|
|
|
آخر تحديث Thursday October 12, 2006 الساعة 06:19:37 PM |
عبد الله قبرصي: شاعر المناضلين المُطَارَدين
كنا نلتقي بهذا الرجل الصغير في جسده والكبير بمعارفه، في مجلسه الرحب في منزله المتواضع في بيروت، لننعم بالمزيد من الابتسامات والقهقهات التي تبرّد القلوب الراجفة والواجفة مما يحمّله إليها هواء السياسة في كلّ يوم، فيزيدنا تمسكاً بالوطن وبوجوب الاستماتة في الدفاع عنه مهما بلغت التضحيات، وهو الذي شقّ طريقه إلى الحياة مناضلاً ضدّ الفرنسيين ورجالهم المنتشرين في تركيبة «دولة الانتداب»، ومن ثمّ ضدّ ظلم دولته عندما خشيت من تنامي ظاهرة «الزعيم» أنطون سعادة، فقرّرت تصفيته من دون توفير أدنى مقوّمات المحاكمة العادلة له باعتراف كبار قضاة لبنان آنذاك. تنوّعت إطلالات عبدالله قبرصي في الحياة على مدى سني عمره التي بلغت 98 إلاّ 21 يوماً وهو المولود بتاريخ 27 تشرين الأوّل من العام ,1909 فصال في مجالات مختلفة لم يرق الشكّ إلى أحد في أنّه كان بارعاً وناجحاً في مواءمتها والالتحام معها، فبرز خطيباً مفوّهاً في مناسبات الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أعطاه الكثير من نبضات قلبه ولحظات راحته أكثر من أيّ حزبي آخر بمن فيهم المؤسّسون أنفسهم وهو كان واحداً منهم. عرفت المحاكم عبد الله قبرصي محامياً لامعاً يغوص في طلب الحقّ ولا يحيد عنه، ويظلّ راكضاً خلفه للإمساك به حتّى ولو مانعته بعض النصوص القانونية، فلا يكلّ ولا يملّ بل يجترح ما يفي بالغرض ويحقّق الأمنية بكسب الدعوى، وكان إذا ما بدأ بمرافعاته الجزائية بصوته الجهوري العالي الذي ينمّ عن خطابة رفيعة والذي كان يبدو أكبر من جسده النحيل، دخل القضاة وروّاد محاكمهم من المتقاضين والمستمتعين، في طقوس الهدوء واليقظة، فالجميع منصت لكلّ حرف وحجّة، والحواس تتحرّك مع كلّ لفظ يخرج منه وكأنّها تستمع إلى حكواتي جذّاب ولا ترضى أن يفوتها أمر من مروياته التاريخية والآنية. كانت دُور المحاكم تشتعل فتنة بصوت قبرصي وصفحات مرافعاته وفحواها الشفّاف والقادر على لفت الأنظار ونزول مرتبة الاعجاب، فيتهيّبه القضاة لإحكامه قبضة المعرفة بالقضية الموكل بها، وينفضون عن أنفسهم لحظات التعب والملل من دعاوى سابقة، ويدبّ النشاط فيهم لمتابعته، وهو يسرد ما توصّل إليه من مقترحات مشروعة بحكم القانون ومدعومة بالأسانيد المتداولة وغير المعروفة حتّى ولو كانت من بنات أفكاره. كان يقنع نفسه بما يقوله ويخترعه من حجج ليتسنّى له الظفر بإقناع القضاة والخروج بانتصار قانوني يضيفه إلى سجّله الناصع والحافل في مختلف قصور العدل والمحاكم اللبنانية. وظلّ مواظباً على تجشّم عناء الحضور إلى قصور العدل مدّة تسعة وستين عاماً بعدما انتسب إلى نقابة المحامين في بيروت بتاريخ 29 كانون الأوّل من العام ,1932 وتحديداً حتّى يوم السبت الواقع فيه 6 أيّار من العام 2001 حيث توقّف قسراً لأسباب خارجة عن إرادته فرضها المرض وتقدمه في السنّ. وعرفنا قبرصي شاعراً ثورياً ماشى بقصائده وكتاباته كلّ حركات التحرّر المؤثّرة في العالم والتي كانت تهزّ كيانه، وتزعزع مشاعره فينطلق لملاقاتها بما تستحقّه من غزل وإشادة. كما أنّه ترأس التظاهرات الطلابية وألهب الجموع بالحماسة وإن قاربت المبالغة في بعض الأحيان. اسميناه على صفحات «السفير» بـ«شاعر المناضلين المُطَارَدين» في تحقيق عنه قبل أشهر، لأنّه لم يتأخّر عن ملاحقة الانتداب الفرنسي بسوط كتاباته، ولم يرتجف من دخول السجون على اختلاف زنازينها، وفضّل ملازمة التشرّد والانتقال من مكان إلى آخر على تغيير نهجه ومواقفه ومبادئه الحزبية والسياسية. لقد فضّل برودة القضبان في سجون «الرمل»، و«القلعة»، و«الميّة وميّة»، على تغيير الإنسان في داخله. ولم تمنعه نفسه المشتاقة إلى الثورة من التلذّذ بجمال المرأة، فغنّاها وسكب عليها الكثير من خوابي الغزل الصريح، حتّى أنّه وهو في التسعينيات من عمره ذهب بعيداً في غزله الإباحي والعذري في آن معاً أكثر من الشباب. كان عبدالله قبرصي تاريخ الحزب السوري القومي غير المدوّن وذاكرته المتوقّدة بدءاً من مرحلة السرّية التامة إلى العلنية الحاضرة، وما بينهما من عذابات ومضايقات وانشقاقات. وكيف لا وهو الذي شغل مناصب مهمّة فيها أبرزها «زعيم بالوكالة» بناء لطلب أنطون سعادة نفسه قبل إعدامه. رحم الله عبدالله قبرصي الشهم والنبيل، وصاحب النكات والطرائف، والمبالغات المحبّبة، والسياسي والقانوني والشاعر والصحفي، فأمثاله لا يعادون في الحياة إلاّ نادراً ونادراً جدّاً. ÷ يشيّع عبدالله قبرصي يوم غد الثلاثاء في مسقط رأسه بلدة ددة (قضاء الكورة) حيث من المقرّر أن ينقل جثمانه من مستشفى الجامعة الاميركية عند الساعة التاسعة صباحاً، ويوارى في الثرى عند الساعة الثالثة بعد الظهر. وتتقبّل عائلته التعازي في كنيسة مار الياس في ددة يومي الثلاثاء والأربعاء. وفي كنيسة نياح السيدة في المكحول في رأس بيروت يومي الخميس والجمعة ما بين الساعة العاشرة صباحاً والسابعة مساء. علي الموسوي السفير (08 10 2007) |
|
||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
|||||||||||||||||||||||