|
|
|
آخر تحديث Sunday September 24, 2006 الساعة 11:55:08 PM |
عندما دخل القائم بالأعمال الفرنسي اندريه باران إلى مكتب وزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ، الجمعة الفائت، بقيت أبّهة الدولة الكبرى خارجاً، وكأن الدبلوماسي الذي دخل قصر بسترس يمثل دولة ضائعة في مجاهل الجغرافيا والتاريخ، وليس فرنسا العظمة والبلد الأقرب إلى لبنان ثقافيّا وتاريخيّا وصلات قربى ومصالح مشتركة! طمأن صلوخ الدبلوماسي الفرنسي، الى أن أوراق اعتماده ربما ضلّت الطريق في البداية، لكنها الآن قد أدركت المسار الصحيح وهي في طريقها الى قصر بعبدا! يختصر هذا المشهد وضعاً استثنائيّا في العلاقات ينبئ بوجود أزمة مكبوتة متعددة الوجوه والأغراض يعود بعضها إلى واقع الحال، وما سببه ضعف المؤسسات، والخلافات العميقة بين المسؤولين والقيادات من انعكاسات مباشرة على مجريات الأمور بين البلدين، فيما بعضها الآخر يعود إلى تورّط فرنسا في الأزمة الداخليّة من مقاربات فئويّة مختلفة. لقد غادر السفير السابق برنار إيمييه لبنان معترفاً برئيس الجمهوريّة، وزاره مودعا، وعقد معه اجتماع عمل تجاوز الوقت المحدد للزيارة، كما تجاوز طابعها البروتوكولي، ليتناول مواضيع سياسيّة وقضايا ثنائيّة، فيما يصل خلفه السفير الفرنسي الجديد إلى بيروت متخفيّا بلقب القائم بالأعمال، لتحاشي زيارة القصر الجمهوري وتقديم أوراق اعتماده إلى الرئيس اميل لحود! يقول البعض إن فرنسا أرادت معاملة لبنان بالمثل بعدما انتدبت بيروت الأمين العام بالوكالة ومدير الشؤون السياسيّة في وزارة الخارجيّة والمغتربين السفير بطرس عساكر الى باريس بصفة قائم بالاعمال، دون تزويده بمرسوم تعيينه كسفير فوق العادة مطلق الصلاحيات، ولا بأوراق اعتماده موقّعة من رئيس الجمهورية ليصار الى تقديمها الى رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي. صحيح ان السفير عساكر قد احتلّ المكانة التي يستحق لدى المسؤولين الفرنسييّن الذين يتعاطون معه من موقع «السفير الممتاز والمميّز»، لكن ذلك لا يشفي الندوب التي أحدثها هذا الخلل البروتوكولي نتيجة الخلافات المستحكمة عندنا بين رئاستي الجمهورية والحكومة، ما اضطر الحكومة الفرنسيّة الى الرّد بالمثل، بتعيين قائم بالاعمال، وعلى قاعدة: «كما تراني يا جميل أراك ؟!». لا ينطلي هذا التبرير على بعض الملمّين بخفايا الأمور. صحيح ان هناك خللاً بروتوكوليّاً تسبب به بعض هواة المسؤولية في الجانب اللبناني، لكن ما هو محجوب وراء هذه الأكمة أدهى بكثير ممّا هو باد في ظاهرها، والأمر هنا يتناول حقيقة سياسة فرنسا تجاه لبنان، ودورها من الازمة الراهنة، وموقعها من الاطراف كافة. إن إيفاد سفير فرنسي بلقب قائم بالأعمال يعني ان مشكلة فرنسا هي مع رئيس الجمهورية التي تريد أن تتجاهله وتتجاهل دوره في التركيبة اللبنانية، ولذلك حرصت على ألاّ يقدم سفيرها أوراق اعتماده الى هذا الرئيس تحديداً، بانتظار ان يصار الى انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة تعترف به فوراً، وتؤكد عمليّاً على هذا الاعتراف من خلال حمل سفيرها على تقديم أوراق اعتماده له. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الازدواجيّة التي تمارسها بين أن تعترف بهذا الرئيس من خلال الزيارة الوداعيّة التي قام بها سفيرها السابق، وبين عدم الاعتراف به، وتجاهل صلاحياته بإرسال سفير بلقب قائم بالأعمال لتلافي مقابلته وتقديم اوراق اعتماده له؟!. هذه الازدواجيّة مارسها بفظاظة وزير الخارجيّة برنار كوشنير، عندما أعلن في أول زيارة قام بها إلى بيروت بعيد وصوله إلى الكي دورسيه، بأن فرنسا ـ ساركوزي ستكون على مسافة واحدة من الجميع بخلاف ما كانت عليه السياسة الخارجية في عهد الرئيس جاك شيراك، ولكن تصرفاته جاءت مناقضة لأقواله، وقد قاطع رمزاً دستوريّاً مؤسساتيّاً بارزاً هو رئاسة الجمهورية، وبالتالي لم يكن «على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين» ولا ما بين قصر بعبدا والسرايا. هناك من يذهب إلى الأبعد ويتهمه بالسياسي الماكر الذي حاول ان يضع إسفيناً ما بين مسيحيي قوى الموالاة، وقوى المعارضة المتعاطفين مع موقع الرئاسة الأولى، كما حاول ان يزرع إسفينا ما بين قادة المعارضة، ورئيس الجمهورية المحسوب عليها وفق التصنيف الذي تقدّمه الموالاة، بحيث يجتمع الى العديد من المعارضين، ويقاطع الرئيس! وهذه الازدواجية تقود الى الحديث عن دور فرنسي مبتور، والدور المبتور لا ينتج مبادرة سوّية متوازنة شفافة بل مبادرة مبتورة، وهذا ما هو حاصل الآن مع رئيس الدبلوماسيّة الفرنسيّة الذي أغرق لبنان واللبنانيين بسيل من المواقف والتصريحات المتضاربة، المتناقضة، المتماهية بين الهزل والرصانة، والتي يكتنفها الكثير من الالتباس والغموض، والقابلة لشتى أنواع التحليل والتفسير والتخمين والاجتهاد... إنها أشبه بعملة مزيفة لكثرة وجوهها وتقاطعات رموزها ومؤشراتها. لقد زار كوشنير بيروت أربع مرّات حتى الآن، وبفترة زمنيّة قصيرة، وترك في أذهان اللبنانييّن قناعة بأن هناك مبادرة فرنسيّة مواكبة للاستحقاق الرئاسي، وأن هناك وزير «سوبرمان» قادر ان يتحرّك بقوة وفاعليّة، ويخاطب الغرب كما الشرق، ومن موقع القادر والمتمكن للعمل على وضعها موضع التنفيذ، وإذ بالنتيجة المرموقة بادية على محيّا الازمة واستمراريتها. فهل المصداقيّة الفرنسيّة أصبحت مدار بحث، ودخلت دائرة التشكيك؟ لم تبلغ الامور بعد هذا المستوى من الحدّة، لكن ثمّة أسئلة بدأت تفرض نفسها حول حقيقة السياسة الفرنسيّة تجاه لبنان، وحقيقة استراتيجيتها في المنطقة، ومدى استقلاليتها عن السياسة الاميركيّة، ومدى اقتناعها ان تكون مجرّد حافلة تجرّها القاطرة الاميركيّة وراءها في الشرق الاوسط. ثمّة دلالات محيّرة تشغل بال اللبنانيين الغيارى على فرنسا ودورها في لبنان. كم هي معبّرة، لا بل قاسية مظهرية التصرّف: يقتحم السفير الاميركي بعض الدور والقصور كمفوض سامٍ مطلق الصلاحيات، فيما يدلف السفير الفرنسي متخفياً بجلباب قائم بأعمال بلد قيل عنه يوماً بأنه «الأم الحنون» للبنان؟!... ما أبلغ رمزية هذا المشهد؟!... والدنيا فعلاً وجوه وعتاب! جورج علم السفير (24 09 2007) |
|
|||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||||||||||||||