تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Saturday September 16, 2006 الساعة 09:53:29 AM

تحليل إخباري

باريس للأسد: استقلال لبنان لن يهددكم

ساركوزي معادٍ لخطط المحور السوري – الايراني

"طلب مسؤول فرنسي كبير من جهة عربية بارزة ابلاغ القيادة السورية ان استقلال لبنان ليس عملا عدائيا موجها ضد سوريا وضد نظامها ومصالحها الحيوية ومن الخطأ بالتالي التعامل معه على هذا الاساس لان رفض الاعتراف بلبنان المستقل يلحق أضرارا بالبلدين وبشعبيهما. وشدد هذا المسؤول الفرنسي على أن من الضروري ان تعترف سوريا فعليا باستقلال لبنان وسيادته لأن هذا الاستقلال واقع وليس ممكنا تجاهله او تجاوزه او الغاؤه إذ أنه مطلب الغالبية الساحقة من اللبنانيين كما أنه يلقى دعما قويا من المجتمع الدولي ومن المجموعة العربية ككل. وتقبل سوريا الرسمي والفعلي لاستقلال لبنان يفترض به ان يدفعها الى تسهيل وليس عرقلة انتخاب رئيس جديد للجمهورية يلتف حوله اللبنانيون ويؤمّن مصالحهم الحيوية، وهو ما من شأنه تعزيز الامن والاستقرار واقامة علاقات طبيعية صحية وجيدة بين البلدين".

هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع على الجهود التي تبذلها فرنسا لتسوية الازمة اللبنانية بما يؤدي الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية استقلالي المواقف والتوجهات وبتوافق جميع الافرقاء اللبنانيين. وأوضحت المصادر ان جهات عربية بارزة تقوم بدور الوسيط بين باريس ودمشق حرصت على ابلاغ القيادة السورية رسالة تتضمن "نصيحة وتحذيراً" في وقت واحد "بأن الحكم الفرنسي الحالي جاد في سعيه الى فتح حوار سياسي مع نظام الرئيس بشار الاسد يكون الموضوع الاساسي والاول الذي يتناوله الوضع اللبناني. ولكن يجب ان يدرك المسؤولون السوريون ان هذا الحوار لن يجري وفقا للشروط السورية التقليدية بل وفقا للمطالب والالتزامات التي حددتها قرارات مجلس الامن وقرارات القمم العربية وآخرها قمة الرياض التي تدعم كلها لبنان المستقل المتحرر من الهيمنة السورية؟. غير ان هذه الجهات العربية حذرت ايضا من انه "اذا أضاعت القيادة السورية هذه الفرصة المهمة المتاحة لها وتمسكت بمطالب ومواقف تتعارض مع مصالح اللبنانيين الحيوية وتؤدي الى مأزق سياسي كبير والى تفجير الاوضاع الامنية في لبنان، وتكون مرفوضة بالتالي من فرنسا ومن سائر الدول المعنية بالامر، فان ذلك ستكون له انعكاسات سلبية للغاية على علاقات نظام الرئيس بشار الاسد مع دول عدة بارزة ومؤثرة في العالم".

وكشفت مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع على خفايا الدور الفرنسي وأهدافه ان "فرنسا في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي تطمح الى ان تحقق، عبر الانفتاح المشروط على نظام الاسد، تحولا تاريخيا في موقف القيادة السورية حيال لبنان يتضمن المسائل والامور الاساسية الآتية:

أولا، اعتراف سوريا الفعلي والرسمي بلبنان المستقل ذي السيادة وبحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، والتوقف عن التعامل مع هذا البلد على أساس انه "امتداد طبيعي للساحة السورية، وهو ما يتطلب تبادل التمثيل الديبلوماسي وترسيم الحدود بين البلدين للمرة الاولى منذ استقلالهما، ووفقا لما نصت عليه قرارات مجلس الامن ذات الصلة المدعومة من المجموعة العربية وما يريده اللبنانيون بغالبيتهم الساحقة.

ثانيا، توقف سوريا عن التدخل سلبيا في الشؤون اللبنانية لمصلحة حلفائها في المعارضة واحترام حرية قرار اللبنانيين في انتخاب ممثليهم واختيار مسؤوليهم، مما يعني، فعليا، ضرورة تعامل القيادة السورية مع السلطة الشرعية التي تمثلها حاليا حكومة فؤاد السنيورة الشرعية والمعترف بها عربيا ودوليا على أوسع نطاق، وضرورة اعتراف السوريين بوجود غالبية نيابية فازت في انتخابات حرة والتوقف عن وصفها بـ"الغالبية الوهمية" والقول ان الشعب السوري "يكره فريق 14 آذار" لأنه يضم القوى الاستقلالية. وهذا التغيير المطلوب في موقف دمشق من شأنه ان يعزز الوحدة الوطنية بين اللبنانيين وان يسهل المصالحة بين لبنان وسوريا كدولتين مستقلتين.

ثالثا، يجب ان تتقبل سوريا الجهود العربية والدولية المختلفة لحل الازمة اللبنانية، وأن تتعاون هي وحلفاؤها معها بانفتاح وايجابية وان تتخلى، بالتالي، عن اجرائها على أن تكون هي صاحبة القرار الاساسي في لبنان كما كانت الحال خلال سنوات هيمنتها عليه، لأن هذا الامر مرفوض لبنانيا وعربيا ودوليا على أوسع نطاق.

رابعا، يجب ان تتجاوب سوريا فعليا وليس كلاميا مع متطلبات قرارات مجلس الامن ذات الصلة بلبنان وبالعلاقات اللبنانية – السورية ومنها القرار 1701 الذي يهدف الى المحافظة على لبنان كدولة موحدة مستقرة آمنة وليس التعامل معه كساحة مواجهة مفتوحة يستخدمها السوريون والايرانيون لتصفية حساباتهم مع دول أخرى ولمحاولة عقد صفقات مع هذه الدول على حساب الشعب اللبناني ومصالحه.

خامسا، يجب ان تمتنع سوريا عن وضع عقبات، سواء بشكل مباشر او عبر حلفائها، أمام المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية أخرى، لان المحكمة والتحقيق الدولي المرتبط بها مطلبان أساسيان ليس فقط للشعب اللبناني بل ايضا للمجتمع الدولي وللمجموعة العربية ككل. وليس واردا وقف العمل بالمحكمة الدولية وتجاهل نتائج التحقيق الدولي.

وأوضحت المصادر ذاتها ان هذا التغيير الجوهري المطلوب من سوريا هو "الثمن" الذي حددته فرنسا لتحقيق الانفتاح السياسي على نظام الاسد ولبدء مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين.

الانفتاح المشروط إحراج لسوريا

ووفقا لديبلوماسي أوروبي بارز معني بالملف اللبناني فان سياسة "الانفتاح المشروط" على سوريا التي تعتمدها فرنسا في عهد ساركوزي ويعمل وزير الخارجية برنار كوشنير على تطبيقها "تشكل، في الواقع، احراجا حقيقيا لنظام الاسد وتحديا له، فالمسؤولون السوريون يتهمون الرئيس السابق جاك شيراك بأنه هو المسؤول عن تأزم العلاقات بين فرنسا وسوريا لانه أغلق باب الحوار مع نظام الاسد واتخذ مواقف عدائية منه وقدم دعمه الكبير الى لبنان المستقل وحرض الاوروبيين والاميركيين والمجتمع الدولي عليه، لانه صديق الرئيس الحريري ولأنه يحمل سوريا مسؤولية اغتياله. والآن فتح ساركوزي باب الحوار مع سوريا، لكن هذا الحوار ليس هدفه التضحية بلبنان المستقل وتحقيق مصالح سوريا في هذا البلد، بل ان هذا الحوار له ثمن ويتطلب انطلاقه اقدام القيادة السورية على إحداث تغيير جذري في سياستها حيال لبنان يشمل خصوصا التخلي عن نزعة الهيمنة عليه. وهذا يشكل احراجا لدمشق، إذ ان ما يريده نظام الاسد ليس التخلي عن خططه للهيمنة على لبنان بل دفع فرنسا والدول الاخرى المعنية بالامر الى ان تقيم معه شراكة سياسية لمعالجة أزمة لبنان وضمان انتخاب رئيس جديد للجمهورية تطمئن اليه القيادة السورية كليا مما يؤدي الى عودة النفوذ السوري الواسع عليه. وهذا المطلب السوري مرفوض كليا من فرنسا ومن سائر الدول الداعمة للبنان المستقل".

وشدد هذا الديبلوماسي الاوروبي على ضرورة الاطلاع على حقيقة موقف ساركوزي من قضايا المنطقة ومن مجمل الاوضاع فيها لكي ندرك فعلا ابعاد وأهداف السياسة التي يعتمدها حيال لبنان وسوريا. والخطاب الذي ألقاه ساركوزي امام سفراء فرنسا في العالم يوم 27 آب الماضي في باريس وحدد فيه المبادىء والخطوط الاساسية للسياسة الخارجية لبلاده يكشف بوضوح أن الرئيس الفرنسي معاد بقوة لسياسات المحور السوري – الايراني وخططه ورافض لها، وذلك من خلال تركيزه على الامور الرئيسية الآتية:

أولا، أكد ساركوزي في خطابه هذا ضرورة مواجهة القوى المتطرفة والمتشددة في المنطقة ومساعدة "قوى الاعتدال والحداثة" في الدول العربية والاسلامية من أجل تجنب وقوع مواجهة بين الاسلام والغرب. وليس خافيا على اي من المسؤولين العرب والاجانب ان المحور السوري – الايراني هو الذي يعتمد على القوى الاكثر تشددا وتطرفا، بما في ذلك على عناصر من تنظيم "القاعدة" كما هي الحال في لبنان والعراق، من أجل محاولة تنفيذ مخططاته الهادفة الى اضعاف الانظمة العربية المعتدلة وتغيير موازين القوى في المنطقة لمصلحة دمشق وطهران.

ثانيا، اتخذ ساركوزي موقفا معارضا بشدة للانقلاب الذي نفذته حركة "حماس" في قطاع غزة في حزيران الماضي ضد السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية، وهو انقلاب تم وفقا لمعلومات جهات عربية واوروبية عدة بتشجيع من القيادة السورية وبدعم من ايران. فقد حذر الرئيس الفرنسي في خطابه هذا من أن اقامة دولة "حماس" او "حماستان" في غزة "سيمهد لسيطرة الاسلاميين المتشددين على كل الاراضي الفلسطينية، وهو أمر لن ترضخ له فرنسا". وهذه هي المرة الاولى التي يتخذ فيها زعيم أوروبي مثل هذا المقوف العلني القوي ضد "حماس" وسياساتها المدعومة من سوريا وايران.

ماذا يريد ساركوزي من دمشق؟

ثالثا، بدا ساركوزي اكثر تشددا من شيراك حيال البرنامج النووي الايراني، إذ أكد بوضوح وحزم ان فرنسا "لن تقبل امتلاك ايران السلاح النووي" وأن "الازمة الايرانية هي الاكثر خطورة في العالم". وذهب ساركوزي الى حد تحذير ايران في خطابه هذا من التعرض "للضغط العسكري" في حال تجاهلت العروض والاقتراحات التي قدمتها اليها الدول الكبرى لاقامة تعاون واسع متعدد الجانب معها في مقابل وقف عمليات تخصيب الاورانيوم، وكل الجهود المبذولة لامتلاك السلاح النووي.

ووفقا لديبلوماسي أوروبي مطلع فان ساركوزي، بموقفه هذا يريد افهام ايران انها ستتحمل هي مسؤولية "الكارثة" التي ستقع في حال تعرضت لعمليات حربية اميركية نتيجة تشددها واصرارها على مواصلة خططها لانتاج القنبلة النووية.

رابعا، يبدو واضحا ان ساركوزي يرفض ان يكون الرئيس اللبناني الجديد سوري التوجهات والمواقف، وان يتم فرضه على اللبنانيين خارج اطار الانتخابات الحرة والديموقراطية. لذلك حرص في خطابه هذا على تأكيد تمسك بلاده "بالحرية الكاملة للبنان وباستقلاله وسيادته كما حددها قرارا مجلس الامن 1559 و1701" وشدد على ضرورة انتخاب الرئيس الجديد ضمن المهلة الدستورية ووفقا للدستور وعلى ان "اللبنانيين يجب ان يجدوا أنفسهم في الرئيس الجديد الذي يجب ان يكون قادرا على العمل مع الجميع: في الداخل مع كل الطوائف وفي الخارج مع جميع الشركاء الكبار للبنان". ودعا "جميع اللاعبين الاقليميين ومنهم سوريا، الى العمل على تشجيع التوصل الى حل كهذا. وفي حال التزمت دمشق هذا الخط بوضوح ستكون شروط الحوار الفرنسي – السوري مجتمعة، واذا لم تلتزم هذا الخط فلن يكون هناك حوار مع دمشق".

وكشف مسؤول عربي بارز تقوم بلاده بدور الوسيط بين باريس ودمشق "أن ما يريده المسؤولون الفرنسيون في المرحلة الراهنة من القيادة السورية هو ان تطلب من حلفائها تأمين انعقاد جلسة لمجلس النواب في حضور جميع أعضائه، وفي حضور اكثر من ثلثي الاعضاء من اجل انتخاب الرئيس الجديد اما على أساس التفاهم المسبق بين الغالبية والمعارضة على مرشح للرئاسة استقلالي التوجهات ومقبولا فعلا من الطرفين وكذلك من المجتمع الدولي والمجموعة العربية ولا يكون معاديا لسوريا، وأما على اساس افساح المجال امام التنافس الحر الديموقراطي بين مرشحين بحيث يختار النواب من يرونه الافضل لتولي هذه المسؤولية".

وأوضح المسؤول العربي: "اذا كانت القيادة السورية تريد التجاوب فعليا مع الانفتاح الفرنسي المشروط عليها، فيجب ان تتخلى عن موقفها المتشدد القائم على أساس ان الرئيس اللبناني التوافقي هو الذي يرضي السوريين وحلفاءهم وحدهم وليس الغالبية العظمى من اللبنانيين".

وحذر من انه اذا ما "أقدم السوريون على وضع عقبات امام اجراء انتخابات رئاسية حرة وحقيقية في لبنان، فان العلاقات بين نظام الاسد والكثير من الدول وبينها فرنسا ستكون مرشحة للتدهور والتأزم مع ما يمكن ان يتبع ذلك من اتخاذ اجراءات دولية ضد سوريا".

عبد الكريم أبو النصر

النهار (14 09 2007)

 

مزيد من المقالات

14 09 2007

 

أي موانع لاتفاق مبكر ما دام الجميع مع رئيس توافقي؟

سوريا تمسك بالنصاب لتتحكم بنتائج الانتخابات

رفض مبادرة برّي يدفع نحو مواجهة شاملة

موقف لارسن في الفاتيكان يربك بيدرسن في بيروت.. ويترك تساؤلات

هل ثمة خطة مدبّرة كي يعود قرار الحسم إلى مجلس الأمن؟

الحذر الداخلي كما الخارجي حيال مبادرة بري يتصل بظروفها الاقليمية

قوى 14 آذار تركت ورقة التفاوض برسم كوشنير

باريس للأسد: استقلال لبنان لن يهددكم

ساركوزي معادٍ لخطط المحور السوري – الايراني

أطراف المعارضة تلتقي على قراءة سلبية لرد الموالاة

«معطيات خارجية خلفه... والاستحقاق دخل في النفق»

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى