"غياب الرئيس الماروني يمس العيش المشترك والشرعية"
مطر لـ"النهار": البطريرك لن يسمي أي مرشح
الكنيسة ترفض الفصل بين الثلثين وحضور الجلسة
لا ينفك البطريرك الماروني الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير والاساقفة
الموارنة يكرزون يوميا في موضوع الاستحقاق الدستوري، مشددين على وجوب
اجرائه بأي ثمن، رافضين فكرة الفراغ الرئاسي أياً تكن الذريعة.
من هذه النقطة ينطلق رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر في
حديثه الى "النهار"، ويستذكر إنهاء جميع قادة روما خطبهم زمن الحرب
بين روما وقرطاجة بعبارة: "يجب اسقاط قرطاجة"، ليقول: في لبنان يجب ان
ينهي جميع المسؤولين اللبنانيين خطبهم بعبارة: يجب انتخاب رئيس جديد
للجمهورية"، موضحاً ان "الكنيسة التي تبنت نصاب الثلثين، تشترط ايضا
حضور النواب جلسات الانتخاب، وهو شرط بمثابة دعوة ملحة موجهة الى
النواب المسيحيين، والموارنة منهم تحديداً.
ويوضح ان الكنيسة المارونية تخشى بشدة حدوث فراغ رئاسي، والاخطر الحديث
عن احتمالات ما بعد الفراغ الرئاسي، والكلام على سيناريوهات وحكومتين
او حكومة انتقالية. ويقول: "لا نقبل حتى بالتفكير في انه لن يكون لنا
رئيس للجمهورية، وفي دخول متاهة ما بعد الفراغ. نرفض ان نبدأ بالحديث
عن مرحلة ما بعد عدم الانتخاب، لانه كلام مضر. علينا ان نحذر الحديث عن
مرحلة ما بعد الفراغ، لانه ليس مسموحاً. فهو يعني خراب لبنان".
قبل اسبوع من اول يوم استحقاق، أي في 19 ايلول الجاري، سيجتمع الاساقفة
الموارنة بعد عودة البطريرك الماروني من روما لتوجيه نداء ايلول
السنوي، ويقول مطر ان هذا النداء "سيضعه البطريرك، ويتدخل الاساقفة في
النص، كما في كل بيان شهري، ليكون نداء نابعاً من الجميع. والامور
مرهونة بأوقاتها، وتتطور بسرعة. لكن نداء ايلول يمكن ان يقول امورا
اكثر وضوحاً بسبب التطورات".
ويشدد مطر على رؤية الكنيسة وعلى رأسها البطريرك الى الاستحقاق من
زاويتين، تحدث صفير عنهما اكثر من مرة "وهما متلازمتان لا يمكن الفصل
بينهما اطلاقاً، اي نصاب الثلثين، وضرورة المشاركة الحتمية في جلسة
الانتخاب”.
ويوضح مطر ان "البطريرك حدد امرين ثابتين، اولاً ان النصاب لعقد جلسة
انتخابية سيكون الثلثين بالاستناد بداهة الى قراءة نص الدستور. فالمادة
49 من الدستور، تنص على ان اي فائز يجب ان يحصل على ثلثي اصوات المجلس.
فكيف سيحصل على هذه الاصوات ان لم يكن اصحابها موجودين في المجلس".
لذلك يكون الثلثان النصاب القانوني. وهذا الموضوع لم يطرح سابقا لانه
لم يكن في ذهن احد منذ تاريخ تأسيس الجمهورية ألا يحضر النواب جلسة
انتخابات رئيس الجمهورية. وفي انتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجية، كان
النواب التسعة والتسعون حاضرين جميعاً، لذا قال البطريرك ان من الضروري
ان يحصل المرشح على ثلثي الاصوات في الدورة الاولى، والا توجب حصوله في
الدورة الثانية على الاكثرية المطلقة.
اما النقطة الثانية التي يحددها البطريرك، فهو ان استحقاق انتخاب رئيس
للجمهورية، واجب ضميري ووطني على كل نائب. ولا اتصور ان اي نائب قادر
على جعل الانتخاب مستحيلا. ولا اعتقد ان ثمة جمهورية في العالم يمكن ان
يحصل فيها هذا الامر. حتى في تركيا انتخب رئيس للجمهورية بعد كل
المشاكل التي واجهت الانتخاب".
يستعيد مطر ما قاله البطريرك في موضوع النصف زائد واحد ليعيد التأكيد
على وجوب تحاشي الفراغ لاسباب يفصلها تباعا، محذرا من مفاعيلها. ويشرح:
"سيدنا البطريرك قال: اذا اتخذ اي قرار بعقد الجلسة مباشرة بالنصف
زائداً واحداً، فان ثمة فريقا سيعتبر القرار غير دستوري. واذا خالفت
الاكثرية الدستور، فان ذلك سيعطي الأقلية الحق في مخالفة الدستور ايضا.
فهل يمكن ان نجد انفسنا امام رئيسين وحكومتين؟ لقد حذر حاكم مصرف لبنان
من التبعات الاقتصادية لعدم انتخاب رئيس جديد ومن انعكاس ذلك على صورة
البلاد في الخارج. واضيف ايضا موضوع القوة الدولية المعززة في الجنوب،
والتي تتعامل مع حكم ومع رئيس، فاذا لم يعد لدينا رئيس ولا حكومة فمع
من ستتعامل هذه القوة؟ واذا وقع اي حادث مع اسرائيل، فمن سيمنعها من
الاعتداء علينا، اذا لم تكن القوة الدولية موجودة؟
الطبيعة لا تقبل بالفراغ، واذا انهارت الجمهورية، فما هو البديل؟ هل
يكون الوطن الذي نعرفه واسمه لبنان والذي ناضلنا من اجله 1500 سنة، ام
وطناً غيره؟".
وبين الاستحقاق والفراغ ونصاب الثلثين، ثمة من يسأل: لماذا لا يسمي
البطريرك مرشحه وينهي الجدل؟ يجيب مطر: "يحاول بعضهم الطلب من البطريرك
ان يسمي، والبطريرك يقول ليس دوري ان اسمي. واذا راجعنا تاريخ
الجمهورية منذ البطاركة الياس الحويك وانطون عريضة وبولس المعوشي
وانطونيوس خريش، نلاحظ ان أياً منهم لم يسم اي رئيس. فلماذا تلقى
التبعة على البطريرك صفير، كأن الموارنة او اللبنانيين غير قابلين أن
يلتقوا، وهذا لا يعطي صورة جيدة عنهم، وعن قدرتهم على الحوار وبناء
الوطن؟ يحكى اليوم كثيرا عن الوصايات، من الشرق ومن الغرب، والكنيسة لا
وصاية لها على المجتمع المدني. دورها ان تقول الحق وان تسعى الى
المحافظة على روح الوطن، ولكن على السياسيين ان يتحملوا المسؤولية
السياسية، والوصاية تعني ان الآخر قاصر، فهل المسؤولون اللبنانيون او
الموارنة قُصّر؟ لا نستطيع ان نعلن ان جميع السياسيين اللبنانيين باتوا
في حكم القصّر كي تكون ثمة وصاية كنسية عليهم".
"مبادرة بري لبتّ التمنيات"
تولى مطر من خلال لجنة الاساقفة اجراء حوار مع الزعماء الموارنة، وزار
رئيس مجلس النواب نبيه بري ايضا في اطار محاولة التوصل الى منافذ للحل،
يقول: "كانت هناك لجنة أسقفية وشددنا لدى الزعماء الموارنة على عدم
التشنج وعدم الاحتكام الى السلاح، بل الى الديموقراطية. وكل منا بحسب
موقعه مسؤول عن إنقاذ بلادنا من الكارثة، لحرصنا على اخراجها من
المأزق. واليوم تنحصر المساعي لدى سيدنا البطريرك وجميع الافرقاء
يزورونه من "التيار الوطني الحر" الى مرشحي "قوى 14 آذار" وحزب "القوات
اللبنانية". بكركي هي الصوت الجامع بالنسبة الى اللبنانيين، فكم بالحري
بالنسبة الى الموارنة؟ وليس المطلوب ان نصبح نسخاً بعضنا عن بعض، بل ان
يقبل بعضنا بعضنا الآخر وان نحتكم الى الديموقراطية. وكيف نوفق بين
الديموقراطية والتوافق؟ الديموقراطية التوافقية تحتاج الى قواعد والى
حوار، وهذا هو الاهم. علينا ان نخلق دينامية معينة من خلال الحوار".
وعن مبادر الرئيس بري الاخيرة وزيارته المؤجلة في استمرار لبكركي يقول
مطر: "تربطنا علاقة بالرئيس بري وهو من قدامى الحكمة، ونحن ككنيسة
لدينا علاقات بالجميع، وقد تحدثنا عن امور الوطن، وكنا متوافقين على ان
الاستحقاق الرئاسي يجب ان يمر بسلام. قال الرئيس بري في بعلبك ان
المشاورات ستكون اولا مع البطريرك صفير، وهذا امر مرهون بوقته. ولا
مشكلة في اللقاء، فتاريخ 25 ايلول هو تاريخ بداية الاستحقاق وليس
نهايته. ومن الضروري التريث، والرئيس بري طرح مبادرته، ويجب ان يعطي
الجميع رأيهم من اجل ان نتقدم عمليا في اتجاه الحل العملي".
وتابع: "عند استقالة وزراء "حزب الله" و"امل"، قلنا ان الطائفة الشيعية
بكاملها اصبحت خارج الحكومة، ولم يكن دورنا ان نحدد على من تقع مسؤولية
هذا الامر. الحكومة دبرت الاوضاع ولم تترك البلاد في فراغ، ولكن وضع
الحكومة لم يعد طبيعيا، وكان يجب ان نجد حلا لهذا الوضع. ومرّ الوقت
ولم يجدوا حلا للموضوع الحكومي. أما اليوم فلا احد يقدر على تأليف
حكومة خلال الفترة القصيرة المتبقية، فضلاً عن ان الانتخابات الرئاسية
ستتبعها حتما استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، فما الذي يمنع ارجاء
تشكيل الحكومة حتى انتخاب رئيس جديد؟ مع العلم ان لانتخاب الرئيس اهمية
كبرى في خلاص البلاد. ونعرف ان ثمة شرعية حكومية ممسوسة في شكل او في
آخر، بسبب عدم تمثل الطائفة الشيعية في الحكومة فحسب، ولكن اذا لم
ينتخب رئيس جديد فان الطائفة المارونية أيضاً لن تكون ممثلة على مستوى
الحكم، وهذا مس بالعيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين وبالشرعية. فمن
يتحمل هذه المسؤولية؟ نحن لا نتخوف على الوضع الماروني بل على الوضع
اللبناني برمته. هل يخسر الموارنة وحدهم اذا راحت الجمهورية ودستورها
وحرياتها وتاريخ نضالها وانسانيتها، الن يخسر السنة والشيعة؟ واعود الى
مبادرة الرئيس بري، فاقول ان تأخير تشكيل الحكومة الى ما بعد انتخاب
رئيس، جاء بمثابة تلبية لتمن كنا جميعا نؤكد عليه".
وكيف يمكن ان يحصل تلاق بين قول رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد
جنبلاط ان نصاب الثلثين بدعة وموقف الكنيسة المتمسك بالثلثين؟ يجيب:
"المشكلة ان ثمة قراءتين لموضوع النصاب الدستوري، الاولى دستورية
والثانية سياسية، وهما لا تجتمعان ولا تنفصلان.
يقول بعض نحن لا نستطيع ان نصبح اسرى الثلثين، منطلقين من ان المادة 49
تقول بوجوب حصول المرشح على ثلثي الاصوات من المرة الاولى، ولكن
النصاب ليس مذكورا في النص، وهذا يعني ان النصاب ليس هو المقصود. اما
الموضوع السياسي بحسب هؤلاء، فيعني اننا اذا وصلنا الى ما قبل عشرة
ايام من موعد نهاية الاستحقاق، وثبتت معارضة عقد جلسة انتخاب ورفض
الاتيان برئيس جمهورية، فألا يكون من المستحسن ان نعقد جلسة بنصاب نصف
زائداً واحدا وانتخاب رئيس جديد؟ هؤلاء يريدون انتخاب رئيس باي ثمن، من
اجل استمرار لبنان والمحافظة على المكتسبات والحرية والاستقلال، والا
نكون دخلنا في المجهول ويفرط لبنان.
اما القسم الآخر الذي يمثل جزءا من الشعب اللبناني ويعتبر انه اقصي عن
القرار، فيسأل هل يمكن ان ينتخب رئيس باكثرية النصف زائداً واحداً،
وينقسم الشعب اللبناني على ذاته؟ ويقول للفريق الآخر: اذا اردتم
التفرد فنحن ندبر حالنا". لكأننا ندعو الى تقسيم البلاد. من هذا
المنطلق جاءت دعوة الكنيسة الى التلاقي والحوار. لان من دون الحوار لا
خلاص للبنان".
هيام قصيفي
النهار (05 09 2007)