تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Tuesday August 29, 2006 الساعة 12:36:48 AM

تحليل إخباري

خفايا من مدوّنة الأحداث لا تبرّد «النيات الساخنة»

«مئوية» البارد: الجيش ينتصر... فمن يحصد؟

... وفي اليوم المئة على معارك مخيم نهر البارد وما جرى على هامشها من اشتباكات متنقلة ومطاردات أمنية، لم يعد ممكناً الاستنتاج أن أشرس المعارك التي خاضها ويخوضها الجيش اللبناني ناتجة ببساطة عن «حادث مرتبط بضبط عصابة سرقت مصرفاً»، لأن النتيجة كانت دموية أكثر مما يتوقع أحد، وكارثية في الجانب الاجتماعي والإنساني، ومربكة في الجانب السياسي في ظل التفسيرات المتناقضة التي أعطيت لها والمبنية على تبادل الاتهامات تزامناً مع تبادل القصف في ساحة المعارك، فبدا الجيش مكشوفاً في السياسة إلا من بيانات التعاطف الذي كان حجمها الشعبي كفيلاً بأن يؤمن الغطاء الكافي للخطوات التي اتخذها الجيش، فتشكّل مزاج لبناني عام قفز فوق كل الحساسيات السياسية ورسم إطاراً رادعاً لبعض الشائعات التي انطلقت في الأسابيع الأولى للمعارك وهدفت للإيحاء بانتقال الانقسام اللبناني إلى داخل مؤسسة الجيش التي كانت منشغلة باستراتيجية من خمسة عناوين:

1. الخطة العسكرية لمواجهة غير تقليدية مع مجموعة ظهر في ما بعد أن المعطيات الأمنية عنها كانت قليلة جداً، خصوصاً في ما يتعلق بعددها وانتشارها وخلاياها ومدى تأثيرها في الشارع، وحجم ونوعية سلاحها وطرق قتالها واستعداداتها اللوجستية التي تبين أنها كانت مكتملة بالخنادق والدشم وطرق الإمداد، وأنها منظمة تمتلك استراتيجية محددة رسمت كل مخططها على أساسها.

2 - عزل مخيم نهر البارد ومعاركه ونتائجها المتعددة بشرياً ومادياً عن كل الساحة اللبنانية، وخصوصاً المخيمات الأخرى.

3 - «تأمين الظهر» وحماية السلم الأهلي من خلال ضبط الوضع الأمني في كل لبنان الذي كان يشهد، بغض النظر عن حجم الصدفة، مزيداً من الإرباكات المتنقلة من أقصى الجنوب بالاعتداءات على «اليونيفيل» إلى تخوم مخيم عين الحلوة فالعاصمة بيروت والجبل والبقاع وصولاً إلى طرابلس التي كانت تترنّح تحت وطأة حركة خلايا نائمة تتنقل بين أحياء المدينة ومحيطها، إضافة إلى تداعيات كانت تلوح في الأفق عن تحول مشكلة النزوح من البارد إلى إشكالات يومية في البداوي ومحيطه. فضلاً عن الإلحاح على الجيش في توقيت محدد لضبط الحدود، وتأمين انتشار أمني واسع في المدن والقرى لفض النزاعات المستولدة من خلفيات سياسية، وتأمين حماية الاستحقاقات المختلفة التي تبدأ بالمباريات الرياضية ولا تنتهي بالانتخابات الفرعية...

4 - تأمين الدعم اللوجستي لوحداته من أسلحة وذخائر وتموين، وكذلك تأمين عدد كاف من الجنود لملء الفراغ في عدد من المناطق التي اضطر إلى سحب بعض وحداته منها للقيام بمهمات في مناطق أخرى، فضلاً عن عبء التزام الإصابات التي وقعت في صفوفه بين شهيد وجريح لمجندين جدداً وقعوا على «عقد وظيفي» يحرمهم من الحقوق الوظيفية بعد انتهاء العقد. وكانت العقبة الرئيسة التي واجهت الجيش أن معظم أسلحته الثقيلة نفدت ذخيرتها، بينما كانت بعض الآليات تستخدم كمرابض فقط على محاور القتال ومن دون قدرة على الحركة بسبب قدمها ودخولها في معظم جيوش العالم «لائحة الأنقاض» التي تتحول إلى أهداف للرماية...

5 - إبعاد الجيش ومعركته في البارد عن كل الصراعات السياسية في لبنان وفك الارتباط بين المهمة الأمنية وبين التأويلات المتعددة، والاستفادة من حجم الالتفاف الشعبي حول الجيش لمواجهة محاولات استثمار إنجازاته في البارد وخارجه.

عندما انطلقت الرصاصة الأولى في شارع المئتين ومنطقة الزاهرية في طرابلس قرابة الثالثة والنصف فجر يوم الأحد في 20 أيار، أي بعد نحو 13 ساعة فقط على خبر حصول عملية سلب في فرع مصرف البحر المتوسط في بلدة أميون في قضاء الكورة شمالي لبنان ظهر السبت في 19 أيار، بدا أن الحدث أكبر من مداهمة عادية، وأن المتهمين وسرعة انتشارهم في رقعة جغرافية واسعة أكبر من أن يشكلوا عصابة سرقة للمصارف، وهم الذين تمكنوا في الدقائق الأولى للمعركة من السيطرة على عدد من الشوارع والأحياء.

بعد دقائق من الرصاصات الأولى نحو شقة مجمع «روبي روز» السكني الفخم في المئتين، كان المسؤول العسكري في حركة فتح الإسلام في مخيم نهر البارد شهاب قدور الملقّب بـ«أبو هريرة» يجري اتصالاً «متوتراً» من داخل المخيم مع بلال دقماق في طرابلس، وهو أحد مساعدي الشيخ داعي الإسلام الشهال الذي يُنسب إليه تأسيس التيار السلفي في لبنان، قبل أن يصبح السلفيون تيارات متعددة ومختلفة في ما بينها أحياناً:

÷ بلال... السلام عليكم...

ـ وعليكم السلام...

÷ معك أبو هريرة...

ـ نعم أبو هريرة...

÷ وينك؟...

ـ حبيبي...

÷ في مجموعة إلنا محاصرة بشارع المئتين... وأمن المعلومات فيها...

ـ نعم...

÷ اتّصل بأشرف ريفي.. وقل له.. قسماً بالله سيحرق طرابلس على اللي فيها... فاهم؟... هلّق... هلّق بتتّصل فيه...

ـ حكيت مع الشيخ شي؟..

÷ عم رنّ له وما عم يردّ... هلّق بتتّصل وإلا الحواجز يللي هون رح اطلع اضربها وافتح معركة طرابلس...

ـ خير إن شاء الله... خير...

÷ هلّق بدّك تردللي خبر...

ـ ماشي يللا... اعطني ربع ساعة بس...

÷ أقلّ.. ما فيني.. يمكن يشتبكوا هلّق... ممكن يكون تحت فيه اشتباك بالمئتين...

ـ بأسرع وقت ممكن إن شاء الله رح اتصرّف... السلام عليكم...

÷ توكّل على الله...

لم يكن يدري أحد أن «أبو هريرة» لن ينتظر طويلاً، فقام مع مجموعة من عناصر «فتح الإسلام» بالتسلل المباغت إلى مواقع الجيش اللبناني المنتشرة حول مخيم نهر البارد حيث كان الجنود نائمين مطمئنين إلى عدم وجود أي توتر مع أحد من داخل المخيم ومن بينهم «فتح الإسلام»، وقد أوعزت لهم قيادتهم قبل ثلاثة أيام فقط بتخفيف الإجراءات والسماح بإدخال مواد البناء كترجمة لحالة الاطمئنان إلى عدم وجود أي تشنّج. وارتكبت المجموعة مجزرة بحق هؤلاء الجنود، لتنطلق بعدها معركة البارد المستمرة حتى استسلام أو مقتل من بقي من المسلحين، بعد أن كان الجيش قد قدّم في بدايتها تسهيلات كثيرة لتسوية تلغي اضطراره لخوض معركة شرسة يلاحق فيها المسلحين إلى الرقعة الأخيرة داخل المخيم الذي بات أطلالاً ورماداً...

منذ اليوم الأول للمعركة، بدا أن المخفي من الأحداث يتجاوز المشهد، فثمة من بدأ يحرّض سرّاً على النزوح إلى أن قررت الأونروا الخروج من المخيم بعد خمسة أيام فقط، فبدت تلك إشارة واضحة إلى أن الآتي أعظم، وبدأت قوافل النازحين تخرج من «مخيم أبناء شمال فلسطين» إلى الشقيق الأصغر مخيم البداوي لملء استمارة النزوح الجديد من «الرقعة البدل» عن «الوطن الضائع».

ومع كل يوم كان النزوح يتواصل وتتعزز القناعة لدى من بقي بأن المعركة ستطول، إلى أن أعلن وزير الدفاع الياس المر في 21 حزيران وقفاً ملتبساً للعمليات العسكرية بعد أن أحكم الجيش اللبناني قبضته على ما كان يعرف بالمخيم الجديد. لكن المعارك تواصلت في ظل اختفاء كل من «أمير» فتح الإسلام شاكر العبسي ونائبه «أبو هريرة» مما طرح تكهنات متناقضة حول وفاتهما مع قياديين آخرين أو تمكنهما من الخروج. وفي 24 حزيران عادت طرابلس إلى الحدث الأمني مجدداً مع تمكن الجيش من القضاء على إحدى الخلايا التي تحصّنت في مجمع الشهّال في منطقة أبي سمراء. وبعد أربعة أيام فقط تمكن الجيش أيضاً من القضاء على المجموعة التي كمنت لجنود قرب القلمون والتي كانت تتحصن في إحدى المغاور في بلدة قلحات ـ الكورة.

أما في البارد فكانت ضراوة المعارك تطحن الآمال وتزيد من التشاؤم وتقضي تباعاً على كل المبادرات للتوصل إلى تسوية كان عنوانها «الحفاظ على كرامة الجيش وهيبته... والحفاظ على ما تبقى من مخيم البارد».

وبينما كانت المعارك تستنزف كل المساعي كانت «أربعينية» البارد دموية في البداوي عندما حاول النازحون تنظيم عودة إلى البارد فسقط في تلك المحاولة قتيلان وأربعون جريحاً.

تواصل النزف، وتم في 11 تموز إجلاء كل المدنيين وبينهم قيادات وعناصر الفصائل الفلسطينية وعائلاتهم من غير عائلات مسلحي فتح الإسلام. وفجأة أخرج المسلحون بعض ما في جعبتهم، فأطلقوا صواريخ الكاتيوشا نحو خارج المخيم بعد يومين فقط من خروج الفصائل. ومع سقوط كل المبادرات بقي تحرّك رابطة علماء فلسطين يتيماً، لكنه استطاع ملء الفراغ، ووضعت الرابطة مبادرة من سبع نقاط لم تجد طريقها إلى التنفيذ إلا في بعض التفاصيل من بعض البنود، بسبب الخلاف الذي ظهر بين الفصائل على مسألة تشكيل اللجنة الأمنية التي ستتولى الأمن داخل المخيم ودورها والصلاحيات المنوطة بها، فتوغّل الجيش لأول مرّة إلى داخل المخيم القديم وسلك الطريق نحو حسم المعركة المستمرة حتى اليوم في آخر جيب ممتد على مسافة لا تزيد عن 200 متر طولاً ومثلها في العرض، وهو بات قاب قوسين أو أدنى من إنهاء المعارك بعد أن ارتاح من عبء المدنيين من عائلات المسلحين الذين تم إخراجهم قبل أيام.

مع قرب إنهاء «ظاهرة فتح الإسلام»، كانت هذه الحركة قد ظهرت «بالتقسيط» وعلى مرحلتين:

الأولى بعد الحادث الأمني في 23 تشرين الثاني بين اللجنة الأمنية وبين مجموعة أصولية مجهولة الهوية السياسية في مخيم البداوي، تبين أنها تضم فلسطينيين وسعوديين تم تسليمهم إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية وعثر في شقتهم التي يستخدمونها على كتب وأقراص مضغوطة تحتوي محاضرات دينية وفتاوى تكفيرية لـ«الشيعة الروافض» و«النظام السوري» و«الأنظمة العربية العميلة لأميركا». والثانية بعد ثلاثة أيام فقط (26/11/2006) بإعلان العقيد الطيار شاكر العبسي من موقع «صامد» الانقلاب على حركة فتح ـ الانتفاضة والاستيلاء على مكاتبها ومواقعها في مخيم البارد وإنشاء حركة فتح الإسلام.

استقطب موقع «صامد»، الذي اتخذه العبسي مقر قيادة لتنظيمه الجديد، سياسيين ورجال دين ومشايخ ورؤساء تنظيمات وتيارات إسلامية يحملون «عروضاً» من هذا الزعيم أو ذاك ومن هذه الجهة أو تلك. وتحوّلت غرفة قاعة الاستقبال الصغيرة في مركز صامد إلى موقع لإعلان «البيعة» من أفراد ومجموعات، ولتأكيد «التحالف في الدين» من بعض «المشايخ» ورؤساء تيارات إسلامية وجدت ضالتها في ظهور فتح الإسلام التي لم تكن قد تبلورت إيديولوجيتها الفكرية الإسلامية... أقله بشكل علني.

كانت «فتح الإسلام» تقوى شوكتها على ثلاث قواعد: الأولى في «الهالة» الكبيرة التي أعطيت لهم داخل المخيم، والثانية في «حسن السلوك» الذي كان سمة تلك العناصر، والثالثة في «الهجمة» اللبنانية على المستوى السياسي نحوهم والتقرّب منهم. فهيأ تشابك المصالح هذا الحضور القوي لـ«فتح الإسلام» التي «قضمت» القسم الأكبر من المخيم.

أما لبنانياً فبدا أن إنشاء هذا التنظيم أمّن مصالح الكثيرين، خصوصاً أنه جاء متزامناً مع تصاعد وتيرة التوتير المذهبي الذي زخّم الحالة الإسلامية السنية، وخصوصاً التيارات السلفية على تعدد مجموعاتها و«إماراتها» وارتباطاتها.

للأسف، لم يعد موجوداً على قيد الحياة، ولا بمتناول اليد، أي من أولئك المسؤولين في حركة فتح الإسلام الذين يفترض أنهم يملكون «ورقة التأسيس» للحركة وأسرارها ومن كان وراء قيامها وتمويلها، لتشفي أجوبتهم غليل السائلين بإلحاح، ولتضع حداً لسيل التكهنات والاتهامات المتبادلة حول تنظيم إسلامي مات عن عمر لا يتجاوز الثمانية أشهر لكنه كان أكبر من كثير من التنظيمات التي يعتقد أنها متجذرة في التاريخ وبين الناس. ومع أن الجيش قدم لهذا الإنجاز الكبير بالإمكانات المتواضعة ثمناً كبيراً، إلا أن ثمة معركة أخرى ستواجهه في السياسة لأن ثمة من سيسعى سريعاً لحصد نتائج هذا الانتصار واستثماره في السياسة...

لكن، قد يكون من حسن الحظ أيضاً أن يدفن هذا الملف تحت أنقاض البارد، لعل ذلك يكون كفيلاً بتبريد «النوايا الساخنة» تحت رماد السوق القديم في المخيم الذي كان سوقاً للفقراء المنتشرين من الضنية إلى طرابلس فالبداوي ودير عمار والمنية وبحنين، وامتداداً إلى العبدة والمحمرة وببنين... وكل دسكرة من قرى عكار التي ستبحث طويلاً الآن عن سوق جديد للفقراء... وحتماً ليس في أي مخيم...

خضر طالب

السفير (27 08 2007)

 

مزيد من المقالات

27 08 2007

 

النبض السياسي يتسارع .. والمساعي تتراجع.. والمواجهة حتى الآن حتمية!

حكاية «المؤتمر الإقليمي» لأجل لبنان قبل اصطدامه بـ«المعطلات»؟

خفايا من مدوّنة الأحداث لا تبرّد «النيات الساخنة»

«مئوية» البارد: الجيش ينتصر... فمن يحصد؟

المقاومة وإسرائيل... استعداد يومي للمنازلة الكبرى

الصيــف والحــرب

الإطار التوافقي على الاستحقاق والمرشح محور التحركات الفرنسية والعربية

التلويح بالخيارات القصوى لا يعكس المواقف النهائية للأفرقاء

واشنطن تمسك بخيوط الخيارات والحراك القائم إشغال للفراغ بانتظار الضوء الأخضر الأميركي

واشنطن تعارض زيارة كوشنير لدمشق

وايجابيات وسلبيات في مهمة كوسران

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى