تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Wednesday September 06, 2006 الساعة 01:02:51 AM

دراسات

إعادة غزو العراق: الحرب الأهلية ـ تجارة تطهير نفط (2)

طارق الديلمي

«إن اليد الخفية في السوق، لا يمكن أن تعمل بمعزل عن القبضة الخفية، ماكدونالد لا يمكنها أن تقوم بنشاطها بدون ماكدونيل دوغلاس ـ مصممة الطائرة إف ـ ,15 وهي القبضة الخفية التي تحافظ على تقنيات وادي السليكون».

من مقالة توماس فريدمان ـ 28 آذار 1999 في نيويورك تايمز.

في نقده الصارم لكتاب إيريك مايلانش «أصول الرأسمالية وصعود الغرب» يؤكد كريس هارمان على أهمية التفريق بين خطين لتفسير هذا الصعود في الغرب وارتماء الشرق بعدها في أحضان الاحتلال والتبعية. الأول الذي حدده إيمانويل والرشتاين، في نظريته حول دور النظم السياسية العالمية في هذا المضمار. والثاني الذي طرحه روبرت برينر، حول دور «اضطهاد العمل الحر» في تسعير الثورة الاجتماعية وتطورها السياسي ـ الاقتصادي.

ميلانتس، يحدد الخط الثالث الذي يعطي للتجارة أهميتها الخاصة وارتباطها مع تطور القانون الدستوري في المناطق التي بدأت فيها هذه التجربة الفريدة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار وجهة النظر هذه وصلتها المباشرة مع النظرية التي طرحها «فوزي منصور وزميله سمير أمين»، في «خروج العرب من التاريخ»، وتأكيدهما على أن المجتمع العربي الإسلامي لم يتطور نحو الرأسمالية في العصر العباسي الذهبي، بسبب ضعف التجارة البعيدة المدى وعدم وجود قانون دستوري في الحكم، لعرفنا بالضبط الدوافع الأكيدة والمركزية وراء الحرب والاحتلال على العراق، وقيام أميركا فوراً بتدمير الدولة والمؤسسات المدنية والعسكرية والاقتصادية في البلاد.

وبالرغم من أن أكاذيب وتخاريف ومغالطات، بعضها وطني عراقي!!، الكثير من مراكز البحث والمعاهد حول«الخطأ» القاتل الذي اقترفته أميركا بخصوص ذلك، فإن الوقائع تشير إلى العكس تماماً.

إن إدارة بوش، ومن ورائها المحافظون الجدد، تعرف جيداً ماذا تفعل، إن «الارتكاسة» التي حدثت في اندفاع «الاقتصاد السياسي الأميركي» نحو الاحتلال الكولونيالي في أفغانستان والعراق، تتناسب عضوياً مع ضرورة «الارتداد» بهذه المجتمعات الى ما قبل «النظام الرأسمالي» في كل المستويات.

وإذا أصابنا الميل الساخن نحو تأكيدات ميلانتس حول دور التاجر في العصور الوسطى في تكوين البدايات الأولى للنظام الرأسمالي، فإن هذا الدور ما زال قائماً بالرغم من الصراخ السخيف حول العولمة واختلاطاتها السياسية والعسكرية.

ميلانتس، ببساطة، يؤكد على أن العولمة كانت قائمة منذ فجر الإمبراطوريات في التاريخ، وكان التوأم دائماً التاجر والبندقية! وإذا عرفنا الدور المركزي الذي انغمس فيه المجتمع الصناعي ـ التجاري ـ العسكري في التحضير للحرب والاحتلال، وأن الطاقة الجيونفطية هي الهاجس المفصلي لهذا التحضير والتنفيذ، فسيكون من نافل القول التأكيد دائماً على اللعبة المزدوجة في العراق، التجارة والنفط وكيف يمكن إدارة هذه الشبكة المعقدة من العلاقات والقوى.

ويمكن أيضاً العثور على الصيغ المتعددة التي طرحت، عملياً، وما تزال تطرح من أجل تحقيق المشروع برمته. وبالمقدور أيضاً معرفة الشكل «الانتخابي الاحتلالي» الديموقراطي في إيصال المجموعات الطائفية والعرقية إلى الحكم، والانعطاف بعدها، ومن خلالهم كأدوات رخيصة وسهلة، إلى تفجير الحرب الأهلية وإدارتها. إنه النفط، إنه التجارة.

وإذا كنا قد سلطنا الضوء سابقاً على دور العديد من الشركات العالمية، ومنها النفطية ، في الحراك السياسي العراقي، فإن هذه الشركات لها أدوار مختلفة في العملية السياسية التجارية. فالنفط هو المركز الذي تدور حوله كواكب الاحتيال والإعلام والأكاذيب والسرقة والقتل والتعذيب.

وقبل الغوص في «الموضوع» الأساسي في المناقشة المطروحة لا بد من الإشارة إلى معلومات هامة ولها الزخم في تجديد التحليل وتأصيله.

كثر الحديث في السنوات السابقة عن دور «لنكولن غروب» في الإعلام والدعاية للحرب والاحتلال في العراق. وعن الجهود التي بذلت والأموال التي دفعت للمئات من الصحفيين العراقيين والعرب وفي العالم من أجل تجميل وجه الاحتلال وتبشيع المقاومة الوطنية ضد الاحتلال وتشويه الحركات المناهضة للحرب والاحتلال.

وتمت الإشارة إلى بعض العلاقات قبل الاحتلال وبعده بين قسم من رموز الاحتلال العراقية وبعض الشركات العالمية والأميركية الناشطة في مجال الإعلام والعلاقات العامة، وتم التأكيد على نموذج الجلبي وعلاوي والقيادات الكردية في هذا الشأن كثيراً.

والآن يتم تكرار نفس المسألة ولكن في إطار جديد، ومحتوى نادر من حالة التجارة في عالم السياسة والنفط والاحتلال.

منذ سنة والصحافة والإعلام والوكالات مشغولة بالصراع السياسي في العراق! من ضمن الحالة العامة للاحتلال ومن خلال ما يجري تسميته بالعملية السياسية.

وطرحت خلال هذه الفترة ، والأمر جار أيضاً، مختلف التصورات للإطاحة بحكومة المالكي وتشكيل وزارة بديلة. وكانت الخيارات متعددة ومختلفة. فمنها 1/ الانقلاب العسكري، ومنها 2/ التغيير الديموقراطي عن طريق البرلمان!

وترافق ذلك مع ضغوطات علنية، دائرة تلفزيونية مباشرة بين بوش ودمى الاحتلال، حول الإسراع في تحقيق المصالحة الوطنية، «انهاء لجنة اجتثاث البعث» و«توقيع قانون النفط والغاز» لإعادة توزيع الثروات الوطنية بصورة عادلة وذلك من أجل إطفاء حرائق الاختلافات والحرب الأهلية!!

تشير المعلومات الواردة من مختلف «الشركات» العاملة في هذا الشأن الشائن!!! أن هذه المؤسسات نهبت «الملايين من الدولارات ومن مصادر مختلفة من الإدارة الأميركية» أو «الهيئة العسكرية والسياسية» المشرفة على الاحتلال، والحكومات المتعاقبة العميلة إلى معظم القوى والكتل والأحزاب والقيادات السياسية والدينية والعرقية والطوائفية.

ويمكن الإشارة إلى غيض من فيضها يتمثل في:

1/ شركة زينيث في ميشيغن، يملكها ويديرها العراقي محمد العمري، وله علاقات مباشرة وغير مباشرة مع جبهة التوافق العراقية والحزب الإسلامي تحديداً، وقد قبضت الشركة مبلغ 100 ألف دولار من أجل تسويق دعايات هذا الحزب والاتصال مع المؤسسات الأميركية من خلال اللوبي، لورين مونرو من أجل تطوير «العملية السياسية» وإطلاق سراح المعتقلين، وتشجيع المفاوضات مع الاحتلال وهي قسم من شروط جبهة التوافق للرجوع إلى الوزارة، وقسم منها أيضاً هو جزء من شعارات بعض المؤتمرات التي أريد لها أن تعقد في بعض العواصم العربية بغية تشجيع الولايات المتحدة على الخروج من العراق والحفاظ على ماء الوجه ـ مصالحها النفطية طبعاً!

2/ شركة كليري غوتليب ـ ستين ـ هاملتون، حيث وقعت عقداً بمبلغ 2 مليون دولار مع وزارة المالية العراقية ـ باقر صولاغ، وذلك من أجل إعادة جدولة وتصحيح ماليتها وديونها!!

3/ شركة باربر- غريفيث ڤ روجرز، وهي مؤسسة مهمة للعلاقات العامة والتي تحتوي على العشرات من الشخصيات الأميركية المتألقة في ميادين السلطة السياسية والإعلام والاقتصاد والشؤون العامة. ومنهم روبرت بلاكويل مساعد كوندليسا رايس السياسي ومندوبها إلى العراق والذي أشرف على مسيرة العملية السياسية وكذلك «فيليب زيليكوف» مساعد رايس «أيضاً» الاستراتيجي، ومهندس المشاريع المتعددة للحروب والاحتلالات والتجارة في العالم وفي المنطقة خصوصاً. استثمر العديد من الزعماء مئات الألوف من الدولارات في هذه المؤسسة لتسويق نشاطاتهم السياسية وأهمية دورهم في الحفاظ على العراق المحتل واستقراره. ودفعت حكومة «محمية الكرد» تحت الاحتلال الأميركي مبالغ طائلة من أجل تسويق سياستها، فقط حوالى نصف مليون دولار منذ بداية السنة الجارية وإلى الشهر الخامس، والدفاع عن مواقفها والتصدي لمنتقديها!

وعلى غرار هذا توجد العشرات من الشركات، وهي لا تقاس طبعاً بالشركة النفطية العالمية (شل) والتي تمكنت من الرجوع إلى العراق وإلقاء القبض مرة ثانية على أهم حقوله النفطية بصورة سياسية ودستورية وضمن آلية «العملية السياسية».

كانت الشركة منذ 1925 منخرطة في الاستثمار النفطي في العراق وحصتها تمثل 75,23٪ من شركة نفط العراق. خرجت من العراق بعد تأميمات 1972 الوطنية.

وحاولت الرجوع بعد حرب ,1991 وأثناء الحصار، تمكنت من شراء 40٪ من عقد الشركة الاسترالية بي اتش بي. الذي وقعته مع الحكومة العراقية في عام 1997 من أجل تطوير حقل الحلفاية الجنوبي.

وقفت صعوبات جمة في وجه طموح الشركة وفقدت منذ تلك الفترة وإلى عام 2003 حوالى 4.35 مليارات برميل من النفط من سيولتها العالمية (20٪ من الطاقة).

هذه الأزمة دفعتها إلى اللجوء فوراً بعد الحرب في آذار 2003 ، لاستعمال علاقاتها الخاصة في إقناع رئيس الوزراء توني بلير بمنحها عقود النفط في العراق. وكان المساعد في ذلك هو وزير الخارجية السابق، مالكولم ريفيكند، في وزارة جون ميجور المحافظة. أعطيت لها الوعود الأكيدة، وسارعت الإدارة الأميركية إلى إرسال، فيليب كارول، رئيس فرع الشركة في أميركا، وذلك للإشراف على وضع الصناعة النفطية العراقية بعد الاحتلال. وساهم بجزء أساسي في كتابة «التشريع النفطي للإنتاج والاستثمار» والذي قدم إلى حكومة الدمى في نهاية عام 2003!

وقد جندت الشركة كل علاقاتها الاقتصادية والسياسية والإعلامية في سبيل بناء «هيكل» أساسي لاستثمارها القادم في العراق. وقعت عقداً لمعاونتها في هذا النشاط مع أهم لوبي صناعي تجاري في أوروبا اسمه: «الطاولة المستديرة للصناعيين الأوروبيين». وكذلك دفعت مبالغ طائلة ورتبت عدة عقود مع أهم مركز لأبحاث الطاقة في أميركا والعالم، وهو آي تي آي سي، مركز الاستثمار والضرائب العالمي، وذلك للقيام بدراسة مفصلة حول استراتيجية تطوير واستثمار الحقول النفطية في العراق. دفعت هذه الدراسة إلى الحكومتين البريطانية والاميركية.

وكانت الدراسة قد توصلت إلى أهمية إعادة إعمار الصناعة النفطية بشكل جديد، يسمى «اتفاقيات مشاركة الإنتاج».

أعطيت من قبل السفير البريطاني في بغداد هذه الدراسة إلى الحكومة في كانون الثاني/ 2005 (أثناء الانتخابات الأولى!!) . وسارع الدبلوماسيون الاحتلاليون إلى عقد مؤتمر لمؤسسة آي تي آي سي، في بيروت في نفس الوقت وذلك للتأكيد على مقترحات المشروع، بحضور مندوبي كبار الشركات النفطية والموظفين المهمين في وزارات النفط والمالية والتخطيط.

وبالتعاون مع شركة، بيرينغ بوينت، حيث كتبت مسودة كاملة لمشروع استثمار النفط والغاز، وبالتعاون مع الحكومتين البريطانية والأميركية وصندوق النقد الدولي والشركات النفطية. وكتبت هذه الشركة ومن وراء ظهر جميع دمى الاحتلال مشروع مسودة قانون النفط والغاز وبالتواطؤ مع موظفين كبار في وزارة النفط.

سرب هذا القانون من قبل عبد الإله قاسم الأمير، مستشار في مكتب المالكي إلى بعض المختصين بشؤون النفط والإعلام، في حزيران .2006 وقد طرحت عدة نسخ منه. وبعدها وصلت نسخة منه، رسمياً إلى الوزارة، حيث طرحها المالكي في شباط 2007 لتتم الموافقة عليها شكلياً وإرسالها إلى مجلس النواب العراقي.

ومنذ ذلك الحين، تم ظهور عدة نسخ من هذه المسودة، مع إجراء تغييرات جوهرية في بعض بنودها، وظهور أو اختفاء بعض الملاحق المهمة أو بعض المواد في هذه الملاحق.

سيكون للشركات النفطية، وفي المقدمة شل، دور في شفط النفط العراقي لمدة 30 سنة قادمة. وسيكون لها استثمار 60 حقلاً، من مجموع 83 حقلا، وبعد حسم كل المصاريف للشركات في عمليات إعادة الإعمار والاستثمار والإنتاج والتسويق والتصدير .. الخ، سيكون لها 20٪ من صافي الأرباح أي 70٪ من الأرباح الأصلية.

ومؤسسة آي تي آي سي، تحضر الآن وبالتعاون مع (شل)، لعقد مؤتمر يربط بين الاستثمار النفطي ودور الشركات الأمنية الخاصة في حماية مشاريعها الاستثمارية في العراق. وقد هيأت الشركة مسودة مشروع لمناقشة أهمية إعفاء الشركات النفطية الكامل من الضرائب حيث يكمل هذا القانون، قانون النفط والغاز الأساسي.

أسست شركة (شل) مركزاً صناعياً ـ تجارياً إعلامياً لها في دبي، وذلك لإدارة عملياتها في العراق. وضعت على رأسه موظفاً هولنديا من أصول عراقية. وفتحت أبوابها للعراقيين من أبناء العائلات المعروفة في ميادين السياسة والتجارة والأخلاق. و أكملت هذه المؤسسة دراستها المفصلة عن حقول النفط في ميسان وكركوك والرميلة المتاخمة للحدود مع الكويت.

وقد أسست أيضاً مشروعاً ضخماً لاستثمار الغاز في مدينة مسقط العمانية في بداية هذا العام 2007 ويترأس هذه المؤسسة الوزير السابق عصام الجلبي، ونائبه الموظف الحالي الكبير في وزارة النفط، عبد الجبار الوكاع. وبعدها عقدت (شل) اجتماعاً لاحقاً في هولندا، حيث تمت الموافقة على أن يكون الجلبي مستشاراً خاصاً لرئيس الحكومة المالكي، وقد تم التفاهم الأولي بين شركة الغاز هذه والحكومة التركية، على مشروع بناء أنابيب ضخمة لنقل الغاز العراقي من مختلف الحقول (كركوك ـ الجنوب) إلى شمال العراق وعبر الموانئ التركية إلى البلدان الأوربية!

وعملت شركة (شل) على تنفيذ اجتماعات مشتركة بين مندوبيها وكبار الموظفين في تركيا وأميركا في استانبول، وذلك كما صرح الرئيس التنفيذي للشركة «جيروين فان درفير» «لقد قمنا بكل واجبنا البيتي حول العراق».

في 7 آب المنصرم وصل المالكي إلى أنقرة. المفكر لاكان، يقول، في مثل هذه الحالة، اٴن المتخيل هو دعم تركيا للعملية السياسية والمالكي بالذات. الرمزي هو عقد اتفاق لمواجهة تحديات حزب العمال في شمال العراق. أما الواقعي فهي الاتفاقيات حول الغاز. لكن لاكان لا يعرف بالطبع أن المهندس عبد الجبار الوكاع قد اختطف مع العشرات من كبار الموظفين في وزارة النفط في 14 آب المنصرم ولا يعرف مصيرهم لحد الآن.

السفير (04 09 2007)

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى