|
|
|
آخر تحديث Sunday October 01, 2006 الساعة 02:00:55 AM |
|
الطائفة السنية أمام عواصف المتغيرات الكبرى والاستحقاق الرئاسي الداهم زهير هواري «جاهزون تحت قيادتك يا شيخ سعد الدين رفيق الحريري إن شاء الله». لا يوضح صاحب الشعار الذي يربط ضفتي الشارع طبيعة الجهوزية التي يعلن عنها، ولا فحواها، هل هي سياسية او غيرها... لكنه يقول ان قيادة الطائفة السنية قد آلت الى الشيخ سعد عندما تم إلباسه عباءة والده الشهيد رفيق الحريري. شعارات مغايرة ولكن ضمن سياق الزعامة والقيادة تحفل بها مناطق عدة من بيروت، بل وخارجها شمالاً وجبلاً وجنوباً وبقاعاً. قد تكون هذه الشعارات اعلى نبرة او اقل، لكنها موجودة وبإيقاعات متعددة، من اللافتات المخططة، الى القصاصات والصور الملصقة وصولاً إلى الخطوط بالأيدي على الجدران. يعبر الكثير من هذه الشعارات، وما يتردد عما يصفه البعض بأنه توجه جديد للطائفة في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، علماً انه لم يكن الاغتيال الاول الذي أصابها. فقد سبقه اغتيال مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد، والشيخ صبحي الصالح، والرئيس رشيد كرامي وناظم القادري و... لكن الإيقاع اختلف منذ عامين عما كان قبلاً. وهو ما يحلو للبعض أن يصفه بأنه تحول لدى الطائفة، بدليل نزولها بقضها وقضيضها الى الشارع، وهي التي لم تتعود ان تجتمع على هذا النحو وتهدر بصوت واحد ضد الوصاية السورية. اي ان هؤلاء يقولون بصريح العبارة ان السنة في لبنان قد تحولوا الى مثل ما عليه سواهم. طائفة ضمن طوائف «البيت ذي المنازل الكثيرة» كما يصف المؤرخ كمال الصليبي لبنان. خصوصاً وانهم لم يكونوا على هذا النحو يوماً طوال تاريخهم الممتد قرابة الالف واربعمئة سنة، حيث كانوا يتصرفون انهم «أهل الجماعة» بما هي السلطات المتعاقبة: أموية، عباسية، مملوكية، أيوبية، عثمانية. أي أنهم لم يعتبروا أنفسهم كما سواهم من جماعات الكيان أقلية ضمن الأقليات، اذ انطلقوا دوما من اساس كونهم جزءاً من الاكثرية والسلطة، اكثرية المنطقة وسلطاتها المتعاقبة. خلافاً لما درج عليه الآخرون من شعور اقلوي يتوجس من اي تحول يطالهم في قالبهم الجمعي لجهة الحفاظ على خصوصياتهم على منوعاتهم الفكرية والثقافية والمؤسسية والجغرافية حتى. قد يكون المدى الزمني الفاصل بين حدث الاغتيال وزلازله الارتدادية قصيراً، اذ ان 32 شهراً هي مدة قصيرة تاريخياً بقياس تحولات طائفة في لبنان. ولكن هذا لا يمنع من الوقوف على هذه المسافة ربطاً بما شهده لبنان قبلا من سياسات وانساق. اذ من المعروف ودون عودة بعيدة في التاريخ أن طائفتين خرجتا من الحرب الأهلية تعانيان من اصابات اكثر من سواهما. هما الطائفة المارونية والطائفة السنية، باعتبار ان الطائفة الدرزية كانت قد فقدت زعيمها كمال جنبلاط في مرحلة مبكرة من الحرب الاهلية 1977. اما الطائفتان المذكورتان فإنهما استقبلتا حدث اتفاق الطائف وقد دمرت مرجعياتهما السياسية الى هذا الحد او ذاك. ومن لم يقتل من زعمائهما جرى إخراجه من لبنان او زجه في السجن. وهكذا تساوى الجنرال ميشال عون والرئيس صائب سلام. كما تساوى الشيخ بشير الجميل والمفتي خالد ورشيد كرامي لجهة النهاية الدراماتيكية. على قاعدة خراب عمراني وسياسي حلت القوات السورية في لبنان وكلفت بتطبيق اتفاق الطائف عربياً ودولياً ودون قدرات داخلية على المعارضة، خصوصاً من جانب الطائفتين المذكورتين. الطائف والطوائف عقد اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية، ثم تحول دستوراً للبلاد، وأعاد الاتفاق توزيع السلطات والصلاحيات في البلاد. الطائف مدينة سعودية، والمملكة مرجعية اساسية ان لم نقل أولى للطائفة. والرئيس رفيق الحريري كان «دينامو» المؤتمر بصفتيه اللبنانية والسعودية، كما كان قبلاً في مؤتمرات الحوارات... وظن السنة ان الاتفاق المذكور ضمن لهم «المشاركة» التي طالبوا بها منذ العام 1973، وعبروا عنها في قممهم ومواقفهم. لكن هذا لم يحدث، وكانت ذروة المسار جريمة اغتيال الرئيس الحريري. اسكت الطائف مدافع الحرب بالتراضي وعنوة، ولكنه لم يطلق معزوفات السلام، فقد تبين أن هذا الاتفاق وجد طريقه نحو التطبيق تبعاً لموازين القوى وضرورات الاستخدام السياسي وغير السياسي للساحة اللبنانية. وهكذا نشأت مرجعية دمشق عن كل شاردة وواردة في الإدارة اللبنانية. جاء رفيق الحريري محمولاً على حاملة عربية ودولية الى حكم لبنان. لكنه ومنذ عهد الرئيس الياس الهراوي الاول، او الجمهورية الثانية وجد ان الصلاحيات التي أناطها اتفاق الطائف بمجلس الوزراء مجتمعاً كانت عملية الالتفاف عليها تجري بالجملة والتفصيل. كان الرئيس الهراوي يتصل بالرئيس حافظ الاسد خلال جلسات المجلس ويسمع الحريري والوزراء ما يقوله. وهكذا دواليك... راهن الحريري على مشروعه الاقتصادي لإعادة النهوض بالبلاد ان يؤدي الى خلق طبقة تتجاوز الطائفة الى بقية الطوائف، تتولى عملية التوحيد بعد إزالة خطوط التماس. وعملت جرافات «اوجيه» ثم ورشها في اطلاق مشروع السوليدير وبناء المطار والمدينة الرياضية والجسور وغيرها... ديناميكية الاقتصاد ومنح التعليم كانت بديلاً عن السياسة الى هذا الحد او ذاك. والدينامية السياسية كانت تدار من دمشق وعبر أصابع المكلفين بالملف اللبناني من سياسيين وأمنيين. وكان الحريري يدرك أكثر من سواه ان «الضوء الأخضر» العربي والدولي لسوريا في «رعاية» لبنان لا اعتراضات جوهرية عليه داخلياً وخارجياً... وراهن على الصبر والعمل على استقطاب الرأسمالية اللبنانية الهاربة، والعربية الراغبة في الافادة من لبنان كمجال استثمار. لم تكن «الطعنات» الاتهامية بعيدة أبداً عن الاحتضان السوري. وكان الأشد ارتباطا بسياستها الأعلى صوتاً في هذا الاطار، وصولاً الى إدانته بالتمهيد للتطبيع مع العدو. كانت السياسة السورية تقدم في جانب منها على عملية توزيع أدوار بين الطوائف اللبنانية. خصصت للموارنة حيزاً أساسياً منها، لكنه الحيز الذي يسمح بإطباق الوصاية، خصوصاً بعد تحطم وتحطيم قوى الاعتراض على هشاشتها. وخصص للسنة الدور الاقتصادي في تلافي الانهيار والنهوض، الى جانب علاقات خارجية مدروسة افادت من وزن الرئيس الحريري. اما الشيعة فقد خصص لهما دوران معاً هما السيف بواسطة حزب الله ربطاً بقضية الجنوب الذي لم يحرر في حينه، ورئاسة المجلس النيابي، باعتبار ان لهذه المؤسسة مهام تسويغية تشريعاً... وهكذا أعادت سوريا تركيب بنى الطوائف. لكن هذا التركيب كان في جانب منه تصاعدياً، اي انه مفتوح على المزيد من الإمساك بمقاليد الامور مع وجود واجهات محلية لا بد منها، ولا غنى عنها في الداخل والخارج على السواء. ثم حدث الاغتيال كذروة في ممارسة القبضة الحديدية الأمنية على البلاد من خلال إصابة الرأس دون سواه. كل ما جرى تباعا ولاحقا من اغتيالات وتفجيرات وصراعات هي تنويع على «النغمة» الاساسية هذه. الآن يقف السنة والبلاد مشدودة الى واقعة الحلقة المفرغة أمامهم والاغتيال وراءهم. امامهم الاستحقاق الرئاسي ووراءهم مباشرة مخيم نهر البارد بأنقاضه ودروسه ودماء شهداء الجيش. فكيف يرون ـ او يرى قسم منهم الأوضاع؟ الاستحقاق الرئاسي يرى عضو اللقاء الديموقراطي النائب د. محمد الحجار «ان الطائفة السنية بحكم تاريخها وموقعها وبصفتها احد المكونات الاساسية للشعب اللبناني كانت دائماً تضطلع بدور صمام الأمان الضامن لوحدة مكونات الشعب اللبناني المكون بدوره لوحدة الوطن. وهذا دور قامت به منذ قيامة لبنان مروراً بالاستقلال وعلى طول المسافة الزمنية حتى حاضرنا. انطلاقاً من ذلك، تؤكد قيادات الطائفة السنية، إدراكاً منها باستثنائية استحقاق رئاسة الجمهورية من حيث كونه محطة أساسية في استعادة الاستقرار السياسي وذي الطبيعة الكيانية الميثاقية. تؤكد على ضرورة إجراء هذا الاستحقاق في موعده ووفق الأصول الدستورية، اقتناعاً منها بأن أي خلل على مستوى المؤسسات الدستورية الكبرى، ان من حيث الفراغ الرئاسي او من حيث تداعياته وأخطرها التهديد بتشكيل حكومة ثانية او حتى انتخاب رئيس ثان... ان من شأن ذلك ان يهدد مقومات الدولة اللبنانية ويفكك أوصالها ونسيجها الاجتماعي وعيشها المشترك بما من شأنه إنهاء نهائية الكيان اللبناني الذي أجمعت عليه قيادات الطائفة والذي كان من مقررات قمة عرمون برئاسة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد. وبخلاصة القول، ليس للطائفة السنية مشروع خارج نطاق مشروع الدولة وتؤكد على أنها جزء من هذه الدولة التي تحرص على ان تكون ديموقراطية مقتدرة يحميها القرار السياسي والمؤسسات العسكرية الوطنية وحدها دون غيرها». يقارب الامين العام للجماعة الاسلامية الشيخ فيصل المولوي مسألة الاستحقاق باعتبارها تترافق مع مرحلة تاريخية صعبة ويرى «ان هذه المرحلة تتلخص بالانقسام السياسي الحاد الذي تشابكت في أسبابه عناصر محلية واقليمية ودولية واصبح يهدد بانفجار كبير يتمحور حول ثلاثة عناوين هي: الاولى: الخلاف حول المقاومة في لبنان ودورها في الصراع ضد العدو الصهيوني ودخولها في الصراعات الداخلية. الثاني: الخلاف حول العلاقات الطبيعية مع سوريا، بعد إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بالنظر بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. الثالث: الخلاف حول إعادة بناء الدولة وكيفية عمل السلطات فيها بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، باعتبار ان وجوده في الفترة السابقة كان له الدور الحاسم في اختيار هذه السلطات». يضيف المولوي: «المسلمون السنة هم احدى المجموعات التي يتألف منها لبنان، وهم لا يعتبرون انفسهم طائفة، لانهم كانوا دائما قلب الأمة كلها ومحور قضاياها. حتى عندما نشأ الكيان اللبناني بصورته الحالية، لم يكونوا متحمسين له انطلاقاً من قناعتهم بوحدة الامة كلها، لكنه بعد ان قام اصبحوا اكثر حرصاً من غيرهم على وحدته وتطوره واستمرار انسجامه مع محيطه العربي. وهم الآن في تصوري ـ حريصون على انهاء الصراع السياسي الحاد لمصلحة لبنان الواحد الموحد وعلاقاته الطبيعية مع محيطه العربي كله وموقعه الرائد في الصراع ضد العدو الصهيوني. اما استحقاق الانتخابات الرئاسية، فلم يكن له عندهم أهمية كبيرة في الماضي، اما اليوم فانتخاب الرئيس يعني صمود الدولة امام احتمال انفجارها، واستقرار السلطة السياسية وتوحيدها بعد الانقسام الذي اضعفها وكاد يشلها، ويعني العودة الى اجواء الحوار والتوافق حول القضايا الخلافية. يتحدث المؤرخ الدكتور حسان حلاق عما يصفه بـ«التاريخ السني في لبنان». ويربطه بالفتوحات العربية والإسلامية باعتباره موقفاً سياسياً توحيدياً على اعتبار أن السنة والمسلمين كافة هم الذين أسهموا في قيام «نظام الدولة الامبراطورية» التي كانت تجمع مصر وبلاد الشام والمغرب العربي. وقد اعتاد السني منذ اكثر من 1400 سنة على هذا النظام الوحدوي ولم يتخل عنه مطلقاً، وبالرغم من إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ومن ثم إعلان الجمهورية اللبنانية عام 1926 فقد حرصت الطائفة السنية والطوائف الاسلامية كافة على إعلان رفضها الشديد لهذا الكيان المنفصل عن سوريا الطبيعية. لذلك عقدوا بين الاعوام 1920 و1943 مؤتمرات الساحل والأقضية الأربعة وهي المؤتمرات الوحدوية التي رفضوا من خلالها هذا الانفصال عما كان يسمونه «الوطن الأم سوريا». الى ان جاءت التسوية عام 1943 بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح متضمنة اعتراف المسلمين عامة، والسنة خصوصاً، بهذا الكيان الجديد. غير ان الصلح اشترط آنذاك لضمان قبول المسلمين بالكيان اللبناني الجديد إقامة العدل والمساواة بين مختلف الطوائف اللبنانية. لا سيما وان الطوائف المسيحية والمارونية منها تحديداً قد استولت على مقدرات الدولة بين الاعوام 20 و1943. وبما ان المسلمين ومن بينهم السنة لم يحصلوا على العدل والمساواة طيلة عهود الاستقلال، فقد وجدنا ان غالبيتهم عادوا للتهديد بالمطالبة بالانضمام الى الوحدة السورية، ولم يترددوا في العام 1958 عن المطالبة بالالتحاق بالجمهورية العربية المتحدة». الأبعاد الثلاثة تقدم القراءات الثلاث صورة ثلاثية الأبعاد عن موقف الطائفة، لكنها لا تقطع الكلام، بل تفتحه باتجاهات متعددة. سواء حول وحدوية الطائفة السنية أو حول رؤيتها لأوضاعها ارتباطاً بالداخل اللبناني او العربي ـ الاقليمي. نعود الى حلاق اولاً الذي انتهينا في المقطع السابق معه، ينطلق حلاق من رؤية التعديلات التي طرأت على موقع الطائفة، بفعل عوامل خارجة عن إرادتها: «ان نتيجة فشل الأنظمة العربية في تحقيق الطموحات العربية للشعوب بهذه الوحدة، ومن ثم نتيجة للحرب اللبنانية العبثية وتداعياتها ونتيجة للظلم المستمر ليس على السنة فحسب، وانما على فئات كثيرة من الشعب اللبناني، فقد وجدنا أن الطائفة السنية في لبنان كبقية الطوائف لم تعد تؤمن كثيراً بالوحدة العربية، بل بدأت تنكفئ الى «اللبنانية»، وباتت قطاعات من الطائفة السنية في لبنان أكثر تعصباً للبنان من بقية الطوائف. ودون أدنى شك فإن بعض الممارسات التي وقعت على السنة طيلة 30 عاماً، جعلت البعض منهم ينكفئ عن اتجاهاته العروبية، ومما زاد منه استشهاد الرئيس رفيق الحريري فضلاً عن اغتيالات سياسية بحق بعض الزعامات السنية بمن فيها المفتي الشيخ حسن خالد وسواه. مما جعل هذه الطائفة قادة وقواعد تنكفئ ولو مؤقتاً عن القناعات الوحدوية القومية، وباتوا متمسكين أكثر بلبنان السيد الحر المستقل. ولأول مرة فإننا نرى في هذه الطائفة بعد 14 شباط 2005 قناعات وتيارات تتنوع وتتبدل. لكن أعتقد أن هذه الطائفة التي لم تشعر يوماً أنها طائفة أقليات ستعود الى قناعاتها القومية والعربية وهي المفاهيم التي لا تتناقض مطلقاً مع تاريخنا المعاصر ومفهوم اللبنانية». بدوره يعترف الشيخ المولوي بصعوبة ظروف المنطقة العربية والإسلامية وانعكاسه على وضع الطائفة في لبنان. ويعتبر «أن أكثر الدول العربية والإسلامية هذه «خاضعة للدول الاستعمارية خضوعاً مباشراً يتمثل بالاحتلال والقواعد العسكرية، أو غير مباشر يتمثل بصور كثيرة. صحيح ان المقاومة في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال أربكت المخططات المعادية وعرقلتها وأفشلت مشاريعها، لكن الصحيح أيضا ان هذه المخططات لا تزال تتحرك بقوة، وقد أفادت من الانقسام الحاصل في فلسطين (الضفة وغزة) ومن الصراع القائم في العراق، ومن الانقسام الواقع في لبنان لتزيد ضغوطها على هذه الأمة وعلى القوى الحية فيها. يرافق هذه المخططات المعادية ان أكثر دولنا هذه لا تزال تعيش عصر التخلف وخاصة في المجال السياسي حيث يضيق هامش الحريات أو ينعدم، وتمنع المعارضة أن يكون لها حق الوجود أو التعبير عن الرأي. ويبقى التداول على السلطة شعاراً ديموقراطياً ممنوعاً ويجري تزوير الانتخابات إذا جرت.. يربط النائب الحجار بين فجيعة لبنان باغتيال الرئيس الحريري عموماً، والطائفة السنية خصوصاً، وأنصاره تحديداً على قاعدة مشروعه إقامة الدولة على أنقاض وأشلاء وطن فرقته حرب أهلية لم تشارك فيها الطائفة السنية كطائفة. لكن في المقابل يرفض ربط تحول في فكر الطائفة مع حدث الاغتيال «فالفكر السياسي لأهل السنة في لبنان هو فكر عروبي حمل لواءه مسلمون ومسيحيون لبنانيون رأوا في العروبة رداً على التتريك وتقطيع الأوصال والتفرقة والتجزئة التي عمد إليها الأتراك والفرنسيون والبريطانيون لبسط نفوذهم وسيطرتهم على مقدرات وثروات الأمة العربية.. هذه الفكرة لم تتناقض لحظة مع الفكر الاستقلالي لهذه الطائفة من الشهيد رياض الصلح.. إلى الشهيد رفيق الحريري. وحتى في الفترة الناصرية التي عرفت أثناءها فكرة العروبة أوجها، وكانت الطائفة بغالبيتها منحازة لهذا المد القومي العربي، خاصة بعد نكبة فلسطين، لكن هذا الانحياز لم يكن على حساب مفهوم كيان الوطن الذي غذته وعززته قناعة الزعيم جمال عبد الناصر بأن للبنان خصوصية ينبغي عدم المساس بها. هذه الفكرة العروبية المتلازمة مع حس وطني عال قناعة من مبدأ عام آمن به أهل السنة وعملوا عليه والقائل بأن من ليس له خير في وطنه ليس له خير في أمته. وقد انبرت الطائفة وفي المحطات الأساسية على التأكيد على نهائية الوطن اللبناني لجميع أبنائه، وبأن ليس لديها مشروع خارج نطاق الدولة العربية الحرة السيدة مؤكدة على توجهاتها وثوابتها الوطنية والتي أضحت جزءاً لا يتجزأ من اتفاق الطائف.. أما بعد إنهاء عهد الوصاية على القرار اللبناني وخروج الجيش السوري من لبنان فلا يمكن اعتباره بأي شكل من الأشكال تنكراً لعروبتهم، فهم ما زالوا يؤمنون بأنهم جزء من الشعب اللبناني الذي هو جزء من الأمة العربية، وأن قضية فلسطين ما تزال قضيتهم المركزية وأن عدوهم الأساسي هو العدو الإسرائيلي المغتصب للأرض والعرض، وأنهم مستعدون لبذل المستطاع في سبيل إحقاق الحق العربي والفلسطيني بما يتناسب مع قدرات لبنان ومن ضمن خطة عربية شاملة يضطلع فيها كل بلد عربي بدوره ضمن مقدراته». يتابع الحجار قائلاً: لم يعد يرضى اللبنانيون في غالبيتهم الساحقة، ومن ضمنهم الطائفة السنية ان يستمر لبنان ساحة لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات، بل يريدون الاستقلال عن أية محاور إقليمية أو خارجية، لا تلبي سوى مصالح الدول والأنظمة القائمة مصالح القادة والرؤساء وليس مصلحة الشعب المقهور المغلوب على أمره. «المستقبل» أم «فتح الإسلام»؟ ونستمر مع النائب الحجار في هذا المفصل. بداية يصف ما يجري على صعيد العلاقات السنية ـ الشيعية بالاهتزاز، «الناجم عن تداعيات جريمة اغتيال الرئيس الحريري وإقرار المحكمة، إلى جانب الحملة الهجومية المتجنية وغير المبررة على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ومحاولة إسقاطها في الشارع وعبر احتلال الوسط التجاري للعاصمة. هذه المواقف اعتبرت مستهدفة الطائفة السنية مباشرة مثلها مثل أحداث بيروت والجامعة العربية يومي 23 و25 كانون الثاني من العام الحالي». لكنه يراهن على رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري وسماحة المفتي الشيخ محمد رشيد قباني بالتعاون مع القيادات المسؤولة في الطائفة الشيعية في توفير الظروف الملائمة لتمتين الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي حماية للبنان الدولة والشعب. يصف الحجار القول بأن الطائفة السنية تتماوج بين نموذجي «المستقبل» و«فتح الإسلام» بأنه مجاف للواقع ومغلوط تماماً. «فالمستقبل تيار وطني غير طائفي منتشر في جميع المناطق اللبنانية وله أنصار ومؤيدون من جميع أطياف الشعب اللبناني. وهو تيار سياسي وليس تياراً دينياً وله رؤيته الفكرية والسياسية على المستوى الوطني القومي العام والدولي. في حين «فتح الإسلام» وما شابهها مجرد أداة مخابراتية على مستوى التوجيه، وظاهرة إرهابية عنفية تعكس مصالح سياسية تعمل باتجاه خلق الفتن المذهبية وخلخلة الكيانات المستقرة لحساب من يحمي ويدرب ويسهل ويدعم.. أيضاً «فتح الإسلام» حالة مخابراتية أكثر مما هي حالة جهادية. إنها مجموعة مخابراتية منقادة مخابراتيا تتدثر بالدين الإسلامي والحق الفلسطيني. استطاعت تحت هذا الشعار تجنيد مجموعة من المقاتلين الذين اعتقد بعضهم أنهم يقاتلون الكفار وأعداء الإسلام وعملاء إسرائيل. إلا أن المآل الذي انتهت إليه، كشف ان المجتمع الإسلامي السني لم يتقبل هذه الظاهرة، بل انتفض في وجهها بدل أن يحتضنها كما يتصور بعض من أرسلها وغذاها ودعمها، اعتقاداً منه بأن سكان مناطق الشمال سواء في عكار أو في بعض أحياء طرابلس التي تعاني من واقع اقتصادي صعب سيعملون على مساندتها، إلا أن حسابهم باء بالفشل. ينفي الشيخ المولوي بدوره أن يكون قد طرأ تحول على الفكر السياسي للمسلمين السنة، إنما حصل تطور أو تغير في الموقف السياسي تجاه قوى سياسية ولأسباب لا علاقة لها باستراتيجية الفكر السياسي. ولم يتغير موقف أهل السنة من المقاومة. إذ إنهم ـ أهل السنة ـ هم رواد المقاومة ضد العدوان الصهيوني ـ الأميركي في فلسطين والعراق وأفغانستان وفي كل مكان يطؤه الاحتلال. لكن الذي تغير في لبنان عند المسلمين السنة، وبكل صراحة، هو الموقف من حزب الله. هذا التغير ليس سببه المقاومة، إذ ان الشعور لدى أهل السنة هو تقدير الدور الكبير الذي قام به الحزب لطرد العدو الصهيوني من الجنوب ولمنع عودته في عدوان تموز 2006. كما لا يزال يقدر دوري سوريا وإيران في دعم هذا الجهد. لكن هذا الشعور لم ينتقل من تأييد الحزب في المقاومة إلى تأييده في النزاع الداخلي لسبب بسيط وواضح هو أن تركيبة لبنان السياسية تقوم على الطوائف. وهذا يجعل التمايز بين هذه الطوائف واختلاف المصالح والمواقع أمراً طبيعياً. كما يحدث بين الأخوة في البيت الواحد، الذين يتفقون فيما بينهم ضد الغير ويختلفون حول المواقع والمصالح ضمن البيت». المقاومة والفتنة يجزم الشيخ المولوي بأن «واجب حزب الله التفكير في المحافظة على المقاومة وعدم استدراجها الى صراعات جانبية مهما كانت مهمة، وأن الظروف الجديدة في لبنان بعد خروج الجيش السوري وبعد صدور القرارات الدولية بنزع سلاح المقاومة، يفرض عليه ـ حزب الله ـ البحث بشكل جدي في صيغة جديدة للمقاومة يمكن أن يلتقي معهم حولها جميع اللبنانيين المقاومين، تؤدي الى تكامل الأدوار بين الدولة والمقاومة. ثم ان لهم بعد ذلك أن يمارسوا دورهم في العمل السياسي الداخلي بما يراعي استمرار التوافق الداخلي حول المقاومة، أو أن يبتدعوا إطاراً آخر للعمل السياسي، ينافسون فيه القوى اللبنانية الأخرى دون إقحام المقاومة في المواقف السياسية الداخلية المتعارضة. نعم لقد تغير المزاج السني العام من حزب الله فيما يتعلق بمواقفه السياسية الداخلية». ينطلق المؤرخ حلاق من الاعتراف بانكفاء بعض التيارات الإسلامية السنية الى «اللبنانية»، لا سيما وان الطائفة الشيعية وفي مقدمها حزب الله قد استطاعت أن تصبح الأكثر تماسكاً ووحدة.. من هذا التقديم يصل حلاق الى تقدير أن «تيار المستقبل» يمثل الأكثرية السنية في لبنان، بالرغم من وجود آراء سنية مخالفة له، لكن الواقع السياسي يؤكد اليوم بأن ليس المسلمين السنة، بل جميع الطوائف المسيحية والإسلامية على السواء ينتظرون الموقف السياسي للشيخ سعد الحريري، مما يؤكد أنه وما يمثل من تيار سياسي اكتسبه عن طريق والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إنما بات هذا التيار في نظر اللبنانيين، بل بنظر قادتهم هو «بيضة القبان» في موضوع الاستحقاق الرئاسي أعتقد أن خط الاعتدال والوسطية هذا عند هذه الطائفة وبالتنسيق مع بعض القوى العربية سيؤدي هذا الخط إلى إنقاذ لبنان من الانقسام والتشرذم والفوضى والضياع. الشيخ المولوي يذكر بالصيغة الجديدة للمقاومة التي تقدمت بها الجماعة الإسلامية بما ينسجم مع الظروف الحالية المحيطة بلبنان، بما يضمن للمقاومة الاستمرار بمشروعيتها من الدولة، واستقلاليتها مع تعاون وتنسيق كامل، ينطلق من الاعتراف بسلطة الدولة في قرار الحرب والسلم، وحق المقاومة في الدفاع عن النفس في أي وقت. وقد وردتنا مواقف رسمية مؤيدة بالكامل أو لأكثر أجزاء المبادرة من الفريق الآخر. لكن لم يردنا من حزب الله موقف رسمي، علما أننا ما نزال نعتقد أن مبادرتنا تصلح أساساً للحوار حول المستقبل. أما في الاستحقاق الرئاسي فقد طالبنا في وقت مبكر التوصل إلى رئيس توافقي. وفور صدور مبادرة الرئيس نبيه بري اعتبرناها خطوة متقدمة في هذا المجال ودعونا الفريق الآخر للتجاوب معها. ونحن نرى بالإجمال ان لبنان لا يستطيع أن يعيش إلا في ظل رئيس توافقي وحكومة توافقية. النائب الحجار يؤكد عدم وجود مشروع للطائفة السنية خارج نطاق مشروع الدولة، إذ هي جزء منها يخلص من ذلك الى نفي وجود تحول في الفكر السياسي للطائفة السنية، لكن هناك متغيرات سياسية مستجدة ينبغي التعامل معها بروية وتعقل، أخذاً بعين الاعتبار مصلحة الوطن اللبناني أولاً والذي يتقدم على أية مصلحة إقليمية أو خارجية. هذا الى جانب ان الطائفة السنية متمسكة، كما الكثير من الشعب اللبناني، بمعرفة ومحاسبة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري منعاً لتكرار أسلوب الاغتيال السياسي حماية استقرار لبنان. أما في السياسي المباشر فيؤكد الحجار على ضرورة إجراء الاستحقاق الرئاسي في موعده ووفق الأصول كي لا نقع في التفكك السياسي والاجتماعي. هذه الآراء ـ التوجهات الثلاثة وازنة بالتأكيد في الوسط السني، لكنها لا تختزله بأي حال من الأحوال، إذ ان هذه الطائفة مثلها مثل سواها، لا يمكن ان «تفصل» على قياسات محددة. وهو أمر يطال حتى تلك الطوائف التي تظهر على السطح انها موحدة أو منمطة أو متماسكة.. فالأمواج الحقيقية هي تلك التي تعرفها المياه العميقة ذات السكون الواهم. السفير (27 09 2007) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
||||||||||||||||||||||||