تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Monday August 28, 2006 الساعة 01:27:48 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

شؤون ثقافية

حوار مع "فخذ" يساري آخر: عن يسار طوائف الغضب

طلال خوجة

كان مفاجئا أن يكون مهاتفي كريم مروة، وهو من جيل يساري آخر ومن "فخذ" ماركسي أكثر احمرارا باعتباره كان جزءا من المنظومة التي كان يحمل ختمها السيد الأمين العام في موسكو، إلى جانب بعض الشيفرات (codes)، قبل أن تتهاوى هذه المنظومة ومن ثم تنهار في العشر الأخير من القرن الماضي بعد أن طبعته بطابعها باعتبارها أحد وجهي عملة الحرب الباردة، وينهار معها بالطبع ختم الأمين العام بعد أن يستعيد الروس شيفراتهم من السوفيات، ومن ثم يسبح الكون في رأسمالية أميركية معولمة، قال عنها فوكاياما بلغة تستنسخ بعضا من مفردات فلسفة يريد دفنها إنّها نهاية التاريخ، مقدما عنصر تصادم جديد، أسماه هانتنغتون صراع الحضارات وهو ما ساهم في صعود الأصوليات ونمو الأرهاب، إرهاب الدول (أو لنقل غطرستها) وإرهاب المجموعات.

أنا أنتمي إلى جيل مال يسارا بعد أن صدمته الهزيمة بوجهيها، القومي والتنموي، وإلى فخذ ماركسي، أزعم أنّه كان أكثر مرونة، فبالرغم من المتعة التي أنعشتنا في "10 أيّام هزّت العالم" والتي وقفنا فيها مع "المناضل الأممي" جون ريد إلى جانب لينين وتروتسكي في معهد سمولني ودخلنا مع البلاشفة وبحارة أورورا إلى قصر الشتاء في بطرسبورغ حيث صفقنا لأيزادورا وهي تراقص العمال بينما كان إيليتش يصرخ في مجلس الدوما "كل السلطة للسوفيات"، إلاّ أنّنا كنّا نسير بعضا من خطوات الألف ميل مع المارد الأصفر ونرشق مع الفيتكونغ قبّعة جون واين الخضراء بالبندورة في صالات السينما "الفخمة" في بيروت وطرابلس، كما أنّنا وقفنا مع ألّلندي وماركيز والكاردينال الأحمر ضد الكولونيل ومن يكاتبه في أميركا اللاتينيّة متحدّين المطر في سانتياغو (مع المعذرة من تشافيز وأصدقائه في الشرق).

كنّا نتنسّم الحريّة النسبيّة في مناخ التنوّع اللبناني وكنّا نقف ضد كل ديكتاتور حتّى لو كان عظيما كعبد الناصر، وهو على الأقل حاول تحمّل الهزيمة، لذا قرأنا ابن رشد والكواكبي وأمين معلوف وثرثرة فوق النيل إلى جانب الرأسمال وما العمل وغرامشي، كما غنّينا مع الشيخ إمام غيفارا "مات آخر خبر في الراديوهات" مستعيدين صورة المناضل الرومانسي الذي تحوّل إلى أيقونة، خصوصا مع ثورة الطلاب في فرنسا والتي ألهمت طلاب اليسار اللبناني والحركة الطلابيّة اللبنانيّة بشكل عام حيث شكّل التنافس الديموقراطي النسبي رافعة التطوّر لهذه الحركة بينما كانت أخواتها العربيات ترزح تحت الخطط الخمسيّة وشعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

 إنّ موقع لبنان الخاص ساهم بتكوّن رافد آخر من روافد الحركة اليساريّة والحركة الديموقراطيّة عموما، وهو ما أعطاها طابعا أكثر حداثة، عنيت به الرافد الأوروبي عموما والفرنسي خصوصا، لذا قرأنا هوغو وزولا ووقفنا مع ثوار الكومونة رغم تحذيرات كارل ماركس الصادقة، تماما كما وقفنا مع الثورة الفلسطينية رغم أنّها فاضت كثيرا عن قدرة لبنان على التحمّل.

لم أكن قد التقيت "بالرفيق" كريم منذ 82 وهي المرة الوحيدة التي التقيته (وهو على كل ينتمي إلى جيل أكثر عتقا). كان ذلك في لندن حين أوفدته الحركة اليسارية لإلقاء بعض الكلمات ولقاء بعض القوى والشخصيّات البريطانية، لم يكن ذلك صعبا نظرا لمكانة اليسار اللبناني وحيويّة الموضوع الفلسطيني في الرأي العام والصحافة البريطانية التي ما فتئت تردد أسطورة فتيان الأر بي جي الذين أوقفوا "التساحال" في المتحف، وكم كان كن ليفنستون، رئيس اتحاد بلديّات لندن، سعيدا كالطفل في خطف مقابلة لجريدة الجناح اليساري في حزب العمال (tribune) مع "الثائر" اللبناني.

كان كريم قد انقطع عن الكتابة التي كان يعبر عبر مطولاتها عن أرق فكري ضخّمه انهيار المنظومة، وهمّ نضالي ثلاثي الأبعاد، يتقاسم ذلك مع رفاق آخرين ضاقوا ذرعا بأداء حزب "الطبقة العاملة"، خصوصا بعد استشهاد رفيق الحريري وانتفاضة 14 آذار. وقد شكّل اغتيال سمير قصير في أعقاب انتخابات بيروت وجورج حاوي في أعقاب انتخابات طرابلس ضربة قاسية ليساريي الحركة الإستقلالية الوليدة، خصوصا أنّ الأوّل شكّل نقطة جذب شبابية واعدة بينما شكل الثاني دعامة جسر نضالي مع الماضي، علما أنّه كان أحد مطلقي حركة المقاومة، إلى جانب رفيقه في منظّمة العمل، محسن ابرهيم الذي شكلت مداخلته الرائعة في أربعين جورج بارقة أمل لكثير من اليساريين وغير اليساريين، خصوصا أنّه كان سبّاقا ورفاقه في إطلاق حركة نقدية شاملة (أعادت المداخلة التذكير ببعض عناوينها) ظلت قاصرة على الانتشار مع قعقعة سيوف المذاهب، لذا لم يكن غريبا أن يرى محللون سياسيون كسركيس نعوم وغيره في عودة "أبي خالد" ومداخلته دفعا يساريا ضروريا لانتفاضة الأرز بالتباساتها المذهبيّة، وهي على كلٍ التباسات ستشكل نقاط الضعف والقوة في آن في مجتمع شكل تنوعه تاريخيا جسر عبور نحو حداثة لطالما اصطدمت بجدران البنية السياسية وامتداداتها الاقليمية والدوليّة.

تلك هي الاشكالية التي تجعل الوطن الصغير متأرجحا بين الحداثة والحريّة من جهة والتخلّف والتبعيّة من جهة أخرى، وهو ما ينتج حالة الحرب الأهلية الباردة أحيانا والحامية أحيانا أخرى.

إنّ تأييد ومشاركة اليساريين والديموقراطيين والعلمانيين في الانتفاضة هي انحياز إجمالي لقضايا الحداثة والحريّة والسيادة والتنوّع وليست بالطبع شيكا على بياض لقادة الطوائف في 14 آذار ووسطائهم. فهم لايستطيعوا حتّى وإن أرادوا الإنتقال من تطبيق الطائف بطريقة متوازنة تفتح على المواطنة إلى نظام المواطنة الكامل، أي النظام العلماني الديموقراطي، ولنا في بعض التعيينات، خصوصا في الجامعة اللبنانية عيّنة من أداء وسطاء قادة الطوائف، وبعض الشعارات وطريقة وأماكن انتشارها ليست منافية للحداثة فقط، بل أنها تدفع للتقزز في بعض الأحيان، حتّى لتكاد تستنسخ بعض أساليب المرحلة السابقة.

طبعا من السذاجة الاعتقاد أنّ "تدفّق" اليساريين (المترددين والمنكفئين) نحو انتفاضة الإستقلال سيعدل بميزان القوى داخلها بشكل جذري، وهذا بسبب من التباساتها المذهبيّة التي "لولاها" ربّما لاندفعت بعض القوى السياسية المرتبطة بمحور إقليمي معيّن بشكل أسرع نحو مزيد من المغامرات المدمّرة (والتي ما زال خطرها كامنا بقوّة)، كما كان ممكنا أن تفلت قوى التطرّف في كل مذهب من عقالها، كما نشهد في أماكن أخرى.

ولنا في موضوع فتح الإسلام خير مثال على ذلك، فهي وإن كانت تتشكل أساسا من أشخاص جلهم تكفيري وأكثريتهم خدعوا أو غرّر بهم، الا أن القضية برمتها تبدو مرعيّة إقليميّا وتستهدف الحركة الاستقلاليّة أوّلا وأساسا. وربّما تضيء مراجعة مواقف القوى السياسيّة في الضفتين بعض الجوانب. فقد شكلت مواقف سعد الحريري وسماحة المفتي ورئيس الحكومة غطاء ضروريا لقرار الحكومة وأداء الجيش والقوى الأمنيّة في تنفيذه. ولنا في مشاهد دعم أهالي مثلث الغضب بما فيهم "الملتحين" للجيش خير دليل على ذلك (رغم ما يحمله بعض هذا الدعم من مضمرات عنصريّة ومذهبيّة أكيدة). بالمناسبة لقد اقترح بعض ظرفاء طرابلس أن تدفن جثّة أبي هريرة في فناء دار أحد قادة 8 آذار مّمن حاولوا إنقاذ عناصر فتح الإسلام (حقنا للدماء!!).

على المقلب الآخر يجري توظيف القضية بما يبدو كأنّه توزيع أدوار. فمن جهة يحاول العونيّون استعداء المسيحيين على السنّة عبر اختراع علاقة لتيار المستقبل "بالتطرّف" السنّي ومن ثمّ تضخيم مسائل كالجمعة العظيمة وحقوق الطفل والتلاعب بموضوع التهميش، وصولا إلى فزّاعة أسلمة لبنان (ودخول بعض المطارنة على الخط!) بينما "يتصدى مسيحيو 14 آذار" وسمير جعجع بالمقدّمة لهذا الموضوع رغم حساسيته بموضوعيّة مستخدمين الأحداث (تسلّم مواقع فتح الانتفاضة، عين علق..) والأرقام (الأمن الداخلي، شرطة المجلس..).

على خط آخر أخذ تأييد العونيين (اللفظي) للجيش والمترافق مع اتهام الحكومة (!) منحى استعدائيا للفلسطينيين (مع تناغم متناقض من قبل أحزاب 8 آذار المتعاونة مع قوى التحالف الفلسطيني في تضخيم موضوع المدنيين الفلسطينيين دون أي تعليق لكوارثهم، نتيجة هجوم حماس وارسائها سلطة الحزب الواحد في غزّة). مجددا سمير جعجع يصرّح بأن الصراع اللبناني الفلسطيني أصبح وراءنا ويشيد بمواقف السلطة الفلسطينية الداعمة لموقف الحكومة اللبنانية. وردا على مناشدة وليد جنبلاط وتحذيره السيّد نصرالله من نتائج استمرار بؤرة فتح الإسلام، خصوصا أنّها تكفر الشيعة (العرقنة)، وضع السيّد خطين أحمرين حول الجيش والبارد، سرعان ما أطاح الجيش بقرار من الحكومة بالخط الثاني، محافظا من جهة على المدنيين والتي تسعى الحكومة لإغاثتهم ووضع مخطط إعمار مخيّمهم بما يليق بالعلاقة العضوية بين "الشعبين المقاومين" ولكن بما يمنع من اعادة المخيّم بؤرة توتر دائم ومحطّة عبور نحو الترهيب والتهريب والإرهاب.

هكذا أطاحت قوى 14 آذار بمحاولات الشرخ بين اللبنانيين والفلسطينيين من جهة وبين الجيش وحكومته من جهة أخرى (رغم التصريحات الفرديّة المتقطعة التي هي جزء من النكهة اللبنانية الرئاسية). وقد عكست انتخابات المتن فشلا نسبيا (امتدت لغة التطرف إلى الضفة الأخرى مع تسجيل نجاح أهل المتن في الاحتكام بأشراف الحكومة وأدواتها الامنية لصندوقة الإقتراع) في استدراج المسيحيين عموما والموارنة خصوصا لشعارات الأسلمة والتهميش التي كانت تهدف أساسا للتعمية على التحالف مع أحزاب المحور الإيراني السوري وفي مقدمهم حزب ولاية الفقيه، لذا بدا استحضار بعض الجمعيات الإسلامية ومنهم حزب التحرير التي أخذت علما وخبرا في السنة الماضية والتي تشكل نسبة صغيرة غير عنفية في المجتمع السنّي في محاولة للموازنة مع حزب الله وغيره مثيرة للشفقة، خصوصا بعد أن أعلن الأمين العام أنّه المعني الأوحد "بالدفاع" عن لبنان وربّما عن الأمة (لا نعرف اذا كانت العربيّة أم الإسلامية أم الفارسية). فرغم قدرة وامكانية وصلابة حزب الله بمواجهة العدو، الاّ أنّ طلاّت الأمين العام باتت بمفاجآتها تفاجىء أكثرية اللبنانيين أكثر ما تفاجىء إسرائيل بالنظر لتداعيات هذه المفاجآت على كلا الكيانين، خصوصا أنّ العدو يدرس اخفاقاته ويشهد تماسكا اقتصاديا بعد عدوان تمّوز، بينما طلائع حزب الله ما تزال تمنع التنفس في الوسط التجاري، مشكّلة مع فتح الإسلام "duo" متناغم "موضوعيا" في منع انتعاش الإقتصاد اللبناني الذي جهد أربابه في الحصول على هدنة المئة يوم قبل أن تفاجئهم الحرب على لبنان في البارد والتي تخللها التفجيرات الإرهابية واغتيال النائب عيدو.

طبعا لم تفعل مداخلة الرفيق محسن في أربعين جورج فعلها في أوصال الحركة المقطّعة رغم الإنتعاش الموقت، إذ سرعان ما عاد إلى أحضان غودو من جديد، مستهولا ربما حجم الصعاب والتعقيدات والتناقضات والمذهبيات والهجمات الإقليمية المرتدة، والتي على يساري من طراز محسن ابراهيم أن يمشي بين تلابيبها بعد أن كان يقبض مع الراحل ومن قبل مع الرفيق كمال بيك على ناصية من نواصيها، مع أنّه كان ورفاقه أوّل من التقطوا اشاراتها ما بعد خروج الختيار المزدوج من بيروت أولا بعد اجتياح العدو ومن طرابلس والبارد (إيّاه!) ثانيا بعد اجتياح الشقيق بواسطة أبو موسى والعملة (وقد أعاد هذا الشقيق اجتياح طرابلس" بواسطة" أحزاب الخط العلمانيّة بشقيها "القومي والماركسي" فاستبدلت هيمنة جماعات التوحيد بهيمنة سوريّة).

قد حلا للبعض، إمّا عن سذاجة أو عن سوء نيّة، الحديث عن إمكانيّة إنشاء إمارة إسلامية في طرابلس من قبل فتح الإسلام، مستعيدين سيطرة التوحيد على المدينة. والحال أنّ التوحيد صعدت مؤقتا من رحم الصراع السوري الفلسطيني بعد خروج أبو عمّار، وهي رغم تشددها وهيمنتها المرفوضين، ألاّ أنّها بالنهاية جماعات طرابلسية من بينها فئات ناضلت في صفوف اليسار كمجموعة عكاوي التي تدرّجت من الغضب إلى المقاومة الشعبيّة قبل أن تستدرج كغيرها من الأحزاب إلى الصراع السوري الفلسطيني، بينما جرى توريد فتح الإسلام إلى البارد في سياق الحرب المستمرة على لبنان وفي محاولة لدفع الغضب السنّي.

لا شكّ في أنّ نشوء الأحزاب والحركات القوميّة واليساريّة أتى ردا على التخلّف والتبعية في العالم العربي وعلى خلفية حركة النهضة في النصف الأوّل من القرن العشرين، خصوصا بعد النشوء الكارثي للكيان الصهيوني باعتباره أعلى تجلّيات السيطرة الغربيّة في منطقة تعج بالنفط والتاريخ والجغرافيا، إلا أنّ وصول بعضها إلى السلطة وتماهي البعض الآخر مع هذه السلطة، ومن ثمّ لجوئها إلى الإستبداد حجب عنها منطلقاتها النهضوية ففشلت بسبب غياب الحريّة والرؤيا في التنمية والتحرير معا.

بالعودة إلى مهاتفي فقد انتابني نوع من الرضى حين علمت أنّ الرفيق كريم قرأ مقالي "يساري في هذا الزمان المذهبي" الذي صدر في "النهار" في سلسلة من ثلاث مقالات بعد حرب تموز وهي هدفت بالأصل لاستثارة النقاش في الأوساط اليساريّة والعلمانية، وقد شابها بالطبع التباسات كثيرة، خصوصا أنها ترافقت مع اصطفاف مذهبي أعقب استدارة نصرالله نحو قلب بيروت لتثمير انجازه داخليا، مغامرا بالطائفة الصابرة جنوبا مرتين، على حد قول الشيخ الطفيلي وعلماء وفعاليات شيعية متنوّعة، وملوحا لحليفه الجنرال بمكاسب سياسية تعينه داخل الطائفة "السيادية" المنقسمة، ممّا أدّى بالطبع إلى إغضاب الطائفة السنيّة التي اتهم قياداتها "بالخيانة" وهي التي لطاما تسامحت مع مواقف استفزازية كثيرة لحزب الله بالنظر لعدائها المستحكم للكيان الصهيوني واستطرادا لداعمته المطلقة الولايات المتحدة (وهو ما ترجم دعما "فائضا" لعبد الناصر والفلسطينيين وانخراطا مبكرا في المقاومة الوطنية قبل تشييعها). ألم يؤد مهرجان الوفاء لسوريّة في 8 آذار في أعقاب استشهاد الرئيس الحريري المفجع إلى دفق غير مسبوق في انتفاضة 14 آذار؟ طبعا ليست الطائفة السنيّة، خصوصا في المثلّث الشمالي، هي الغاضبة الوحيدة مع أنّ روافد غضبها تبدو أكثر سطوعا وتنوعا، هنا تتساوى في التهميش الذي نشأ في عهد الوصاية أو تزيد مع "التهميش المسيحي"، ولا يستطيع الضجيج العوني وغيره حول "حكم الحريري" في عهد الوصاية أن يخفي الحصار الشديد الذي تعرّض له قبل تفجيره، حتّى أنّ قانون 2000 قد فصّل لتحجيمه وحليفه الجنبلاطي، باعتبار أنّ معظم قادة المسييحين كانوا إمّا مغيبين أو محجّمين أصلا. على كل إنّ "منع" الانتخابات الرئاسية سيؤدّي ليس الى تهميش المسيحيين فقط بل إلى ضرب اتفاق الطائف والجنوح نحو المثالثة أو ربما اذا ما تأزّم الصراع الايراني الأميركي إلى الإنفجار الذي سيحول غضب الطوائف إلى كوارث.

حينها سنرى نوعا مختلفا من "غضب" الطائفة الشيعية التي وان تقدم كثير من شرائحها المدعومة في العقدين الأخيرين بعد تهميش طويل ممّا نفخ الادارة العامة، إلاّ أنّ أكثريّتها دفعت ثمن الاحتلال الأسرائيلي وتداعياته مضاعفا وتدفع مع الآخرين ثمن مشروع خامنئي "لهزيمة" أميركا في لبنان (لماذا ليس في الجولان المحتل؟)، خصوصا أنّه مقبوض عليها من حزب "إلهي" يظن أنّه قادر على القبض على البلد وتعديل توازناته لصالح المحور الإيراني السوري، مع أنّه يعلم أنّ كل الطوائف إلهيّة في لبنان، بما فيها الطائفة الأرمنيّة الكريمة التي وصل غضب "طاشناقها" ليس على الدخول المتفجّر على خط الصراع الماروني الماروني فقط (وهو خيار ديموقراطي حر) بل وصل غضبه إلى حد مطالبة والد الشهيد الشاب بالإعتذار لمجرد أنّه انتقد الأداء السياسي والإنتخابي لحزب "الطاشناق" في لحظة غضب.

كيف على يساري من ذاك الزمان، قرأ محفوظ وجبران ودرويش وطرب للرحابنة والعندليب وموستكي وأحبّ المجنونين دالي وريمبو أن يمشي يسارا في عواصف الغضب هذه؟

كيف الحفاظ على غنى التنّوع في محميّة لبنان الجاذبة والمساهمة في عقلنة هذا الغضب ومنع انفجاره في خضم الأزمات الإقليمية ومن ثمّ الخروج من فكي الكمّاشة؟ ومع أن تنّوع لبنان هو قوة له وللعروبة المنفتحة على الحداثة والديموقراطيّة لكنّه يتناقض مع الاستبداد والشموليّة من جهة والعنصريّة الصهيونيّة من جهة اخرى.

اليساريون والديموقراطيون والعلمانيّون يخترقون نخب كل الطوائف والمذاهب، ومع ضرورة التمسك بثوابت الانتفاضة ألاّ أنّهم لا يجب أن يشكلوا طائفة "إضافيّة" حتّى يكونوا قادرين على إيضاح وتوسيع دائرة التلاقي بين الطوائف والأطياف الغاضبة من كل الضفاف. وطبعا هذا يفترض عدم التماهي مع قادة الطوائف الذين سيصبحون في معارضتهم الديموقراطية الحتميّة عند استقرار الكيان على تسوية طائفيّة متوازنة تزيل من منسوب القلق الكياني، تمهيدا لفتح الآفاق نحو الحداثة السياسية المستندة على المواطنة والغاء الطائفية السياسيّة.

قد يبدو الطرح نظريّا، ولكن ما البديل؟ هل ننتظر غودو؟ فلا الطوائف (مع أنّها إلهية) ولا قادتها ولا اللاعبون الاقليميون والدوليون ينتظرونه، أمّا عن "الحياد" والقوة الثالثة فقد قلنا عن أصحابها إنّهم إما واهمون أو انتهازيّون وفي الحالتين هم ملتبسون ومعظم فئاتهم إما التحقت بحلف حزب الله أو طواها النسيان.

تبقى بعض النقاط المضيئة في اللوحة اليساريّة المظلمة، فقد عاد الرفيق كريم (بعد أن استأذنني! بنشر المقال إلى جانب مقال الرفيق مقلد وآخرين في مجلاّت عربيّة ودوليّة) إلى مطوّلاته وإن من باب ذكرياته النضاليّة التي لا تخلو من الإمتاع.

طبعا ليست كل الردود وديّة وبعضها لا يخلو من الطرافة، ففي ندوة حول مشروع قانون الإنتخابات أشرت فيها الى أنّ السيد فؤاد بطرس وصحبه عملوا في مناخ ديموقراطيّة أعداد الصواريخ (أضاف نصر الله لغز أنواعها مؤخرا)، ردّ أحد أعضاء لجنة الصياغة بأنّني من أصدقاء المحافظين الجدد!

لا أستهدف في هذه العجالة إيجاز مراجعة نقديّة ليست من اختصاصي، ولطالما كانت المراجعات الجديّة مكلفة في لبنان، فقد تعرضّت المنظّمة التي انتميت لها لانتفاضات عند كل مراجعة جديّة، حتّى قيل متى ينشق محسن عن ابرهيم. لقد تفككت المنظّمة "عمليا" حين طالت مراجعتها في أواخر القرن الماضي جميع روافدها الفكرية والثقافيّة والنضاليّة، رغم صوابيّة برامجها الاجماليّة واستشعارها المبكر والفريد لمجمل الأخطار الكيانيّة التي نتخبّط فيها الآن.

لقد ظنّ الرفيق عبود أنّنا نهلوس حين وصلت مراجعتنا إلى كارل ماركس وديالكتيكه وكأننا نناقش الكتاب المقدّس، هذا في وقت كانت الرأسماليّة المعولمة تدوس صعودا كلّ مقدساتها مخترعة أنبياء جدد. أمّا الحزب الشيوعي فقد حاول الإختباء وراء عصبيات ومصالح وشعارات ظهر فيها كأنّه طائفة إضافيّة لا تخلو من الغضب، سرعان ما بدأ يدفع؛ خصوصا حين "التبس" موقفه من الإنتفاضة، الثمن تهميشا وتفككا لا تنفع معه المراهنة على عودة القاذفات الروسيّة الإستراتيجية، فهي تدور في مدار القياصرة الجدد المنتشين بروائح النفط والغاز ولا تدور في مدار البلاشفة القدامى.

لقد التجأ اليساريون والديموقراطيون التائهون إلى قوى المجتمع المدني (بما فيها النقابات المهنيّة) الصاعدة مع نشوء العولمة، خصوصا بعد تدهور النقابات العماّليّة والقبض على اتحادها وزجّه مع بعض روابط القطاع العام في أتون الصراع الأهلي تحت ستار الحفاظ على الحقوق والمكتسبات، ومنع الإصلاح الضروري لتنشيط الإقتصاد، إذ أن مع انهيار الاقتصاد ستنهار لاحقا الحقوق قبل المكتسبات ومن ثم نرتاح من التنظير حول طريقة توزيع الثروة بعد فقدانها مما يذكّرني بصديق في السبعينات، سألني أين بنيتم الاشتراكية؟ أجبته في اليمن الجنوبي، قال لي وهل تشتركون بتوزيع الرمل على الجماهير؟ وبعدها بقليل بدأ قادة الحزب الإشتراكي بتوزيع الصواريخ.

وأخيرا آمل أن يعمد كريم والرفاق الآخرون والأصدقاء والمهتمون إلى التعاطي النقدي مع هذه الخواطر نحو مزيد من انغماس النخب اليساريّة والديموقراطيّة والعلمانيّة في المعمعة السياسيّة التي ستحدّد مصير الأرض التي عليها نقف على أن نخفّف من الندب واللطم والسلبيّة ونكثر من النقد والإنغماس والإيجابيّة في مقاهينا ومنتدياتنا الكثيرة، على أن نلتفت أيضا إلى قضايا النمو والتعليم والصحّة والاجتماع وبالطبع الإقتصاد وكل ما يتعلّق بإعادتنا إلى ركب الحداثة.

النهار (26 08 2007)

 

مقالات ذات صلة

 

دفاعاً عن الثقافة التي تمجّد الحياة (كريم مروة)

ثقافة المقاومة وثقافة الهزيمة (ألبير فرحات)

مخاطر السلفية اليسارية (عبد الحلاق)

حوار مع "فخذ" يساري آخر: عن يسار طوائف الغضب (طلال خوجة)

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى