|
|
|
آخر تحديث Saturday September 23, 2006 الساعة 10:23:10 AM |
سقط أنطوان غانم شهيدا. كأن لكل استحقاق «أمنه». لكل حدث لونه الأحمر الذي لا بد منه. لكل انتكاسة سياسية مقدماتها الأمنية. لكل بارقة أمل عند كل اللبنانيين، من يتربص بها ويريد أن يقضي عليها في مهدها. اعتقد اللبنانيون أن شيئا جديا كان قيد التبلور في الأيام الأخيرة وسيجد تعبيراته في الطالع من نهاراتهم. كبرت «مبادرة بعلبك» وكبرت حلقة تأييدها، داخليا وخارجيا. كان مقررا أن يزور الرئيس نبيه بري بكركي ظهر يوم غد الجمعة، ومن بعدها يتصل بالنائب سعد الحريري، بناء على وعد سابق، للاتفاق على لقاء قبل نهاية الأسبوع الحالي، تمهيدا لارتسام مشهد جديد في جلسة الخامس والعشرين من أيلول من دون كبير أوهام حول إمكان التوافق الرئاسي سريعا. .. وفجأة تحول موعد بكركي، موعد جنازة الشهيد النائب انطوان غانم، بينما أصبح أول لقاء مفترض بين المعارضة ممثلة بالرئيس بري والأكثرية ممثلة بالنائب الحريري، خبراً تائهاً في مهب مسلسل الاتهامات الذي أطل برأسه مجددا، عبر حديث الأرقام والأكثرية والأقلية و»حصر» الاتهام باتجاه وحيد أوحد. وهكذا جاء القتل وأدخل لبنان واللبنانيين في دائرة الأمن والتوتر والقلق... تغير لبنان الذي عرفه أهله مختلفا منذ ولادته قبل نحو قرن من الزمن، وعلى مر الأحداث التي تعاقبت عليه، وخاصة أيام الحرب الأهلية السوداء. لكأن هوية جديدة ترتسم للبنان اليوم. هوية الموت و»الدول» والانكشاف السياسي والأمني والشرخ السياسي الداخلي المستعصي على الحل منذ نحو ثلاث سنوات. لبنان في حداد وطني من قبل أن تضرب يد الغدر، مجدداً، فتغتال النائب أنطوان غانم، ومعه كوكبة من المواطنين عابري السبيل في طريق العودة إلى بيوتهم حيث ينتظرهم أحبتهم، أو في الطريق إلى مصادر الرزق التي ضاق فيها الرزق بقدر ما ضاقت أسبابه في هذا الوطن الجميل. ولقد غالب الحزن السؤال الذي قد تتعدد أجوبته لكنها لا تشفي غليل السائل الغارق في قلقه: لماذا أنطوان غانم؟! لماذا هذا النائب الوديع الذي نادراً ما سمع المواطنون صوته، والذي لم يُعرف عنه الميل إلى المشاغبة والمشاجرة، وكان أقرب إلى نائب الخدمات في الأحزاب التقليدية منه إلى «المقاتل» في الميليشيات التي لا تعرف كيف تخرج من دائرة الحرب الأهلية.. ومن الظلم أن نعتبر النائب الذي ضربه الإرهاب، أمس، فأرداه «مجرد رقم» إن نقص تعذر على «الأكثرية» أن تقرّر للبنان مصيره، ولو أن الضربة قد أخطأته لكان كل شيء على ما يرام. فلا الأكثرية أكثرية إلا في التحدي. ولا الأقلية أقلية لو أنها واجهت التحدي بالتحدي. لبنان مشروخ، كياناً ودولة وشعباً، ولا تنفع لعبة الأرقام في معالجة الشرخ الذي كان أفقياً وها هو يتمدد عمودياً فيفصل الذراع عن الكتف والقلب عن الصدر والرأس عن العنق، وإذا ما توزع الشعب مجموعات من الأقليات فأين يكون الوطن.. سقط انطوان غانم شهيدا، على عتبة 25 أيلول، فاتحة الاستحقاق الرئاسي، فإذا بـ«جلسة النوايا» تصبح مشروعا للاشتباك السياسي، وإذا بالاستحقاق الرئاسي نفسه، يبتعد بمعناه التوافقي «المصيري»، كما وصفه «النداء الثامن» للمطارنة الموارنة، ليتقدم على حسابه، منطق التحدي والاستفزاز والانتقام والاتهام على شاكلة سؤال سمير جعجع للمعارضة «عما بقي يجمعنا بكم في هذا البلد.. اذا استمرت مواقفكم غير مشرفة كما حصل في المرات السابقة». وفيما كان يفترض أن تشكل دماء الشهيد أنطوان غانم، سدا يقطع الطريق أمام المتربصين بالسلم الأهلي، وذلك من خلال إظهار مدى عصيان البنية السياسية اللبنانية، بكل تلاوينها السياسية والطائفية، على مشاريع الفتنة والفوضى والقتل والارهاب والاغتيال، فإن هذه الجريمة، بدت مسرباً للمزيد من التشظي الداخلي، وبتحريض أميركي لافت للانتباه، عبّرت عنه السفارة الأميركية ببيان لا يليق بالأصول والأعراف الدبلوماسية، اتسم بلهجة حادة ضد قوى المعارضة مع ملاحظتها «أن العديد من السياسيين اللبنانيين المتحالفين مع سوريا، كانوا في الواقع قد حذروا من أن العنف والقتل سيكونان نتائج لأي جهد حقيقي لممارسة الديموقراطية البرلمانية»، معتبرة أنها «ليست مصادفة أن تستهدف هذه الاعتداءات الشخصيات التي تعمل على تأمين استقلال لبنان ومنع تجدد الهيمنة السورية». وإذا كانت الأكثرية قد تصرفت بمنطق واحد مع كل اغتيال يستهدف رمزا من رموزها أو تفجير يطال أية منطقة لبنانية، فإن وقائع الساعات التي تلت الجريمة أظهرت فرزا حقيقيا، بين من يريد الاستثمار السياسي السريع، وهو الأمر الذي سيعبر عنه، كل من سمير جعجع ووليد جنبلاط، في مؤتمريهما الصحافيين، اليوم، بالدعوة الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية سواء بالأكثرية زائدا واحدا أو «بمن حضر»، سواء قبل 25 أيلول أو بعده، للاستفادة من الزخم الدولي «الحامي»، وبين من دعوا الى التعاطي بعقلانية وهدوء كالرئيس أمين الجميل الذي أصر على ضبط النفس والتحلي بالهدوء وعدم استباق التحقيق وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه النائب بطرس حرب و»التكتل الطرابلسي». أما رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري، فقد تلقف الإفطار الرمضاني في دارته في قريطم، من أجل رفع سقف خطابه السياسي ضد سوريا، ولكنه حافظ على سقف سياسي هادئ داخليا عبر قوله «سنحفظ الدستور والطائف والديموقراطية وسنذهب للاستحقاق الرئاسي موحدين متضامنين»، ولو أنه أضاف للمحكمة الدولية مهمة جديدة هي محاسبة «هؤلاء الذين يعطلون الانتخابات الرئاسية»! ونعى حزب الكتائب وقوى 14 آذار النائب غانم، ووجها الدعوة الى إضراب عام وحداد اليوم، على أن يعقد اجتماع موسع للأكثرية في بيت الكتائب ظهر اليوم من أجل تحديد مراسم جنازة التشييع المقررة ظهر يوم غد. وبينما شدد رئيس الجمهورية اميل لحود على أن الجريمة تستهدف التوافق، توافقت المعارضة، على استنكار الجريمة واعتبارها موجهة ضد مبادرة الرئيس بري الذي أكد أمام زواره، مساء أمس، أنه أكثر إصرارا من أي وقت مضى على منطق التوافق وإنقاذ الاستحقاق الرئاسي، وقال إن جلسة الخامس والعشرين من أيلول ما تزال قائمة ونفى أية نية بتأجيلها، ودعا الى التجاوب مع دعوة الأكثرية الى الإضراب العام والحداد الوطني اليوم. وأدان «حزب الله» الجريمة بشدة ووضعها في خانة استهداف الأمن والاستقرار في لبنان ومناخات التوافق والأمل بالتوصل الى تسوية سياسية في البلاد، داعيا الى الرد على الجريمة بتفويت الفرصة على العابثين بالأمن ودعاة الفوضى والى الحفاظ على الوحدة الوطنية والتضامن وتغليب التوافق. واعتبر النائب ميشال عون أن السلطة مطالبة بكشف مرتكب الجريمة ولو كانت سوريا وذلك قبل توجيه أي اتهام. وطالب القيادات اللبنانية بمعاكسة هدف الجريمة إن كان الهدف منها ضرب الاستحقاق الرئاسي وطالب القيادات السياسية بالسير بمبادرة الرئيس بري، وأيّد الدعوة الكتائبية للإضراب العام. أما رئيس الحكومة فؤاد السنيورة العائد من السعودية، فقد أصدر بيانا اعتبر فيه أن الجريمة تأتي ردا على تمسك اللبنانيين بنظامهم الديموقراطي البرلماني وهم سيردون بانتخاب رئيس جديد منتخب من نواب الأمة مهما كبرت المؤامرة. وبعث السنيورة برسالة خطية الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون طالبه فيها بضم ملف جريمة غانم الى ملف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وأعلن وزير التربية خالد قباني عن إقفال المدارس والجامعات الرسمية والخاصة اليوم وغدا، فيما دعت الهيئات الاقتصادية الى الإقفال العام اليوم بما في ذلك المصارف. ودعت نقابة المحامين التي ينتمي الشهيد غانم اليها، الى التوقف عن حضور الجلسات اليوم وغدا. وعبر السفير السعودي عبد العزيز خوجة عن «بالغ التأثر بالجريمة، في الوقت الذي كانت فيه الجهود منصبة على الخطوات الرامية الى حماية لبنان وإخراجه من أزمته السياسية الحالية». وقال «إننا نؤكد ان الرد على الجريمة لا يكون إلا بزيادة قوى الارادة الجامعة عند اللبنانيين بتحقيق الوفاق وانتخاب رئيس جديد للجمهورية». وقائع التفجير وفي الوقائع المتصلة بجريمة الاغتيال، تبين أن النائب غانم، كان يقوم، بزيارة خاصة لمكتب صديقه المحامي سمير شبلي في محلّة حرج ثابت عندما استهدفت سيارة مفخخة بأكثر من 30 كيلوغراماً موكبه فقتل على الفور مع اثنين من مرافقيه كما قتل ستة مواطنين آخرين صودف مرورهم في المكان، وجرح 56 شخصاً. وحسب معلومات أمنية، فإنّ النائب غانم الذي عاد يوم الأحد الماضي إلى لبنان من دولة الإمارات العربية المتحدة كان خاضعاً لمراقبة لصيقة استطاعت معرفة حركة تنقلاته والأماكن التي يتردّد إليها أو التي ينوي زيارتها، مما يذكر بما واكب جريمة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني من مراقبة لتحركاته بعد عودته من السفر. وذكرت معلومات أمنية أنّ العبوة الناسفة كانت موضوعة داخل سيّارة من نوع «مرسيدس» لفّ من الطراز القديم، بيضاء اللون، كانت مركونة إلى جانب الطريق العام لحظة مرور سيّارة غانم وقد جرى تفجيرها لاسلكياً عن بُعد. وأحدث الانفجار حفرة بقطر 210 سنتيمترات. وأفاد مصدر أمني «السفير» أنّ العبوة كانت موجّهة بحيث تصيب سيّارة غانم مباشرة ولا تترك مجالاً لمن فيها للنجاة. كما علمت «السفير» من مصادر أمنية أخرى أنّ العمل جار على التدقيق في رقم محرّك سيارة «المرسيدس» ورقم «الشاسي» لمعرفة مالكها أو الجهة التي كانت بحوزتها لعلّها تقود إلى كشف اللثام عن الجهة التي تقف وراءها. تنديد عربي ودولي بالجريمة على الصعيد الدولي والعربي، صدرت موجة مواقف منددة بالجريمة، وعبر أعضاء مجلس الأمن الدولي عن إدانتهم للاغتيال. ومن المتوقع أن يصدر المجلس بيانا صحافيا يؤكد فيه إدانته لأي محاولة لزعزعة سلامة لبنان واستقراره. وفي أعقاب اجتماع مجلس الأمن صباح أمس خرج المندوب الفرنسي جان موريس ريبير الذي ترأس بلاده دورة المجلس الشهر الحالي ليندد بالتفجير ويعبر عن إدانة أعضائه له. وقال ريبير، «لقد علمنا خلال جلسة صباح اليوم (أمس) بالتفجير الذي شهده حي مسيحي في بيروت. ومجلس الأمن بالطبع يدين هذا التفجير الجديد وكذلك أي محاولة لزعزعة استقرار لبنان في هذه الفترة الهامة للغاية». ولدى إجابته باللغة الفرنسية على أسئلة الصحافيين لم يستبعد ريبير أن يكون للتفجير صلة بالانتخابات الرئاسية المقررة في لبنان. وأضاف المندوب الفرنسي أنه من المهم أن تجري عملية الانتخابات في لبنان في موعدها المقرر ووفقا للدستور اللبناني «وهي عملية تبدأ في الرابع والعشرين من الشهر الحالي وتنتهي في الرابع والعشرين من (تشرين الثاني) نوفمبر. وأنتم تعرفون دور البرلمان في هذه العملية الانتخابية ونحن ضد أي عمل من شأنه تعطيل هذه المسيرة». وردا على سؤال لمندوب «السفير» في نيويورك حول احتمال عقد اجتماعات لقادة الدول المعنية بالشأن اللبناني على هامش أعمال الجمعية العامة التي تباشر أعمالها الأسبوع المقبل، قال المندوب الفرنسي «سأكون مندهشا لو لم يتم تناول الشأن اللبناني في هذه الدورة ومن المؤكد أن لبنان من القضايا المطروحة في العديد من الاجتماعات الجانبية». وأدانت الولايات المتحدة الانفجار. وندد الرئيس الاميركي جورج بوش بمحاولات ايران وسوريا زعزعة لبنان. وقالت المتحدثة باسم البيت الابيض جانا بيرينو إن ثمة نمطا لحوادث القتل التي وقعت في السنوات الاخيرة استهدف من «سعوا علنا لوضع نهاية للتدخل السوري في شؤون لبنان الداخلية»، وأكدت الخارجية الأميركية دعمها لحكومة الرئيس السنيورة وتحدثت أيضا عن نمطية معينة للاغتيالات تستهدف معارضي سوريا في لبنان. وندد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي «بأشد العبارات» بالاعتداء وأعرب عن أمله في أن تكشف ملابسات هذه الاغتيالات الشنيعة وان تتم إحالة مقترفي هذا العمل الشنيع على القضاء» مؤكدا «مجددا وبقوة تمسكه باستقرار لبنان وسيادته واستقلاله ووحدته». وأدان الجريمة كل من الامين العام للامم المتحدة بان كي مون وروسيا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وايطاليا والجامعة العربية ومصر وايران والاردن ومنظمة التحرير الفلسطينية بالاضافة الى سوريا، حيث نقلت وكالة «سانا» السورية الرسمية عن «مصدر إعلامي سوري» قوله «إن هذا العمل الإجرامي يستهدف ضرب المساعي والجهود التي تبذلها سوريا وآخرون من أجل تحقيق التوافق الوطني اللبناني». وشدد المصدر على حرص سوريا «على أمن لبنان الشقيق واستقراره ووحدته». السفير (20 09 2007) |
|
||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
|||||||||||||