تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday September 08, 2006 الساعة 10:21:02 AM

تحليل إخباري

لا يتدخل مباشرة ولا يضغط في ملف الاستحقاق

الفاتيكان يرعى مواقف صفير ولا يحتويها

الحركة الاقليمية الكثيفة التي شهدها الفاتيكان خلال اليومين الماضيين، ارخت بثقلها امس على الاتصالات واللقاءات اللبنانية في عاصمة الكثلكة، ودفعت المسؤولين اللبنانيين النافذين الى محاولة استطلاع ما يجري اقليميا ومدى انعكاسه على الملف اللبناني. في وقت بدا الأفرقاء اللبنانيون في الداخل يعملون على خط تسييس اللقاءات والمواقف الفاتيكانية من الملف اللبناني، كل بحسب الدوائر الفاتيكانية التي يتعامل معها.

ثمة مسلمة رئيسية تؤكدها اوساط كنسية لبنانية وعلى مستوى رفيع، وتلتقي معها شخصيات وزارية تعرف الاوساط الفاتيكانية جيدا، وهي ان الكرسي الرسولي بقيادة البابا بينيديكتوس السادس عشر غيره تماما تحت حكم البابا يوحنا بولس الثاني. فالظروف العالمية التي جعلت البابا البولوني يدخل روما من باب المقارعة السياسية للانظمة الشيوعية ومناهضتها، ودخوله طرفا فاعلا على خط القضايا السياسية الساخنة، سواء في اميركا اللاتينية او الشرق الاوسط، لم تعد هي نفسها التي تجعل البابا الالماني لاعبا ومحركا رئيسياً في هدم جدار برلين مثلا.

ودخول البابا السجال مع العالم الاسلامي في بداية حبريته، لم يكن وحده السبب الوحيد الذي جعل الفاتيكان ينكفىء قليلا عن الملفات الساخنة السياسية. فالنظرة الى دور الفاتيكان تختلف لدى البابا الحالي عن سلفه، وهو اقرب الى تحبيذ دور فاتيكاني كنسي روحي لاهوتي اجتماعي من الدور السياسي بالمعنى الحرفي للكلمة، اي الدخول مباشرة في الملفات السياسية لاي بلد كاثوليكي او يعيش فيه كاثوليك، ولا سيما في "البلدان الساخنة" عسكريا وامنيا.

وبحسب دوائر كنسية لبنانية، ذات معرفة وخبرة وثيقتين بالفاتيكان، ثمة تغيير جذري في مفهوم تعامل الفاتيكان مع لبنان، وهو ترك الكنيسة المارونية تتعاطى القضية اللبنانية بحسب نظرتها ومفهومها الخاص. ومن هذا المنطق لن يتدخل الفاتيكان في الشأن اللبناني على رغم التحرك الاميركي في اتجاهه عبر مساعد وزيرة الخارجية السفير ديفيد ولش والتحرك الفرنسي الذي يمثله السفير جان - كلود كوسران، الا في العنوان العريض الذي يحفظ استقلال لبنان وسيادته، والتشديد حالياً على اهمية اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. اما تحت هذا العنوان فان القرار متروك لكنيسة لبنان التي يمثلها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.

ويعرف اللبنانييون المطلعون ان ثمة مفاتيح لبنانية وفاتيكانية في الكرسي الرسولي تصل المسؤولين اللبنانيين بالدوائر الفاتيكانية صاحبة القرار او  المسؤولة عن اعداد الملفات التي ترفع الى الحبر الاعظم. وتختلف نظرة كل مسؤول لبناني او من يمثله من زوار الفاتيكان حيال ما يسمع من تطمينات الى تدخل الفاتيكان لمصلحة هذا التوجه او ذاك، الى حد ان اكثر من ممثل لطرف لبناني زار الفاتيكان اخيرا وخرج بانطباعات متباينة، تعود في معظمها الى هوية القائمين على تدبير المواعيد وانتماءاتهم السياسية، ولا سيما اذا كانوا لبنانيين.

في المقابل تبدو الدوائر الكنسية اللبنانية اكثر من مرتاحة الى طريقة تعاطي الفاتيكان والشؤون اللبنانية الحالية، فدوائر وزارة الخارجية المعنية مباشرة بقضية لبنان وغيرها من القضايا الدولية، غالبا ما كانت تعرف تباينات حول اسلوب التعاطي، وتباينات تحصل في كل وزارة خارجية أكانت للفاتيكان او  الولايات المتحدة، وقد لاحظها اكثر من مسؤول لبناني فاعل زار الفاتيكان اخيرا. وتتلخص بالآتي: ثمة وجهة أولى تتحدث عن ضرورة احترام سيادة لبنان واستقلاله وضرورة الكف عن اي تدخل خارجي في شؤونه واجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها بعيدا عن اي ضغوط خارجية، ووجهة أخرى تتحدث عن المعايير نفسها، ولكن "بتواضع اكثر، وعقلانية واقعية"، اي ان هذه المبادىء لا يمكن ان تتحقق اذا ما استمرت كل التدخلات الخارجية في لبنان بما في ذلك التدخل الاميركي، وان اي مشروع جدي لكف يد سوريا عن التدخل لا يمكن ان يتحقق من دون تقديم ثمن لسوريا، اما من خلال المحكمة الدولية وإما من خلال انفتاح اميركي عليها يؤدي تلقائيا الى مشاركتها الفعلية في المؤتمر الدولي.

هذا التباين في وجهات النظر في الخارجية الفاتيكانية ليس جديدا في مسار عمل الدوائر الديبلوماسية، الا ان القرار النهائي كان يعود سابقا الى البابا يوحنا بولس الثاني. اما اليوم، وبحسب اوساط كنسية فاعلة، فقد أعطى البابا حرية اكبر لدوائره الديبلوماسية، انعكست حرية واستقلالية اكبر للكنائس، ومنها الكنيسة المارونية، وهو حاليا لا يتدخل في امور لاهوتية وكنسية اساسية في لبنان.

وتشير الدوائر الكنسية اللبنانية الى ان ثمة من راهن سابقا على التباين الملحوظ بين السفير البابوي في لبنان لويجي غاتي والبطريرك الماروني، الا ان الفاتيكان لم يترجم هذا التباين في اي موقف من بكركي، لا بل ان هذه الاوساط تؤكد ان ثمة رعاية ملحوظة لموقف البطريرك صفير من القضايا الداخلية اللبنانية، ومن الاستحقاق الرئاسي، وليست احتواء كما يريد بعضهم.

ويعني ذلك تالياً ان توقع أي ضغط فاتيكاني على البطريرك صفير من اجل الدخول مباشرة في تسمية المرشحين لرئاسة الجمهورية أو تزكية احدهم هو توقع في غير محله. وتقابل هذا الموقف الفاتيكاني احاطة شاملة للبطريرك ودعم لمواقفه. وهذا السلوك يلتقي مع كلام سمعه المسؤولون في الخارجية الفاتيكانية من مسؤولين لبنانيين، اكدوا ضرورة دعم الفاتيكان لموقف صفير وتعزيزه، من دون الدخول في لائحة مطالب محددة ومفصلة عرضها بعض زوار الكرسي الرسولي من فريقي 8 و 14 آذار.

من هذا المنطلق وخلافا لاعتقاد بعضهم، لن يكون "نداء ايلول" الذي سيصدر عن مجلس المطارنة بعد عودة صفير من روما "ايطالي النكهة". أما سبب ارجائه فيعود الى إجراء مزيد من التشاور المحلي والخارجي، لبلورة موقف اكثر حسما في موضوع الاستحقاق الرئاسي، وليس بسبب ما يمكن ان تنتجه لقاءات صفير في الفاتيكان او في روما. وفي اعتقاد الاوساط الكنسية اللبنانية ان زيارة موفد بابوي الى لبنان، لم تكن فكرة طارئة ومستعجلة. فالموفد البابوي يرسل عادة في مهمات طارئة اذا كانت حال المجموعة المسيحية والكاثوليكية في خطر داهم ومستعجل، وهذه ليست حال مسيحي لبنان اليوم، خلاف ما كانت عليه قبل عام 1990. ولا يعقل ان يزور موفد بابوي لبنان من اجل حل الخلافات المسيحية الداخلية، في شأن الاستحقاق الرئاسي. وهذا لا يعني ان الفاتيكان لا ينظر بقلق الى وضع مسيحيي لبنان والمنطقة، ولكن هذا شأن آخر، تحتاج متابعته الى تدابير فاتيكانية مختلفة لها علاقة بتطورات المنطقة ككل.

هيام قصيفي

النهار (07 09 2007)

 

مزيد من المقالات

07 09 2007

 

لأن الفراغ الرئاسي قد يُحدث فتنةً تمتد إلى دول في المنطقة

سوريا تؤمّن النصاب في مقابل رئيس مقبول منها؟

«الاستحالة» تتراجع إلى «صعوبة» في «حوار مغترب» حول الرئاسة

واشنطن تمهل باريس: رئيس بعد 14 تشرين ...2 بأي نصاب!

استطلاع أوروبي: اللبنانيون مع رئيس استقلالي وضد المرشح الأوحد

"تمنيات دولية" بانسحاب عون لمصلحة رئيس وفاقي

مواقف «شركاء» اللبنانيين في الاستحقاق تضعه في دائرة عضّ الأصابع

لا يتدخل مباشرة ولا يضغط في ملف الاستحقاق

الفاتيكان يرعى مواقف صفير ولا يحتويها

ليبرمان: جهود الحكومة اللبنانية لن تجدي

تحالف "حزب الله" وعون يقوّي السوريين

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى