تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Wednesday September 27, 2006 الساعة 11:37:20 PM

تحليل إخباري

لأن المحكمة والقرارات الدولية والعربية لم تشكّل الحماية الكافية

دعوة إلى اعتماد "الحياد الإيجابي" أو مواجهة الفيديرالية

باتت قيادات سياسية وروحية عديدة مقتنعة بأن لبنان لن ينعم بالأمن والاستقرار الدائمين والثابتين اذا ظل ساحة مفتوحة للصراعات والتجاذبات الاقليمية والدولية وانه لا بد من الاتفاق على صيغة تقفل هذه الساحة وذلك اما باعتماد سياسة "الحياد الايجابي" او نظام الفيديرالية بدلا من التقسيم. فاذا لم يحصل اتفاق بين اللبنانيين على صيغة تجعل لبنان وطنا تقوم فيه دولة قوية قادرة فانه سيظل ساحة مفتوحة للحروب كل 15 او 20 سنة.

ان المواطن العادي يتساءل كيف يمكن حماية لبنان وكيانه من مطامع الاعداء ومن المتربصين به شرا القريبين منهم والبعيدين، وكيف يمكن حماية اللبنانيين من مسلسل التفجيرات والاغتيالات اذ لا اقرار المحكمة ذات الطابع الدولي أمّن هذه الحماية، ولا القرارات الدولية ومنها القراران 1559 و1701، منعت التدخل في شؤونه الداخلية وساعدت على قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، بحيث لا يكون دولة ضمنها او ضدها، ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها. فقد يكون قدر لبنان الجغرافي الذي وضعه بين دولتين جارتين: دولة اسرائيل العدوة التي لا يعترف بها ودولة سوريا الشقيقة التي لا تعترف به، هو الذي يعرض الامن والاستقرار فيه كل مدة للاهتزاز او الهزات ويفتح باب التدخل في شؤونه الداخلية ليساند فئة على فئة، ويحدث الانقسام الداخلي الذي يقوض اسس الوحدة الوطنية والعيش المشترك ويحول دون الاتفاق على اي حل يخرج لبنان من ازماته.

فميثاق 1943 دعا اللبنانيين الى التزام الحياد بين الشرق والغرب، فلا وحدة مع سوريا ولا قبول بقاء الانتداب الفرنسي، فكانت النتيجة ان الانتداب الفرنسي على لبنان انتهى لكن التدخل السوري في شؤون لبنان لم ينته، فكانت القطيعة مع لبنان التي قضت بمنع المسافرين والبضائع من اجتياز الحدود اليه، فردت الحكومة اللبنانية برئاسة الزعيم الوطني الكبير رياض الصلح باصدار مراسيم اشتراعية في جميع الشؤون الجمركية لحماية الاقتصاد اللبناني والغاء الرسوم المفروضة على القمح ومشتقاته والالبان والمواد اللازمة للاعاشة، غير ان الحكومة لم تمنع المسافرين والبضائع من اجتياز الحدود الى سوريا، وبحثت مع قائد الجيش اللبناني يومذاك اللواء فؤاد شهاب في التدابير الضرورية لحماية الحدود من كل اعتداء محتمل.

وفيما كان لبنان يقفل هذه الجبهة، كان رئيس وزراء سوريا خالد العظم يفتح جبهة في جامعة الدول العربية بعرضه مشروع وحدة شاملة للدول العربية، وهذا ما يفتح ثغرة في جدار الجبهة الداخلية اللبنانية ويخرق الميثاق الوطني الذي تعاهد عليه اللبنانيون مقابل انضمام الموارنة الى مطالبة فرنسا بالجلاء عن لبنان "مما اضطر رئيس الوفد اللبناني الى اجتماعات الجامعة رياض الصلح الى تقديم تحفظ صريح ومكتوب تحت عنوان: "المشروع المقدم ينقص من السيادة" وألقى الرئيس الصلح بصدد المشروع كلمة قال فيها: "ان لبنان يرحب بكل مشروع من شأنه توثيق الاخوة بين الدول العربية، ولكنه يعارض في كل ما ينقص من السيادة الوطنية، فلبنان قد ارتضى لنفسه وضعا لا يريد عنه بديلا، فنحن نفضل في لبنان ان نبقى على عهدنا الذي قطعناه بعضنا لبعض معتصمين باتحادنا معتزين باتفاق كلمتنا حول هذا الوضع الذي اقرته عليه الدول العربية اثناء مباحثات الاسكندرية ودوّن في ملحق بروتوكول انشاء جامعة الدول العربية، واننا نعلم جميعنا ان المحافظة على اوضاعنا ليست هي في مصلحة لبنان وحده، بل في مصلحة البلدان العربية قاطبة".

ويذكر ان رياض الصلح في جلسة اقرار ميثاق الجامعة قال ان النص المتعلق بضمان استقلال لبنان هو القرار الوحيد الذي اعتبره المجتمعون قرارا قاطعا ونهائيا لا يحتاج الرجوع به الى الحكومات الممثلة او الى مجالسها النيابية وانه حكم غير قابل للاستئناف ولا التمييز. ومما قاله رياض الصلح في تلك الجلسة: "نحن اينما ذهبنا رواد استقلال وتعاون بين المسيحيين والمسلمين، ونحن نحمي هذا الاستقلال التام الناجز ونفديه بدمائنا وارواحنا ليس فقط ضد الغرب بل ضد الشرق ايضا".

ولم تكف سوريا عن التدخل في شؤون لبنان الداخلية منذ الاستقلال، وكان لتدخلها ان نشبت حوادث 1958، فتدفق السلاح الى لبنان عبر حدودها الى المتمردين على حكم الرئيس شمعون بحجة منعه من التجديد، لكن تبين ان ثمة تواطؤا او تغاضيا اميركيا في هذه الحوادث وذلك بفعل الصراع على النفوذ في المنطقة، فنفى تقرير فريق المراقبين الذي ارسلته الامم المتحدة الى لبنان للتحقق من دخول الرجال والسلاح من سوريا كل ذلك... فطلب الرئيس شمعون من الادارة الاميركية المساعدة، لكنها تريثت ولم ترسل اسطولها السادس الى شواطئ لبنان الا بعد ان سقط حلف بغداد بسقوط حكم مندريس في تركيا ونوري السعيد  في العراق، ولم ينفع لجوء الرئيس شمعون الى الجامعة العربية معتبرا "ان القضية هي قضية وجود لبنان حر في الشرق الاوسط يعيش فيه المسلم والمسيحي معا في سلام ووئام وقادر على تقرير مصيره بحرية واستقلالية، وان بلدا كهذا لا يستحق ان يعيش من اجله فحسب بل يستحق ان يستميت في سبيله".

ولم يهدأ الوضع الا بعد ان تم التوافق بين الولايات المتحدة الاميركية والرئيس عبد الناصر على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية وتأليف حكومة رباعية على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.

وفي عهد الرئيس سليمان فرنجيه الذي كان صديقا حميما للرئيس حافظ الاسد، فان هذه الصداقة لم تمنع سوريا من اغلاق حدودها مع لبنان، ومن الافادة من الحرب اللبنانية – الفلسطينية واللبنانية – اللبنانية والتدخل فيها لتصبح سوريا وحدها القادرة على وقفها بموافقة عربية واقليمية ودولية فكان ثمن ذلك اخضاع لبنان لوصايتها مدة ثلاثين سنة...

ورغم انسحاب القوات السورية قسرا من لبنان، فان سوريا لم تكف عن التدخل في شؤونه بواسطة من تبقى لها من سلطة فيه وبواسطة من تبقى لها من حلفاء. ولم تأبه لا لقيام المحكمة ذات الطابع الدولي ولا لقرارات مجلس الامن ولا لتحذيرات الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والاتحاد الاوروبي المتكررة من مغبة استمرار هذا التدخل، ولا لتكرار دعوتها الى تغيير سلوكها حيال لبنان، لانها مطمئنة الى ان ليس في استطاعة احد او من مصلحته ولأسباب شتى، تغيير النظام فيها.

وهكذا تستمر المواجهة بين المحور الايراني – السوري ومن معه من جهة والمحور الاميركي ومن معه من جهة اخرى في المنطقة انطلاقا من الساحة اللبنانية التي اصبحت مفتوحة على كل الاحتمالات اذا لم يتفق اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم على انتخاب رئيس للجمهورية بأسرع وقت ممكن عل انتخابه يضع الازمة الحادة على طريق الحل او يحد من تفاعلاتها، ويقصّر مدة المعاناة ويوقف مسلسل التفجيرات والاغتيالات، والا فان لبنان قد يذهب الى التقسيم او الى الفيديرالية سواء بالتراضي او بالاكراه، عندما تنهار مؤسسات الدولة ويتقاسمها المتناحرون. ولا شيء يجنب لبنان كل ذلك سوى اتفاق اللبنانيين على اعتماد سياسة الحياد الايجابي الذي يقفل ساحته نهائيا في وجه الصراعات والتجاذبات العربية والاقليمية والدولية التي دفع ثمنها غاليا على مدى عقود او قرون، هذا الحياد الذي شرح مفهومه غسان تويني ليصبح قابلا للتطبيق على الدول التي تنعكس النزاعات الخارجية على انقساماتها الداخلية.

الواقع انه لم يعد ثمة خلاص للبنان وحماية له ولأبنائه الا بالاتفاق على اي لبنان يريد اللبنانيون وعلى اي نظام يريدون. وهذا يذكّر بقول السفير الاميركي الاسبق في لبنان ديفيد ساترفيلد عند لقائه طلاب مدرسة الحكمة في عين سعادة في كانون الاول 1999: "ان المسألة الاهم هي انه ينبغي على اللبنانيين انفسهم ان يتوصلوا الى اجماع حول كيف يريدون بلدهم ان يكون دولة وحكومة ومجتمعا. فمنذ تأسيس الدولة اللبنانية لم يتوصل اللبنانيون الى اجماع حول ما يريدون لبلدهم، واذا لم يتوصلوا الى ذلك، سيظل لبنان يعاني من عدم الاستقرار والنزاعات والاضطراب على الصعيدين الداخلي والخارجي".

اميل خوري

النهار (25 09 2007)

 

مزيد من المقالات

25 09 2007

 

مصادر الحريري: مواقف ما قبل الحوار قد تتعدل خلاله

الموالاة والمعارضة تتوافقان على «ثلاثاء هادئ» يشتري الوقت

المواقف الأميركية والعربية من سوريا ترسم لوحة المد والجزر

الاستحقاق في الحسابات الجديدة للمؤتمر الدولي

الضوء الأخضر لتحرّك برّي: كيف تكوَّنْ؟

لأن المحكمة والقرارات الدولية والعربية لم تشكّل الحماية الكافية

دعوة إلى اعتماد "الحياد الإيجابي" أو مواجهة الفيديرالية

خيارات المعارضة في مواجهة مغامرة النصف + 1

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007