تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Thursday October 12, 2006 الساعة 06:40:07 PM

شؤون حزبية

4 تشرين الأول 2007

لاحق فرنجية ومعوّض بحادثة مزيارة وعيّنه سعادة زعيماً بالوكالة ودخل السجون مراراً

عبد الله قبرصي شيخ الفكاهة والعنتريات وشاعر المناضلين المُطَارَدين

الأمين قبرصي في سريره، قبل أشهر قليلة من رحيله، مع الزميل علي الموسوي (السفير - 01 05 2007)

هو شيخ الفكاهة و«العنتريات» بامتياز، وساقي مداعبات يسكبها في مجالسه بروح مرحة، ونَفَس ذوّاق، فينتشي سامعها طرباً ولا يكتفي، بل يظلّ يستزيد ولا يرتوي، ويطعّمها بأحاديث البطولات والمبالغات، فتظنّ نفسك للوهلة الأولى، في حضرة عنترة أو جبّار خارج من رحم التاريخ، مع أنّ قامته القصيرة وجسده النحيل لا يوحيان بالقوّة على الإطلاق، ولكنه مناضل جريء من الصفّ الأول، بلغت به استماتته في الدفاع عن عقائده الحزبية ووطنه وأرضه وتحدّي الانتداب الفرنسي، ارتداءَ التشرّد، والفرار من الملاحقة سرّاً وجهاراً، وليلاً ونهاراً، ودخول السجن مراراً، وكان أوّلها في ليلة عرسه الموعود، من دون أن يتأثّر، أو ينحني، أو يلين، أو تتفتت عزيمته وكبرياؤه، فحق فيه القول إنّه شاعر المناضلين المُطَارَدين.

هو حقوقي لامع دائم الوقوف إلى جانب الحق، حتّى ولو كان مدّعى عليه. بارز أعلاماً كباراً في القانون وبزّهم. وتشهد له المحاكم بطول باعه في تدجين قانون العقوبات بما يتلاءم ومصلحة موكّليه وكأنه كان ينطق بالحكم قبل أن تتفرّد هيئة المحكمة بلفظه، إدانةً أو براءة.

إنّه عبد الله قبرصي الذي بلغ من العمر عتيّاً فوصل إلى سنّ الـ98 عاماً، ولم يعد يحتمل الوقوف على قدميه، فبات طريح الفراش من دون أن يتنازل عن ذاكرته الحاضرة والقادرة على سرد الأحداث وكأنها بنت ساعتها، وهذا ما اتضح خلال قيامنا بمحاولة تسقّط أجزاء من سيرة حياته الضاربة في التوسّع على مقدار عمره.

ولد عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله قبرصي في بلدة التآلف الإسلامي المسيحي، السني الأرثوذكسي، «دده»، من أعمال الكورة في شمال لبنان، وذلك في 27 تشرين الأوّل من عام .1909 وقد شاع خطأ أنه ولد عام 1910 وذكر ذلك في الجزء الثالث من كتابه «عبد الله قبرصي يتذكّر»، ولكنه يؤكّد أنه من مواليد عام 1909 ويقول: «عندما نظم لي خالي حنا الزاخم بطاقة الهوّيّة ذكر عمري الحقيقي وهو أنني مولود في 27 تشرين الأوّل من عام 1909 وعندما عاد والدي من جزيرة كوراساوا عام 1957 سألني في أيّ سنة سجّلت ولادتي؟ فقلت له: سنة ,1909 فانتفض غاضباً قائلاً: «أنا تزوّجت أمّك في آخر عام 1909 فكيف تكون مولوداً في هذا العام. أنت مولود عام ,1910 فاذهب وصحّح هذا الخطأ وإلاّ فإنك تكون قد وافقت على أن تكون أمّك قد حملت بك قبل أن نتزوّج. وهكذا ذهبت وأقمت دعوى قضائية وسجّلت ولادتي عام ,1910 غير أنني لم ألبث أن أقمت دعوى ثانية أعدت فيها التاريخ عاماً إلى عام ,1909 لأنه عين الصواب».

شاء القدر أن ينشأ عبد الله قبرصي يتيماً منذ الصغر. فبعد ثلاثة أشهر من سفر والده إلى جزيرة كوراساوا في جزر الكاريبي، وهو في الثالثة من عمره تقريباً، توّفيت والدته سعدى يعقوب عبد المسيح الزاخم، فعاش في كنف جدّيّه لأمّه يعقوب الزاخم ونسطة شيخاني وخاله حنا، وفي منزل عمّه مختار البلدة ديب قبرصي، فربّوه وعوّضوه بعض الحنان المفقود، والكثير من التربية الصالحة.

مدرسة الإسكافي

تعلّم قبرصي التهجئة ومبادئ القراءة في البدء، لدى الإسكافي في قريته شحادة عبيد، ثمّ انتقل إلى المدرسة العثمانية الرسمية في القرية، فمدرسة ياسمين الحاج في بلدة بترومين، ومدرسة الخوري يوسف في بلدة برسا، ومدرسة القلمون، ومدرسة البلمند حيث كان تلميذاً داخلياً، وختمها في مدرسة الصفاء.

تتلمذ قبرصي في مدرسة دير البلمند على يد الشاعر نعمان نصر من بلدة قلحات في قضاء الكورة، وتعلّم منه الاهتمام باللغة العربية والشغف بآدابها، وذلك على مدى أربعة أعوام بين العامين 1921 و.1924 وفي هذا الصدد يقول: «كان نصر، مُؤسِّس مدرسة الصفاء لاحقاً، من النوابغ لأنه استطاع أن ينال جائزة مجلة «المرأة الجديدة» لصاحبتها جوليا طعمة دمشقية متقدّماً على شعراء لبنان بقصيدة عن الأمومة دفعته قدماً في عالم الشهرة والأضواء. وبتاريخ 24 كانون الثاني من عام ,1924 وقع أمامنا، نحن تلامذته، عن كرسيّه داخل الصفّ، مصاباً بنوبة قلبية أفقدته الحياة، وقد حزنت لفراقه كثيرا».

درس قبرصي القسم الأول من شهادة البكالوريا في مدرسة الفرير في مدينة طرابلس عام ,1925 وما لبث أن ترك قريته ونزح إلى العاصمة بيروت بسبب العوز الذي طوّق معيشته وضربها في أعماقها حتى سقطت تحت سياطه اللاهبة، فتخلّى عن المدرسة شكلاً، ولكنه اقترب أكثر من طلب العلم والمعرفة، وانكبّ على نفسه لتقصّي دروس القسم الثاني من شهادة البكالوريا ونجح في مسعاه.

واضطرّ إلى بيع الأملاك والأرزاق التي ورثها من ذويه، وانتسب إلى معهد الحقوق الفرنسي في لبنان المتفرّع عن معهد ليون الفرنسي لإكمال دراسته والتخصّص في القانون، فتخرّج فيه بتاريخ 18 تشرين الثاني عام 1932 حائزاً إجازة في الحقوق بمعدّل جيّد، وموقعة من وزارة المعارف الفرنسية، وليصبح أوّل من ينال شهادة الحقوق في قرى القلع الثلاث عشرة في قضاء الكورة وهي: بترومين، كفرحزير، عفصديق، فيع، قلحات، بدبا، برصا، دار العين، رأسمسقا، بطرام، عابا، بشمزّين، ودده مسقط رأس قبرصي نفسه.

من رفاقه في معهد الحقوق الفرنسية رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق شارل حلو، ومدير عام وزارة العدل القاضي الأسبق شفيق حاتم، والصحافي وجيه الحفّار. ومن أساتذته كبار الحقوقيين والقضاة الألمعيين نجيب أبو صوّان، أوّل رئيس لمجلس القضاء الأعلى بين العامين 1919 و,1932 وشكري قرداحي ثاني رئيس للمجلس نفسه بين العامين 1932 و,1943 وإميل تيّان الرئيس الرابع لهذا المجلس بين العامين 1948 و,1949 والذي «كنت مُعجباً به أيّما إعجاب».

معقّب معاملات ومحام

عمل عبد الله قبرصي في مطلع شبابه معقّب معاملات في مكتب نقيب المحامين في بيروت والوزير الأسبق إدمون إلياس كسبار، فاستفاد كثيراً من هذه الوظيفة التي عرّفته إلى القضاة والمحامين وقصر العدل القديم الكائن آنذاك قرب كنيسة الآباء الكبّوشيين في محلّة باب إدريس في وسط بيروت والذي كان في الأساس، مقرّاً عسكرياً للدولة العثمانية، وتحوّل في عشرينات القرن العشرين إلى بيت للعدالة إلى حين تشييد قصر العدل في محلّة بدارو عام .1964

كما أنّه اكتسب خبرة من وجوده إلى جانب كسبار واشتغاله تحت جناحيه، خصوصاً وأنّه لم يكن قد تخرّج، بعد، في معهد الحقوق الفرنسي.

تدرّج قبرصي في مكتب المحاميين الشقيقين إبراهيم وفهيم جرجس الخوري قبل أن يصبحا خالي زوجته جورجيت بربر إبنة بلدة بتعبورة في قضاء الكورة. وفهيم الخوري هو أحد مؤسّسي حزب «عصبة العمل القومي» مع المجاهد علي ناصر الدين، وفؤاد نكد، وعبد الرزاق الدندشي، وصلاح بيهم، وقسطنطين يني، وكان عضواً في مجلس نقابة المحامين في بيروت.

انتسب قبرصي إلى نقابة المحامين في بيروت بتاريخ 29 كانون الأوّل عام 1932 وأُعطي لاحقاً، البطاقة المهنية ذات الرقم 1093 في جدول النقابة العام، وظلّ يمارس المحاماة ويتنقّل بين المحاكم ودوائر قضاة التحقيق في مختلف قصور العدل ويقدّم المذكّرات ويتبادل اللوائح مع أطراف النزاع في الدعاوى، ويدلي بالمرافعات من دون تعب أو ملل مدّة تسعة وستّين عاماً، وتحديداً حتّى يوم السبت الواقع فيه 6 أيّار عام 2001 حيث توقّف قسراً، وهو في سنّ الثانية والتسعين.

شاهدنا عبد الله قبرصي مراراً في قصر عدل بيروت يترافع أمام محكمة الجنايات، وهو كهل، علماً أنّ بصره شحّ وسمعه خفّ بعدما أصيب بفقدان السمع في أذنه اليمنى عام ,1977 وكان ينتظر دوره في الباحة الخارجية لقاعة المحكمة في الطبقة الثانية من قصر العدل، يدخّن سيجارة، أو يروي حادثة أو طرفة، وعندما يبدأ في مرافعته، تدخل المحكمة في صمت رهيب مصغية لكلامه وحججه وعذوبة لغته العربية الفصيحة التي صارت نادرة جداً في مرافعات المحامين الشفهية.

لم يترافع قبرصي شعراً في الدعاوى المعروضة عليه، ولم يكتب حرفاً، ولم يقل بيتاً واحداً، في أيّ منها طوال مواظبته على مهنة المحاماة، بل صوّب سهام قريحته منذ أن تفتّحت في العاشرة من عمره في مدرسة البلمند، نحو الغزل والوطنية والثورة والإنسانية. ونظم أوّل بيت من الشعر في العام المدرسي 1921ـ1922 في هذه المدرسة التي كان من رفاقه فيها الأديب والصحفي فؤاد سليمان، والدكتور عفيف مفرج.

واستهوته الخطابة وبرع في تطريزها منذ أيّام الدراسة الأولى حيث كان معلّموه يخْتَارونه من بين أقرانه ليلقي خطاباً أو قصيدة. ولما شبّ، ظلّت لألق الخطابة مكانةٌ في روحه، فراح يرأس المظاهرات الطلاّبية، ويُسْمع المحتشدين فيها قصائد ثورية تُلْهب الصدور بالحماس الوطني الصرف. وقد ضاع بعضها بفعل النسيان، وتشتّت بعضها الآخر في متون الصحف التي دأبت على نشرها باستمرار من دون أن يعمد قبرصي إلى الاحتفاظ بنسخة عنها، أو يخطر على باله أن يسطّرها في قرطاس.

حادثة مزيارة وملاحقة فرنجية ومعوّض

وترافع قبرصي في دعاوى شهيرة لاقت صدى واسعاً في المجتمع وتداولتها ألسن الرأي العام ومنها: حادثة مزيارة التي وقعت بين عائلتي فرنجية والدويهي عام 1957 على إثر إطلاق نار في كنيسة هذه البلدة الشمالية، فسقط عدد كبير من القتلى والجرحى من الجانبين، مما دعا مجلس الوزراء إلى إحالتها، بمرسوم، على المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان ولا تقبل أحكامه الطعن والنقض وأيّة طريقة من طرق المراجعة.

وكان المجلس العدلي يومذاك برئاسة القاضي والوزير لاحقاً بدري المعوشي الذي ارتأى لضرورات الجريمة أن يعقد جلسات المحاكمة يومياً وبشكل متواصل، فدامت المحاكمة خمسة عشر يوماً متتالياً، وأبدى قبرصي مرافعته عن موكّليه من آل الدويهي ثلاث ساعات قبل الظهر وساعتين بعد الظهر، وطلب إنزال عقوبة الإعدام بكلّ من سليمان قبلان فرنجية ورينيه معوّض، فحكم على الأوّل بعقوبة الأشغال الشاقة مدّة عشر سنوات غيابيّاً لتواريه عن الأنظار في سوريا وفراره من وجه العدالة قبل أن يصدر عفو عنه، فيما أُعْلنت براءة الثاني. واللافت للنظر أنّ هذين الشخصين أصبحا في ما بعد رئيسين للجمهورية اللبنانية، فرنجية بين 17 آب عام 1970 وأيلول عام ,1976 ومعوّض بين 5 تشرين الثاني من العام 1989 و22 تشرين الثاني من العام نفسه بسبب اغتياله.

وكان الوزير والنائب والمحامي مخايل الضاهر ونقيب المحامين في بيروت بين العامين 1968 و1970 فايز حدّاد وكيلين عن آل فرنجية.

كما وقف قبرصي إلى جانب رئيس مجلس النوّاب عادل عسيران في قضية مقتل إبنه عبد الله غدراً في منزله في مدينة صيدا عام 1970 على يد سميح الزين الذي سيق إلى المحاكمة أمام المجلس العدلي برئاسة القاضي إميل أبو خير ونال بتاريخ 22 كانون الأوّل عام 1971 حكماً بالاعدام، ولكنّ هذه العقوبة لم تنفّذ بحقّه، واستغلّ نشوب الحرب ليهرب من السجن مع قوافل السجناء الفارين ثمّ صدر عفو خاص عنه مذيّل بتوقيع رئيس الجمهورية إلياس الهراوي الذي بقي في الحكم تسع سنوات بين العامين 1989 و .1998

وذات يوم من عام ,1944 لم يعد يذكره قبرصي، جاءه صديقه حامل الصفات الثلاثة الصحفي والمحامي والقاضي المرحوم سليم أبو اسماعيل، وكلّفه بالترافع عن إثني عشر شخصاً من طائفة الموحّدين الدروز من جبل العرب في سوريا متهمّين بمقاتلة الانتداب الفرنسي ومحاربة جيشه في الثورة الكبرى التي نشبت عام ,1925 وكانت قد صدرت بحقّهم أحكام غيابية بالإعدام عن المجلس العدلي المختلط، واتفق معه على إعطائه مكتبه الكائن في بناية العبد في شارع المعرض في حال حصل على أحكام مخفّفة لهؤلاء، ونجح قبرصي في أداء مهمّته وخفّضت العقوبات ووفى أبو اسماعيل بوعده وتنازل له عن مكتبه الذي طوّره وجنى منه أموالاً اعتاش منها.

إحراق مرسوم الزعامة

إذا كنت تريد أن تتعرّف إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي فاجلس إلى قبرصي، واغرف من ينابيعه الفيّاضة، فهو يجسّد تاريخ هذا الحزب الذي نشأ سرّيّاً عام ,1932 ونما على الرغم من كلّ المضايقات والانشقاقات الداخلية حتّى صار من أركان الدولة وأهل السلطة في تسعينيات القرن العشرين. ولكنْ حذار أن«يورّطك» قبرصي في مبادئه، فهو داعية ناجح، متوقّد الذهن، وسريع البديهة والخاطر، و«الأخطر» من هذا كلّه، هو أنّه مغرم بمؤسّس الحزب أنطون سعادة.

انتمى قبرصي إلى هذا الحزب في أواخر شهر أيلول عام 1934 وأقسم اليمين أمام سعادة ونعمة ثابت الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس العمد وعميد الداخلية، وهو الذي طرح الأسئلة المنصوص عليها في النظام الداخلي للحزب عليه.

تولّى قبرصي مسؤوليات مختلفة في هذا الحزب هي: مسؤول عمدة الدعاية والنشر بين العامين 1934 و1936 والتي غُيّرت تسميتها لاحقاً فصارت عمدة الإذاعة وهو بذلك أوّل عميد للإذاعة في الحزب، وزعيم بالوكالة من 23 تشرين الثاني عام 1935 ولغاية أواخر عام ,1936 وقد أناط به هذه الزعامة الموقّتة سعادة بموجب مرسوم أصدره في سجن «الرمل» وأخفاه خشية أن يُنْتزع منه ويُمزّق.

وفي هذا الخصوص، يخبر قبرصي أنّ «سعادة سلّمني مرسوماً مكتوباً بخطّ يده عيّنني فيه زعيماً بالوكالة مع كلّ صلاحيات الزعامة، وبعدما أخرجتني نقابة المحامين من السجن، أصدرتُ بدوري مرسوماً عيّنت فيه لجنة إدارية عليا تتولّى إدارة الحزب طوال غياب الزعيم والعمد، وأشرفتُ على عملها، وعندما اطّلعت عروسي ونحن عائدين من شهر العسل في مدينة اللاذقية على مرسوم الزعيم بالوكالة، كادت تُجَنّ، فأوقفت السيّارة وأحرقت المرسوم».

وتابع قبرصي رحلته داخل الحزب وتحرّك في غير مسؤولية فحلّ رئيساً لمجلس العمد، ورئيساً للمكتب السياسي، ورئيساً للشعبة السياسية اللبنانية، وعميداً للثقافة، ورئيساً للمجلس الأعلى لمدّة خمس سنوات من 9 كانون الثاني عام 1955 وحتّى عام ,1960 وعميداً للقضاء في دورات عدّة آخرها عام .1962 ويقول قبرصي «كانت حياتي الحزبية طويلة في القيادة بحيث لا أذكر أنّني كنت عضواً من دون مسؤولية إلاّ فترات قصيرة لا تُذْكر، واستمرّيت عضواً في المجلس الأعلى حتّى أحلْتُ نفسي على التقاعد عام 1998».

ملاحقات وسجن

ومن المصادفات الخيّرة، أنّ قبرصي عرف بوجود الفتاة التي هتف قلبه لها وأحبّها سرّاً، وهي جورجيت نخوّل بربر، في منزل سليم أبو اسماعيل في طرابلس لأنّها كانت صديقة زوجته في المدرسة، «فقصدتها على جناح البرق وسهرتُ معها واتفقنا على الزواج وأصبحنا عريسين عام 1935»، ولكنْ من دون أن ينتعش كثيراً بهذه البشارة إذ أنّه أُدْخل السجن قبل أن يتسنّى له أن يحضن عروسه ويشرب معها كأس الوفاء وفرح اللقاء، «فقد كنت عائداً إلى مكتبي عندما فاجأني مدير عام الأمن العام المعيّن من قبل الانتداب الفرنسي الأمير فريد شهاب والمفتّش في الأمن العام نديم أبو عرّاج وانقضا عليّ واقتاداني إلى سجن «الرمل» بتهمة الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي من خلال الانتماء إلى تنظيم سرّيّ، وأحلتُ مع رفاقي على المحكمة المختلطة في قصر العدل القديم برئاسة القاضي الفرنسي جان روشا الذي تكوّنت لديه القناعة بأنّنا لا نشكّل حزباً إرهابياً وليست بحوزتنا أسلحة ولم نكن نخطّط للقيام بثورة واستلام الحكم فتحوّلت التهمة الرهيبة من جناية إلى جنحة وهي الانتماء إلى حزب سرّي»، وحُكم على الزعيم سعادة بالسجن ستّة أشهر، وعلى قبرصي والعُمد نعمة ثابت، وزكي النقّاش، وجورج صليبي، ومأمون إيّاس، بالسجن مدّة شهرين مع وقف التنفيذ وخرجوا من السجن في 24 تشرين الثاني عام .1935

أدخل قبرصي السجن مراراً حتّى تآلف معه واعتاد وحدته ووحشته وقساوة قضبانه الحديدية وبرودة جدرانه، فحفر اسمه في سجون «الرمل»، و«القلعة»، و«الميّة وميّة»، وتجلبب بزيّ الحقول، وتستّر في قرى قضاءي الكورة والبترون للاختباء من الحملات والمداهمات وذلك خشية الايقاع به، ومن عمليات الدهم تلك أنّ فؤاد صبّاغ زوج مهيبة المنذر إبنة الشاعر والخطيب والمحامي إبراهيم المنذر، «قاد إحدى هذه الحملات ضدّي وانتهت باستسلامي بعد تهديد الفرنسيين للأهالي بالأذى، وساقوني إلى معتقل «الميّة وميّة».

وتشرّد قبرصي سنوات وأبعد عن عائلته ووطنه بسبب التزامه العقائدي، ولكنّ ذلك لم يُثْنه عن التعمّق بالحزب السوري القومي الاجتماعي والتشابك معه روحاً وجسداً.

وتمكّن خلال اعتقاله في سجن «الميّة وميّة» من تأليف كتاب «مصرع السُمَّنة»، وكان من أصدقائه في هذا السجن المجاهدون الوطنيون الكبار: علي ناصر الدين، ومعروف سعد، وناظم القادري، وعارف النكدي، ورفاقه في الحزب الأديب جورج مصروعة، وأسد الأشقر، ويوسف الدبس.

لا يتوقّف قبرصي عن إطلاق الطُرف واللطائف، واستخراج القصص من «أرشيف» ذاكرته التاريخية، على الرغم من أنّ جسده آخذٌ في الضمور. ولا يتأخّر في إسماع مجالسيه والمحيطين بسريره نتفاً من أشعاره الغزلية وكأنّه نظمها قبل لحظات، فلا تردّد في إلقائها ولا تلعثمٌ ولا توقّفٌ لاسترجاع مقتطفات أو محطّات أو كلمات، حتّى أنّ نَفَسَها لا يقاربه إلاّ الشباب. يقول في قصيدته «إلى مجهولة»:

«أتيتِني في الزمنِ الأخيرِ/ شفّافةً أوهى من الحريرِ

بريئةً مثل الصبا خاطفةً/ مثلَ الصدى والسهْمِ والنفيرِ

بعيدةً كالجردِ في شُموخها/ قريبةً كالله في الضميرِ

تسيرُ في مواكبٍ مسحورةٍ/ منَ الغوى والغنجِ والعبيرِ

رشفتُ من شهدِك بعضَ حُلْوهِ/ من فمِكِ المُكوَّرِ الصغيرِ

لأرتوي وأينَ لي أنْ أرتوي/ إلاّ من الضبابِ والأثيرِ

أتيتني والعمرُ في أفولِه/ بعد نضوبِ الماءِ في الغديرِ

أتيتني والقلبُ في غلوائِه/ يخفقُ بالأوهامِ والغرورِ

هل تقبلينَ النارَ في خُمودِها/ والحبُّ في بستانِه المهجورِ؟».

ويُتْبع القصيدة بأخرى ومن الغزل الشفّاف الذي يأتي على كبر موشّى بحسرة على الشباب، فيقول «إلى راغدة»:

«أعدتِ لي قريحتي يا عائدةْ/فزغردَ الشعرُ لعيني راغدةْ

تألَّقتْ في لُطفها وحُسْنها/فانْحَنَتِ الرُؤوسُ نشوى ساجدةْ

لم يبقَ من عمريَ إلاّ أنْ أرى/وجهَكَ المحبوبَ بالمشاهدة».

عندما ينتهي من كلامه يردف: «لم تعد هناك قبلات» ويضحك كثيراً. وتلفت نظره إلى أنّ عجز البيت الأخير يعاني اختلالاً في الوزن وتحديداً في مطلعه «وجهك»، ويحتاج إلى تصحيح، فيردّ ضاحكاً كعادته: «البيت جميلٌ حتّى ولو كان مكسور الوزن». والحقّ معه، فالمهمّ الفكرة والصورة ولو طليقتين من أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي والتي لا تعتبر مقياساً موحّداً لنجاح القصيدة أو فشلها وضعفها.

اشتغل قبرصي في الصحافة، فأنشأ بتاريخ الأوّل من شهر كانون الثاني عام 1966 مجلّة «الندوة» وهي شهرية، سياسيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة، باللغتين العربية والإسبانيّة، في مدينة كاراكاس في فنزويلا خلال إقامته فيها هرباً من الملاحقة، وذلك «لغرض مادي صرف وتأمين مورد رزق أحيا بوساطته معزّزاً ومكرّما» وكان من أبرز كتّابها الأديب والمؤرّخ إبراهيم طنّوس.

واستمرّت المجلّة ستّ سنوات، أيّ لغاية عام 1972 وليس عام 1971 كما ذكر يوسف أسعد داغر في كتابه «قاموس الصحافة اللبنانية 1858ـ1974» الصادر عام .1978 وقد صدر من هذه المجلّة إثنان وسبعون عدداً فقط محفوظة وموجودة في مؤسّسة المحفوظات الوطنية في فنزويلا.

دخل قبرصي في «اتحاد الكتّاب اللبنانيين»، وانتخب عضواً في الهيئة الإدارية العليا مدّة عشر سنوات، وانضوى في جمعية «أهل القلم» التي ضمّت نخبة من الشعراء والأدباء والكتّاب اللبنانيين.

بتاريخ 14 تشرين الثاني عام ,1992 أقامت نقابة المحامين في بيروت حفلة تكريمية في فندق «البستان» في بلدة بيت مري في قضاء المتن الشمالي، للمحامين الذين أمضوا أكثر من خمسين سنة في ممارسة المهنة، وكان قبرصي من بين المُكرَّمين، وقلّدهم النقيب سمير أبي اللمع الميدالية النقابية الذهبية.

تزوّج قبرصي من جورجيت بربر في 24 تشرين الثاني عام ,1935 ورزق منها خمسة أبناء هم: المحامي صباح، ورجل الأعمال ضياء، والدكتور الجامعي عاطف، وضحى أرملة سامي إبراهيم حداد، وحنان أرملة مسؤول العمليات الفدائية في الأراضي المحتلّة الضابط الفلسطيني مأمون مريش الذي اغتاله الإسرائيليون في العاصمة اليونانية أثينا في 20 آب عام ,1983 حيث «قلت في رحيله عبارتي الشهيرة: إبنتي تزوّجته شهيدا».

عاش قبرصي مع زوجته ثلاثة وثلاثين عاماً إلى أن توفّيت في كندا عام 1968 «فخسرت فيها سنداً مهّماً في حياتي» كما يقول بحسرة.

وضع قبرصي سبعة مؤلّفات هي: «مصرع السُمَّنة» عام ,1943 و«وحي الظلام» (شعر) عام ,1945 و«نحن ولبنان» عام ,1954 و«عبد الله قبرصي يتذكّر» (ثلاثة أجزاء، أوّلها صدر عام 1982 وآخرها عام 1996)، و«قبل الطوفان وبعده» (شعر ونثر) عام .2001

علي الموسوي

السفير (01 05 2007)

 

شؤون حزبية

ترصد هذه الصفحة شؤون الأحزاب على اختلافها، بغية متابعة تطورات العمل الحزبي في لبنان والأمة، خصوصاً على المستوى الداخلي لكل منها. (اضغظ على اسم الحزب المختار لقراءة ما يتوفر حوله من وثائق)

الحزب السوري القومي الاجتماعي

التيار الديمقراطي في الحزب السوري القومي الاجتماعي

الحزب الشيوعي اللبناني

حزب البعث العربي الاشتراكي

حزب الكتائب

الحزب الديمقراطي اللبناني

منبر الوحدة الوطنية - القوة الثالثة

تيار المردة

المركزالمدني للمبادرة الوطنية

 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007