تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Tuesday September 12, 2006 الساعة 12:08:44 AM

تحليل إخباري

فلسطين: مفارقات صراع «الصـلاة المسيسـة»

لا شيء يثير السخط لدى المواطن الفلسطيني البسيط هذه الأيام أكثر من إحساسه بأنه بات ألعوبة بأيدي قوى تقضي على مستقبله بتهشيمها لقضيته وصورته أمام نفسه. فيوم أمس، كان يوم الإضراب العام الأول في التاريخ الفلسطيني، ليس ضد قوة احتلال، وإنما من جزء من هذا الشعب ضد جزئه الآخر. وفي ذلك لن ينفع تباهي قسم بأن الإضراب كان فاشلا لأنه جزئي، وتفاخر آخر بأنه كان شاملا.

المعيب أنه في ظل استمرار الاحتلال الجاثم على صدر الوطن وأهله، نجد الوقت لخلق تراث نضالي جديد ليس ضد الاحتلال وإنما في نظر البعض «ضد ما هو أسوأ من الاحتلال». وقد انتفت في أذهان البعض صورة الاحتلال الاجتثاثي الأسوأ في التاريخ لتحل مكانته صورة «الحكم الفاشي الأسوأ من النازية». وإذا شاء وطني أن يشير بالعيب إلى ما يقال في «تلفزيون فلسطين»، فإن آخر يأخذك إلى ما يذاع في «فضائية الأقصى». وإذا أشرت إلى سلوك أو تصريح تكفيري من جهة، فإن هناك من يدفعك إلى وجوب ملاحظة السلوك الإفسادي أو الخياني أو التخويني من جهة أخرى.

والحق أنه رغم الانقسام الواضح والحاد في الحلبة الفلسطينية، فإن هناك من يحاول البرهان على أن الاستقطاب ليس نهائيا، على الأقل حتى الآن. فوقوف حركة الجهاد الإسلامي، مثلا، إلى جانب فصائل منظمة التحرير بالتنديد بتصرفات «القوة التنفيذية» القمعية ضد المتظاهرين، يظهر أن صراع منظمة التحرير ليس مع الإسلاميين. كما أن تجميد الجبهة الشعبية لعضويتها في «هيئة العمل الوطني»، تعني الرغبة في منع إظهار الصراع كأنه صراع وطني في مواجهة حماس.
غير أن كثيرين في الساحة الفلسطينية يعتقدون أن نجاح الجهاد والشعبية في المحافظة على هكذا موقف، قد لا يستمر طويلا. فالمراسيم والمواقف السياسية وأحيانا التصرفات من جانب قيادة السلطة في رام الله تجبر الجهاد الإسلامي وقوى إسلامية أخرى على الانحياز الى حماس. كما أن السلوك القمعي، الميداني والفكري، من جانب الأجهزة التابعة لحماس، تلزم الجبهة الشعبية وقوى وطنية وعلمانية أخرى على مساندة فتح.

ويبدو أن قناعة عدد من قادة حماس بأنهم لا يزالون الرابحين في هذا الصراع ستدفعهم وتدفع القضية عموما إلى متاهات يرى كثيرون أن الأسوأ فيها ينتظرنا في كل زاوية. فحماس التي دخلت قلوب الفلسطينيين والعرب عموما عبر بوابة المقاومة والإصلاح تجد نفسها اليوم أكثر من أي وقت مضى تنزلق من فخ إلى فخ آخر من دون أن تمتلك الجرأة على منع نفسها من هذا الانزلاق.

فمن يرى مثل «الأستاذ الدكتور نزار ريان»، كما عرف عن نفسه في مجلة «البيان» الإسلامية، أن ما يجري في فلسطين هو صراع بين الإسلاميين و«الزنادقة العلمانيين»، لا أقل ولا أكثر. ويملك ريان، الذي عرف نفسه أيضا في مقالته أنه «عضو القيادة السياسية لحركة حماس»، رؤية للتاريخ والواقع ترفض الاختلاف وتراه نقمة لأن «أهل فلسطين عامة، هم من أهل السنة والجماعة، وهذه نعمة نحمد الله ـ تعالى ـ عليها كثيراً». ومن دون ترداد كلام منفر يتنافى حتى مع تعاليم الإسلام الذي لم يميز بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، اعتبر أن «مقومات الأمة الناهضة: أصل عرقي واحد، ودين عظـيم يفيئـون إلى ظلاله، ولغـة أصـيلة تجمـع ألسنتهم، ولا يزال أهل فلسطين حتى الساعة كأنما هم أسرة واحدة من هذه النواحي جميعها». وبعد القفز عن دور «النصارى» وواقعة النكبة، يحاكم «العرب والانكليز الذين اضطهدوا الإسلاميين، (طبعا وحدهم!)، وتسلط العلمانيين»، الذين لم يكونوا في نظره إلا «عملاء دولة اليهود».

بل إن منظمة التحرير الفلسطينية، في نظر ريان «أرادها الزعماء العرب علمانية لتحرير فلسطين من اليهود، فمضت تعلن علمانيتها بلا خجل، وهي حتى الساعة تدعو إلى العلمانية ليل نهار، وشعبنا شعب إسلام وإيمان ودين وعزة».
وبعدما يعدد ريان «مذابح» السلطة الفلسطينية ضد الإسلاميين، يرى أن العلمانيين حاولوا إيقاف المد الإسلامي الجهادي «فاخترعوا قصة الانتخابات».

ويخلص إلى عملية تحرير غزة من «زنادقة العلمانية» فيشير إلى وجوب أخذ العبرة من التاريخ «فمن ينظر إلى ما فعله صلاح الدين الأيوبي يختصر الحكاية كلها: تطهير الأرض من الحشاشين والباطنيين وأعداء الدين زنادقة العلمانية، ثم تطهير بيت المقدس بإذن الله؛ إنها الحكاية نفسها، والتاريخ يعـيد نفسه، والأمة ذاتها مدعوة للتأمل وقول الحق، فهل من مُدَّكر؟!».

وبعدما ذكر الأستاذ الدكتور ريان الناس بعبر التاريخ، ثمة حاجة لتذكير الأخوة في قيادة حماس بأن قراءة كهذه للواقع تعني حربا أهلية إلى يوم الدين. ويبدو أن حماس التي كانت رأس حربة المشروع التغييري المقاوم تتحول بفضل نظريات كتلك التي يشيعها الدكتور ريان إلى طبعة إسلامية من «الخمير الحمر».

كثيرون ممن لا يعادون حماس يرون أنها وقعت حتى الآن في فخين قاتلين: الأول كان الانقلاب الذي أفقد حماس شرعيتها الانتخابية وبدت أمام العالم كقوة انقلابية سيطرت على غزة بقوة السلاح. كما بدا أن الحركة تريد لعب الشطرنج ولكن مع نفسها من دون أن تدري أن للعبة قواعد وأن فيها طرفا آخر من حقه الرد. وعندما أقدمت حماس على انقلابها، خلقت أول سابقة في التاريخ الفلسطيني وهي الاقتتال على مغانم السلطة وليس من أجل موقف أو بسبب حماقة أو ضيق أفق.

أما الفخ الثاني، فقد نصبته لها فتح بإصرارها على عدم الحوار وعودة كل شيء إلى ما كان عليه قبل الانقلاب أو لا شيء. ويبدو أن فتح أخذت قرارا بالرد على انقلاب حماس بانقلاب مضاد، ولكن ليس على طريقة حماس بأسلوب الحسم العسكري بل بالانتفاضة الشعبية. خيار فتح اليوم أن تنزل إلى الشارع ومن خلفها الشعب لتعيد للأذهان مشاهد الانتفاضة الأولى والثانية حيث هي في موقف الشعب الأعزل المظلوم الذي يواجه آلة قمع وجيش مدجج بالسلاح والهروات.. هذه الصورة ليست لجيش الاحتلال هذه المرة بل لجيش حماس الذي تسعى انتفاضة فتح إلى تصويره كما لو أنه جيش احتلال!

ومما يثير عجب الكثير من الإسلاميين أن حماس المحسوبة على حركات «الإسلام السياسي» التي يتهمهما البعض بتسييس الدين، تتصدى لدعوة فتح للصلاة في الساحات العامة بدعوى أنها «صلاة مسيسة».

والنتيجة أن فتح انتزعت من حماس، على الأقل حتى الآن، ورقة طالما استخدمتها حركات الاحتجاج الإسلامي في مواجهة السلطات والأنظمة التي تصفها بالطاغوتية، من خلال توظيف شعائر دينية كمناسبات للاحتجاج السياسي.

والمفارقة اليوم أن فتح (التي تتهمها حماس بالعلمانية كما سبق) هي التي توظف أهم شعيرة دينية (الصلاة) للاحتجاج السياسي، لكن «الطاغوت» هذه المرة ليس الاحتلال الإسرائيلي أو انظمة عربية كتلك التي سبق وخاضت فتح حروباً وصدامات معها، بل هو حركة إسلامية تنتمي إلى المعسكر الإسلامي الذي لا يزال يصنف نفسه مقموعاً لا قامعاً!

ويدفع الصراع على الصلاة في الساحات إلى استذكار قول الشاعر أبو العلاء المعري:

إن رام كيداً بالصلاة مقيمها               فتاركها عمداً إلى الله أقرب

حلمي موسى

السفير (10 09 2007)

 

مزيد من المقالات

10 09 2007

 

من قرّر «إعدام» قادة فتح الإسلام؟

غالبية التنظيم عربية والفارّون بالعشرات والعناصر النائمة قرابة المئة والمطاردة مستمرّة

مسؤول أمني أوروبي: قلق من ظاهرة «فتح الإسلام» وتنبّه لخلايا متشدّدة «نائمة» في لبنان

فلسطين: مفارقات صراع «الصـلاة المسيسـة»

القرار الظني وتعيين قضاة المحكمة يثيران اهتمام سوريا

هل يكون الاستحقاق الرئاسي بداية انفراج ام انفجار ؟

المحاولة الحواريّة كانت ناجحة.. والنموذج السويسري «موديل»

ما هي حقيقة المسعى السويسري؟ وأي لبنان يريد اللبنانيون؟

مع أن الفرنسيين يحرصون على إبقاء التوقّعات متواضعة

كوشنير يعود متسلّحاً بمعطيات ترفع منسوب الفرص

الاستحقاق الرئاسي بين «سيناريوهات» التوافق أو التأجيل إلى الخريف أو آذار؟

أميركا تُعطي المجال لفرنسا والفاتيكان.. وتحتفظ بحق «الفيتو»!

الموقف الأكثري من المبادرة: تقطيع وقت حتى إشارة «الحليف الأكبر»

بري قدم كل «الرأسمال».. ويسعى جهده حالياً لـ«خطف» الاستحقاق؟

رئيس الحكومة يوصد أبواب تعديل الدستور؟

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى