تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Sunday September 24, 2006 الساعة 07:55:31 PM

تحليل إخباري

اغتيال غانم والمحاذير الأمنية في منطقة بعبدا

سلاح وتجاذبات حزبية وحزام أمني للجيش

رفعت جريمة اغتيال النائب انطوان غانم، بفداحتها وانعكاسها المباشر على الاستحقاق الرئاسي حدة التوتر الذي تعيشه اصلا الساحة المسيحية، خصوصا في المنطقة التي كان يمثلها غانم انتخابيا.

لم تكن مصادفة إطلاقاً بحسب معلومات اكثر من طرف معني ان يستهدف غانم، نائب بعبدا - عاليه، في لحظة حرجة من الازمة المتفاقمة بين اطراف المجتمع المسيحي ولا سيما بعد الانتخاب الفرعي في المتن الشمالي. وليست مصادفة إطلاقاً كذلك ان تتزامن جريمة الاغتيال وتداول المراجع الامنية والسياسية والمحازبين في المتن الجنوبي معلومات يومية عن التوتر المتنامي بين المجمعات المكونة لتلك المنطقة والموجودة على تماس بين عاليه التي تشكل معقلا اساسيا للحزب التقدمي الاشتراكي، والضاحية الجنوبية بثقلها الشيعي السياسي والمسلح. فمنذ مدة غير وجيزة، بدأت معالم الانقسام تظهر بوضوح في منطقة المتن الجنوبي صعودا الى البلدات التي تشكل عمق قضاء بعبدا والقريبة من عاليه، وسط معلومات واتهامات يتبادلها مناصرو الاحزاب المتنوعة في المنطقة بالتسلح وإجراء تدريبات عسكرية.

تنقسم المنطقة بين ساحل المتن الجنوبي حيث ترتفع بوضوح نسبة حضور أنصار حزب "القوات اللبنانية" في عين الرمانة والشياح التي صوتت انتخابيا لمرشحي النائب العماد ميشال عون، لكنها اصبحت ميدانيا تحت مظلة "القوات"، باعتراف العونيين انفسهم الذين يردون السبب الى ان معظم سكان المنطقتين هم من خارجها انتخابيا. في حين أصبحت فرن الشباك تشكل ثقلا كتائبيا، بينما لا تزال بعبدا والحدث والحازمية تحت الأرجحية العونية، مع جيب سني - شيعي مناصفة لجهة بعبدا هو جيب سبنيه، لكن الوضع يتغير صعودا نحو بسابا وعاريا حيث يطغى الحضور "القواتي"، كما في كفرشيما جنوبا.

ويتقاسم العونيون والكتائبيون و"القواتيون" المناطق الاخرى المحاذية من الكحالة الى بدادون وحومال وبسوس، مع ارجحية عونية بحسب العونيين، فيما تشكل بلدتا القماطية وكيفون جيبين شيعيين مركزيين يتقاطعان من جهة مع بلدات مارونية من جهة، وبلدات درزية من جهة.

هذا الموزاييك المسيحي - الشيعي - الدرزي، والانقسام المسيحي بين فئات حزبية اربع هي "التيار الوطني الحر" والكتائب و"القوات" ومناصري الوزير الراحل الياس حبيقة، يجعل منطقة بعبدا الممتدة من الساحل الى الوسط بالغة الحساسية، في ظل تقاطع معلومات عن نقطتين حساستين: الاولى ان جميع المعنيين الحزبيين يقرون بوجود توتر ملحوظ "على الارض" منذ اكثر من شهرين، عززته مرارا حوادث متفرقة، لكن هذا التوتر لا يزال مضبوطا بتدخل القيادات الحزبية الواعية، وكذلك بفعل تدخل الجيش الموجود بقوة. ولأن القيمين على القوى المسيحية فيها يدركون خطورة أي تدهور امني في هذه المنطقة، يسعى بعضهم الى إنشاء "لجان ارتباط" محلية في عدد من البلدات لمنع اي تجاوزات ذات طابع مسلح.

أما النقطة الثانية فهي بالحديث المتكرر عن وجود سلاح بين ايدي مناصري الاحزاب. وعلى رغم ان الاتهامات والشائعات كثيرة، ويصعب الجزم في صحتها او عدمه، تؤكد معلومات امنية ان السلاح متوافر لدى مختلف المحازبين بذريعة ان السلاح الفردي موجود عادة في كل المنازل، وهذا الكلام يردده معظم المراجع الحزبية في المنطقة.

لكن اهمية الحديث هذه الأيام في هذا الموضوع تكمن في تداخل معلومات امنية وسياسية ترخي بثقلها على هذه المنطقة خلال الشهرين المقبلين. فقضاءا بعبدا – عاليه يشكلان اولاً وآخراً منطقة بالغة الحساسية نظرا الى وجود القصر الجمهوري ووزارة الدفاع فيها، ولهذا السبب تشكل البقعة الممتدة من الحازمية الى الجمهور وصولا الى بعبدا حزاما امنيا مضبوطا ومحكوما بالتدابير المتخذة لحماية القصر الجمهوري منذ الحديث عن محاولة التوجه اليه بعد اغتيال الوزير بيار الجميل في 21 تشرين الثاني من العام الماضي، وتعززت لاحقا بعد احداث مخيم نهر البارد. ولا تزال هذه التعزيزات موجودة باحكام في ظل احتمالات الفراغ الرئاسي والحديث عن توجه رئيس الجمهورية الى عدم تسليم القصر الى اي رئيس تنتخبه الاكثرية بالنصف زائد واحد. وهذا الحزام يضفي على المنطقة اطمئنانا مزدوجا يعول عليه بشدة اذا ما سارت الامور في منحى امني خطر.

لكن الاهمية الامنية والسياسية تنبع ايضا من ان المنطقة تحمل علامة فارقة بوجود عدد من الادارات والمؤسسات الرسمية والامنية التي تتاثر باحتمالات الفراغ الدستوري التي تقلق الجميع. وخطورة السيناريوهات المطروحة، كاحتمال نشوء حكومتين تكمن في إقدام أي من المجموعات المناصرة لهذه الحكومة او تلك على السيطرة على اي من المؤسسات او الوزارت الموجودة في هذه المنطقة البالغة الحساسية. والمعلومات المتوافرة حتى الآن ان الفريقين يرسمان خرائطهما اللوجيستية والسياسية بدقة استعدادا لاي من الاحتمالات المطروحة. وتتعدى خطورة قيام حكومتين الانقسام الدستوري والسياسي الى انقسام أشد حدة، مع عودة قوى المعارضة الى التلويح بترؤس العماد عون الحكومة الثانية اذا تعثر الانتخاب التوافقي على رئيس الجمهورية. وهذه المعلومات التي رشحت بعد اللقاء الاخير بين الرئيس نبيه بري والنائب عون اشارت الى ان المعارضة تطلب من عون القيام بدوره في الوقوف ضد الاكثرية، وان هذه الخطوة مرهونة بمدى استجابة عون الرافض حتى اليوم التماهي مع هذا الطرح لادراكه انعكاساته الخطرة سياسياً وميثاقياً، وميدانياً ايضاً .

ومع تجمع كل هذه الاوراق المتفجرة كان طبيعياً ان يزيد اغتيال النائب غانم حساسية الوضع بين مختلف الفئات السياسية التي تتشكل منها منطقة المتن الجنوبي. ولم يكن من التفصيل ابدا ان تتصاعد صرخات المستنكرين والمؤيدين لحزبي "القوات" والكتائب في تشييع غانم على بعد امتار من مستديرة الطيونة، مع ما تحمل هذه المنطقة من ذكريات مأسوية ومن حساسيات، وهي المتداخلة جغرافيا مع الضاحية الجنوبية. ولم يكن تفصيلا ان يتحدث النائب انطوان زهرا بعد ساعات على استشهاد غانم عن ضرورة اجراء انتخاب نيابي فرعي في دائرة بعبدا – عاليه لملء المقعد.

واذا كانت قوى 14 آذار ستذهب الى الانتخاب الفرعي في دائرة بعبدا عاليه، في حال ارجئت الانتخابات الرئاسية الى الايام العشرة الاخيرة ولم تحصل برعاية دولية، فان الخوف ان تتحول هذه الدائرة مسرحا ميدانياً للخلافات السياسية مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي. ومكمن الخطر ان العونيين يعتبرون اصلا مقاعد بعبدا النيابية "مسروقة" بحسب تعبيرهم من جراء التحالف الرباعي. واستشهاد غانم، على رغم الروابط التي كانت تجمعه بزملائه في "تكتل التغيير والاصلاح" ومحاولته التوفيق بين الكتائب والعونيين، لن يغير في نظرة "التيار الوطني الحر" الى المقعد. في مقابل اصرار متوقع من 14 آذار بكل مكوناتها، ولا سيما احزاب "القوات" والاحرار والكتائب والكتلة والتقدمي الاشتراكي على خوض الاستحقاق الانتخابي الفرعي، مما يعني ان تجربة المتن الشمالي ستتكرر، ولكن مع ارتفاع في منسوب التوتر نظراً الى الخريطة الجغرافية والسياسية في هذه المنطقة.

ولذلك تتخذ مساعي التهدئة اهمية مزدوجة، على خطين: التهدئة المحلية لمنع تفاقم مشكلة التجاوزات الامنية و"التحرشات الصبيانية"، والتهدئة السياسية في الموضوع الانتخابي. ويعوّل عليها لتجنيب المنطقة والمسيحيين كأسا مرة جديدة هم في غنى عنها، لانها تزيد مدماكا جديدا في خسائرهم.

هيام القصيفي

النهار (22 09 2007)

 

مزيد من المقالات

22 09 2007

 

هل يلبي جميع النواب نداء الوطن فيحضرون جلسة الانتخاب الرئاسي؟

الفارق الضئيل في الأصوات يشجّع المعارضة على مواجهة الموالاة

قبل الاغتيال بساعات كانت تسوية

استبعاد صدور قرار جديد لتبدل الظروف واستمرار سريان الـ 1559

المجتمع الدولي يمارس ضغطاً مزدوجاً لإجراء الانتخابات والتوافق

هل تطلب «الأكثرية» نقل جلسة الانتخاب من مجلس النواب إذا بقي الاعتصام؟

دم غانم «يحرر» الموالاة.. والمعارضة لن تسمح باستنساخ تجربة المحكمة

غتيال غانم والمحاذير الأمنية في منطقة بعبدا

سلاح وتجاذبات حزبية وحزام أمني للجيش

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007