|
|
|
آخر تحديث Monday August 28, 2006 الساعة 01:27:26 AM |
مــخــاطـــر الســـلـــفـــيـــة اليـــســاريــة عبدالله الحلاق نشرت "قضايا النهار" بتاريخ 12 /8 /2007 مقالاً للقيادي في الحزب الشيوعي اللبناني ألبر فرحات بعنوان "ثقافة المقاومة وثقافة الهزيمة" رداً على مقال للأستاذ كريم مروة المنشور في الصفحة نفسها. وفيما يلي نستكمل هذا الحوار على صفحة القضايا لندخل في نقاش وردّ على بعض الأفكار التي وردت في مقال الأستاذ فرحات.. بداية، وفي سياق كلامه عن موقف كريم مروة (وأهل اليسار الليبرالي الجديد) من الماركسية اتهم فرحات هؤلاء بتشويه فكر ماركس، وتوسلهم فرازيولوجيا ماركسية ومفاهيم مشوهة عنها لحمل اليساريين على الارتداد فكرياً وسياسياً... للتذكير فقط: إن الحزب الشيوعي اللبناني قد تميز (سابقاً) عن غيره من كثير من الاحزاب الشيوعية العربية بأنه اختط لنفسه منهجاً وسياسة مستقلة متمايزاً عن الاتحاد السوفياتي وتجربته الخاصة في بناء الاشتراكية، وقد استكمل الكثيرون من مفكري الحزب نقدهم وأسسوا لمفاهيم وأفكار جديدة في مرحلة ما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وهو الحدث الذي هز الكثيرين وتطلب مراجعة نقدية عميقة في الأفكار السابقة، ومن يقرأ كتابات هؤلاء المفكرين (وكريم مروة منهم) من الذين احتضنت الدوريات اللبنانية والعربية كتاباتهم وخاصة مجلة "الطريق"، ومن يتحلى بديناميكية فكرية وتحليلية بعيدة عن الدوغما والمقدسات والجمود السياسي والفكري لا بد له وأن يسأل السيد ألبر وكل من يطرحون طروحاته: ما الداعي لاعتبار فكر مضى على كتابة بعض نصوصه 150 عاماً مرجعية حتى اللحظة الراهنة، ومن قال لك يا أخي في اليسار إن ماركس وفكره منزلان ومقدسان لا يطالهما الشك لدرجة يصبح كل من يخط لنفسه منهجاً فكرياً بعيداً عن نصوص الماركسية وكلاسيكياتها مرتداً عن اليسار.. إن الماركسية تيار فكري من تيارات يسارية عديدة في العالم وليست التيار والاتجاه الفلسفي والفكري الشامل لكل ما سواها، كما أنها تيار يقرأ قراءة جدلية دياليكتيكية كمنهج في التفكير قامت عليه كل كتابات الماركسيين الذين أسسوا هذا الفكر، وحتى يكون النقاش بين الكتاب والمثقفين الماركسيين وغير الماركسيين بنّاءً يفترض أن يكون نقاشاً لجوهر الفكرة والنظرية وراهنيتها وليس انطلاقاً من مسلمات ومقدسات ورموز لا نبالغ إذا قلنا اننا كيساريين ننزلق بها (موضوعياً) لنصبح كأي رجل دين سلفي لا يمكنك مناقشته في نص إلهي دون أن تتعرض على الأقل للاتهام بالكفر والارتداد. لن أدخل في هذا المقال في بعض التفاصيل حول تاريخ الاتحاد السوفياتي وما جرى في أيام لينين وغيرها من التفاصيل التي أوردها السيد فرحات في مقاله لأنني سأترك مقالي هذا للنقاش في المنهج والأسلوب الذي رد فيه على الأستاذ كريم مروة، ولكن سأتوقف عند فقرة أوردها الأستاذ ألبر وأقول: لنفترض أن "سياسة النيب التي نادى بها لينين ويأخذ بها الشيوعيون الصينيون اليوم كانت صائبة وضرورية في بلد متخلف وآسيوي كروسيا القيصرية"، فماذا يقول الأستاذ فرحات عن الجانب الآخر لممارسات الحزب الشيوعي الصيني الذي هيمن ولا يزال على مليار ومئتي مليون نسمة منذ حوالي نصف قرن، وهل ننسى مسيرة القمع والإرهاب في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني (والسوفييتي) وكل الاحزاب الشيوعية التي حكمت بلادها على مبدأ الحزب الواحد وهو بدوره أنتج لنا أنظمة الحزب الواحد المتعددة الخلفيات الإيديولوجية (إسلامية وقومية وماركسية)، وهل القمع الوحشي للشباب الصيني في ساحة "تيان آن مين" وكل أعمال الإجرام والقمع التي ارتكبتها هذه الأنظمة مسائل يمكن غض الطرف عنها طالما أن النيب وعملية البناء الاقتصادي ونمو الصين والاتحاد السوفياتي كأقطاب منافسة للامبريالية والرأسمالية يجري على قدم وساق؟ وإذا كان أهل اليسار الليبرالي مرتدين كما يسميهم الكاتب، فهل نفهم من ذلك ان الحل السليم والخط السياسي والفكري لليسار هو الذي ترسمه جوقة اليسار الشعبوي المحافظ التي يتربع على عرشها الرفاق الشيوعيون في كوريا الشمالية وكوبا وغيرها وحتى بلاد الاتحاد السوفياتي سابقاً التي أبادت الملايين باسم الاشتراكية وهي ترسم مستقبلاً مشرقاً للبشرية على جماجم البشر وبقايا رفاتهم؟ ثم إن الفكر السياسي قابل للتطوير والتجديد، والكثيرون من أبناء المدرسة النقدية التي نمت في مرحلة ما بعد أفول نجم الامبراطورية السوفياتية قد اعتمدوا المنهج الديالكتيكي للماركسية كمنهج في التحليل والكتابة للوصول إلى أفكارهم الجديدة - التي إن دلت على شيء فإنما تدل على فكر ديموقراطي يساري منفتح على كل التجارب في العالم -، متمايزين عن موروثات وتاريخ حافل بالجرائم التي يقف الماركسيون التقليديون على أطلالها ويحاولون إيجاد النقاط الإيجابية القليلة في هذا التاريخ ويغيبّون الجانب الكارثي الذي ساد وسيطر ضمن التجربة الاشتراكية على حساب أكبر وأرقى مفهومين وحقين للبشر وهما الحياة والحرية. وفي جانب آخر من كلام الأستاذ فرحات يقع هو نفسه في حال من التعسف حين يرد على كلام الأستاذ مروّة عن الإرهاب باسم الإسلام الذي هو آفة العصر، ويسأل إذا كان لم ير ما فعلته اسرائيل بلبنان والفلسطينيين وما فعلت الولايات المتحدة في هيروشيما وناغازاكي و... من المستغرب ان يذكر الكاتب بديهيات كرد فعل على فكرة، وهي بديهيات لا يمكن لأي شخص مهما كان رأيه السياسي إلا ان يراها ويقر بها، فهل من جديد حول ممارسات اسرائيل في لبنان وفلسطين، والولايات المتحدة وقنبلتيها الذريتين... وماذا بعد يا أستاذ؟... هل يجب أن نغض النظر عن هذه المنطقة من العالم التي نعيش فيها والتي تصدر الإرهاب والانتحاريين إلى كل بقاع العالم؟ ستقول لي طبعاً ان أميركا هي التي رعت الإرهاب والأنظمة الاستبدادية في المنطقة... سأوافقك الرأي، ولكن اسمح لي بأن أضيف وأقول ان هذه ليست ممارسات ثابتة في سياسة تقوم على المصالح كالسياسة الأميركية التي قد تفرض تعاملاً من نوع آخر في زمن آخر بحسب ما تملي عليها المصالح، خاصة انها تضررت واكتوت بنار الإرهاب الدولي في أيلول 2001. طبعاً أميركا لا تتوانى عن سلوك طرق لا أخلاقية في خدمة مصالحها ولنا معها تجارب في ذلك، ولكن ما نراه اليوم من خلايا إرهابية سلفية متشددة تكتشف يومياً في مناطق عربية كثيرة ليس إلا وليد الفقر والتخلف والحياة الاجتماعية المتردية وتدني مستوى التعليم وغيرها من الظواهر التي كرستها الأنظمة والتي قادت بالشباب العربي إلى سلوك طريق التطرف والتنظيمات الإسلامية المتشددة، واسمح لي بان اقول لك ان أميركا ليست المسؤولة بالتأكيد عن تدمير صرحين معماريين حضاريين كبرجي التجارة العالمية، وليست المسؤولة عن تفجيرات كينيا ومدريد ولندن والدار البيضاء والرياض وغيرها...ولسنا بحاجة إلا لوقفة قليلة مع النفس لنرى ونعترف "أن دود الخل منه وفيه". وعن العمليات الانتحارية (العنف الثوري) نسأل الكاتب ومن يتبنى فكرته حول هذا الموضوع من الجانب الميداني: ما الجدوى من التفجيرات التي تطال تجمعات ومراكز مدنية (مطاعم وحافلات اسرائيلية وغيرها) كالتي قامت بها الفصائل الفلسطينية المسلحة في ذروة الانتفاضة، وماذا كان مردودها على فكرة الانتفاضة ومكاسبها، ناهيك عن الجانب الأخلاقي والمبدأ الإنساني الذي يرفض قتل المدنيين، وهل ما زلتم تتبنون فكرة زوال اسرائيل من الوجود وإلقاء اليهود في البحر؟ إن المستقبل كما نراه لا بد وان يكون لدولتين فلسطينية وإسرائيلية.. اسرائيل أمر واقع وهذا للأسف ما لم تستطع الأصوليات الإسلامية وميلشياتها المسلحة وما لن تستطيع الاعتراف به، ففي ذلك الاعتراف والقبول بالتسوية وحدود 1967 تخلٍ عن أهم مرتكزاتها الإيديولوجية العقائدية، كما حزب ولاية الفقيه الذي يتحفنا في عروضه العسكرية بشعارات "يا قدس قادمون" مما يعني أن المعركة لن تقف عند مزارع شبعا، وهي معركة برأيه ذات أولوية على حساب لبنان ومشروع بناء دولته الذي لم يكتمل، ولنا في مغامرة خطف الجنود الإسرائيليين في تموز 2006 وما جر ذلك على لبنان من خراب لن ينهض منه قريباً خير دليل على ذلك، ويبدو لنا أن احتمال "ما بعد بعد حيفا" سيبقى قائماً دوماً. أضف إلى ذلك أن انقلاب حماس الدموي في غزة خير دليل على ما يمكن ان تجره الأفكار الثورية العنفية في ظل غياب فكرة الدولة ومرتكزاتها والعمل السياسي والديبلوماسي والمدني لبناء الدولة والمؤسسات، وتحرير الأرض المحتلة الذي أعادت الأعمال الانتحارية اللا مجدية عجلته زمناً طويلاً إلى الوراء، وهي عمليات تختلف جذرياً عن العمليات التي قامت بها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في الثمانينات ضد العسكريين الإسرائيليين، قبل ان يتم احتكار المقاومة بيد فصيل واحد، ولن ننسى عمليات التصفية التي تعرض لها قياديون ومفكرون ومقاومون في الحزب الشيوعي اللبناني وغيره... وبقية القصة يعرفها السيد فرحات. الجميل ان الأفكار تتغير عند البعض وهو تغير طبيعي ما دام عن قناعة وباتجاه اكثر انفتاحاً وديموقراطية، ولكن هذا التغير الإيجابي يعتبره الأستاذ ألبر فرحات مأخذاً على الأستاذ كريم حول كتابه "المقاومة" ويترك تفسيره للقراء.. ولذلك كقارئ سأستشهد بنص من مقدمة "البيان الشيوعي" لماركس وإنغلز في طبعة عام 1872 وهذا ما لا أحبه، ولكنني اضطررت له لاعتقادي ان الأستاذ فرحات لن يطعن به، ويقول النص حرفياً: "إن البيان نفسه يوضح ان التطبيق العملي لهذه المبادئ يخضع دائماً في كل مكان للشروط التاريخية المحددة، فنحن إذاً لا نعلق أية أهمية على التدابير الثورية التي افترضناها، ولو كان لنا ان نعيد كتابة هذا المقطع اليوم لكتبناه بشكل مختلف"، والباقي للقراء وللسيد ألبر. وختاماً لمقالي هذا، وكيساري ديموقراطي أقف أمام دعوته لأن يتصدى أهل اليسار لدعوات "اليسار النيوليبرالي" وأقول: ما أجمل اليسار حتى لو اعتبر البعض تسميته بالنيوليبرالي تهمة أو شتيمة (وهي تسمية بحاجة إلى نقاش طويل ولنا عليها تحفظات كثيرة) حين يتحلى بفكر نقدي يكسر أصنام المقدسات واللغة القاتلة التي تقود إلى الهلاك الفكري والسياسي، يسار جديد قدم لنا أمثال سمير قصير وكريم مروة وغيرهم بتراثهم ومقالاتهم وكتبهم وشكلوا بكتابتهم ملامح لفكرٍ نهضوي ٍ ديموقراطي علماني لا يزال قيد التأسيس ولا يبدو انه سيرى النور قريباً في ظل سيطرة فكر كارثي لا يريد الاعتراف بالتغيرات التي حصلت في مستوى المنطقة والعالم إن على مستوى الأنظمة والشعوب المغيبة نتيجة الاستبداد، وإن على مستوى النخب الثقافية والسياسية (والأستاذ ألبر فرحات ومن يحمل خطابه من ضمن هؤلاء للأسف)، وهؤلاء انزلقوا بقصد او بدونه إلى مصاف السلفيات التي تريد تأبيد خطاب أصولي والدفاع عنه سواء كان ماركسياً او إسلامياً أو قومياً، في عصر صار المقدس والخط الأحمر من موروثات وتراث ماضٍ تليد، عصر لا مقدسات فيه إلا حرية الإنسان وحقه في الحياة وهي القيم العليا التي يجب الدفاع عنها في مواجهة كل ما يعيق عجلة تقدم البشرية على مستوى النظرية والممارسة. * كاتب سوري النهار (26 08 2007) |
|
||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||