|
|
|
آخر تحديث Tuesday October 17, 2006 الساعة 12:18:46 AM |
الفراغ ثمن تعجيل المحكمة والتضييق على سوريا وحديث عن "فيتو شيعي" بدلاً من الثلث المعطل لا يبدو أنّ أحدًا من المسؤولين اللبنانيين المتابعين بدقة لما يحدث من اتصالات عربية ودولية، على ثقة بأن ما يجري على خط بكركي والحركة الديبلوماسية الاوروبية ومحاولة إحياء دور الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في لبنان تحت أي ستار، وصولا الى الاتصالات الجارية على خطي واشنطن وباريس، يمكن ان يخفف حدة المخاوف والتوقعات السوداوية حيال احتمالات الفراغ الرئاسي التي تكبر يوما بعد آخر. تنطلق قراءة هؤلاء ومعلوماتهم من ان أي مفاوضات جدية يجب ان تكون بين طرفين، في حين ان المطروح حاليا للتوافق على رئاسة الجمهورية هو حوار من طرف واحد تجريه الأكثرية مع طرف مجهول. فالاكثرية تعرف، خلافا لرؤية المجتمع الدولي، ان رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يملك قرار الحل والربط، وهو في كلامه الأخير اكد مراراً انه يحاول خطف الاستحقاق ممن يحاولون "تطييره". والاكثرية تعرف ايضا ان النائب العماد ميشال عون غير قادر على حسم موقفه من الانتخاب من دون العودة الى حلفائه، وان حلفاءه، أي "حزب الله"، لا يملكون اليوم حق تقرير مصير الانتخابات. هذا يعني ان سوريا لا تزال الناخب الأكبر في هذه الانتخابات ، لكن باب الحوار معها مقفل لبنانيا، أي ان الاكثرية تفاوض وحدها في استحقاق تتمسك سوريا الى الرمق الاخير بحق القرار فيه. ولأن سوريا تريد ثمنا من اجل إمرار الاستحقاق اللبناني، كانت امام المجتمع الدولي ثلاث اوراق للمساومة، اولا اقتراح فك عزلتها الدولية والديبلوماسية عبر الباب الاوروبي، لكن سوريا لم ترض بهذه الورقة " الضعيفة" ، بل ان زيارات الوزراء والمسؤولين الاوروبيين لها لم تأت بأي فائدة تذكر، اضافة الى ان دولا عربية عدة لم تتحمس لهذه المبادرة. والورقة الثانية كانت المشاركة في الاجتماع الدولي حول المنطقة المقرر عقده في مدينة انابوليس في ولاية ميريلاند الاميركية، لكن سوريا رأت نفسها في هذا الاجتماع رقما بين مجموعة وليست طرفا اساسيا في الحوار مما يعني انها رفضت ايضا هذه الورقة. وتبقى الورقة الثالثة أي المحكمة الدولية. وبحسب المعلومات كان يمكن هذه الورقة ان تحمل ملامح أي مساومة دولية ، فتعطى سوريا في مكان ما فيها ، ويؤخذ منها في الملف اللبناني. لكن ما حصل ان ثمة اجراءات ادارية وروتينية جرى العمل عليها لتشكيل المحكمة، ولم يعد في الامكان وقفها اليوم. مما يعني ان وتيرة تشكيل المحكمة تتسارع ولم يعد في الامكان اعادة عقارب الساعة الى الوراء. لكن التجارب الدولية مع المحاكم التي تشكلت حتى الان، والكتب التي صدرت اخيرا في اوروبا وعرضت مكامن المساومات السياسية في المحاكم الدولية، تنبئ ان أي مساومة سياسية مع سوريا في المحكمة الدولية يمكن ان تتم لاحقا بعد تشكيلها. ولكن من سوء حظ لبنان، ان الوقت يدهمه والاستحقاق الرئاسي على الابواب، ولا ينتظر تشكيل المحكمة، وتاليا لم يعد المجال مفتوحا لأوراق جديدة يمكن ان يقدمها المجتمع الدولي للبنان. ولا تخرج زيارة الوزراء الاوروبيين للبنان هذا الاسبوع بحسب المعلومات، عن اطار محض ديبلوماسي، أي الاستمرار في احتضان الملف اللبناني، مع العلم المسبق لدى اكثر من مسؤول لبناني ان لا افكار جديدة يمكن ان يطرحها هؤلاء. فاهتمام اوروبا في المرحلة الاخيرة ينصب على حماية القوة الدولية في الجنوب. اما بالنسبة الى الوضع الرئاسي فالسؤال الذي يطرحه هؤلاء في شكل دائم على المسؤولين الحكوميين " ماذا نستطيع ان نفعل من اجلكم؟". وحين رد مسؤول لبناني على احد هؤلاء الزائرين، مازحا: "هل تستطيعون تقديم الجولان لسوريا؟"، اجاب الزائر الاوروبي بجدية مطلقة: "حتى لو كنا نملك ورقة الجولان، فان سوريا لا تريده بل تريد لبنان". في ظل هذا الوضع يفهم تماما تعدد المعلومات المتداولة حاليا حول الاستحقاق. في البداية لا يبدو ان ثمة تفاؤلا بنجاح مبادرة بكركي، لكن التفاؤل يكمن في مدى "تدخل السماء" على ما قال البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير السبت، ومدى ترجمة البطريرك رغبة الفاتيكان في ان يسمي الرئيس المقبل، في الايام العشرة الاخيرة، اذا تعذر التوافق قبلها وان خلافا لتقاليد بكركي. وهذا كلام سمعه اكثر من زائر مسيحي موثوق به الى الفاتيكان، لأن الظرف الحالي الذي يمر به الموارنة والمسيحيون واللبنانيون، يسمح بقرار نوعي يضع القيادات كلها على محك ترجمة وعودهم افعالاً، وتكون بكركي بذلك اكملت فعلا ما بدأته في النداء الاول عام 2000. عدا ذلك تبقى كل الاحتمالات مفتوحة بدءا بالفراغ الرئاسي الذي تسعى اليه سوريا وصولا الى الانتخاب بالنصف زائد واحد. لكن ثمة مسؤولين يتحدثون بجدية عن تردد لدى قوى 14 آذار في السير حتى النهاية بالانتخاب على قاعدة النصف زائد واحد، بسبب الأخطار التي يمكن ان يخلقها هذا الانتخاب ميدانيا، خصوصا في ضوء نصائح اميركية وفرنسية محددة بالمضي في الحوار حتى اللحظة الاخيرة، من دون الدخول في أسماء المرشحين، مع التمسك حتى تاريخه بعدم تقديم تنازلات الى الطرف المعارض. فالرئيس العتيد المنتخب بالنصف زائد واحد سيكون رئيسا معترفا به دوليا وعربيا، لكنه في اقصى الحالات سيكون رئيسا مقيما خارج قصر بعبدا. فحتى اليوم ليس محسوما ان الرئيس اميل لحود سيخلي القصر الجمهوري ويسلمه الى رئيس من الاكثرية خارج التوافق، وكذلك ليس محسوما أن يأمر قائد الجيش الحرس الجمهوري بإخلائه بالقوة. ومن جهة اخرى سيتعامل البطريرك الماروني على رغم رفضه قاعدة النصف زائد واحد، مع الرئيس الجديد كأمر واقع، كما حصل ابان التمديد للرئيسين الياس الهراوي واميل لحود. لكن المشكلة ستكون بحسب معلومات هؤلاء لدى سوريا، التي ستبقى رافضة لهذا الانتخاب، مما يعني تحريك حلفائها ان في المناطق الدرزية او في الشارع المسيحي المنقسم اساساً بين فريقين . لكن خطورة ما يمكن ان يحصل هو ترجمة هذا الرفض ميدانيا في ضوء رفض الوزير السابق سليمان فرنجية و"التيار الوطني الحر" هذا الانتخاب ولا سيما اذا كان الرئيس هو المرشح نسيب لحود، لما بين العماد عون ولحود من جفاء حاد. مما يعني ان احتمالات التوتر ستكون قائمة بجدية في المناطق المسيحية، في ضوء عوامل التسلح والتدريبات وترجيح وقوف الجيش على حياد. لكن ثمة امرا لا يزال ملتبسا هو موقف الطرف الشيعي في هذه المعادلة، والذي ترجح المعلومات ان يكون متفرجا لا مشاركا ولا مشاغبا. وفي المعلومات التي وصلت الى مسؤولين لبنانيين ان ايران ابلغت عبر احد موفديها الى مصر اخيرا ان " حزب الله" لن يجتاح بيروت ولن يحتلها مهما حصل، وان سلاحه لن يوجه الى الداخل اللبناني. وهذا يعني ان ايران ستفسح المجال امام انتخاب رئيس جديد، ولن يقوم الطرف الشيعي بأي خطوة في المقابل مثل إعلان تشكيل حكومة ثانية او انتخاب رئيس آخر للجمهورية. فايران تريد ان يكون لبنان الممر الطبيعي لاظهار حسن نيتها امام العالم الغربي، وتاليا سيكون موقف حلفائها مختلفا عن المتوقع، لأن ايران تدرك تماما ان لبنان سيُقبل على تسوية عاجلا ام آجلا، وتريد ان يكون وضع المجموعة الشيعية في تركيبة الحكم بقدر حجمها في أي تسوية مقبلة. وقد تبلّغ الفرنسيون من الايرانيين اخيرا ان موضوع المثالثة وتعديل الطائف قد طوي حاليا، بعد الضجة التي اثيرت في لبنان. لكن الشيعة لن يقبلوا بعد اليوم بتكرار تجربة خروجهم من الحكم واستمرار عمل المؤسسات من دونهم. ولذلك لن يقبلوا لاحقا بان يكون كرسي الحكم أصغر من حجمهم، وان الحصة الشيعية ستكون كاملة لـ "حزب الله " وحركة "امل" من دون سواهما، وان الطرفين لا يشترطان الثلث المعطل بل حق "الفيتو" داخل مجلس الوزراء. علماً ان طريقة تطبيق هذا "الفيتو" عمليا لا تزال غير مفهومة. وعلى خطورة ما سبق ذكره تبقى كل هذه الشروط مرهونة بمسار المفاوضات الايرانية السعودية ونجاحها في تحييد الدور الايراني في لبنان عن الدور السوري. لكن واشنطن لا تزال من القائلين بانه من المبكر تقديم أي ورقة تنازلية للطرف المعارض وايران من ورائه، على رغم نصحها في المقابل للاكثرية بالاستمرار في الحوار حتى اللحظة الاخيرة، وبدرس كل احتمالات الانتخاب بالنصف زائد واحد جديا، وبالسير في التوافق حتى اللحظة الاخيرة. فواشنطن لا تريد ان تتبنى أي إخفاق قد ينتج من الانتخاب بالنصف زائد واحد، وهي وان كانت لا تسمي أي مرشح للرئاسة قد لا ترفض مرشحا لا تسميه سوريا ولا يغضبها في آن واحد. وفي هذا المجال جرى تداول اسمي مرشحين محددين، يمكن ان تقبل بهما واشنطن وسوريا معا. هذا اذا ارادت سوريا ان تدفع سلفا ثمنا لبضاعة لم تتسلمها بعد، وهذه ليست من عاداتها في لبنان. هيام القصيفي النهار (15 10 2007) |
|
||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
|||||||||||