيال لبنان وفلسطين والعراق وايران والمنطقة عموما، بما يساهم في تعزيز الامن والاستقرار ويؤمن مصالح الشعوب المعنية ويقوي الموقف العربي في وجه الاخطار والتحديات المختلفة.
ولكن ليست هناك اي ادلة على ان نظام الاسد راغب فعلا في إحداث هذه التغييرات المطلوبة او انه قادر على إحداثها".
عبد الكريم أبو النصر
النهار (24 08 2007)
