تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Friday October 20, 2006 الساعة 05:58:58 AM

مقابلات وتحقيقات

15 تشرين الأول 2007

تاريخ العلاقة بين بكركي وساسة الطائفة ودورها في رئاسة الجمهورية (1 من 2)

بطريركية تختار «أهون الشرّين».. والقادة الموارنة يفضّلون المواجهة

مارلين خليفة

ينحني القادة الموارنة بإجلال لغبطة البطريرك، يجهرون بطلب بركته، يقبّلون خاتمه المقدّس، يردّدون بأنّهم «تحت سقف بكركي» ثمّ ينهضون ويتصرّفون نقيض ما طلبته المرجعية الأولى للموارنة في لبنان والشرق والعالم!

فرديّة واستقلاليّة وعناد، ثلاث صفات تلتصق بالموارنة الذين لا شكّ يحترمون سلطة الكنيسة ويطيعونها شرط عدم الاحتكاك بقراراتهم الشخصية ومصالحهم ونظرتهم إلى الأمور! الشواهد التاريخية كثيرة وأحدثها ما حصل يومي الخميس والجمعة الفائتين حين لبّى القادة الموارنة دعوة مرجعيّتهم الروحيّة بتلكؤ أظهرته مؤشرات عدّة وكواليس الطرفين المسيحيين في المعارضة والموالاة. أمّا أجواء ما بعد اللقاء فلم تكن ورديّة كما أوحت بعض التصريحات.

وعلمت «السفير» من مصادر في الأكثرية أنه اتفق مع المطران سمير مظاوم على تشكيل لجنة متابعة «لكشف نقاط التقاطع المشتركة بين الطرفين. وستتألف من مندوبين اثنين يمثّلان كلّ طرف من الأطراف من دون وجود آلية واضحة لعملها». وعلّق أحد أركان الأكثرية على هذا الأمر قائلاً: «إنها مقبرة خمس نجوم!». ومن مآخذ القادة الموارنة على مبادرة بكركي حسبما رشح من أوساطهم أنها «لم تحمل أيّ طرح واضح وعملي، بل اكتفت بكركي بالقول: إجتمعوا وتحدّثوا لنتفادى المشاكل بين المسيحيين، فيما كرّر القادة المسيحيون مواقفهم التي يردّدونها يومياً في الصحف». وخلص أحد العارفين من أوساط الأكثرية الى القول بأن «التفاؤل كان سياسياً لعدم إحباط الرأي العام، فيما الجميع يتحضّرون لانتخابات رئاسية بالنصف زائداً واحداً، ولم يتمايز عن موقف قادة الأكثرية سوى طرح الرئيس الأعلى لحزب «الكتائب اللبنانية» الرئيس أمين الجميل الذي اعتبر مبادرة بكركي لتدعيم مبادرة الرئيس نبيه برّي، مطالباً بتطبيق الآلية الدستورية عبر الإجماع أو التوافق بحسب نصاب الثلثين». لكن المطران بولس مطر أكد في حديث مع «السفير» أن بكركي حملت طرحاً واضحاً، والدليل أنه سيتم تأليف لجنة من ممثلين اثنين عن كل جهة أي الموالاة والمعارضة بغية الاجتماع بعيداً من الأضواء وتحديد الأسماء للرئاسة الأولى».

أثبتت المبادرة الأخيرة لبكركي مجدّداً وجود أزمة ثقة كبرى بين البطريرك الماروني الحالي الكاردينال مار نصر الله صفير وبين القادة الموارنة، لها جذورها وأسبابها التاريخية القديمة والحديثة التي تعود إلى سلوك هؤلاء القادة.

في هذا التحقيق تطرح «السفير» في جزءين الإشكالية التاريخية بين البطريركية المارونية والقادة الموارنة، وحقيقة نظرة الأحزاب المسيحية الرئيسية الى دور بكركي ومبادرتها.

البطريرك هو عنوان وحدة الموارنة في كلّ مكان، لذا نصّب الموارنة بطريركاً عليهم عام 687 هو الأسقف يوحنّا مارون، أسقف البترون الذي تمّ استدعاؤه الى دير مار مارون (في سوريا) ونصّب بطريركاً، «وكان هذا أكبر إنجاز حققه الموارنة. فقد وقفوا في وجه التحدّيات وأبقوا مشعل الكثلكة مضيئاً في الشرق»، كما ذكر الأب ميشال عويط في كتابه «الموارنة: من هم؟ ماذا يريدون؟».

هرب البطريرك الأول القديس يوحنا الى لبنان بعد مطاردة الملك البيزنطي له وللموارنة، وسكن في بلدة كفرحي جاعلاً كرسيّه الأسقفي فيها كرسيّاً بطريركياً، ومذ ذاك بدأت هجرة الموارنة من وادي العاصي الى لبنان.

من كهف الى كهف ومن قمم الجبال الى أسفل الوديان عاش الموارنة حياتهم، لكنّهم بقوا متمسّكين بعاداتهم وتقاليدهم الدينية.

الخلاف الأول مع المقدّمين

في البدء كانت الكنيسة هي المحور الذي تدور في فلكه حياة الجماعة الدينية والمدنية، لكنّ التباين بين الطرفين ظهر إبّان حكم المماليك، إذ اعتمد هؤلاء المقدّمون الموارنة صلة وصل بين حكمهم وبين الكنيسة وذلك في منطقة إهدن وجبّة بشري. تحوّل بعض هؤلاء المقدّمين الى مرجعيات متخطين الصلاحيات المنوطة بهم (أي جباية الضرائب)، راحوا يتعاطون في الشأن السياسي في مناطق نفوذهم ما شكّل بداية التوتّر مع الكنيسة و«الطّقم» السياسي الماروني الأول.

تناحر الموارنة طويلاً في ما بينهم حول الولاء للكنيسة المارونية وحول الاتحاد مع روما وكانت فتن كثيرة. فعام 1230 خرج موارنة جبّة بشري وناحية لحفد في أعالي بلاد جبيل على طاعة البطريرك وثاروا على الملك (من أسرة أمبرياتشي الجنوية) ما اضطر البطريرك (إرميا العمشيتي) الى التخلي عن مقامه الأصلي في يانوح في وقت ما، والانتقال من هناك الى دير مار قبريانوس في كفيفان، وقد تكرّرت هذه الحوادث لمرات عدّة مع بطاركة مختلفين.

إلى ذلك لعبت عائلات مارونية عدة أدواراً سياسية إنما بالتنسيق مع الكنيسة والفاتيكان، لأن أوروبا بدأت تنظر الى الشرق في محاولة للحدّ من السلطة العثمانية.

ثورة الفلاحين

بعد فترة من العلاقة الودية التي سادت بين الكنيسة والأعيان الموارنة وجلّهم من الإقطاع، قام الشعب بردّة فعل ضدّهم وضدّ الكنيسة التي تدعمهم. وخلافاً لرأي رجال الدين كانت ثورة طانيوس شاهين أو ثورة الفلاحين التي رتّبت نتائج كارثية على المسيحيين منها حوادث عام .1860 في زمن المتصرفية سادت علاقة ودّية بين الكنيسة والشخصيات المارونية وكانت استشارة البطريرك واجبة قبل تعيين مجلس المدبّرين لدى المتصرّف.

دور الكنيسة المفصلي في تحديد كيان المسيحيين ووجودهم ظهر إبّان الحرب العالمية الثانية حين تمّ التفاوض على مصير المسيحيين في لبنان وعلى مصير الدولة اللبنانية، كما اسميت فيما بعد، بين القوى المنتصرة وخصوصا فرنسا وبين البطريرك الماروني آنذاك الياس الحويك. تمّ تتويج هذا الاتفاق عام 1920 بإعلان دولة لبنان الكبير، لكن حتّى في هذه المرحلة ظهر تكتّل ماروني سياسي قويّ مؤلف من أحزاب صغيرة ومنظمات أهلية وشخصيات فكرية عارضت قيام دولة لبنان الكبير مطالبة بلبنان الصغير أي المسيحي تحت الانتداب الفرنسي، خوفاً من ايّ مدّ إسلامي. وكان حزب الكتلة الوطنية بزعامة إميل إده هو من يقود هذا الفكر. لكنّ البطريرك الماروني قال كلمته ونفّذها، إذ اعتبرت بكركي في ذلك الزمن أنّ لبنان قابل للحياة في هذا الشكل فحسب، واي صيغة أخرى تلغي الكيان اللبناني.

أعلنت دولة لبنان الكبير ووضعت تحت الانتداب الفرنسي بموجب المادّة 22 لجميعة الأمم المتّحدة. وبحكم الانتداب، ولأنّ فرنسا هي دولة مدنية رغم كاثوليكيتها أدخلت باريس النخبة المسيحية والإسلامية المدنية الى الحياة السياسية، وخصوصاً أن الدولة تتطلّب رئيساً للجمهورية وللحكومة ومجلساً نيابياً. هكذا دخل المدنيون الموارنة إلى الحياة السياسية على حساب دور الكنيسة، علماً بأنّ الكنيسة ظلّت الراعية السياسية لكلّ القيادات المارونية السياسية، ولم تعرف هذه الحقبة التي امتدّت بين عامي 1920 وحتى 1958 أي مرحلة الانتداب والاستقلال، أي إشكالات هامّة على صعيد العلاقة بين الكنيسة والسياسيين الموارنة.

وقفت بكركي دائماً الى جانب استقلال لبنان وسيادته، وعلى الرّغم من صداقتها مع فرنسا التي تمتدّ الى أكثر من ألف عام، فإنها دعمت استقلال لبنان عام 1943 وذلك على عهد البطريرك عريضة الذي واجه فرنسا أيضاً عندما طرح تأميم «الريجي» فوقف الى جانب الرفض السوري واللبناني فسارت تظاهرات في سوريا صرخ فيها المتظاهرون «لا إله إلا الله وعريضة حبيب اللهّ»!

المعوشي وشمعون

الصدام الأشدّ بين بطريرك وسياسي ماروني حدث عام 1958 بين البطريرك بولس المعوشي ورئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون، لأن بكركي عارضت إدخال لبنان في سياسة الأحلاف خوفاً من الانقسامات بين اللبنانيين. ويرى النائب في تكتّل «التغيير والإصلاح» الدّكتور فريد الخازن أن « العلاقة بين بكركي ورجال السياسة طالما شهدت توترات. وقبل نشوء النزاعات المسلحة بين المسيحيين كان البطريرك الماروني محوراً مهمّاً في السياسة. منذ الخمسينيات وحتى عام 1975 كان البطريرك المعوشي بشخصيته يتّخذ مواقف سياسية علنية ويقف طرفاً. فعام 1958 اتخذ موقفاً ضدّ كميل شمعون واعتبر بطريرك المسلمين ثمّ اتخذ موقفاً ضدّ الرئيس فؤاد شهاب وممارسات المكتب الثاني واعتبر نفسه زعيماً سياسياً واتخذ مواقف مفصلية عام 1969 عند إقرار اتفاق القاهرة فأصدر كرّاساً صغيراً يشرح فيه وجهة نظره المعارضة للاتفاق، معتبراً انه يشكّل خطراً على البلد. بالتالي لعبت شخصية المعوشي دوراً في تفعيل دور بكركي، وهو توفي قبل شهرين من اندلاع الحرب ولو بقي حياً لكان اتخذ مواقف قوية».

الحرب الأهليّة

حدث إشكال آخر بين الجبهة اللبنانية (المؤلفة أساساً من الرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجية وبيار الجميل) والبطريرك خريش عام 1975 حيال حوادث 13 نيسان التي فجّرت الحرب الأهلية.

ربط مؤسس حزب «الكتائب اللبنانية» بيار الجميل لبنان بوجود الكنيسة وتصرّف سياسياً على هذا الأساس طيلة حياته، حتى عندما كان البطريرك المعوشي قد وقف ضدّ الرئيس كميل شمعون ساند الجميل رئيس الجمهورية، لكنّه رفض المساس بالبطريركية وبهيبة الكنيسة، إذ اعتبر الأمر مساساً بالكيان اللبناني كما يروي مستشار الرئيس أمين الجميل والبروفسور في علم السياسة والديبلوماسية في جامعة باريس الدكتور سليم الصايغ، مضيفاً أنّ الكنيسة «كانت رائدة في الانفتاح والتواصل ضمن الإمارة اللبنانية، وكانت أيضاً رأس الحربة في الدّفاع عن المؤمنين الموارنة عندما كانت تتعطّل العلاقات بين الإمارة والدولة العثمانية، وبالتالي إن ترابط الكنيسة بلبنان الرسالة هو ترابط عضوي امتزج أحدهما بالآخر وصعب الفصل بينهما».

على الرغم من هذا الإيمان القوي الذي حمله بيار الجميل بدور الكنيسة، إلا أن التمايز الشديد وقع بين موقفي الكتائب والكنيسة إبان حرب 1975 «بحيث وجدت الكتائب نفسها في موقع الرديف للدولة بعد تعطّل المؤسسات، فاختارت المقاومة سبيلاً ضدّ الهيمنة الفلسطينية ممّا أدى الى تباين مع رؤية بكركي التي حاولت دوماً الحفاظ على خطّ وسطي يحافظ على التوازن اللبناني الدّاخلي، إلا أن الرهبانيات المارونية أبرزها رهبنة الكسليك آزرت المقاومة والجبهة اللبنانية معتبرة أن خطّ المقاومة الكنسية الذي جابه القهر العثماني ينبغي أن يستمّر».

المقاومة المسيحية في الحرب كانت سبباً رئيسياً لمواجهة السياسيين الموارنة مع بكركي، يروي الدكتور سليم الصايغ: «سعت بكركي دوماً الى التفتيش عن التواصل والقواسم المشتركة بين اللبنانيين من هنا حصل الطلاق مع الأرض والواقع، ففي الحرب رفضت بكركي المقاومة ضدّ الفلسطينيين وراح البطريرك خريش يخاطب المسيحيين بقوله: يا أولادي صلّوا! فيما المسيحيون يذبحون على الهويّة! وعوض أن يصلي المسيحيون فرغت الكنائس وحصل شبه طلاق بين المؤسسة الكنسية والشعب. ولولا أدوار فردية لعبها بعض رجال الدين لكانت الكنيسة مهمشة اليوم كلياً عند المسيحيين».

هذا التباين بين الكنيسة كمؤسسة والكنيسة كشعب أدّى إلى تدخّل الفاتيكان لرأب الصّدع الماروني الدّاخلي، وذلك عبر تعيين مدبّر رسولي عام هو المطران إبراهيم الحلو (عام 1986) بهدف إعادة العصب الى الكرسي البطريركي الذي شهد موقعه تدهوراً بسبب تقدّم البطريرك خريش في السّن.

كانت الأزمات تشتدّ بين القادة الموارنة وبكركي في الحرب، وتوترت العلاقة بين البطريرك خريش وبين قوات حزب الكتائب بقيادة بشير الجميل بعد العمليتين المأساويتين في إهدن عام 1978 والصفرا عام 1980«. لكنّ النائب فريد الخازن يقول إنّ البطريرك أنطونيوس خريش «كان يدعم المؤتمر الدائم للرهبانيات اللبنانية المارونية ضمنياً». يشير الدكتور الخازن: «بعد تراجع الزعامات السياسية التقليدية لدى المسيحيين لمصلحة زعامات شابة تمّت عسكرة النزاع حتى بين المسيحيين ما شكّل أكبر كارثة حلّت بهؤلاء في تاريخهم الحديث، لأنها أفسحت في المجال للجوء الى العنف، وأدّت إلى وقوع حوادث دامية كانت الأخطر والأسوأ في تاريخهم بدءاً بإهدن والصفرا، الى سلسلة الإنتفاضات في القوات اللبنانية. في هذا الوضع المأزوم لم يكن لبكركي أيّ دور، فتراجع دورها كما القيادات التقليدية مثل الجميل وشمعون والعميد ريمون إده الذين تبدد دورهم».

بكركي في مرحلة الفراغ

مجيء البطريرك صفير الى البطريركية شابته ملابسات، وبعض القادة السياسيين الموارنة عارضوا وصوله، وخصوصاً أن منافسه المطران يوسف الخوري إبن بكاسين كان من الأسماء القوية المرشحة، وهو تميّز بشخصية مستقلة ما جعل الفاتيكان يستبعده مؤثراً عليه البطريرك نصر الله صفير إبن ريفون.

لم تكن بداية عهد صفير سهلة وخصوصاً أنه وصل في حال فراغ في الزعامة المارونية بعد غياب مؤسسي الجبهة اللبنانية بيار الجميل وكميل شمعون عن الحياة وأضحى الوضع المسيحي مكشوفاً، وغيّبت الكتائب تدريجياً عن الساحة، فيما انشغلت القوات بانتفاضاتها الداخلية. حافظ رئيس الجمهورية امين الجميل الذي كان من مؤيدي المطران الخوري على علاقة ودية مع صفير مستلهماً سياسة والده، وحرص على وضع البطريرك في أجواء تحرّكاته السياسية بالتفصيل.

ثمّ كانت إشكالية جديدة بين الكنيسة والسياسيين الموارنة عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الحكومة المؤقتة الجنرال ميشال عون على اتفاق الطائف (البطريرك وافق عليه وعون رفضه)، وتمّ الاعتداء على البطريرك في مقره في بكركي ما اضطره الى مغادرته غاضباً الى مقره الصيفي في الديمان. وعند إقرار وثيقة الوفاق الوطني وافقت عليها بكركي مختارة الطريق الواقعية «اي أهون الشرين» في ما تحفّظ الرئيس الجميل على الاتفاق ورفضه الجنرال عون ووافق عليه الدكتور جعجع بتحفّظ.

عاد البطريرك صفير ولعب دوراً رئيسياً بعد عام 1990 إثر نفي الرئيس أمين الجميل (سنة 1988) ثم العماد ميشال عون (1991)، خصوصاً بعد سجن الدكتور سمير جعجع. وقد ترافقت عودة بكركي إلى الساحة الوطنية مع رجوع السوريين إلى لبنان (عملية 13 تشرين الأول 1990) حيث أحكموا قبضتهم على مختلف مفاصل الحياة اللبنانية.

الوجود السوري

إستعادت بكركي دورها الذي خسرته خلال المرحلة التي شهدت فيها المناطق المسيحية انقسامات سياسيّة وأعمالاً حربية، فصارت بكركي في موقع المرجّح للكفّة بأيّ من الاتّجاهين بحكم الأمر الواقع.

في المرحلة السورية شعر المسيحيون بالتهميش، واتخذ البطريرك صفير مواقف أساسية منها مقاطعة انتخابات عام ,1992 لكنّ بعض المرشحين الموارنة لم يلتزموا قرار بكركي. وفي هذا الموضوع، يؤخذ على البطريرك صفير أنه عاد واستقبل النواب المنتخبين في اليوم التالي، ثم كان له موقف متحفّظ على انتخابات عام 1996 وصراع مفتوح مع الوجود السوري آنذاك بحيث رفض دائماً زيارة سوريا رابطاً إياها بالحصول على انسحاب سوري من لبنان. عام 1994 بعد تفجير كنيسة سيّدة النجاة وضعت بكركي في أجواء سيئة أمنياً وحصلت حراسة أمنية عليها «بحجّة الحماية والمراقبة أيضاً، فطوّقت بكركي أمنياً وصارت مستهدفة، لأنها بقيت الموقع الوحيد الذي لم يتمّ تدجينه ولا يمكن سجنه أو نفيه! كما أنّ البطريرك ليست لديه مطالب وهو مستقل ولا مجال بالتالي لاستيعابه لغياب طلباته»، كما يقول الدكتور الخازن.

«تمتعت بكركي باستقلالية قرار كبرى. فبالإضافة الى التيارات المسيحية التي كانت تطالب بالسيادة ومنها التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية والكتائب اللبنانية، بقيت بكركي الموقع السيادي الأول، وكان خطابها على وتيرة تصاعدية بسبب التنفيذ الإنتقائي للطائف ومخالفته وبسبب استهداف المسيحيين بمرسوم التجنيس وقوانين الانتخاب وملف المهجّرين والوضع الأمني». ويروي الدكتور الخازن أنه في عام 1997 اجتمع الرئيس رفيق الحريري بالبطريرك صفير والمطارنة الذين قدموا له مذكرة تلخّص موقف الكنيسة بأكمله، وعام 2000 كان نداء بكركي الذي أعقب الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وذلك في 20 ايلول والذي طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان وتنفيذ القرار الرقم 520 فشكّل الشرارة الأولى لانتفاضة الاستقلال، وعلى إثره تمّ اللقاء بين البطريرك صفير والجنرال عون في روما.

ثمّ سعت بكركي الى تأليف لقاء «قرنة شهوان» عام 2001 وكلّف البطريرك المطران يوسف بشارة الاجتماع مع قادة مسيحيين وطرح إشكالية الانسحاب السوري في لبنان، وبقي اللقاء على مدى عامين ونصف العام لقاء مهمّاً وبقي حتى بدء انتفاضة الاستقلال «التي وإن كان اغتيال الرئيس الحريري هو الصاعق الذي فجرها إلا أنها انطلقت على خلفية المطلب السيادي في الوسط المسيحي»، يقول الخازن شارحاً أسباب انفراط عقد لقاء قرنة شهوان بالمسائل الانتخابية التي شكلت نقطة ضعف بحيث تعرّضت الى 3 هزات انتخابية نيابية وبينها انتخابات بلدية وإختيارية: الهزّة النيابية الأولى كانت في انتخابات المتن الشمالي الفرعية عام ,2003 والثانية في المتن الجنوبي عام 2004 ، وقضت انتخابات 2005 على اللقاء فيما بقي موقف البطريرك ثابتاً وهو عدم حصول معركة بين المسيحيين.

وتشير مصادر مارونية كانت في تجمّع «قرنة شهوان»، رفضت الكشف عن هويتها الى أن الانقسام الحاد عام 2005 كان على كيفية التعاطي مع عودة العماد ميشال عون كمعارضة. وتبين فيما بعد أن بعض أعضاء اللقاء كانوا دخلوا في تحالفات مع النائبين سعد الحريري ووليد جنبلاط ضمن لعبة سياسية تروم إبقاء عون في الخارج الى حين إنتهاء الانتخابات.

هكذا تولى البطريرك الماروني القيادة السياسية المسيحية المارونية طيلة 15 عاماً تقريباً، متخطياً النزاعات بين السياسيين الموارنة الذين لم يستطيعوا أن يحدّدوا ثوابتهم المبدئية والسير بهديها على عكس بكركي وهنا نقطة الخلاف الرئيسية بين الطرفين.

السفير (15 10 2007)


حلقة ثانية

 

مواضيع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007