تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Sunday October 01, 2006 الساعة 05:32:32 AM

مقابلات

بطرس حرب: المتطرف باعتداله تخبره المرآة أنه «رئيس توافقي»

بطرس حرب رجل سياسي. قد يكون اليوم، من بين قلة، يمكن اطلاق هذه الصفة عليهم. يوالي. يعارض. يتمايز. يستقل. يتحالف. يشّرع. ينتقد. يساير. يقدم او يحجم. لكنه الرجل الذي يبقي على «شعرة معاوية» مع الجميع. يحاول التمسك بالاعتدال في الموقف والموقع.

عاصر عهودا وشخصيات على امتداد 35 سنة من العمل النيابي تخللتها مقاطعة لمرة واحدة عام .1992

يستند الى معرفته بـ« التركيبة اللبنانية» جيدا كما تاريخ البلد واهله وناسه. ويعتبر ان هذه المعرفة جوهرية لمن يريد الوصول الى قصر بعبدا.

والوصول الى بعبدا طموح لا يخفيه نائب الشمال. على العكس يجاهر به وقد فعل عام 1998 وكرر ذلك عام 2004 معلنا رؤيته و«برنامجه». وبالامس القريب، وفي مجلس النواب، اعلن ترشحه لمنصب رئاسة الجمهورية عارضا من جديد افكاره ورؤيته للبنان وسبل معالجة ازماته ومقاربة مشاكله.

يعرف معظم اللبنانيين الشيخ بطرس. هذا «البورتريه» محاولة اضافية للاضاءة على محطات في سيرة ابن الجرد البتروني الذي له بصمة متميزة في الحياة السياسية والبرلمانية.

يوم ولد الابن الرابع لجوزف حرب ونجيبه روحانا صقر في 3 آب 1944 كان قد مضى اسبوعان تقريبا على وفاة والد جوزف فسمى الوليد على اسم ابيه: بطرس. يومها انتبهت النسوة الى ان الصغير فيه الكثير من ملامح جده، بما فيها تلك «الطعجة» الصغيرة في أذنه اليسرى.

لكن الشبه وحده لا يكفي لوراثة الزعامة في تنورين كما لا يكفي الانتساب الى عائلة حرب ولو كانت الاكبر في البلدة. اكتشف بطرس ذلك باكرا بالملاحظة والمرافقة والانتباه.

تربى مع اشقائه الخمسة وشقيقته في جو عائلي «مضبوط» كما يصفه. «امي كانت امرأة قديسة بكل معنى الكلمة اما ابي فرجل صارم. لم يكن يحتاج الى ان يؤدبنا. كانت تكفي منه نظرة واحدة».

كان الاب موظفا في مصلحة ادارة التبغ والتنباك يتنقل فينقل معه عائلته. من جبيل الى طرابلس فبيروت وبطرس يكبر ويكتسب. كان «اجتماعيا» بقدر ما كان يحب «الشيطنة». اعتاد البيت المفتوح. «كنت استغرب حين يمر يوم ولا ارى اناسا في بيتنا».

تقاطعت «الظروف» و«الحظوظ« لتساعده على اتمام دروسه في عمر مبكر. فكان اول من تخرج من كلية الحقوق في عائلة بطرس الخوري حرب وهو لم يبلغ بعد الحادية والعشرين.

ذهب الخريج الجديد، مستندا الى كفاءته ودعم عمه النائب جان حرب، ليتقدم الى وظيفة في الدولة. شكّل سنه عائقا. عليه ان يكون قد اتم الحادية والعشرين. عاد يومها خائبا اما اليوم فشاكر. يقول «لو توظفت لكان تغيّر مجرى حياتي». لكن الحياة كانت قد رسمت له طريقا مختلفا عبدّها بجهده .

عام 1968 هزم الشاب الكتائبي الصاعد جورج سعادة، جان حرب في الانتخابات النيابية. كانت خسارته الاولى بعد انتصارات متكررة عام ,1953 و1957 و1960 و.1964 بعد الخسارة بدأ بطرس يرافق عمه. يقول «بعد سقوطه في الانتخابات لم يستطع حتى المحافظة على سائق. كان يتكل عليّ. يحيل اليّ بعض مراجعات الناس ويكلفني القيام ببعض الواجبات الاجتماعية. وفي الفترة الاخيرة راح يطلب مني صياغة عدد من خطاباته. لذا عرفني الناس وصار يرسخ في ذهني اكثر فأكثر اننا مسؤولون عن الناس. نسهّل امورهم من دون انتظار بدل الا العلاقة المعنوية القائمة بيننا».

توفي جان حرب في ايلول 1971 وحددت الانتخابات النيابية في نيسان من العام .1972 عائلة حرب كبيرة والطموح السياسي موجود لدى كثيرين من ابنائها من الاقربين والابعدين. وتجنبا لاي اشكالات، تم الاتفاق على ما يشبه «الاستفتاء» ضمن العائلة للاتفاق على مرشح. تواعدوا في مطرانية بعلبك التي كان مطرانها شكرالله حرب. خرجوا متفقين على تسمية بطرس مرشحا. لكن ذلك لم يمنع ابن عمه وسيم من مواجهته لاعتبارات كثيرة تبدأ من «زعامة» ابيه انطوان التي ساندت نيابة اخيه جان ولا تنتهي برغبة والدته «الست زكيه» باسترداد ما تعتبره حقا لابنائها.

خاض حرب اولى الانتخابات عام 1972 ودخل يومها الى البرلمان مع 39 نائبا جديدا وكان عمره 28 سنة. والبرلمان اياه الذي بدا تغييريا راح يجدد لنفسه دورة تلو الاخرى بعد اندلاع الحرب اللبنانية.

الحرب المربكة

أربكت الحرب بطرس حرب الذي، على عكس اسمه، لا يجد مكانه الا في زمن السلم، حيث يكون للسياسة مكان ومكانة. اسس «لواء تنورين» اثر مذابح حصلت في شكا وحامات للدفاع عن المنطقة. لكنه سرعان ما حّل هذا التنظيم العسكري عند انتخاب الرئيس الياس سركيس و«ندمت عليه» كما يقول. يضيف شارحا «لم اندم على حماية المدنيين الابرياء في غياب الدولة، لكن ذلك كرّس قناعتي انه اكبر خراب على لبنان ان يعتقد احد انه يمكن ان يحل محل الدولة، لا احزاب ولا طوائف».

حاول التعايش مع ظروف الامر الواقع في الحرب. شارك في تأسيس «تجمع نواب الموارنة المستقلين» وعين لاول مرة وزيرا للتربية والاشغال في حكومة الرئيس سليم الحص ولاحقا لوّح بالاستقالة منها اعتراضا على قصف تنورين اثناء اشتباكات بين القوات السورية والكتائب.

كان حرب احد مؤيدي اتفاق 17 أيار. اليوم، يعتبر ذلك من الاخطاء. والسبب؟ «لقد قالت الحكومة يومها ان جميع القوى موافقة على هذا الاتفاق. خطأي انني لم ادقق لمعرفة حقيقة الموقف السوري منه».

يقر حرب بخطأ آخر. يقول «كنت أظن انني ادافع عن الفقراء حين خضت معركة لتمديد عقود الايجار. اكتشفت لاحقا انني ارتكبت خطأ وكنت وراء اطلاق قانون يحرر العقود».

يعترف حرب باخطاء «مشروعة» في السياسة. لكنه يضمر الكثير. ليس «الاعتراف» من هوايات الشيخ حتى لو كان طقسا كنسيا. فهو «ملتزم ومؤمن واصلي، لكنني امارس بطريقة مختلفة. علاقتي مع ربي جيدة. لا اذهب كل احد الى الكنيسة وان كنت اؤمن بالكنيسة ودورها».

تدوير الزوايا

هو اقرب الى المحافظ، المتحفظ. لا يحب ان يصدر عنه ما يسيء او يجرح او يشكل اتهاما او اهانة حتى لألد خصومه السياسيين. يؤكد «ان هذا هو مفهومي لممارسة السياسة واسلوبي. وفي بلد معقد كلبنان لا ارى اي فائدة من اسلوب تبادل التهم والكلام الجارح».

لهذه الاسباب وغيرها يعتبر كثيرون ان حرب يجيد تدوير الزوايا. اما هو فيستوضح «ما المقصود بتدوير الزوايا؟ اذا كان ذلك يعني اسلوبا غير جارح في التعاطي فأنا موافق. اما اذا كان يعني تمييعا للموقف والرأي فلا. انا لا احب الاستفزاز لكنني لا اساوم على المبدأ. لست من هواة اضرام النيران او المشاركة في عصفورية الشتم الدائرة ولا التخوين ولا الاشاعات. موقفي غير ملتبس لكن طريقة اخراجه مختلفة».

والاخراج امر مهم عند بطرس حرب. فهو يحرص على اخراج صورته بالتوازن نفسه الذي يخرج فيها مواقفه.

«الشيخ» انيق على كلاسيكية واضحة. ملامحه تعكس الكثير من شخصيته: تخفي وتكشف على قدر ما يحدده هو. يتصرف بود واريحية اهالي القرى ولياقة ولطف ابناء المدن. مزيج يتعب في المحافظة عليه. فهو حريص على ان يبقى على صلة بالناس وبيته بيت زعامة شعبية كما يتمسك بتمايزه النيابي وعمله السياسي والتشريعي. يعتبر الاولى، اي العلاقة بالناس، سندا اساسيا للاخرى. «فلا يكفي ان يكون النائب على قدر عال من الفهم للاصول البرلمانية والحياة السياسية. عليه ان يبقى قريبا ممن انتخبوه وفوضوه».

قبل ان نبدأ حديثنا معه كان منصرفا لمتابعة تزفيت طريق «شاتين» وهي قرية صغيرة في الشمال.

ابن تنورين

يحرص على ان يمضي معظم نهايات الاسابيع في بلدته، في الظروف الطبيعية. ويروي بحماسة كيف ان ابنه كان يلعب مع اترابه في تنورين بعيدا عن المنزل، وكان لا يزال صغيرا، حين عرفت احدى السيدات انه «ابن الشيخ» فأصرت عليه لدخول منزلها وهي تغريه بأكلة الاطفال المفضلة «البطاطا المقلية» لكن «الشبل الصغير» رفض الدخول الا اذا اطعمت كل رفاقه معه.

ابن بطرس هو وحيده مجد (16 سنة) وله ابنتان توأم هلا ونور (13 سنة) من زواجه المتأخر نسبيا من مارلين تابت. فقد طالت عزوبية الشيخ التي يتمنى اليوم لو كانت اقصر. وهو الذي ورث السياسة عن عمه لا يطمح، على ما يقول الى توريثها الى ابنه «الا اذا كان لديه رغبة بذلك والناس يحبونه فمن الطبيعي ان اسهل له». انا لا اؤمن بالوراثة في اي مجال فكم بالحري في السياسة وفي القرن الـ21؟ انا لا اشجع ولا اردع. ليرسم كل طريقه وفق ما يرتئي». اما صغيرتاه فيتحدث عنهما بحب ظاهر. يسرع الى الاتيان برسالتين كتبتها كل منهما له في مناسبة عيد ميلاده وفيهما اطيب كلام البنات عن آبائهن.

من الطائف الى الرئاسة

بطرس حرب السياسي المخضرم شارك في صناعة «الجمهورية الثانية» عبر اتفاق الطائف. هذا الاتفاق الذي؟ ؟أكل أبناءه؟. فلم؟ ؟يبق من النواب الذين صنعوه سوى اربعة في المجلس النيابي الحالي. هو أصغرهم؟ اما الباقون فهم ؟عبد اللطيف الزين،؟ ؟حسين الحسيني ؟وموريس فاضل. ماشى الدعوة المسيحية الى مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1992 ليعود فيقاطع المقاطعة عام 1996 ويدخل الندوة النيابية مجددا. وقف الى جانب الرئيس الياس الهراوي في فترة، وكان الهراوي اشبينه يوم زفافه، ثم اختلف معه في مقاربة الكثير من المسائل. لكن، على طريقة حرب، لم تنقطع «الشعرة» بين الرجلين.

انتقد مرارا سوء تطبيق الطائف واعلن منذ العام 1998 «ان ممارسات الوجود السوري تتناقض مع مفهوم سيادة لبنان». انخرط في «لقاء قرنة شهوان» وكان معتدلا بين «صقوره». يدوزن حساباته المسيحية جيدا. فلا ينجرف الى «تطرف» ولا يبتعد عن «مزاج» الناس. الوسط خياره الصعب وتطرفه في الوسط حمال اجتهادات احيانا.

يصف علاقته بالبطريرك نصرالله صفير بالممتازة. بسعد الحريري انها «ليست حميمة لكن جيدة». مع وليد جنبلاط وسمير جعجع «جيدة». مع السيد حسن نصرالله «علاقة سليمة لكنني لا اراه لاسباب امنية». اما علاقته بالرئيس نبيه بري فهي «اكثر من جيدة. قد اكون من اكثر من شارعوه في المجلس لكنني بنيت معه علاقة ود واحترام». نسأله عن اسماء آخرين طلال ارسلان، وئام وهاب يقاطعنا ليشير «ان لا قطيعة مع احد انما لا اتواصل مع البعض. فان علاقتي بالناس تحكمها مدى احترامهم للحياة السياسية ولغة التخاطب. فلا يملك احد الحق بالاعتداء على كرامات الناس لاسباب سياسية وهذا جزء اساسي يحدد علاقتي بالناس».

اتصل حرب بنسيب لحود وهنأه على ترشحه للرئاسة. اما لماذا لم يحضر مؤتمره الصحافي فيقول «لان في ذلك جرعة زائدة من الخبث الذي لا مبرر له. لقد واكبت ترشيحه. نسيب من العناصر الصالحة ويحمل مخزونا من الكفاءة».

وبسؤاله عمن ينتخب لرئاسة الجمهورية، ان لم يكن هو، يجيب «نسيب لحود».

ماذا عن ميشال عون؟

يبتسم الشيخ ابتسامة ملتبسة ويجيب بلطف اقل من بسمته «مفهومه للدولة ودور رئيس الجمهورية لا يتفق مع مفهومنا. وهو لا يستطيع ان يمارس بديموقراطية ولا يمكنه بالتالي ان يطلق عملية تقريب اللبنانيين وتوافقهم».

«الدسم» في كلام بطرس حرب هو ما ليس للنشر. فالرجل حريص على اللياقات في التعاطي والتخاطب. لكنه يعبر عن رأيه بصراحة لاسيما في معظم الاسماء المطروحة للرئاسة.

يروي بطرس حرب ان النائب والوزير السابق الياس الخازن قدم له نصيحة منذ زمن بعيد قائلا «ضع عند مدخل بيتك مرآة تنظر فيها الى نفسك وانت تدخل او تخرج. فلا يسكرك مديح او يحبطك انتقاد. فتبقى ترى نفسك على حقيقتها». هذا ما فعله.

يعرف حرب نفسه جيدا. لذا وهو ينظر الى المرآة المعلقة عند مدخل بيته في الحازمية، يرى بثقة ملامح «رئيس توافقي بنصاب الثلثين».

ماذا اذا لم يتأمن التوافق وانتخبت الاكثرية بالنصف زائد واحد؟

يجيب «هذا لن يمكن الرئيس من الانطلاق برئاسته وتوفير المناخ الملائم للحوار وانهائه باتفاق وطني».

ـ لكن الرئيس الهراوي انطلق من دون اجماع اللبنانيين؟

يحسم «كان الرئيس الهراوي يعرف على ماذا يسند ظهره. لقد حصل اتفاق مع السوريين وقدموا له كل الدعم . الرئيس الذي سينتخب بنصاب النصف زائد واحد يحصل على دعم سياسي دولي لا يترجم على الارض بشيء. هذا هو الفرق بين الدعم الذي يأتي من الدول الديموقراطية وغيرها». يشير الى «ان الرئيس قد يتحول الى مشكلة تضاف الى المشاكل عوضا من ان يكون مدخلا الى حل كثير منها».

يطمح الشيخ بطرس ان يكون ذلك الرئيس الذي «يحل المشاكل». يطمح منذ زمن فهل ينجح ليكون الرئيس الثامن عشر للجمهورية اللبنانية؟

دنيز عطا الله حداد

السفير (29 09 2007)

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007