تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 13, 2006 الساعة 02:47:35 PM

مقابلات وتحقيقات

11 تشرين الأول 2007

قلق «المتنبي» ورياح الجنوب والشمال التي تواجه الطائفة الدرزية

«على قلق كأن الريح تحتي... أوجّهها جنوبا او شمالا».

كأن أبا الطيب المتنبي قال بيت الشعر هذا تحديدا في طائفة الموحدين الدروز دون سواها، مع انه بالطبع لم يعنها من قريب او بعيد، ولم يدر بخلده يوم قاله، ان يستعمل هذا البيت في توصيف احوالها. لكن قبل الدخول الى الاسئلة الصعبة حول اسباب هذا القلق والريح التي تدفعه يمينا او شمالا، لا بد من القول ان طائفة الموحدين الدروز او الدروز اختصارا، اقل عددا من الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك، بموجب احصاءات حديثة. اذا ما اضيف الى كل من الكاثوليك والارثوذكس، الارمن والسريان اللذين ينتسبون الى المذهبين. مع ذلك فإن هذه الطائفة ـ الدرزية ـ تلعب دورا كيانيا اساسيا بالنظر الى التاريخ والموقع والدور، اي انها تعوض النقص العددي مع الطوائف الرئيسية الثلاث الكبرى: السنة والشيعة والموارنة، بالدينامية السياسية المتحركة التي تفتقدها الطائفتان الاكثر عددا منها، والمقصود هنا الارثوذكس والكاثوليك. ومثل هذا الاداء ليس حديثا، بل انه ينتمي الى المرحلة الاستقلالية بكل متعرجاتها، علما بأن هذه الطائفة كانت قد فقدت جزءا من دورها السلطوي زمن المتصرفية وما تلاها حتى الاستقلال.

والقلق الذي عبر عنه ابو الطيب المتنبي، اضاع بوصلة الكثير من المحلليين والاعلاميين الذين وصفوا ما يجري بأنه مجرد انعكاس لشخصية زعيم الطائفة الاوحد رئيس كتلة اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط. مثلما سبق واشار آخرون الى الامر اياه عندما عجزوا عن فهم شخصية والده الراحل كمال جنبلاط في ادارته لموقعه السياسي. اي ان هذه التحليلات التي اطلقها البعض رصدا لليومي من المواقف وعطفا على ما سبق من مواقف تشبه التحليلات «الجينية» التي تنتقل بموجبها المواقف جملة وتفصيلا من الآباء الى الابناء بموجب خريطة معروفة دون الوقوف والتدقيق في الاسباب الموضوعية للقلق، بما هو قلق الهوية في مكونات الكيان اللبناني اساسا رغم «الحيرة الواحدة» ورغم الهويات الكثيرة على حد وصف زميلنا حسام عيتاني في كتابه، او تبعا لمقاربة ابعد واكثر عمقا في التاريخ كما فعل كل من احمد بيضون ووجيه كوثراني وكمال صليبي والاخوان اسماعيل في حفرياتهما التوثيقية وغيرهم من المؤرخين. المهم ان هذا القلق ليس منبعه ومصبه في حدود الجغرافيا اللبنانية وتوازنات القوى بين جماعات الكيان، بل مرده الى قلق اعم واوسع يشمل المنطقة العربية بأسرها منذ ان حط الاستعمار القديم والجديد بثقله على صدرها مرتبطا بنشوء الكيان الصهيوني ومضاعفاته على الدول والجماعات والسياسات، القريبة منها والبعيدة. إذاً، تندغم في الوصول الى هذا الحد من القلق الوجودي عناصر ذاتية تتعلق بتوازنات وادوار الجماعات في كيان طوائفي واخرى وافدة اليه من المنطقة في موجات متعاقبة من الارتجاجات، آخرها الصراع على ارض لبنان بين مشروعين احدهما عربي (سوري) ـ ايراني. وثانيهما عربي (سعودي ـ مصري) ـ اميركي ـ فرنسي. يضاعف ذلك تمزق الكتل المكونة للكيان بينهما من جهة ودرجات الانقسام داخل كل منها بانتظار جلاء غبار العاصفة ومعرفة موطئ القدم... كل هذه الرياح التي هبت من الجنوب او الشمال وواجهت او حاول توجيهها ابو الطيب، توجّه مثلها الطائفة الدرزية والطوائف اللبنانية التي تنطلق من حسابات ذاتية ساقت وتسوق الى وضع لبنان في عين العاصفة من دون ان تنجح في قيادته الى بر الامان وبالتالي ضمان مرور «التورنادو» الاقليمي على جباله وسهوله الضيقة ومدنه وقراه بأقل خسائر ممكنة.

المقصود من مثل هذا الكلام ان الطائفة الدرزية لا يمكن ان تقارَب اعتمادا على اليومي من المواقف. ولا تُفهم اشكاليتها عبر كيل الاتهامات الصادرة من هنا او هناك والتي يروج الكثير منها في وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والتي تدخل في نطاق الاشتباك السياسي والاصطفافات، وليس في باب التحليل والفهم. إذاً لادراك مكنونات مواقف هذه الطائفة وسواها يتطلب الامر حفريات معرفية للاحاطة بالاسباب التي تحدو بها لاتخاذ هذا الموقف وليس ذاك ضمن محاولة للحفاظ على وجودها وموقعها وكي لا تطيح بها الاعاصير او موجات «التسونامي»، سواء كانت مصادرها داخلية او اقليمية. بهذا المعنى يصبح سلوك كل من جنبلاط الاب والابن اقرب الى الفهم متى ما وضع في اطاره الاوسع. وهذا على اي حال ليس «ماركة مسجلة» على خانة الطائفة الدرزية وحدها بل «وباء» عام يشمل الطوائف اللبنانية الى هذا الحد او ذاك مع هامش من الخصوصيات.

الخاص والعام

المؤكد ان الطائفة الدرزية لا تملك بعدا عصبيا الا في سوريا وتحديدا في جبل العرب والجولان المحتل دون سواه من الاراضي العربية. وبهذا المعنى فهي تختلف كليا عن الطائفتين السنية والشيعية، وهي على هذا النحو تقترب من الطائفة المارونية.

تملك الطائفة السنية عمقا عربيا واسلاميا تاريخيا عمره من عمر الامبراطوريات المتعاقبة (اموية ـ عباسية ـ عثمانية) ومع دول المنطقة: السعودية، سوريا، مصر، العراق ووصولا الى المغرب العربي. لذلك لم تنطلق هذه الطائفة يوما من اعتبار نفسها اقلية في لبنان او حتى طائفة من طوائفه. وبالتالي، فإن وجودها كيانيا لم يكن يوما على «مشرحة» المفاوضات او الزلازل. حدث ذلك مؤخرا فقط عندما استفاقت على هول جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فأعلت راية كيانيتها ردا على تجاوز «عربي» فوق طاقتها على الاحتمال.

الطائفة الشيعية باتت تملك بالسياسة والانتماء عمقا سوريا وايرانيا منذ ان مُنحت دمشق «صكوك» الوصاية بموجب قرارت وموافقات عربية ودولية. لم ينطلق مثل هذا الوضع من مبدأ «تحالف الاقليات » بقدر ما انطلق من تقاطعات بعضها سياسي وبعضها الآخر جغرافي من خلال ملاصقة الجنوب اللبناني للكيان الاسرائيلي، ما يجعل منها ضمن هذه الادارة تملك زمام التأثير على مجريات الصراع معه، خصوصا مع وجود ايران لاعبا اساسيا في المنطقة. اذاً، تتداخل معادلات مركبة، منها ما هو اقليمي ومنها هو كياني او ديموغرافي حتى في نهوض هذه الطائفة الى عقد تحالفاتها.

تبقى الطائفة المارونية وهي طائفة كيانية بامتياز نظرا للدور الذي لعبته مؤسساتها الروحية والسياسية في رعاية بذرة الكيان والاستقلال حتى الحصول عليه واستمرارها في الامساك بمقاليد الامور في هياكله حتى انفجاره في العام .1975 بالطبع نبعت قوة هذه الطائفة من عوامل مركبة ابرزها علاقاتها التأسيسية مع القوى الغربية الصاعدة والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عرفته.

المقصود هنا القول ان الطائفة الدرزية لم تملك «ميزات تفاضلية» عن الطوائف الثلاث المذكورة، علما بأن موقعها الاساسي في الجبل يجعل منها كيانية بامتياز، باعتباره العمود الفقري للكيان. وهو ما حفظ لها دورا مميزا. هذا اذا لم نتقصد الحديث عن الجبل في مراحل الامارة الدرزية اولا، وانطلاقا من الثنائية الدرزية ـ المارونية بتحولاتها في مرحلة ثانية. مع ذلك فإن الثنائية المارونية ـ السنية هي التي صاغت تسوية الكيان واستقلاله انطلاقا من المعادلة التي ارساها بشارة الخوري ـ رياض الصلح ما جعل من الطائفة الدرزية في المرتبة الثالثة ثم انحدرت الى المرتبة الرابعة بعد ان دخلت الطائفة الشيعية في الكيان وحصلت على موقع رئاسة المجلس النيابي، علما بأنها من الطوائف التي دخلت متأخرة مع ضم الاقضية الاربعة اليه مع ما احدثه ذلك من تغيير في توازناته.

جنبلاط الأب

لا يتطلب تحديد موقع الطائفة الدرزية عودة الى نظام المتصرفية في الجبل ولا الى ما سبقه من «حوادث» الاعوام 1840و,1860 وكيف جرت فذلكتها من جانب مؤرخي الطوائف، ما فكك مغاليقه المؤرخ احمد بيضون في كتابه «الصراع على تاريخ لبنان». ليس المقام مقام بحث تاريخي لكن المحصلة هي تراجع دور الطائفة الدرزية امام الطائفة المارونية الصاعدة. لكن ذلك لا يمنع من العودة الى تاريخ قريب، وتحديدا الى المرحلة التي انفجرت فيها صيغة العام 1943بتوازناتها الهشة، اي الى العام .1975 كل ما يرد قبلها من وقائع ليس سوى هوامش الهدف منها الاضاءة على المتن الاصلي.

لم يكن كمال جنبلاط زعيما للدروز فقط. لم يصبح بالاساس الزعيم الاول الا بعد ان اضاف اوزانا الى طائفته. اذاً كانت زعامته لها من باب تحصيل الحاصل. ففي نظام يعتمد التراكيب الطائفية من القمة وحتى القاعدة تمثلث الطائفة في المؤسسات السياسية وغير السياسية تبعا لموقعها من دون زيادة. وهي حصة كانت مفرزة لزعيمي الطائفة الأمير مجيد ارسلان وكمال جنبلاط. مصدر قوة جنبلاط كان يتعدى وزن ودور الطائفة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. اضاف وزن الحركة الوطنية اللبنانية ومصر الناصرية ثم المقاومة الفلسطينية في ذروة صعودها المدوي على صعيد المنطقة، وليس لبنان وحده الى وزنها. ايضا هناك الابعاد الدولية في تحالفاته عبر الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، ناهيك بدول الحياد الايجابي وعدم الانحياز. حدث هذا في ظل الانقسام الدولي الى معسكرين اشتراكي ورأسمالي. بهذا المعنى كانت الطائفة معطى حاصلا في الحساب اضيفت اليه ارصدة كبرى عربية ودولية.

من خلال هذه العلاقات بات جنبلاط اكبر من طائفته وصار عابرا لتوازنات الطوائف وادوارها بالاستناد الى كتلة يسارية ضمت في قائمة قواها الحزب ومنظمة العمل الشيوعي والبعث والقومي والناصريين بمنوعاتهم. وانطلاقا من لقاء الاحزاب اولا والحركة الوطنية ثانيا، اخترق مناطق وقواعد لم يكن امامه مجال للوصول اليها على قاعدة زعامته الاصلية. حدث هذا في نهاية الستينيات تحديدا، وبعد ان يئس جنبلاط من الحصو ل من المارونية السياسية على الاعتراف بضرورة ادخال اصلاحات في البناء الداخلي للنظام ولدور وموقع لبنان في قضية صراع المنطقة والدفاع عن الجنوب ودعم القضية الفلسطينية.

كانت ذروة الافتراق هي المرحلة التي شغل فيها وزارة الداخلية لاحقا وتوهم في حينها امكانية صياغة تسوية متجددة للقضايا المعقدة المطروحة. حدث عندها ان بدأت عملية اعداد الميليشيات فكان الطلاق، واندفع معه نحو التحالف مع القوى الخارجة على الكيان ومعادلاته. على هذا الاساس نشأت جبهة الاحزاب من لقائها اولا، ثم الحركة الوطنية اللبنانية والجبهة المشاركة في الثورة الفلسطينية والتشكيلات الداعمة للمعسكر الاشتراكي. اذاً، انفتح كمال جنبلاط على مشروع تغييري مسرحه لبنان لكنه اخطر من الاكتفاء بهذه الرقعة الصغيرة خصوصا مع احتلال اراضي ثلاث دول عربية في ما عرف بنكسة الخامس من حزيران.

في غضون سنوات الصخب السياسي تلك لم يكن هاجس زعيم المختارة زعامة الطائفة. كان الأمير مجيد حيا يرزق، لكن المسافة بين وزنيهما باتت لا تقاس بالانتماءات التقليدية. سار الرجل في خط التغيير داخليا واقليميا. لبنانيا عبر هذا التوجه عن نفسه ببرنامج الحركة الوطنية المرحلي، واقليميا من خلال التزام دعم واحتضان منظمة التحرير الفلسطينية. وهو وضع كان يلقي به في مواقع الخطر، اذ إن تغيير النظام وتأسيس «بؤرة شغب» كانا فوق طاقة وقدرة النظام العربي العام على الاحتمال وهو يبحث عن تسوية ما تستعيد له ان لم يكن الاراضي العربية المحتلة، فأقله «ماء الوجه» امام الشعوب. كان قرار الحسم في حرب الجبل العام 1976بهذا المعنى قرارا بالخروج على احكام النظام العربي العام واحتماله. ولم يغير من هذا المعطى حرب تشرين الأول 1973، فكان ان تدخلت سوريا بضوء اخضر عربي دولي من اجل ضبط هذا الجموح. وألحقت القوات السورية الهزيمة بالقوات المشتركة ودخلت قوات الردع العربية لبنان. لكن انقاذ القوات السورية الميليشيات الكتائبية وزعاماتها السياسية من الهزيمة لم يكن كافيا ما دامت المخيمات تعج بالمقاتلين والحركة الوطنية تملك الزعامة وقوة الاستقطاب التي قد تعاود تهديد «الهيكل» ومن فيه. هنا انجلت علاقة الكتائب والاحرار باسرائيل، بينما كانت سوريا تراقب ما يجري من مفاوضات اميركية مصرية اولا ومصرية اسرائيلية ثانيا.

لبنانيا كان كمال جنبلاط، كما كان ياسر عرفات فلسطينيا، تعبيرين عن وطنية استقلالية. وكان لا بد من القاء القبض على الورقتين سورياً ليتسنى طرحهما على الطاولة متى حان وقت التفاوض مع الولايات المتحدة، خصوصا ان الدرس «الثمين» الذي خرجت به القيادة السورية اذ ذاك ان زمن الحرب قد انتهى ولا بديل عن استعمال الموقع اللبناني باعتباره الساحة او المساحة التي يمكن من خلالها «المشاكسة» من دون كلفة مباشرة قد تهدد مصير النظام برمته. سقط كمال جنبلاط شهيدا ونجا الثاني من محاولات ومحاولات، وفُتحت صفحة جديدة في حياة لبنان وطائفة الموحدين الدروز تحديدا التي افتقدت قامة المعلم التي طالما ظللت الجبل بأسره.

جنبلاط الابن

في غضون اقل من عقد من الزمن مرت على الجبل حربان. الاولى خاضها الاب لتغيير النظام وانتهت بسقوطه شخصا ومشروعا شهيدين، والثانية «حرب وجود» الطائفة. في الاولى لم يملك الاب قواه الذاتية، بل كانت مزيجا من قوى فلسطينية ويسارية تطمح الى صياغة معادلات داخلية وخارجية مختلفة للكيان ولموقعه ودوره. وفي الثانية التي جرت عام 1983 كانت المعركة تعادل بقاء الطائفة التي احتشدت وراء زعيمها الابن في مواجهة القوات اللبنانية الزاحفة. لا يعني ذلك ان التحالفات كانت مفقودة في المواجهة الاخيرة، بل على العكس من ذلك. اضيف الى المزيج التغطية المدفعية السورية التي دكّت خطوط التماس والتحصينات. هذا التحول الى الاسناد لا تمكن قراءته الا على قاعدة ما حدث بينهما، والأبرز فيه حدثان مفصليان على صعيد المنطقة، اولهما صياغة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل، واسترجعت بموجبها الاولى معظم الاراضي المصرية باستثناء طابا الذي اعيدت لاحقا بناء على التحكيم. والثاني الاجتياح الاسرائيلي للبنان صيف العام 1982 ونزول القوات المتعددة الجنسيات على ارضه والمفاوضات اللبنانية ـ الاسرائيلية في خلدة وكريات شمونة على اتفاق 17 أيار.

كان لا بد لسوريا مدعومة بالاتحاد السوفياتي من ان ترد على هذا الهجوم بعد الخسائر الاستراتيجية والبشرية والانكشاف الذي أصابها بعد ان توهمت بداية ان حصيلته ستكون في حساباتها مسارعة منظمة التحرير الفلسطينية اليها لتقديم الورقة الفلسطينية تضيفها الى اوراقها. لكن حدث ان اندفع شارون نحو بيروت والبقاع وتعدى مسافة الاربعين كيلومترا فوقعت المواجهة. قبل الغزو كانت الفترة الفاصلة بين الاعوام 1977و1982 حاشدة بالمعارك بين القوات السورية والقوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل، بدءا من الاشرفية والفياضية وصولا الى زحلة... كانت الطائفة الدرزية تتحرك كما وصفها المتنبي تماما جنوبا وشمالا. انتهت حرب العامين الاولين وكمال جنبلاط مع مرافقه شهيدان قرب بلدة دير دوريت الشوفية. وكان على الطائفة ان تقدم عباءة الزعامة لابنه وليد خلال التشييع. لكن الامور اعقد من ان تدار بالطريقة العشائرية عبر قيام كبار المشايخ بوضع العباءة والهتافات تصدح بها حناجر الحشود. طائفة صغيرة كالطائفة الدرزية تعيش القلق في اقسى تجلياته امام اوزان اقليمية كبرى كسوريا واسرائيل، وسياسات دولية في المنطقة: اميركية، سوفياتية، فرنسية، بريطانية، وأمام احجام طوائف كبيرة في معادلة كيان يترنح. هنا يتحدد مصدر القلق والرياح تندفع في ممر العواصف هذا في الجبل الذي تشغل أجزاء منه هذه الطائفة بما هي عليه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعمران والثقافة... تحاول عبر هذا الطريق وذاك النفاذ من احكام قد تطيح بها على مختلف الصعد.

لا شك في ان وليد جنبلاط عبر شبكة علاقاته وتحالفاته قد استند الى جموع الطائفة وحقق انتصارها، لكن الثمن الذي حصل عليه تعادل فيه الربح والخسارة كما تبين في ما بعد. فقد انتصر في «حرب الوجود» لكن «حرب البقاء» كانت أمرا آخر، خصوصا أن الجبل منذ ان دخله «المرابعون» الموارنة وتحولوا الى مركز الثقل فيه قد تغيرت خريطته من النواحي كافة. حرب الجبل الثانية بما رافقها وتبعها من اقتلاع أدت الى خلل خطير لم تستطع الطائفة ملء فراغه. وهنا كان مأزق الانتصار العسكري بالضبط، خصوصا بعد أن تبين ان الحصاد الاجمالي لم يصب في «اهراءات» اصحابه. كانت الادارة السورية تقرر الاوزان والاحجام تبعا لشبكة معقدة من الاعتبارات، بينها ما هو استراتيجي كما تراه هي، ومنها ما هو محلي ينطلق من ضرورة ابقاء الاطراف المحلية في حال «هزال» للامساك بزمامها. وهكذا كانت الغلال السياسية وغيرها تصب في «كور» مطحنة دمشق دون سواها من فرقاء محليين، ما زاد الطين بلة أن الديموغرافيا والموقع ساعدا الادارة على تهميش الجبل برمته. يتساوى في ذلك جنبلاط المنتصر درزيا والطائفة المارونية المنهزمة مع قادتها الذين خرجوا من المعركة مهمشين ومهشمين باشكال واشكال منذ اتفاق الطائف.

وفي المفاوضات خلال اجتماعات الطائف كانت الطائفة الدرزية ممثلة بنائب واحد هو الراحل توفيق عساف. وأقصى ما تم الحصول عليه لم يكن سوى وعد باعطائها «شيكاً مؤجل الدفع» يسمى مجلس الشيوخ الذي رُهن الوصول اليه بإزالة الطائفية السياسية، هذا اذا سجل هذا المكسب بالاساس في «طابو» الطائفة وهو امر مشكوك فيه بعد ازالة الطائفية. هذه الاستحالات جعلت مجلس الشيوخ مجرد وصفة لا تجد من يصرفها للطائفة. مع ذلك هناك ما يقال اكثر من ذلك.

الأوزان والعلاقات

تحت مظلة «الوصاية السورية» صاغ جنبلاط الابن علاقات الطائفة بالاستناد الى دعمها، لكنه ما لبث ان خرج على قرار الاوزان السوري عندما وجد انه بات قيدا يهدد دور الطائفة وتاريخها، باعتبارها من الطوائف الكيانية الرئيسية مثلها مثل الموارنة و...، اذ هما «لبنان» الاصلي الذي بني عليه الكيان، علما بأن لبنان حينها لم يكن موجودا لا كمصطلح سياسي او جغرافي. اذاً، للطائفة دور تأسيسي لا مجال لنكرانه. على هذا الاساس كان على الزعامة الجنبلاطية ان تنصرف بتحالفاتها وعلاقاتها. كمال جنبلاط أضاف الى وزن الطائفة اليسار والمقاومة والعسكر الاشتراكي. ولهذا السبب بالذات تم التخلص منه، باعتباره اكبر من امكانية التحجيم المطلوبة في زمن الوصاية. وليد جنبلاط فضل العكس تماما في مراحل معينة، وهيأ أشرعته للرياح السورية، بعد ان تجاوز جريمة اغتيال والده. وعليه قاد الطائفة بالاتجاهات المطلوبة، وساهم في كسر المعادلات التي ارساها غزو 1982. استند الى العلاقة مع سوريا كمعطى داخلي ـ خارجي، وعلى اتحاد سوفياتي مترنح، وعلى بقايا يسار يتفكك تباعا وعلى علاقة مع الطائفة الشيعية ممثلة بحركة «أمل» أولا و«حزب الله» لاحقا. انطلق في نسج هذه الحياكة، من ان الحلول تأتي دوما على حساب الطوائف الصغرى. وبعض ما جرى في بيروت بين الحزب الاشتراكي وحركة «أمل» يفسر الى حد بعيد ثنائية التحالف والصراع ضمن حسابات «البيدر» اللبناني، وبإدارة سورية دوما. لكن دوما هناك ما هو أوسع من ذلك، من مجرد تحالف ثنائي مع واحدة من الطوائف. وهو ما يتعلق ببقية الطوائف، فضلا عن رياح المنطقة برمتها.

لا شك في ان الزعامة الجنبلاطية تدرك أكثر من سواها ان فترات الهدوء والسكينة في علاقات الطوائف عارضة بالقياس الى مراحل الصراع والهزات. لكن هذا الامر لا يمنع من القول ان احكام الحروب مختلفة تماما عن أحكام السلام، حتى لو كان باردا أو فاترا قبل ان يصبح ساخنا. ادرك ان زعامته في الجبل لم تعد تستقيم عبر نتائج الحرب، بما أورثته من خلل سياسي وسكاني. وعليه كان لا بد من اعادة النظر بالمعادلات «القديمة»: معادلة الحروب التي لا ترحم. وقد بات هذا الامر معادلا للوجود، مثله مثل القتال الذي اندلع صدا للهيمنة الزاحفة. اذ كان لا بد من اعادة صياغة الجبل بشروط جديدة مغايرة للشروط السابقة. تبين ان المصالحات التي عقدها وبلغت ذروتها في زيارة البطريرك نصر الله بطرس صفير لم تكن محل ترحيب من الرئيس إميل لحود والمرجعية السورية. كان وليد جنبلاط يدرك أكثر من سواه ان عودة المهجرين الى الجبل ستصب حكما في زعامته، باعتباره صاحب النفوذ الاصلي. لذلك حرص على وزارة المهجرين في التشكيلات، باعتبارها ضمانة لمحو آثار الحرب. اذ ان المصالحة هي بمعنى من المعاني اعادةُ تعاقد مع المارونية السياسية، لكن الاخيرة كانت في موقع ثانوي. كان ما يجمع الطائفتين الدرزية والمارونية ليس قليلا، لكن شرط الوصول الى الهندسة النهائية هو المصالحة والمصالحات تباعا. ما أملى على الزعامة الجنبلاطية هذا المنحى، ان الشيعية السياسية تخلت عنه الى هذا الحد أو ذاك عندما عقدت اتفاقا مع السنية السياسية، علما بأنه ساهم في «حرب تحرير بيروت» وفتح الطريق الى الضاحية بالدم، ما أوصل الامدادات. حتى اللحظة ما زالت علاقته بنبيه بري تتراوح بين اقصى المهادنة الى اقصى الصراع. لكن المشترك مع المارونية السياسية أكثر تجذرا من الباقين. من هنا تم فتح الابواب أولا مع بكركي وثانيا مع بكفيا وثالثا مع معراب. كان الاستناد الى وزن الطائفة المارونية يتقاطع مع احتجاجها على التهميش الذي عانته، وادارة أمور البلاد عبر تسلسل يبدأ من قصر المهاجرين ويمر عبر عنجر ويصل الى القصر الجمهوري.

في حال ربط هذه الخطوط مع الامتدادات الاقليمية والدولية التي احاطت بالدور السوري يمكن ادراك الكثير من «منطقية» المتغيرات، خصوصا ان الادارة السورية، حتى في ظل ذروة الاندفاع الجنبلاطية، لم تعترف به قائدا وحيدا للطائفة. وهذا جزء من سياسة تحريك الخيوط المعتمدة داخل الطوائف لضمان الامساك بها جميعا، وهي على حال من الرضا بالاذعان.

ضمن هذه المنظومة من العلاقات، لم يكن هناك محل لحصان رابع في العربة السورية، اذ الثلاثة كانوا بالترتيب: اميل لحود في سدة الرئاسة، ونبيه بري متربعا على عرش المجلس النيابي، ورفيق الحريري التي آلت اليه الحكومة لانها لم تدم لسواه. ولكل من الثلاثة حيثيات محلية وخارجية. وهكذا كانت تضحيات الصراع تكاد تتطاير في مهب الرياح العاتية التي تخرج من «البوغاز» السوري في توزيعها على الطوائف والمواقع اللبنانية.

البيت والاستحقاق

طحنت جنازير الحروب المركبة، اسرائيلية واهلية، الاحزاب واصابت حالات التفكك من القوى السياسية مقتلا وبرزت الطوائف قوى اعتراضية على الخلل الذي احدثه الغزو ما تبعه. كان الاستقواء بجرافة الاجتياح مثارا لاستنفار طوائفي مضاد. وكي تلعب الطائفة الدرزية دورها كان عليها ان توحد قيادتها دون منازع او ترف الانقسامات التقليدية. وهذا بيت القصيد في ما قاله المتنبي منذ اكثر من الف عام. لكن هذا يفتح على مزيد من التدقيق انطلاقا من السؤال حول موقع الطائفة الراهن في مواجهة الاستحقاق الرئاسي؟

يرتبط الجواب عن السؤال بموقع الرئاسة من الطائفة صعودا وهبوطا، وموقع الجنبلاطية من المفاصل المماثلة. اذ من المعروف عن بني معروف انهم كانوا مطلع العهد الاستقلالي اكثر ميلا الى الكتلة الدستورية، وكان الأمير مجيد ارسلان احد اقطاب معتقلي راشيا وبالتالي ثورة الاستقلال. لكن هذا الامر تغير مع رئاسة شمعون، فقد ادى طموحه التمديدي وانتخابات 1957 الى نهوض كمال جنبلاط معارضا مع آخرين، بعد ان شارك في «الثورة البيضاء» على الرئيس الاول. منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب اخذ الدور الجنبلاطي يبرز متفوقا على الدور الارسلاني، وكان الحزب الاشتراكي وزعيمه احد الاعمدة الاساسية التي استند اليها الامير الشهابي في الحكم، مظللا ايضا بالموجة الناصرية التي عاملت حاكم لبنان بعد ثورة 1958 برعاية خاصة. تكرس هذا الدور بعد العام 1970، لكن وزنه تراجع في العام 1976 عندما دعم العميد ريمون اده في وجه الياس سركيس. حينها كانت الرئاسة تضمر تحت ضربات قوى الامر الواقع من كلا الاتجاهين، يمينا ويسارا.

تعتبر رئاستا بشير وأمين الجميل انتقالا في الرئاسة الى موقع العداء للطائفة والزعامة الجنبلاطية. في غضون هاتين الرئاستين استعاد الدروز ذاكرتهم القديمة عن «حوادث» الجبل، واندفعت جموعهم الى القتال بزعامة وليد جنبلاط الذي كان سيف الطائفة في المعركة، بالامتدادت والتحالفات المعروفة.

انتهت تلك المرحلة باتفاق الطائف، الذي كان عبارة عن خيبة امل صافية للطائفة، فقد تكرست الرئاسات الثلاث للطوائف المارونية والشيعية والسنية. ولم يكن وليد جنبلاط بعيدا عن المعادلة الجديدة المدارة سوريا. العصب في سياسته كان الحفاظ على وحدة الطائفة مهما كلّف الامر. ونجح بعد مسار متعرج في اقتلاع الشيخ بهجت غيث لصالح الشيخ نعيم حسن في مشيخة العقل مستحضرا النخبة الدرزية من مناطقها كافة. أيضا فتح الابواب الى النخبة اليزبكية وقربها منه، باعتبار ان الكتلة الجنبلاطية مضمونة الولاء. بالطبع، تم ذلك على حساب الموقع اليزبكي أو الارسلاني. أقصى ما سمح به جنبلاط كان القبول بطلال ارسلان وزيرا من دون حقيبة او ترك مقعد نيابي له في دائرة بعبدا ـ عاليه، وهو ما لم يستمر عندما اندلع الصراع على نحو مفتوح في اعقاب الفرز الذي حدث في غضون الاعوام الثلاثة الاخيرة.

مرحلة لحود تختلف جذريا عن مرحلة الهراوي. مع الاول كان جنبلاط ناخبا رئيسيا، وشبكة علاقاته مع كل من الهراوي وبري والحريري تشكل مظلة الامان المطلوبة. اما مع لحود فقد كان الحكم يتجه صراعا مع الحريري وحلفائه وعلى رأسهم وليد جنبلاط. لذلك كان لحود معبرا عن تحول في ثقل الادارة السورية وسياساتها. الامر أبعد من مجرد رئيس عسكري ومن الجبل مع ما في الامرين من حساسية جنبلاطية. لم ينتخب وليد وكتلته لحود في رئاسته الاولى، مع ذلك فقد تمت المصالحة أو المهادنة في السنوات الاولى، لكن هذا لم يكن له أن يستمر في ظل التجاذب الاقليمي ـ الدولي الحاد حول لبنان.

في غضون هذه السنوات، كان قد استُكمل تحرير الجنوب وفتحت أبواب المنطقة على المدخل الاميركي في اعقاب هجوم أيلول 2001 تتويجا بالاحتلال الاميركي للعراق. وضاعفت السياسة السورية من قبضتها اعتمادا على التمديد للرئيس لحود كرأس حربة، وهذه كانت «القشة التي قصمت ظهر البعير»، مع تشكل محور سوري له مرتكزاته ينهض على تحجيم وزن القوى المشاركة قسرا في السلطة بدءا من الرئيس الحريري مرورا بجنبلاط وصولا الى سواهما. كل التفاصيل التي واكبت هذه المرحلة ما زالت حاضرة في أذهان اللبنانيين لكثرة ما ترددت على مسامعهم صبح مساء، باعتبارها المرحلة التمهيدية لاغتيال الرئيس الحريري، علما بأنها بدأت بالوزير مروان حمادة دون سواه كنقطة تقاطع بين الحريري وجنبلاط. بعدها. . انكسرت «الجرة» بالكامل بين جنبلاط وسوريا. وبدا واضحا ان المواقع الاعتراضية على الجنبلاطية من داخل الطائفة تحظى بالرعاية والاحتضان من سوريا وحلفائها وفي مقدمهم حزب الله. وأدرك وليد بحساباته السياسية ان ما بناه للطائفة في غضون أكثر من عقدين مهدد بالانفراط دفعة واحدة، فاندفع في تصعيد احتجاجه على مثل هذه السياسية في ابعادها الايرانية والسورية ورموزها واشخاصها وقواها محليا.

ولكن يبقى السؤال: الى أين؟

يطرح وليد جنبلاط دوما في احاديثه سؤالا: لبنان الى اين؟ وهو سؤال محوري وسط حال الصراع المفتوح. قد لا يتمكن أحد من الاجابة الشافية عنه، لكن ما هو مؤكد ان لبنان عاد ساحة صراع مفتوح في ضوء اشتباك على امتداد المنطقة بدءا من مفاعلات ايران النووية حتى الطريق الجديدة. وليد الآن هو احد قادة 14 آذار او قائدها الابرز، وبلوغه هذا المدى يرتبط بانهيار امكانات التسوية مع سوريا بالأساس، خلافا لما حدث في اعقاب اغتيال والده. لذلك تتراكم عوامل الانفجار وتبتعد تباعا احتمالات الوصول الى ما هو ابعد من هدنات عارضة. مع ذلك يظل السؤال العام يخفي في طياته سؤالا خاصا يتناول الزعامة الجنبلاطية في مفصل الانتخابات الرئاسية الراهن؟

بالتأكيد وليد جنبلاط هو ناخب فعلي بالنظر الى المقاعد التي يحتلها وشبكة تحالفاته. اكثر من سواه يدرك ما يطبخ بعد مبادرة الرئيس بري. لذلك لم يكن في وارد اعلاء المعارضة الشاملة، كل ما فعله هو انه امسك بالعصا من الوسط، حتى معرفة اذا ما كان الاتفاق على الرئاسة يحظى بالمبررات والاجازات الاقليمية والدولية. يدرك اكثر من سواه ان التسوية الداخلية ان لم تكن تحت خيمة تسوية اقليمية ـ دولية فإن مصيرها مشكوك فيه، خصوصا ان المجيء برئيس لا بد من ان يستتبع تسوية لبنانية ـ سورية دونها «خرط القتاد» كما قالت العرب، او الاستحالة الكاملة، خصوصا مع اقتراب المحكمة الدولية من «مرجل» المنطقة الذي يغلي. لذلك لا يملك في جعبته من أوراق سوى تكريس شبكة تحالفاته باعتبارها مظلة الأمان الوحيدة المتوفرة وسط احتمالات مفتوحة على انفجارات كبرى تمتد من ايران وحتى خلدة و... ساحة رياض الصلح وسط بيروت... وبالتأكيد المجلس النيابي الذي يعود ولا يعود الى ممارسة دوره المطلوب.

زهير هواري

السفير (11 10 2007)

 

مزيد من المقابلات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007