تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Wednesday October 04, 2006 الساعة 07:48:33 AM

مقابلات

2 تشرين الأول 2007

ميشال سليمان: رجل البارد والضنية.. ومعركة عصابة «القدّور»

يظهر قائد الجيش العماد ميشال سليمان في زياراته التفقدية في حربي «البارد» و«تموز» وفي خطبه للعسكريين عاقد الحاجبين، جدّيا تغيب عنه البسمة: إنه رجل عسكري بكلّ معنى الكلمة.

ثمّ يظهر في مواقف أخرى رجلاً يطفو السماح على وجهه، ينظر برأفة الى عسكريّ جريح متمددّ على سرير الألم، يصافحه بقبلة على جبينه، يربّت على كتفه ويواسيه: إنّه إنسان حسّاس ومرهف بامتياز.

ثمّ يظهر جالساً في حلقة يتّشح الرجال والنساء فيها بالأسى وبالسواد، يبكون عزيزاً فقدوه في المعركة، يبدو الجنرال حزين الوجه متأثراً ومواسيا للأم الثكلى وللزوجة الأرملة وللولد الذي أضحى يتيم الأب، يبدو عند الرجل الجانب الإنساني الاجتماعي المشارك للآخرين في الأتراح وكذلك أيضا في الأفراح.

في كلّ عام يحضر الجنرال العشاء السنوي لنادي عمشيت وفيه أمضى شبابه يمارس الرياضة، وفي بحر العام يجتمع على عشاء مع أصدقائه في الجامعة يطلع على أوضاعهم ويسألهم عن عائلاتهم.

في بلدته عمشيت تعيش والدته المعمّرة، يزورها الجنرال دوماً. يحضر في سيّارة واحدة مرتدياً الثياب المدنية ويجلس معها لساعات. في حرب «البارد» غاب عنها 4 أشهر وغاب عن عائلته أيضاً لأنه كان ينام في وزارة الدفاع ولم يرتد الثياب المدنية إلا بعد انتهاء الحرب... عند زيارة والدته.

انضباطية وزهد بالمظاهر ورفض قاطع للحديث عن النفس. رفض قاطع وصمت مطبق يلتزم به الجنرال فيرضي ذاته ويحترم موقعه لكنّه يسبّب الكثير من الإزعاج للصحافيين اللبنانيين والأجانب المتعطشين للتعرف إليه والظفر بمقابلة منه.

انضباطية قاسية على الذّات وعلى العائلة التي يقدّسها الجنرال كما يروي عارفوه في بلدته.

رفض أن يتقدّم ابن شقيقه بامتحان دخول الى المدرسة الحربية كتلميذ ضابط لأنه نال معدّلا في الشهادة يقلّ عن 12 علامة (نال 9,11) فعاد الأخير الى دراسة الحقوق. عندما عيّن شقيقه غطّاس مختاراً للمرة الأولى عام 1995 لم يعرّف عنه بأنه مختار بل اكتفى بالقول: شقيقي البكر، ولم يحظ الأخير بلقب مختار من فم الجنرال إلا بعد أن انتخبه العمشيتيون عام .1998

عمشيت مهد الطفولة والشباب

قبيل عيد الاستقلال ولد العماد ميشال سليمان في 21 تشرين الثاني عام 1948 في بلدة عمشيت والده نهاد كان في قوى الأمن الدّاخلي ووالدته جوزفين أيوب من جبيل، لديه شقيقان: غطاس مختار البلدة والقاضي أنطوان سليمان محافظ البقاع وجبل لبنان.

ترعرع في عمشيت وتميّز بحركته الدّائمة التي لا تهدأ، يمارس الرياضة ناشطا في نادي عمشيت. بعض من طفولته ومراهقته يورده العماد سليمان عن عمّه اللغوي فارس سليمان، في مذكراته التي هي بعنوان «استراحة محارب» والتي سينشرها بعد تقاعده، كتب في هذا الكتاب الذي لم يقرأه بعد أحد سواه: «... ولا بدّ لي من أن أستحضر بشغف زمن الصبا، حين كنت أتردّد على العمّ فارس الأستاذ «العصامي» المرهف الإحساس، الذي حاول جاهدا تعليمي اللغة العربية، وأقول بكلّ صدق أنّه وإن لم أتمكّن من امتلاك ناصية هذه اللغة بالكامل إنما اكتسبت الكثير من سمات شخصيته المميزة وسعة اطلاعه، ومعاني شعره وأدبه التي طالما استنرت بها في مسيرتي العسكرية. بالإضافة الى المصداقية والشفافية اللتين تعكسهما ملامح العمّ فارس، فهو متحرّر بطبعه، غنّى الأرز والاستقلال ودافع بكلّ جوارحه عن فلسطين المغتصبة والعروبة الجريحة، ورأى في النضال وسيلة مشروعة لتحرير الذات والوطن وتحقيق العدالة الاجتماعية ونبذ الطائفية البغيضة... بعطائه وإبداعه تستنير الأجيال وبأخلاقه وقيمه تخلد ذكراه...».

إلى الجيش

تطوّع سليمان في المدرسة الحربية بصفة تلميذ ضابط عام 1967 وتخرّج منها برتبة ملازم عام .1970

في المدرسة الحربيّة تميز سليمان بعلاماته العالية حتى سمح له بتعليق رتبة رقيب، وعند تخرجه سافر لمتابعة دورة تدريبية في بلجيكا. خدمته الأولى كانت في مدرسة الرتباء في مدينة بعلبك حيث أمضى 3 أعوام، أغرم في خلالها بزوجته وفاء سليمان (قريبته من عمشيت) وكان يقصدها من بعلبك الى عمشيت ليراها ثمّ يعود الى ثكنته في اليوم ذاته! هذا ما يرويه صديقه منذ 35 عاما العميد المتقاعد بطرس عسّاف الذي كان رفيق الطريق من العقيبة الى اليرزة، يصفه بقوله: «عسكري يتقيّد بالقوانين وبالتعليمات، الانضباط عنده مقدّس، ينجز عمله بتأنّ وبمثابرة. يفهم القانون ويطيعه وله سلطة قيادية تتسم بالحكمة والشجاعة، يثابر على العمل من دون كلل أو ملل، محبوب من رؤسائه ومن مرؤوسيه يؤمن بالثواب وبالعقاب». يضيف: «كنا ننهي دوامنا الساعة الثانية بعد الظهر فيرفض المغادرة حتى ينجز عمله عملاً بالمثل القائل: لا تؤجّل عمل اليوم الى الغد».

تدرّج في الترقية حتى رتبة عميد اعتباراً من 1/1/.1996 شغل عدّة وظائف قيادية من آمر فصيلة حتى قائد كتيبة وضابط في أركان قيادة الجيش ومدرّبا في مدرسة الرتباء والمدرسة الحربية. عيّن رئيساً لفرع مخابرات منطقة جبل لبنان، وأمينا للأركان في قيادة الجيش وعيّن ايضاً قائداً للواء المشاة السادس. حائز على اوسمة عدّة وتنويهات وهو تابع دورات دراسية عدّة في فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة الأميركية.

بدأ نجم الضابط سليمان يلمع داخل المؤسسة بسبب النظريات القتالية التي أطلقها «هذه النظريات ساعدته على الوصول الى قيادة الجيش، وأذكر جيّدا بأنه استصدر نظريّة تأخير العدوّ أثناء الهجوم (لعبة الوقت)، هذه النظرية لفتت إليه نظر المسؤولين العسكريين اللبنانيين والسوريين والأجانب في حينه، وكان قائداً للواء المنتشر في البقاع الغربي», يقول عسّاف مضيفاً: «كان غير معروف لكنّه بعد ان قدّم مناورة تطرح هذه النظرية بدأ التداول في إسمه».

اختار الجنرال سليمان التخصّص في العلوم السياسية والاقتصادية، اتجه فكره باكراً الى النّظرة الاجتماعية والجيوسياسية للأمور، مما اكسبه بعداً آخر مختلفاً عن نظرة العسكري، هو المعروف بهدوئه واعتماده على التفكير برويّة، وقد ترسّخت فيه هذه الصفات في السلك العسكري. برزت شخصيته التوفيقية السياسية في التعاطي مع تظاهرات فريقي 8 و14 آذار عام 2005 بحيث التحم الجيش بالشعب عبر الورود والرايات. أتى ذلك من خلفية تفكيره بأن الجيش هو حامي الوطن كلّه ولا ينبغي أن يكون فريقاً، وبما أن النظام اللبناني يحمي الحريات فعلى الجيش بدوره أن يحمي الجميع شرط عدم الإخلال بالأمن.

من المشاة إلى القيادة

أمضى سليمان حياته في العمل الميداني في فرق المشاة، أولى مهمّاته عند تخرّجه كانت تكليفه ملاحقة عصابة «القدّور» في عكّار وكان آمر فصيلة (اشتهر القدّور بتأليفه عصابة حاربت الجيش اللبناني) وأول مركز خدم فيه كان في الجنوب حيث غرس العلم اللبناني في تلّة اللبونة بعد انتشار الجيش في الجنوب عام .2006 أصيب مرّة في بعلبك عام 1972 بشظايا قنبلة أمسكها ورماها بعيدا من فرقة عسكرية كان يدرّبها وقد سقطت سهواً فتشظى جسده لكنّه أنقذ العسكر من مجزرة، وأصيب في بداية التسعينيات في الجنوب عندما قصفت سيارته بقنبلة إسرائيلية وقتل مرافقه. في الحرب اللبنانية تواجد الجنرال سليمان على جبهات ساخنة عدّة منها: الأسواق، النورماندي، الدامور، البقاع، وشكا وسوق الغرب وسواها.

اختير العماد سليمان قائداً للجيش عام 1998 وهو في بداية العقد الخمسين من العمر «لتحديث المؤسسة العسكرية وبغية إضفاء دم جديد في الجيش» بحسب العميد عسّاف.

اتّسمت علاقة الجنرال سليمان في بداية تبووئه القيادة بالتوتر مع رئيس الجمهورية العماد إميل لحّود «هذا الأمر روتيني بين قادة الجيش والرؤساء ولا تعدو كونها خلافات إدارية يومية، إلا أن العلاقات الشخصية كانت جيدة»، يقول عساف.

في عزّ التوتّر بينه وبين العماد لحّود لم يكن سليمان يتخلّف عن زيارة الأخير عند الضرورة لإعلامه بالمستجدّات في المؤسسة العسكرية، إذ طالما اعتبر بأنّ لموقع الرئاسة هيبته التي ينبغي الحفاظ عليها بغضّ النظر عن العلاقات الشخصية مع الرئيس.

ابن المدرسة الشهابيّة بعيد من السياسة والسياسيين، «لا يهمّه ماذا يفعل السياسيون، كلّ ما يهمّه أن يكون القرار السياسي جامعاً لوحدة لبنان، ويهمّه أكثر ألا يتاجر السياسيون بالمؤسّسة العسكرية، ويعتبر أنه بقدر الابتعاد عن السياسيين وطلباتهم تكون المؤسسة العسكرية موحدة وذات فاعلية وجامعة»، يقول عسّاف.

يحبّ مبدأ المقاومة ومقتنع به، كما هو مقتنع بعلاقات ندّية وممتازة مع سوريا مع اعتباره إسرائيل عدوّاً مطلقاً.

يردّد دوماً بأن الوحدة الوطنية هي أساس استمرارية لبنان، مشبّها إياها بدائرة، كل قطر فيها يمثل طائفة فإن كسر قطر يختلّ توازن العجلة.

عن ترشحه للرئاسة يقول العميد عسّاف: «هذا الرجل لا يهمّه المركز الشخصي بقدر ما يهمّه العطاء للوطن من خلال المركز مهما صغر».

سلوكه العسكري

لا يتّخذ العماد سليمان قراراً إلا بعد التشاور مع أركانه، لكنّه قد يتخطى القيادة السياسية عندما يتيح له القانون ذلك، كما في حالة مكافحة الإرهاب والتعدّي على الجيش. في أحداث الضنية اتخذ قرار المواجهة منفرداً دون الرجوع الى القيادة السياسية، وهي صلاحية يمنحه إياها قانون الدّفاع «وبعد 24 ساعة من الصمت السياسي تدخل السياسيون بمواقفهم»، يقول عسّاف.

منذ بداية المعارك في مخيّم نهر البارد أشيع بأنّ المعركة ستنتهي في غضون أسبوعين، لكنّ الجنرال سليمان أبلغ المسؤولين السياسيين منذ الأيام الأولى للمعارك بأنها ستتطلّب بين الـ3 والـ6 أشهر. استخدم في هذه المعارك مع منظّمة «فتح الإسلام» خطط اقتحام من جبهات عدّة مترافقة مع كثافة نيران وتطويق برّي وبحري وجوّي ومساندة وحدات التدخّل السريع للمجوقل وللمغاوير.

في عهد سليمان انتشر الجيش اللبناني في الجنوب، وهو كان مقتنعاً بأن وجود الجيش في الجنوب هو الحلّ الأكيد للحفاظ على الأمن وعلى الاستقرار والسّلم الأهلي، فما أن اتخذ القرار السياسي حتى انتشر الجيش في خلال 24 ساعة، مما يدلّ على الجهوزية التامة التي تمتّع بها. لم يقصّر في أية مهمّة طلبت منه سواء في مراقبة الحدود مع سوريا حيث نشر 6 آلاف عسكري لمنع التهريب وفي الوقت عينه كان ثمّة 12 ألف جندي لبناني يتوجّهون الى الجنوب، مما يدلّ على قدرته العملانية والتنظيمية.

و...الإنساني

يبدأ سليمان عمله الساعة السادسة والنصف صباحاً وينتهي عند الخامسة بعد الظهر، غير أنه ينقل معه البريد والعمل الى المنزل ويبقى في مكتبه حتى الواحدة بعد منتصف الليل. أما في الحرب فعمل 24 ساعة على 24 والمقرّ الدائم كان في وزارة الدّفاع.

على الرغم من مشاغله يحافظ الجنرال سليمان على تواصل مستمر ويومي مع أفراد عائلته، وخصوصاً مع أشقائه وأبنائهم ومع والدته، وهو يتصل يومياً بالأولاد متابعاً أدقّ التفاصيل في حياتهم الأكاديمية والجامعية، وهم يفاجأون حين يعلم بتفاصيل يريدون حجبها عنه كالتغيّب عن حضور الصفوف أو التقصير في مادّة من المواد الدراسية. لكنّ الجنرال ليس عسكريّ الطباع في العائلة، بل أب حنون ومرشد وصديق، لا يفرض رأيه ولا يلجأ الى الغضب عند توجيه ملاحظة أو تقديم نصح، ويؤنّب في شكل راق جداً. يقدّس عائلته ويصونها، وهو أب لـ 3 أولاد ريتا (طبيبة أسنان)، لارا مهندسة، وشربل (يدرس الطّب). مولع بحفيده شوقي الصغير الذي لا يتجاوز عمره السنة وهو يمنحه من وقته ويدلّله كثيراً.

يهوى الطبيعة، يمشي يومياً لساعتين، يتمتّع بسماع الموسيقى الهادئة ولديه قدرة على تحمّل ساعات طويلة من العمل المضني مع الحفاظ على لياقته ومظهره طيلة فترة العمل. يتدخّل في أدقّ التفاصيل، لا يستعين في شكل عام بأحد في كتابة نصوصه. يجد وقتاً للقراءة ويهتمّ بالإطلاع على النظريات العسكرية والاستراتيجية الجديدة، كذلك في السياسة والعلوم. يحبّ بلدته عمشيت ويهوى التردّد الى الأماكن التي ترعرع فيها. يمتلك الجنرال سليمان منزلاً صغيراً في بلدة لحفد الجبيلية، يجاوره بستان يحوي أنواع الفاكهة كلّها، وهو يجد متعة في تقليم الأشجار وقطافها في المواسم وريّها، ويسأل أصدقاءه عن كيفية الاعتناء بها.

ملتزم دينياً، لا يتغيّب عن دير القديس شربل في عيده السنوي ويعتبر البطريركية المارونية هي مرجع روحي وصرح يحبّ زيارته من وقت الى آخر.

مارلين خليفة

السفير (02 10 2007)

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007