|
|
|
آخر تحديث Saturday September 09, 2006 الساعة 08:20:03 AM |
عندما بدأت تتعاظم محاكم التفتيش في نهاية القرن السادس عشر اصطدمت بغاليليو وكوبرنيكوس فظهرت نتؤاتها وبانت عظام شيخوختها بشكل ان نيوتن تجاوزها من دون ان تستطيع تجاوزه. لقد طرق العلم باب اللاهوت فأحدث فيه نزفا، وسرعان ما حاول ديكارت ان يرمم الأمر بالاستعانة بأرسطو كي يضع أسسا للبقية من خلال أسسه العقلانية للايمان المسيحي. وقد استطاع ارسطو في غيبوبة ان يعطي كنزه للمسيحية التي احتضنته وما زالت تناضل به كسلاح امام العلم حتى القرون الحديثة. لقد أدى ظهور القومية الى نوع من ايمان جديد حاولت الكنيسة استيعابه بحيث تصبح الوطنية سياجا للدولة الدينية لكنها لم تنجح كثيرا فسقطت تحت اقدام الغوغاء في الثورة الفرنسية. ولكن سرعان ما التقطت انفاسها واعادت الكرة فجمدت انهيارها ولو على غير قناعاتها كما حدث مع الرايخ الذي وضع الصليب على شارته لكنه مات صليبا معقوفا. وفي كل الثورات التي أعقبت الثورة الشيوعية بعيد الحرب الكونية الاولى، ظهرت مساحة جديدة لواقع قومي يرفض الهيمنة الدينية ويطرح شعار الدولة الوطنية او الدولة القومية على امتداد الساحة الاوروبية. فانكفأ الدينيون الى الغرب المتغرب أي الى الولايات المتحدة الاميركية التي راحت تعمل جهدها بكنائس محلية نامية كالفطريات تكرس التكنولوجيا آلهة صغيرة تتحرك ضمن اطار مهيمن في شكلين: الشركات والاعلام. ولأن التكنولوجيا صعدت بقوة صاروخية والانسان المتغرب لم يكن ربيب حضارة تاريخية فقد استعان بعودة سلفية وردة دينية لا تخلو من غلو في الخرافات والبدع بحيث صار الدين مجرد طوائف غربية قد تحمل اسم المسيح ولا علاقة للمسيح بها او لا ترى به سوى بطل من ابطال التاريخ. او تحمل المسيحية ما لا تحمل او يستغلها اصحاب المشاريع السياسية كالصهاينة مثلا فيجعلون من المسيحية مجرد تبشير وتأكيد لليهودية العنصرية. ويمكن تعداد مجموعة من الصور السلفية للمسيحية الغربية. اولا: المشيخات او الكنائس الانجيلية، وهذه خصصت لاستغلال كبير في انتحال اسمها بحيث انه صار من الصعب معرفة الكنيسة الصح من الكنيسة المنحلة، وقد اصدرت الكنائس المشيخية والكنائس الانجيلية اكثر من مرة نشرات تحذر المؤمنين من الوقوع في مطبة انتحال الاسم وتغيير الفعل والمعتقد. ثانيا: المجموعات المسيحية المتهودة، كشهود يهوه ومشتقاتهم. هؤلاء باسم المسيح والدعوة له يمزقون الايمان المسيحي ليدخلوا الفكر الصهيوني في عقول الناس وعندما تصعب عليهم الامور يلجأون الى الشركات والاعلام فيدفعون عن المريض فواتيره وعن الطالب قسطه ويؤمنون عملا من اجل ان يشتروا نفوسا وعقولا كأنهم يأخذون مسرحية فوست ويلعبون دور الشيطان الشاري روح عالمه. ثالثا: الطوائف العملية والخرافية، حيث يتداخل العلم بأقصى درجاته مع الخرافة بأحط مداركها، وقد سجلت الابحاث في اكثر من بلد اميركي واوروبي قصصا عن مجموعات من العلماء في الكومبيوتر والبرمجة انتحروا لأن عام الألفين سوف ينهي الكون او لأنهم ارادوا الدخول في عالم الاجرام الاخرى التي رأوها في حساباتهم العلمية، وهذه الطوائف لا تخلو من معتقدات مسيحية وغير مسيحية مبعثرة في اذهان مريديها. رابعا: المسيحية الغربية الآسيوية حيث تقوم مجموعات مسيحية بربط الفواصل والجوامع بين الآيات وكلمات كونفوشيوس او بوذا وايجاد مسيحية صوفية تستطيع ان تتعامل مع العصر العلمي الحديث. ولعل هذه نتائج متأخرة للمحاولات التي قام بها اليسوعيون ذات يوم في الصين والهند من اجل ايجاد مسيحية آسيوية بعدما صارت المسيحية الشرق اوسطية اصلا غربية فعلا. خامسا: السلفية الكاثوليكية، وهذه لم تنبثق فجأة انما هي محاولات مثمرة عبر التاريخ للتعلق بالبابوية كطوق نجاة امام طوفان الكنائس المتبدلة. وهذه السلفية تعتمد اللغة اللاتينية اساسا في القداس وترفض أي تواجدات للكنائس المحلية وتعتبر ان لا خلاص خارج روما قولا وفعلا. امام هذه السلفيات المسيحية قامت سلفية يهودية تحت اسم الدولة الصهيونية شعارها العودة الى جغرافية موسى وبالتالي تهويد القدس واعادة اعمار هيكل اورشليم ـ هيكل سليمان ـ وتكريس الاحتلال للأرض الفلسطينية تحت شعار ان الارض هذه هي لليهود التاريخيين. ولعل هذه السلفية كانت الاقوى امام كل السلفيات المسيحية لا بل استطاعت ان تستقطب بعضها لصالحها. واذا كانت السلفيات المسيحية تضر بأفرادها وبنفسها، فان السلفية اليهودية المصهينة قد اضرت بالشعوب الاخرى وخصوصا الشعوب العربية وما زالت هذه الشعوب تدفع ثمنا باهظا منذ خمسين عاما لقيام دولة اسرائيل العنصرية. الدولة اليهودية في تراتبيتها السياسية بدأت بعهد القضاة حيث ان العشائر اليهودية كانت تتصارع في ما بينها، لذا كانت تتفق في ما بينها على قاض يكون هو الحاكم والقائد العسكري لجميع العشائر. ومن اهم قضاتهم (دبورة) ـ (القضاة 5) الشاعرة و(ابيمالك) الذي قضى على اخوته واحتكر الملك، وعندما شجت رأسه امرأة طلب من خادمه ان يقتله حتى لا يقال ان امرأة قتلت ملكا (القضاة 9) وشمشون الجبار وقصته مع دليلة معروفة (القضاة 13). وقد تجاوز حكم القضاة ثلاثة قرون كان اكثرهم اعمارا هود بن بنيامين (80 عاما) واقلهم ابيمالك بن جدعون (3سنوات) (د. المراغي ـ اشعيا نبي بني اسرائيل ـ دار العلوم ـ صفحة 16). ولقد انتقل اليهود من نظام القضاة الى نظام الملكية بعدما وجدوا ان اقواما غيرهم عليهم ملوك يسوسونهم فطلبوا من (صموئيل النبي) ان يختار ملكا لهم فاختار شاؤول (صموئيل الاول 8) ولعل من اهم ميزات هذا الاختيار ان الملك كان اطول من كل الشعب (صموئيل الاول 13). ان الشعب الذي كانت تحكمه عقدة اختياره ظل حتى في فترة الملك هذه ينحاز الى الذي يمثل صوت (يهوه). لذا، فقد سقط شاؤول عندما تجاوز (صموئيل النبي) لما جعل النبي يشجع صهر الملك ويدعمه من اجل الوصول الى الحكم مكان عمه وهكذا كان فقد انتصر داؤود وملك مكان شاؤول. وداؤود هو المؤسس للمملكة اليهودية وتكمن قوته في أنه تعامل مع القضية الدينية كأساس جامع للشعب اليهودي فكان اول ما فعله هو اعادة تابوت العهد (صموئيل الاول 9) ومن ثم عهد الى تثبيت ملكه بجعله وراثيا، فكان سليمان الذي اكد سياسة والده فبنى الهيكل الذي سمي باسمه والذي بناه له حيرام ملك صور (الايام الاول 13). ان فترة سليمان جديرة بالاهتمام لأنها تلقي اضواء كثيرة على نظرة اليهودية للتعامل مع البلاد الاخرى، فسليمان اراد السلام مع الآخرين من اجل تعزيز حكمه والسيطرة على بعض الطرق التجارية فأقام علاقات مع ملكة سبأ وعزز علاقاته بملك صور وصاهر عدة ملوك اهمهم نبوخذ نصر حيث كان الزواج وسيلة للسيطرة على قبيلة او شعب حتى بلغت نساؤه سبعمئة (الملوك الاول 11). ان الانفتاح السليماني هذا ترتب عليه تفاعل بين العبادات ايضا، فالمهارات الفنية التي أتت من صور مع مهندس البناء الاعظم حيرام حملت معها معتقداتها، وكان من الطبيعي ان يتأثر بها العمال اليهود الذين لم يكونوا يصلحون لأكثر من قطع الأخشاب وحملها، وهذا ما جعلهم يرون في الوافدين عليهم أفكارا غيرت الكثير من ايمانياتهم بإلههم يهوه. كذلك فان مصاهرة سليمان جعلته يكثر في اظهار كرمه امام نسائه من اجل اظهار عظمته امام القبائل فصارت مصاريف بيته اكثر مما يتحمله شعبه، فطعامه مثلا كان كل يوم ثلاثين كرا من السميد وستين كرا من الدقيق وعشرة ثيران مسمنة وعشرين ثورا من المراعي ومئة خروف عدا الايائل والظباء واليمامير والاوز المسمن (الملوك الاول 4). لكن الأهم من هذا انه سمح لنسائه باقامة معابد خاصة لهن وبالتالي دخلت عبادة الآلهة مع عبادة يهوه، ما جعل اليهود يشركون بإلههم آلهة اخرى. ان الانقسام الذي حصل في مملكة اليهود بعد سليمان مردها الى الضعف الذي أصاب اليهود في بنيتهم الدينية (الايام الاول 15) وجعل مملكة الشمال تنفصل عن مملكة الجنوب. ان رواية العهد القديم تركز كثيرا على ناحية الترابط بين الدين والاخلاق (يهوه). وبالتالي فإن اي لحمة سياسية خارجة او منفصلة عن اللحمة الدينية حول عبادة (يهوه) انما مآلها هو التفتت وهذا ما حدث لمملكة الشمال حين انهاها شلمانصر ملك آشور عام 722 ق.م. كما سقطت المملكة الجنوبية بيد نبوخذ نصر ملك بابل عام 586 قبل الميلاد. ان ضعف الملوك وعدم مقدرتهم على الثبات امام القوات الغازية اعادا قوة رجال الدين ممثلة بالأنبياء المعارضين وعلى رأسهم ايليا (الملوك الاول 11).
ان مفهوم النبي كان عبارة عن انسان يأخذ اوامره من الله مباشرة دون
المرور بالكاهن او الملك وهذا ما جعله بطلا غرائبيا يخيف الملك والشعب
على حد سواء. لكنه في كل الاحوال فهو يمثل الجانب الديني على حساب
الجانب السياسي. ويؤكد ان نخبوية الشعب اليهودي هي قرار الهي وليس قوة
عسكرية او سياسية. الدولة اليهودية اليوم ليست منفصلة ولا كثيرة التغاير عن الماضي، وهي ترى في لحمتها الدينية اساسا وجوهرا، أوَلم تكن الدعوة الصهيونية في منطلقاتها المعاصرة مرتكزة بشكل أساسي على الانتماء الديني؟ وهل الاضطهاد بحسب كل الروايات اليهودية الا نتيجة الايمان باله الاجداد؟ أوَلم يكن الاستيلاء على فلسطين الا تحقيقا لوعد الهي؟ ان ما جرى في الماضي لن يسمح له اليهود بأن يجري في المستقبل. ولن يكون هناك نبي آخر. ان هدم بابل الجديدة انتقام للماضي لا بد منه. وضرب كل احتمال لقوة عسكرية او مدنية او سياسية قائمة هو في اساس الاستراتيجية اليهودية. لقد تخلى اليهود عن الدفاع واستبدلوه بالهجوم وتبنوا نظرية ان الهجوم هو افضل وسائل الدفاع. واذا كانت هذه سياستهم العسكرية فما هي سياستهم السلامية. لقد دخل (الغرباء) ارضهم مهندسين وعالمين فانخدع بهم الشعب البسيط الساذج، لذا فإن أي تعامل بين اليهود والآخرين سنراه معكوسا، أي ان كل علاقة تجارية او صناعية او معمارية بين اليهودي وغيره يجب ان يكون فيها اليهودي هو المعلم والتقني والآخرون هم العمال لديه. لقد حصل اليهود على شيء من هذا، فالفلسطينيون يعملون عندهم وكذلك لبنانيو الشريط الحدودي. وما دام اللبنانيون والفلسطينيون مجرد عمال عندهم وهم ارباب العمل فلا بأس. ولا يظنن احد من العرب انه سيكون مسؤولا او في موقع المسؤولية في اي شركة ستنشأ بين اليهود والعرب. ان منطق الحفاظ على الأولية والرئاسة ضرورة دينية عند اليهود ولا يمكن ليهودي مصطفى من عند الله ان يصبح تحت يد غريب. ان السلام الاسرائيلي من منطلق الدين اليهودي في المفهوم الكهنوتي هو الذي يجعل الآخرين يخضعون لليهود ولا يتمردون عليهم. ان الملوكية اليهودية لا يمكن الا ان تكون كهنوتية، والكهنوتيون هم الحمائم لذا فان النبويين يتجاوزونهم اذا لم يكونوا على قدر من القوة يسمح لهم باركاع الآخرين وهم يتمسكون بالصقور. وتتقاسم الادوار بين نبي الداخل والخارج. فبقدر ما تسعى الحمائم لعقد سلام مع الجيران العرب يكون لمصلحة اسرائيل، يسعى الصقور من اجل ابقاء جذوة النخبة والتفوق في اذهان اليهود من اجل التعامل بسيطرة وفوقية مع الآخرين. ان الايمان اليهودي المرتكز على وعد الله يجعلهم متأكدين من انهم سوف يمتلكون معظم اراضي العرب. «ادخلوا جبل الاموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر ارض الكنعاني ولبنان الى الفرات ادخلوا وتملكوا الارض التي اقسم الرب لآبائكم ابراهيم واسحق ويعقوب ان يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم» (تثنية الاشراع 1). انهم مستعدون لامتلاكها على كل حال، فان خضعت بالسلام كان ذلك افضل من الحرب.
فالسلام في هذا المعنى هو الخضوع دون قتال وليس تكافؤا او مساواة. انه يريد ان يملك وهذا ما حدث، اذا كان يستطيع ان يمتلك الارض والناس فلماذا يقبل بالعيش المشترك، واذا كان يستطيع ان يكون عليهم فلماذا يكون معهم. ان السلام الاسرائيلي اليهودي يتمثل بهذه المقولة على لسانهم: سلامنا الذي نقدمه اليك هو ان تخضع لنا. نحن اصفياء الله، ويكفيك شرفا ان تخدمنا لأنك بخدمتك لنا تكون قد خدمت الله. اما في الاسلام فيعتبر الدكتور محمد عمارة ان السلفية هي تجديد لعقائد الاسلام في العصر العثماني حيث اراد اتباعها تنقية الاسلام من الشعوذة والخرافة. من هذه الحركات الحركة الوهابية التي وضعت القرشية شرطا للخلافة ما يؤكد عروبة الاسلام. والسنوسية التي مزجت بين السلفية والصوفية، والمهدية التي اعتبرت ان الترك لا يطهرهم الا السيف. بعدها تأتي حركة الاخوان المسلمين على يد حسن البنا التي افتقدت العقلانية بعكس تيار الجامعة العربية عند الافغاني وعبده حيث اعتبر حسن البنا ان الاسلام لا هو قومية ولا عالمية بل اخوة اسلامية واعتبر ان القومية العربية هي «اعنف حرب على الاسلام والعروبة». وعندما قتل حسن البنا على ايدي رجال الملك فاروق عام 1949 حاول من بعده الاخوان وخصوصا سيد قطب قبل ان يعدمه عبد الناصر عام 1966 في كتابه «معالم الطريق» ان يبينوا فلسفتهم وهي ترتكز على ما يلي: اولا، افلاس القيم في كل البشرية وسقوط الانظمة السياسية نتيجة هذا الافلاس، الديموقراطية والاشتراكية والشيوعية. ومن ثم تبع هذا الشعب الانظمة الفردية والجماعية. ثانيا، الاسلام هو الخلاص ولا يمكن لهذا الخلاص الا ان يتمثل في امة وهي الامة الاسلامية. ثالثا، هذه الأمة الاسلامية ليست ارضا كان يعيش فيها الاسلام ولا اقواما كان اجدادهم في عصر من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الاسلامي انما الأمة المسلمة جماعة من البشر تثبت حياتهم وتصوراتهم واوضاعهم وانظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الاسلامي وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الارض. رابعا، العالم اليوم يعيش جاهلية تعتدي على سلطان الله في الارض وعلى اخص خصائص الالوهية وهي الحاكمية تسند الى بشر يعتدون على سلطان الله وعباده. خامسا، الحكم الاسلامي وحده بقوة الاخوان المسلمين يمكن ان يمارس حاكمية الله. وقد شرح سيد قطب في كتابه الآخر «الحضارة هي الاسلام» ان الاسلام لا يعرف سوى نوعين من المجتمعات، مجتمع جاهلي هو كل المجتمعات غير الحكم الاسلامي والمجتمع الاسلامي (الاخواني). وهذا المجتمع الاخير يعني قيام مملكة الله في الارض وازالة مملكة البشر، لذا التزم مصيريا وعضويا المصحف والسيف. لقد قام احد الاخوان وهو شكري مصطفى بتطوير السيف الى حركة التكفير والهجرة حيث هجر المجتمع واعلن ان العالم حرام لأنه لم ينشأ نشأة الهية والأمية هي الأمل، واعتبر ان كل عمل في الوظيفة العامة هو ضد الاسلام. اما جماعة الجهاد وهي فرقة اخرى من الاخوان فقد قامت باغتيال الرئيس السادات تحقيقا لكتاب (الفريضة الغائبة) الذي وضعه المهندس عبد السلام في مصر ونفذه الملازم اول خالد الاسلامبولي ـ مراجعة كتاب التطرف الديني في مصر ـ جيلبير كيبل ـ مصر ـ تركيا. واذا كان يمكنك الحديث عن قطب اساسي لحركة الاصولية الاسلامية في ايران «الخميني» ومصر «حسن البنا» وتونس «راشد الغنوشي» والسودان «حسن الترابي» والجزائر «عباسي مدني» الا انه في تركيا يصعب ذلك. لقد تأسست الدولة العثمانية على اسم الاسلام وباسمه توسعت وتمددت واحتكرت الخلافة ولو عن غير حق تاريخي. وفي عام 1923 اعلن اتاتورك الجمهورية وحاول انهاء الحضور الاسلامي من اساسه. الغى الخلافة والنصوص الدينية من الدستور كما الغى الدلائل الدينية كالحجاب والطربوش والابجدية العربية والتقويم الهجري وعطلة الجمعة. وقد استطاع خليفته عصمت اينونو ان يحصن العلمانية ضد التيارات الاسلامية لكن نجاح عدنان مندريس في انتخابات 1950 اعاد الوهج الى الدعوة الاسلامية السياسية خصوصا عام 1969 عندما فاز نجم الدين اربكان على كرسي (قونيه) وأسس اول حزب اسلامي سياسي هو حزب النظام الوطني. وعندما تحول اربكان الى حزب السلامة الوطني استطاع حشد مئة الف شخص عام 1980 ينادون بقيام دولة اسلامية واستطاع اوزال ان يكون اول رئيس حكومة تركي يؤدي مناسك الحج ويشارك بصلاة الجمعة كما ان وزراءه اقتدوا به فمنع وزير التربية تدريس نظرية داروين وامر الفتيات بلباس اكثر حشمة في الاستعراضات ومنع اعلانات المشروبات الكحولية في التلفزيون... الخ. ان قيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 اعطى التيار الاصولي في تركيا زخما كبيرا، كذلك ساعد هذا التيار انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفياتي. وقد تبلور النشاط الاسلامي في انشاء حزب الرفاه عام 1983 بقيادة احمد تكدال ومن ثم عاد بقيادة اربكان ابتداء من عام .1987 ان انتفاء صورة رجل الدين عن زعامات الرفاه سهل نشاطه وساعد في افهام الناس برنامجه الذي اطلق عليه اسم النظام العادل وهو نظام يستند الى الحق لا الى القوة. ويشرح فيلسوف هذه النظرة سليمان قره غولله فيقول: في العالم نظرتان: نظرة القوي ونظرة الضعيف. القوي يسود فيها ويجب ان يحمي الضعيف. ومقابل نظرة القوة التي تتوسل الانتخابات صيغة متطورة لسيطرته، هناك نظرة الرسالات السماوية وهو نظام يستند الى الحق. يعني هناك نظامان: واحد يستند الى القوة والاحتكار والقانون المركزي. وآخر يستند الى الحق ونظام الاجتهاد. لذلك كان هدف الرفاه انهاء علمانية اتاتورك والعودة الى نظام الشريعة الاسلامية. «للمزيد مراجعة كتاب قبعة وعمامة ـ محمد نور الدين». الاصولية التركية لم تستطع النجاح امام قوة العسكريين الذين تصدوا لها بقوة وحافظوا على النظام بحيث شكلوا سدا منيعا عن اية محاولة جدية لاستلام الاسلاميين الحكم. الا ان سقط اخيرا امام تسلم غول الرئاسة. عموما للايديولوجيا الدينية ان تكون مرقاة للانسان ودافعا اساسيا في تعامله مع الآخر على أساس التعاون وبناء المجتمع. واذا كانت الحضارة هي نتيجة قمع الانسان لغرائزه في بعض جوانبها، الا انها في جوانبها الاخرى حصيلة تعاون بين الافراد في سبيل رفاهية الجماعة. انما هذا يتطلب من الايديولوجيا ان تكون ايجابية الجانب لا تقوم على الاصطفائية وانهاء الغيرية. اليهودية والمسيحية والاسلام تدعو الى التعاون لكن هذا التعاون لا يخلو من الاصطفائية. ولعل اليهودية هي اكثر الاديان الثلاثة القائمة على هذه الاصطفائية لدرجة الانغلاق. فالمرء لا يمكن ان يتهود بل يولد يهوديا في حين ان المسيحية مسحنت الآخرين تارة بالتبشير وبالكلمة والمعمودية وتارة باغراء العلم والمال والقوة العسكرية، وكذلك فعل الاسلام تحت شعار الفتح والجهاد. الاصولية في الاديان الثلاثة اخذت الاصطفائية حدا نهائيا لها. المسيحية وصلت في الايديولوجيا المعتدلة الى ان تعترف بايمانيات الآخر وقبول الآخر. وكذلك فعل الاسلام في حواراته مع الآخرين. اما الاصولية المسيحية فهي التي ما زالت لا ترى خلاصا خارج روما او خارج التعاليم المسيحية، في حين ان الاصولية الاسلامية اعتبرت ان كل عدل انما هو عدل الاسلام وكل صلاح هو صلاح الدين الاسلامي. وهنا تلتقي الاصوليات اليهودية والمسيحية والاسلامية في حين ان واقع الايديولوجيا الدينية العامة يختلف بحيث ان الاسلام والمسيحية يمكنهما التلاقي في حين ان هذا التلاقي يستحيل مع اليهودية.
الاصولية الدينية تؤثر على الفرد سلبا في محيطه الاجتماعي وفي كونيته
بحيث تنزعه من عالم الانفتاح الى عالم الانغلاق وتمنع على الحضارة
تعدديتها وشموليتها بحيث تحصرها ضمن اطار المنطق الاحادي الجانب
السلبي. وبالتالي يصبح الاصولي رافضا اي علامات لحضارة لا تدخل ضمن
مفاهيمه الدينية المغلقة. كل دين يدعو الى التلاقي الانساني لا يمكنه ان يكون اصوليا ولا يقبل الاصولية لأنها تتعارض مع دعوته. لذا كانت المعركة ضد الاصوليين انما هي اولا وأساسا تبدأ من معركة بين الدين في وجهه الايجابي ضد الدين في وجهه السلبي. فلا يمكن لمسلم ان يتلاقى مع مسيحي الا اذا تحرر المسيحي من اصوليته والمسلم من اصوليته. وبالتالي لا يمكن ان تقوم علاقة حقيقية الا بالوصول الى قناعة راسخة في الذهن بالغاء الاصطفائية وانهاء مقولة زيادة عدد المؤمنين والحلم بالدولة الدينية، لا احد يمكنه ان يصدق أن باراك الصهيوني ينادي بالسلام العادل وهو يتمسك بأبدية القدس كعاصمة يهودية. ولا احد يصدق ارباكان انه يريد ان يكون مع الاوروبيين وهو ينادي بالسوق الاسلامية. ولا احد يصدق واحدا من شهود يهوه ينادي بالمحبة والاخوة وهو يرى الشيطان في كل آخر لم يؤمن بمقولته. في لبنان دعوة نحو الحوار والتعايش واخبار عن قرب السلام الشامل. من اجل ان تكون الارضية مؤهلة لذلك على المسيحيين الغاء الفكر الاصولي من الزوايا والخبايا وتجريد رجال الدين الاصوليين من امكانية غزو الاهلين. وعلى المسلمين انهاء المعالم الاسلامية للشأن الوطني العام فلا يجوز الحديث عن اسلامية القدس او اسلامية المقاومة او اسلامية بيروت. ومن العبث بمكان مجرد التفكير ان السلام الامني مع اسرائيل يمكنه ان يوصل الى تعايش معها لأنها اذ تلغي اصوليتها تلغي ذاتها. السفير (08 09 2007) |
|
||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||