تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Tuesday September 12, 2006 الساعة 12:09:04 AM

تحليل إخباري

المحاولة الحواريّة كانت ناجحة.. والنموذج السويسري «موديل»

ما هي حقيقة المسعى السويسري؟ وأي لبنان يريد اللبنانيون؟

أيّ لبنان يريد اللبنانيّون؟

يحمل السؤال سمة التحدي، وينطوي على بعدين: محاولة «لبننة» الخيارات السياسيّة المستقبليّة لهذا اللبنان في زمن التدويل والبحث عن فتات الحلول في عواصم الغرب والشرق من جهة، وأن يثبت اللبنانيّون الأهليّة والجدارة في وطن يستحقونه من جهة أخرى.

رفعت سويسرا منسوب هذا التحدي بسلاسة دبلوماسيّة بعيداً عن الدعاية الترويجيّة والضجيج الإعلامي الاستغلالي، وكانت المحاولة خجولة، وجاءت نتيجة لمهمّة شبه سريّة قام بها موفد الاتحاد السويسري السفير ديدييه بفيرتر في بيروت، في منتصف آذار الماضي، حيث التقى مسؤولين وقيادات وفعاليات من مواقع سياسيّة مختلفة، وأسفرت عن «بروفة» حواريّة في إحدى ضواحي برن لمجموعة نيابيّة تمثل توجهات سياسيّة من فريقي 8 و14 آذار...

ويؤكد سفير لبنان لدى الاتحاد السويسري حسين رمّال أن جولة رابعة من الحوار سوف تعقد إما في جنيف وإما في إحدى ضواحي العاصمة برن، وذلك في وقت يعمل الآن السفير بفيرتر في بيروت على تحديد موعدها، والذي يفترض أن يكون قريباً جدّا، وإن الترتيبات تتمّ وسط هالة من السريّة والرصانة، وهي مفتوحة على احتمالات جديّة تصبّ كلها في خانة الرقي بمستوى الحوار والمتحاورين من دون الدخول في تفاصيل الاجتهادات والتوقعات.

وإذ يرفض الخوض في أسئلة افتراضيّة استباقيّة، يؤكد بأن كلّ الاحتمالات ممكنة بما في ذلك دعوة الصف الأول من القيادات الى سويسرا، إذا ما توافرت الأجواء والظروف المؤاتية وفرص النجاح، وبالتالي فإن التعاطي مع الوضع اللبناني المعقّد يتم وفق الممكن والمستطاع، ولا يتمّ الإقدام على أي تدبير إلاّ بعدما تتوافر ظروف نجاحه حتى لا يشكّل خطوة تراجعيّة.

وتعقد هذه الجولة ـ كما سابقاتها ـ بدعوة من الجمعيّة السويسريّة للحوار الاوروبي ـ العربي ـ الإسلامي، وبدعم ومشاركة من الحكومة السويسريّة ممثلة بالسفير بفيرتر، ومساعده كيم ستزلر والسفير السويسري لدى لبنان فرنسوا باراز، والوسيط السويسري جوليان هوتنيجر.

وينتظر أن تبدأ بالمقابل، وعلى خطّ متواز اعتبار ان تشرين الاول المقبل، سلسلة محاضرات في بيروت لشخصيات سويسريّة فكريّة وأكاديميّة ودبلوماسيّة متخصصة، لشرح طبيعة النظام السويسري الفيدرالي الاتحادي، وتسليط الضوء على ثقافة الحوار، انطلاقاً من مبادئ أولها الاعتراف بالآخر، والقبول به، واحترام وجوده ودوره خصوصياته، ثم الإقرار بالحوار كممر ومسار إلزاميين، وكلغة وحيدة للتخاطب وطرح المشاكل والخلافات بمنتهى الصراحة والشفافيّة، والسعي إلى إيجاد الحلول المؤاتية لها، وهذا يعني عمليّاً القبول بتحول نوعي في حياتنا البرلمانيّة الديموقراطيّة تقضي أولاً بالتخلّي الطوعي عن كلّ اللغات الأخرى المتداولة الآن، والقائمة على نبرة التحدي والتهديد باللجوء إلى العنف، واستخدام القوة إما لإلغاء الآخر، وإما لفرض معادلة غالب ومغلوب عن طريق تجاوز مخاوفه وهواجسه، وهذا ما يؤدي إلى تعميق الشرخ واستمرار مسلسل المآسي والنكبات. وأخيراً احترام القانون، أي احترام كل ما يتم الاتفاق بشأنه والسعي إلى وضعه موضع التنفيذ.

لا يحاول الاتحاد السويسري، كما يقول السفير فرنسوا باراز، تصدير تجربته، فنحن لسنا بالتاجر الذي يعرض بضاعته ليبيع ويشتري، ولكن علينا أن نقرّ بأننا أصحاب تجربة ناجحة، وقد أصبحنا البلد الذي يضرب فيه المثل من حيث حضارته واستقراره وحياديته وتنوعه وخصوصياته، وعندما نرى بلداً صديقاً كلبنان فإننا نحاول ان نساعد، ولكننا لا نطمح في أن نكون البديل عن الأصيل.

ويرفض السفير باراز التسويق لكلمة مبادرة، ولا حتى مسعى، بل مجرّد محاولة. «إننا نحاول لكي يكون للبنانيين ما يريدونه من خلال الحوار الرصين الهادئ والمسؤول الذي لا بدّ من أن ينتج، ويؤدي في نهاية المطاف إلى ما قد يتوافقون حوله أو يجمعون عليه».

إن كلمة مبادرة هي خارج التداول والهدف أيضاً إنها ـ برأي بعض المهتمين السويسرييّن ـ أقرب إلى تسويق المصلحة قبل أي شيء آخر، ويفترض بالذي يبادر أن يكون لديه ما يعرضه، ونحن لا نعرض شيئاً سوى الاستعداد لاستضافة الحوار.

وعلى المبادر أن تكون عنده الخطة لعرض ما يود طرحه، وأيضاً القدرة والمقدرة، وربما التكتيك أيضاً، ونحن لسنا في هذا التوجه على الإطلاق، وكلّ ما عندنا أن نعرضه هو ما توصلّت إليه غالبية اللبنانيين من استنتاج نتيجة تجربة طويلة مكلفة ألا وهي الحوار. لقد اختبروا بأن العنف والاقتتال لن يقود إلى شيء، ولن ينتهي إلى شيء سوى الخراب والدمار وتعميم ثقافة الكره والكيديّة والتنابذ والتباعد وكلّ هذا كان مكلفاً للجميع، ولم يشكل أي انتصار لمصلحة أي طرف على حساب الطرف الآخر، وحتى ولو شعر أيّ منهما بأنه قد حقق انتصاراً ما، فإنه سيكون وهميّا، لا بل مشروع فتنة وحروب مستقبليّة. لذلك يعتقد السويسريون بان الغالبية قد استنتجت بان الحوار هو اللغة الوحيدة التي يجب ان تسود وتستخدم لقول كلّ شيء، ولطرح كلّ الأفكار والهواجس التي يشكو منها كلّ طرف او يعاني منها، ليصار إلى إيجاد سبل المعالجة عن طريق التفاهم والاقتناع، وأيضاً لوضع ما يصار إلى التفاهم بشأنه، موضع التنفيذ وترجمة التوافقات الى خطوات عملانيّة على أرض الواقع.

وكأن السفير باراز يحاول أن يسترجع بعض ما جرى حول طاولة الحوار الوطني من تفاهمات حول مواضيع محددة، لم تأخذ طريقها نحو التنفيذ، فيرى أن الحوار يفترض أن يقود إلى تفاهمات، وهذه التفاهمات إلى حلول، وهذه الحلول إلى التنفيذ، وهذا التنفيذ إلى وضع جديد مختلف على أرض الواقع، وهذا الجديد تحديداً هو الذي يحيي ثقافة الحوار ويعززها، ويشجع المتحاورين لا بل يدفع بهم إلى المزيد من النقاشات، ومن المصارحة والمكاشفة وطرح الهواجس وما تخبئه الصدور من شكوك ومخاوف متبادلة مكبوتة لإيجاد الحلول المؤاتية لها.

ويرى السفير باراز «أن المبادرة غالباً ما تكون أشبه بمهمة محدودة ومحددة بمعنى أن هناك أجندة، وهناك طرح ما، قد يكون مجرّد أفكار أو مطالب، أو بنود محددة، وغالباً ما تكون مرتبطة بمهل محددة، أو بظرف سياسي ما، أو بغرض واضح من حيث أبعاده ومردوداته... نحن لا نملك شيئاً من هذا، ولا نطمح إليه، لأن حياديتنا تفرض علينا ذلك، ولأن اللبنانيين هم وحدهم يقررون مصير المسعى الذي نحاوله، وهم الذين يحددون نوعية هذه المساعدة او هوية هذا المسعى، وما إذا كانت إمكاناتنا تسمح بالقيام به، وهم الذين يحددون الأولويات وجدول الاعمال، وبالتالي كل ما قمنا به هو أننا عرضنا خدماتنا المتوافرة، والتي بالإمكان القيام بها، أما الفعل فيجب أن يأتي من اللبنانيين إن شاؤوا.

ويجب ألاّ يعتقد أحد بان لبنان هو بمثابة «حقل تجارب» لأفكار وخيارات سويسريّة، إطلاقاً «إن حياديتنا تملي علينا محاولاتنا للمساعدة». كان لنا المثل والمثال في سيريلانكا، وفي كولومبيا، ونيبال وبين الإسرائيليين والفلسطينييّن، وأثبتنا من خلال كلّ تلك المحاولات بأننا لسنا هواة استقطاب، ولا قيام سياسات محاور، ولا البحث عن أسواق نفعيّة استهلاكيّة جديدة، إن كلّ ذلك هو خارج اهتماماتنا، ما نريد قوله إننا أصحاب تجربة ناجحة حققناها من خلال الحوار، ونحاول أن تحذو حذونا دول أخرى تعاني من المشاكل نفسها التي كنا نعاني منها، أو لها خصوصيّة اجتماعيّة ـ ثقافيّة شبيهة إلى حدّ بعيد ببنيتنا الاجتماعيّة ـ الثقافيّة.
لقد قمنا حتى الآن بمحاولات ثلاث كانت ناجحة، الأولى بدأت مع السفير ديدييه بفيرتر والمنسّقين في وزارة الخارجيّة كيم ستزلر، وتوماس اورتيل، خلال شهر آذار، وتكررت المحاولة الثانية في منتصف شهر أيار، والثالثة خرجت ببيان رسمي جاء نتيجة نقاشات على مدى ثلاثة أيام (من 17 ولغاية 19 آب)، وتناولت معالجة موضوع النظام الديموقراطي البرلماني اللبناني وعلاقته بالديموقراطيّة التوافقيّة، وموضوع العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة، وتم التوصل إلى تفاهمات مشتركة عبّر عنها البيان الختامي، وهي المرّة الأولى التي يتم فيها إصدار مثل هذا البيان الذي يعكس خلاصة النقاشات.

ويتضمن جدول أعمال ستة موضوعات ستعالج تباعاً على مدى جلسات الحوار المقبلة، وهي بالإضافة إلى الموضوعين المذكورين: النظام الانتخابي، إصلاح القضاء، الاستراتيجيّة الدفاعيّة، والملف الفلسطيني في لبنان.

لقد ولدت الحروب والنزاعات في سويسرا أنهاراً من الدماء والدموع بين المجموعتين الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة، ولكن بعد عقود مديدة من العنف توصلنا عبر الحوار إلى نموذج (موديل) من النظام السياسي الاتحادي الفيدرالي، وكلنا أمل في أن يتوصل اللبنانيون إلى (موديل) من النظام السياسي يختارونه ويرتاحون إليه، كونه الكفيل بمعالجة هواجسهم والمعبّر عن طموحاتهم وتطلعاتهم، والقادر على معالجة عقدة الشكوك المتبادلة، والقلق الذي يعتمر في الصدور حول المستقبل والمصير!

جورج علم - جنيف

السفير (10 09 2007)

 

مزيد من المقالات

10 09 2007

 

من قرّر «إعدام» قادة فتح الإسلام؟

غالبية التنظيم عربية والفارّون بالعشرات والعناصر النائمة قرابة المئة والمطاردة مستمرّة

مسؤول أمني أوروبي: قلق من ظاهرة «فتح الإسلام» وتنبّه لخلايا متشدّدة «نائمة» في لبنان

فلسطين: مفارقات صراع «الصـلاة المسيسـة»

القرار الظني وتعيين قضاة المحكمة يثيران اهتمام سوريا

هل يكون الاستحقاق الرئاسي بداية انفراج ام انفجار ؟

المحاولة الحواريّة كانت ناجحة.. والنموذج السويسري «موديل»

ما هي حقيقة المسعى السويسري؟ وأي لبنان يريد اللبنانيون؟

مع أن الفرنسيين يحرصون على إبقاء التوقّعات متواضعة

كوشنير يعود متسلّحاً بمعطيات ترفع منسوب الفرص

الاستحقاق الرئاسي بين «سيناريوهات» التوافق أو التأجيل إلى الخريف أو آذار؟

أميركا تُعطي المجال لفرنسا والفاتيكان.. وتحتفظ بحق «الفيتو»!

الموقف الأكثري من المبادرة: تقطيع وقت حتى إشارة «الحليف الأكبر»

بري قدم كل «الرأسمال».. ويسعى جهده حالياً لـ«خطف» الاستحقاق؟

رئيس الحكومة يوصد أبواب تعديل الدستور؟

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى