|
|
|
آخر تحديث Saturday September 16, 2006 الساعة 10:55:19 PM |
تذكّر الأزمة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي، ايهود أولمرت، بسبب تصرفات رفاقه في قيادة حزب «كديما» ووزرائه في الحكومة، وبسبب مفاوضاته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، على إعلان المبادئ لتسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، بالأزمة وبالمصير اللذين انتهى إليهما رئيس الحكومة الأسبق ووزير الدفاع اليوم، ايهود باراك، بعد مفاوضات كامب ديفيد في العام 2000. فالائتلاف الكبير والقوي الذي يقوده في الحكومة، وهو من أقوى الائتلافات الحكومية في تاريخ السياسة الإسرائيلية، بدأ يهتز بعنف. حزبان اثنان يهددان بالانسحاب من الحكومة إذا شمل الاتفاق حديثاً عن تقسيم القدس، هما حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين وحزب «إسرائيل بيتنا» اليميني المتطرف. وهناك ضغوط داخلية في حزب العمل للانسحاب من الحكومة، لأن الحزب تعهد أمام جمهوره، بأن ينسحب من الحكومة في حال صدور تقرير لجنة فينوغراد للتحقيق في إخفاقات حرب لبنان. هذا إضافة الى ان وزراء في حزب «كديما» الحاكم، حزب أولمرت، أعلنوا عن تحفظات على إعلان المبادئ الجاري التفاوض حوله، ومن بينهم وزيرة الخارجية والنائبة الأولى لرئيس الحكومة تسيبي ليفني، ووزير الأمن الداخلي آفي ديختر. بل ان وزير المواصلات، شاؤول موفاز، الذي شغل في السابق منصبي رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع، طرح مشروعاً آخر مضاداً ينسف إعلان المبادئ تماماً. ورئيس حزب العمل وزير الدفاع إيهود باراك، صرح بأن هناك حاجة لبقاء الجيش الإسرائيلي خمس سنوات أخرى في الضفة الغربية قبل أن يتم التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين. من جهته، يمارس الجيش الإسرائيلي ضغوطاً لنسف تعهدات أولمرت بإزالة بضع عشرات من الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، ويتحدث عن اجتياح كبير متوقع في قطاع غزة ويواصل حملات الاعتقال والخطف اليومية في المناطق الفلسطينية وغيرها من الاعتداءات والاستفزازات. وفي الوقت نفسه يمتنع الجيش عن تنفيذ قرارات الحكومة ومحكمة العدل العليا القاضية بإزالة مجموعة من النقاط الاستيطانية التي تعتبر، حتى في نظر القوانين الإسرائيلية، غير شرعية كونها لم تبنَ وفقاً لقوانين وتراخيص البناء المرعية. إزاء كل ذلك يواصل أولمرت المفاوضات حول إعلان المبادئ والتحضير لمؤتمر واشنطن في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل بكل قوة وعزم. والمماطلة التي يمارسها اليوم، ما هي إلا محاولة لاستغلال الوقت في اقناع رفاقه وحلفائه بصحة خطواته. والحال ان أولمرت يقوم بكل هذا النشاط لهدف شخصي يفوق أهمية التوصل الى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني على إنهاء الصراع. فهو يتعرض لحملة كبيرة, ومنذ الحرب الأخـــيرة في لبنــان وشعبيته الى تراجع. وهو اليوم آخر المسؤولين البارزين الذي بقوا في مواقعهم منذ الحرب، إذ ان رئيس أركان الجيش، دان حالوتس، استقال من منصبه واعتزل، وقائد اللواء الشمالي في الجيش، أودي آدم استقال واعتزل ووزير الدفاع عمير بيرتس، أطيح به في حزب العمل فاستقال ولم يعتزل. الغالبية الساحقة من المراقبين تنتظر أن يضطر أولمرت للاستقالة بعد أن تصدر لجنة فينوغراد تقريرها النهائي في غضون بضعة شهور. وليس هذا فحسب، فهناك عدة ملفات تحقيق جاهزة في الشرطة كلها فتحت في أعقاب الشبهات التي حامت حول أولمرت في مجال الفساد المالي، وفي إحداها يشتبه بأنه حاول تفصيل شروط عطاء لبيع اسهم أكبر البنوك الإسرائيلية، لكي تلائم شركة لصديق له في استراليا؟ وفي أخرى يشتبه بأنه باع بناية في القدس بسعر يزيد عن سعرها، وانه حصل على الزيادة كتبرع غير قانوني. أولمرت قرر ان لا ينتظر حتى تنفجر في وجهه هذه الملفات، بل أن يفعل شيئاً لمواجهتها. والمواجهة هنا ليست فقط في تسليم أمره الى كوكبة من كبار المحامين للدفاع عنه وتمثيله أمام المؤسسة القضائية, لكنه توصل الى قناعة تتمثل في أن السبيل الوحيد للمواجهة هي في حرف النقاش عن هذه القضايا وإشغال الجمهور في قضايا أهم وأكثر درامية. القضايا الأهم هنا تنحصر في مجالين اثنين هما: انطلاق عاصفة من المفاوضات السلمية المتفائلة, أو الانطلاق الى عملية عسكرية كبيرة. وأي تطور كهذا من المفروض أن يساعد أولمرت في معركته للبقاء في الحكم، إذ ليس من المتبع في إسرائيل أن يقال رئيس حكومة وهو يفاوض في قضية مصيرية أو وهو يدير حرباً ضد العدو. وإذا كان الخيار لأولمرت شخصياً، فإنه لا يحبذ الحرب في هذا الوقت بالذات. فهو خارج للتو من فشل ذريع في الحرب على لبنان ولا يزال يلعق جراحه منها، بل إنها تحولت الى شيطانه الذي يرافقه وينغص حياته ويشوش على كل حساباته ولا يضمن بأن يخرج منها منتصراً في كل الأحوال. وفي الحرب، على الطريقة الإسرائيلية، قلّما يكون رئيس الحكومة رجلاً أول، ويظل تأثير الجيش هو الأبرز خصوصاً في حال تحقيق الإنجازات. لذلك يلجأ أولمرت الى العملية السياسية. وإذا كان متردداً في الماضي في خوض هذه التجربة، فإنه اليوم، بعد الانقلاب الذي تقوده «حماس» في قطاع غزة، يندفع للتفاوض مع أبو مازن كما لو انها فرصة العمر التي لن يسمح بأن تضيع. وهناك من يقول ان أولمرت وأبو مازن اتفقا عملياً على صيغة شبه نهائية لإعلان المبادئ، وأن ما يعيق نشرها هو الأوضاع الداخلية في إسرائيل وفي السلطة. فكلاهما يحتاج الى وقت لتأهيل الرأي العام لقبولها, بيد انهما متفقان على طرحها في مؤتمر واشنطن في تشرين الثاني المقبل. فهذه مناسبة تاريخية لإسرائيل، حيث ان المزيد من الدول العربية ستنضم الى قناة التفاهم معها. لكن مشكلة أولمرت ان جميع السياسيين في إسرائيل وكذلك العسكريين ينظرون اليه على انه رئيس حكومة موقتة. والغالبية الساحقة منهم تعتقد بأن أولمرت سيضطر الى ترك مقعده، بالاستقالة أو بالإقالة، بعد ظهور نتائج التحقيق النهائية في اخفاقات حرب لبنان أو مع صدور أول لائحة اتهام في قضايا الفساد. ويعرفون بأن اندفاعه الى المفاوضات هو في الأساس حجة يتذرع بها بهدف إنقاذ مصيره السياسي. والمشكلة الكبرى التي يواجهها أولمرت اليوم هي في حزبه «كديما». فهناك يطرحون القضية على انها قضية مصيرية تتعلق بمستقبل الحزب, وكثيرون من رفاقه يفضلون بأن يستقيل من قيادة الحزب ومن رئاسة الحكومة. ولكن إصرار أولمرت على البقاء في كرسيه يحرجهم ويخضعهم لضغوط ويهدد بخسارتهم الكثير من مؤيديهم. وإذا اضطر أولمرت الى الاستقالة ستطبع وصمة على جبين الحزب من شأنها أن تؤدي الى انهياره في الانتخابات المقبلة. ولذلك فإن قياديين في «كاديما» يحاولون الظهور بمظهر المستقلين عن أولمرت في المواقف السياسية، وقد وجدوا في إعلان المبادئ أهم موضوع للمعارضة. وإذا لم يأته تأييد، مثل أن تتدخل وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس أو أحد مساعديها أو حتى سفيرها في تل أبيب مع سياسيين إسرائيليين لإقناعهم بدعم أولمرت، لن يكون مفاجئاً أن يفشل أولمرت في التقدم في هذه المسيرة. وأن يرضخ للعسكريين ويتجه نحو مغامرة عسكرية للتملص من المكائد السياسية التي تنتظره. وهكذا، فإن أولمرت أمام خيارين: إما أن يصل الى مؤتمر واشنطن مجروحاً وإما أن لا يصل. أمال شحادة الحياة (16 09 2007) |
|
||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||