تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 06, 2006 الساعة 07:35:34 AM

تحليل إخباري

5 تشرين الأول 2007

الخشية من البديل في ما لو دقَّت الديموقراطية باب دمشق

حين كان المواطن السوري يتابع أخبار التسونامي الذي ضرب جزر أندونيسيا، وموجات الفقر والمجاعة والحروب الأهلية في دارفور والصومال وراواندا وبورودني...الخ، حمد الله ألف مرَّة، على رغيف الخبز الذي مازال في متناوله. وهو يحمدُ الله على أنه لم يضع سورية على شواطئ المحيط الهندي أو الهادي، أو في عِداد دول القرن الأفريقي. وحين يتابع أخبار ومشاهد الرعب والخراب والدمار والقتل الجماعي، وعلى الهوية، والتهجير، والأوبئة، وتجلِّيات الطائفية المقيتة، وفظائع الاحتلال في العراق...الخ، يحسدُ نفسه على «الأمن والأمان» المُخيّمَين على بلاده، و»اللُّحمة والوحدة الوطنية» التي تنعم بها سورية. وينسى أو يتناسى أو يتجاهل مظاهر الاستبداد والظلم والاستعباد الممسكة بخِناق المجتمع، والفساد الذي ينخر مفاصل الدولة ومؤسساتها، منذ أربعة عقود ونيّف. ويُفكِّر ألف مرَّة، قبل وضع فرضية أن يكون الأجنبي طوق نجاة لحاله المزرية هذه، ضمن دائرة البحث والنقاش والتداول. لكن، حين يتابع السُّوريُّ أخبار لبنان، وكيف أن هذا البلد، يحاول جاهداً النهوض بنفسه من تحت أنقاض الحرب الأهليَّة، وتراكيبها الطائفيَّة، وكيف أن هذا البلد الصغير، يعجُّ ويضجُّ بالعناوين الإعلامية المرئيَّة والمقروءة والمسموعة، وحين يتابع أخبار دبي وعواصم الخليج التي نفضت عن نفسها غبار البداوة، وباتت في عين وقلب العصر اقتصادياً، كمْ تصعب عليه نَفسُهُ!. حينها فقط، يدرك حقيقة مأساته، عملاً بقولة: لا يدرك الإوزُّ المنزلي حقيقةَ مأساته، إلا بعد أن يرى الإوزَ البرِّيّ محلِّقاً.

أفظع ما أنتجه النظام في سورية، أنه اغتال بديله، في صيغه القومية واليسارية والإسلامية. فقد جذب الأحزاب القومية، بنسخها الناصرية، والأحزاب اليسارية، إلى جبهته «الوطنية التقدمية»، مطلع السبعينات، واضعاً إياها ضمن مختبرات التلقين والتدجين والترويض على مدى العقود الثلاثة والنصف الماضية، بعد إجراء عمليات التشطير والتفتيت والتشقيق عليها، جاعلاً من الناصريين أحزاباً عدَّة، والشيوعيين «شيَعاً» وفِرقاً عدَّة. ومن «استكبر وأبى»، جعلهُ في عُهدة غياهب المُعتقلات، لأكثر من 17 عاماً (رياض التُّرك نموذجاً). وخلافاً لديالكتيتك الحياة القائم على أن من ضرورات وجود الشيء، وجود الضد، لم يقم باغتيال «ضدِّه» وحسب، بل اغتال أيَّ تكوين أو تعبيرٍ سياسي، لا يوافقه، معتبراً إياه «ضدَّاً» له، عبر لعبة بثِّ الشقاق فيه، وخلق مناخات التطاحن بين اشتقاقاته. وسرُّ إتقان النظام لهذه اللعبة في لبنان، يعود لخبرته المديدة والعريقة في ممارستها سوريّاً.

في منتصف الستينات، أفسح النظام السوري المجال أمام نشاط الأحزاب الشيوعية للحؤول دون تصاعد وتيرة الناصريَّة، وصولاً لتقوضيها وتفتيتها، ما أعطى زخماً للشيوعية سوريّاً، وهو ما التمس فيه النظام خطراً لاحقاً يهدِّده. ولأنه لا يستطيع مجابهة الخطر الشيوعي المتنامي بشكل مباشر وقتها، تحت ضغط علاقاته مع «قِبلة» الشيوعيين، الاتحاد السوفياتي السابق، لم يكن أمامه سوى إفساح المجال لنشاط الإسلام السياسي، بنسخته الإخوانية السورية، بغية التصدِّي لـ»الكُفر والإلحاد» الشيوعي. وتمَّ له ذلك. لكن، تفاجأ النظام بأن الإخوان، تغلغلوا في الجيش، (حادثة مدرسة المدفعية بحلب نهاية السبعينات)، وضمن حزب البعث، ومؤسسات الدولة، وهم على وشك أن يبتلعوا النظام بأكمله، ما دفعه إلى سحقهم دون رحمة: مدينة حماه نموذجاً). كما لا يمكن نسيان سعيه الحثيث لجعل الحزب الكردي السوري الوحيد ناتج قسمة على اثني عشر حزباً، قابلا للتضعيف. ومنذ منتصف الثمانينات، وسورية التعبير الأصدق والأنصع والأبلغ لهذه الحال الكارثية المتهالكة.

الحديث الضمني والسرّي لمكوِّنات المجتمع السوري حول بدائل النظام، يتمحور حول التالي: إن دقَّت الديموقراطية أبواب دمشق، فإنَّ الداخل الأول والأرجح والأوفر حظَّاً في الاستئثار بالسلطة، هم جماعة الإخوان المسلمين، وبالقانون والدستور وصناديق الاقتراع. وعليه، فإنَّ بعض المتخوّفين منهم يقولون: إنَّ حدثاً كهذا، سيفقدنا ما نتمتَّع به من امتيازات ومكتسبات، ويجعلنا ندفع ضريبة أخطاء النظام في حقِّ المكوِّنات الأخرى. وثمة من يقول: إنَّ حدثاً كهذا، سيدفع غلاة السنّة لأنْ يقيموا علينا الحدّ، على اعتبار أننا «كفرة ومرتدّون». وهكذا دواليك في ما خص المسيحيين والأكراد وغيرهم. وفضلاً عن أن هذه المكوِّنات السورية، وغيرها، مُتَّفقة ومُجمعة على أن مجيء الإخوان الى السلطة، سيقحم البلاد في انغلاق مكين، فإنه سيأتي على المتبقِّي من الهوامش السياسية والدينية والثقافية، والاجتماعية على وجه التحديد.

ولأن افتراض المُحال، ليس من المُحال، لو دقَّت الديموقراطية باب دمشق، وكانت الغلبة للطيف العلماني من المعارضة السورية، فهل هذا الطيف المنهك، يملك الجاهزية والإمكانية والقدرة والطاقة التي تخوِّله إدراة دولة منهكة متهالكة؟. وإن كانت هنالك فعلاً مخططات تآمرية أميركية - صهيونية تستهدف النظام السوري، فإنها أيضاً تصطدم بعقبة عدم وجود البديل القادر على إدارة البلاد، والامتثال للأجندة الأميركية. ولأن النظام السوري قد نشَّف بُرَك المعارضة العلمانية داخلياً، يبقى تعويل المخططات التآمرية التي تستهدف سورية على تطمينات الإخوان المسلمين في ما يسمَّى بـ»جبهة الخلاص»، حول حماية الديموقراطية والدولة المدنية الدستورية التعددية، ضرباً من ردِّ الريح بالغبار!. ما يعني، أنه حتى المتآمرين على سورية، يخشون من أن يكون استبدال النظام الأمني في هذا البلد بآخر ديموقراطي، مدخلاً لخطر أكبر يهدد المصالح الأميركية في المنطقة. وهذا ما أعرب عنه بعض القادة الإسرائيليين، من أنهم ليسوا مع تغيير النظام السوري!. فصناديق الاقتراع التي أتت بهتلر و»حماس»، للحكم، هي التي قد تأتي بالبيانوني للسلطة. ورغم أن سيكولوجية المواطن السوري لا تجاهر برفضها لواقع الحال، إلا أنه يمكن القول: وكأنها اعتادت عليه، مع خشيتها من تجريب أي واقع آخر، إسلامي، أو أي نموذج ديموقراطي مستورد على الطريقة العراقية، الذي يوشك أن يثبت فشله، تحت تأثير الاختراقات الإقليمية، وحجم الإرث العنفي القومي والطائفي بين مكوِّنات الشعب العراقي. مقصد القول: إن الداخل والخارج السوري يتقاطعان في الخشية من أي بديل للنظام السوري، ما يعزز موقف النظام، في زيادة إحكام قبضته، وعدم اكتراثه بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية، خاصة منها، ما هو متعلّق بحقوق الإنسان. وعليه، يبقى المواطن السوري هكذا، على أنقاض حاله، محكوماً بالاستبداد، والخشية من الديموقراطية في آن، إلى أن تحدث معجزة ما في زمنٍ ما، تعيد ترتيب سورية بما ينسجم مع إرثها الحضاري، وروح العصر.

هوشنك أوسي

الحياة (05 10 2007)

 

مزيد من المقالات

الوزراء الأوروبيون: الأميركيون لن يفرّطوا ببلد يمسكون زمام حكمه!

عقدة لبنان تحل باختيار «الرئيس التوافقي» لا بـ«الرئيس التحدّي»

من يطرح معادلة متوازنة تطمئن "حزب الله" إلى مصير سلاحه؟

رئيس من 14 آذار وثلث معطّل لـ8 آذار

قلق غربي من فوضى أمنية تواكب الانقسام

الفاتيكان يتحرّك لتجنّب الصدامات والأخطار

مخاوف الدول المشاركة في "اليونيفيل" تتصاعد من احتمال عدم انتخاب رئيس

دمشق تكشف أوراقها: هذه شروطنا لانتخاب رئيس لبنان

لماذا يرفض السوريون دعم عون وما دورهم في مبادرة بري؟

الخشية من البديل في ما لو دقَّت الديموقراطية باب دمشق

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007