تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Saturday October 21, 2006 الساعة 09:49:23 AM

مقابلات وتحقيقات

18 تشرين الأول 2007

الأرثوذكس: من هندسة رؤساء الجمهورية... إلى دور «الوشوشة»

مارلين خليفة

تطلّ معركة رئاسة الجمهورية كلّ ستّة أعوام ليبدأ الإختيار الصعب لسيّد عهد جديد. وإذا كانت الرئاسة الأولى لا تزال تعتبر إمتيازا للموارنة، وأنّ لهؤلاء فيها كلمتهم المسموعة، فما هو دور الطوائف المسيحية الأخرى؟

لعبت طائفة الروم الأرثوذكس دورا كبيرا في السياسة اللبنانية، وكان رئيس الجمهورية الأوّل أرثوذكسي وهو شارل دبّاس. وبرزت في حقبات متتالية من تاريخ لبنان أسماء أرثوذكسية عدّة منها حبيب أبو شهلا وغسّان تويني وفؤاد بطرس الى إسم شارل مالك الذي برز كسفير في الأمم المتحدة ومن أهم شخصيات الجبهة اللبنانية المارونية الأقطاب.

بدأ دور هؤلاء منذ إعلان دولة لبنان الكبير من قبل الفرنسيين إثر اتفاقية سايكس ـ بيكو. حاول الفرنسيون جاهدين اجتذاب الأرثوذكس من حضن روسيا والعرب لأن هؤلاء كانوا واجهة لبنان الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. ومن أبرز عائلاتهم آل بسترس الذين لقبوا بـ«ملوك الشرق» وعائلة سرسق، ويروى أنّ «اللايدي سرسق» جلست الى يمين امبراطور بلجيكا عند افتتاح قناة السويس، واختار جمال باشا قصر آل سرسق في صوفر لينزل فيه.

إطمأنّ الفرنسيون الى دعم الموارنة لهم فجاؤوا برئيس أرثوذكسي هو شارل دباس، لكنّ ردّة فعل الأرثوذكس السائرين في ركب العروبة لم تكن إيجابية تجاه مبادرة حسن النية الفرنسية، فشاركوا في مؤتمر الساحل، وكان جدّ إيلي الفرزلي الدكتور ملحم الفرزلي أحد أركان المؤتمر. استمر الأرثوذكس في عنادهم في رفض سياسة فرنسا «فسقط عليهم القصاص الكبير وعوقبوا بأن طردوا من جنّة الحكم فأتى الرئيس الماروني حبيب باشا السعد» كما يعبّر نائب رئيس المجلس النيابي السابق إيلي الفرزلي.

قبل الإستقلال لعب حبيب أبو شهلا وأيضا مطرانية بيروت للروم الأرثوذكس دورا مهما على الصعيد السياسي، وبرزت شخصيات دينية اعتبرت مرجعيات حقيقية أبرزها مطران بيروت إيليا الصليبي. انتقل هذا الدّور منذ الستينيات الى شخصيات أرثوذكسية انحصر تأثيرها «في قربها من «المطابخ» التي «تطهو» القرار السياسي، ولم يكن دورها كطائفة لها مؤسساتها وهيكليتها مثل الطائفة المارونية» على حدّ تعبير الفرزلي.

من الشخصيات الأرثوذكسيّة في تلك الحقبة: النائب غسّان تويني صاحب جريدة «النهار» الذي شكّل واجهة أرثوذكسية مهمّة في معارك الرئاسة، وأبرزها ضدّ مرشح الشهابية الياس سركيس بحيث زكّى انتخاب الرئيس سليمان فرنجية. »لم يلعب الأرثوذكس دورا في صناعة الرئيس بل في إقناع الإرادات الدولية والسفارات والقوى المحلية بالتسويق لمرشح معيّن» بحسب الفرزلي.

دور فؤاد بطرس

فتح النائب والوزير السابق فؤاد بطرس باب قصر بعبدا أمام الرئيس شارل حلو، إذ أقنع به الرئيس فؤاد شهاب بمعاونة من فيليب تقلا والشيخ ميشال الخوري. لم يرد العماد شهاب التدخّل في اختيار خلفه في البداية مصرّا في الوقت ذاته على أن يتمتّع الرئيس بالإنفتاح على الشهابية وبأن يكمل برنامجها. أبدى الرئيس حلو استعداده لذلك ومشى في طريق الشهابية حتى حرب 1967 عندما انقلب عليها وآزر الحلف الثلاثي بسبب «تخبيصات» المكتب الثاني معه على حدّ تعبير شخصيّة أرثوذكسية عاصرت تلك المرحلة.

كانت الشخصيات الأرثوذكسية في الماضي تلعب دورا مهمّا في السياسة اللبنانية « لكنّ المعطيات الحالية تبدّلت جذريا، ووضع المسيحيين «تعبان» ووضع الرّوم «تعبان» أكثر. فإذا استثنينا شخصا أو اثنين نجد بأن التمثيل الأرثوذكسي «تعبان» جدّا ولا يمكن لهؤلاء إلا أن يكونوا تابعين لسواهم».

تستذكر هذه الشخصيّة الأرثوذكسيّة الأيام الخوالي بكثير من المرارة على الوضع الراهن، مبدية تخوّفا كبيرا من إمكانية زوال لبنان بمناسبة الإستحقاق الرئاسي المقبل. «التقسيم والفيديرالية شرّان متساويان ويقضيان على المسيحيين في الشرق لأنّ أيّ دويلة مسيحية ستؤدي الى هجرة المسيحيين».

في الماضي لعب الوزير السابق فؤاد بطرس دور فتى العهد الشهابي المدلّل، حتى أنّ هذا الأرثوذكسي شكّل كتلة نيابية كان أمينها العام والناطق بإسمها على مدى أعوام وهي تألفت من شخصيات لبنانية من طوائف مختلفة مثل النوّاب: علي بزّي، رفيق نجا، عثمان الدنا، جميل لحّود، شارل سعد، فضل الله تلحوق، إميل البستاني، إميل مكرزل، محمّد صفيّ الدّين ورفيق شاهين. بلغت قوّة بطرس السياسية في عهد شهاب وحلو وحتى على عهد الياس سركيس قوّة حتى قيل بأنه «حكم البلد».

الفرزلي والمرّ

في انتخاب الرئيس الياس سركيس اتفق فؤاد بطرس وميشال المر على دعمه معنويا وماديا، ثمّ أتى انتخاب الشيخ بشير الجميّل الذي فرض نفسه كمرشّح على الساحة عبر موازين قوى محلية وإقليمية ودولية بعد الإحتلال الإسرائيلي، لكنّ شخصيات محلية أرثوذكسية وتحديدا النائب ميشال المرّ لعبت دور إخراج للإرادة الدّولية على مستوى العلاقات مع النوّاب وتشجيعهم معنويا وماديا على المجيء الى الجلسة.

لم يحتاج انتخاب أمين الجميل الى اي وساطة محلية بعد اغتيال بشير إذ توافق مع إرادة شعبية وسياسية لبنانية ودولية قاربت الإجماع نتيجة الخوف من المجهول. إنتخاب الرئيس الشهيد رينيه معوّض جاء نتيجة توافق عربي إقليمي ودولي وبالتالي لم يكن من دور للأرثوذكس، بل رجح آنذاك دور الرئيس الشهيد رفيق الحريري والسوريين.

لعب إيلي الفرزلي وميشال المرّ دورين محوريين في اختيار الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحّود. كلّف الفرزلي من قبل الراعي الإقليمي كما درجت تسمية سوريا في تلك الحقبة، الإتصال بالنائب الهراوي للوقوف على توجهاته ونواياه في حال انتخابه رئيسا بعد اغتيال الرئيس معوّض. في الليلة ذاتها للإغتيال قصد الفرزلي منزل الهراوي في حوش الأمراء في زحلة. كان يجلس منفردا مع زوجته منى، وجّه إليه الفرزلي بضع اسئلة مع سؤال مركزي يتمحور حول كيفيّة تعاطيه مع إنهاء حالة التمرّد التي كانت قائمة آنذاك في قيادة رئيس الحكومة الإنتقالية الجنرال ميشال عون، فكان له جواب طريف ولكنّه معبّر. على اثر هذا اللقاء تمّ استدعاء الهراوي لمقابلة غازي كنعان وحكمت الشهابي وعبد الحليم خدّام و كان القرار بترشيحه بعد الفشل في إقناع بيار حلو بالإقدام على أي خطوة تطيح بعون، وعلى الرّغم من أن الرئيس حسين الحسيني كان مصرّا على تسويق حلو للرئاسة.

في المقابل كان ميشال المرّ قبل أن يختار السوريون معوض رئيسا، يحاول جهده لتسويق الهراوي لأنه رئيس مرن فيما كان الفرزلي يسوّق الهراوي لأسباب مناطقية بحتة، والتقت الإرادة الأرثوذكسية لهاتين الشخصيتين مع الإرادة الإقليمية. في المقابل لعب الرئيس نبيه برّي والنائب وليد جنبلاط دورا في إبعاد الهراوي فانتخب معوّض وأعاد الأخيران الكرّة للمرة الثانية فلم يفلحا.

لعب الفرزلي مع المرّ دورا رئيسيا في إيصال العماد إميل لحّود الى السدّة الرئاسيّة.

لم يكن الفرزلي يريد التمديد للهراوي، فيما أصر المر على ذلك مع وليد جنبلاط والحريري. أما لحود فكان تسويقه صعبا لأن أطرافا رئيسية لم تكن ترغب به رئيسا أبرزها رفيق الحريري، وليد جنبلاط وعبد الحليم خدّام الذي كان لا يزال جزءا من الحياة السياسية الداخلية في سوريا.

بدأ إيلي الفرزلي وسليمان فرنجية وعمر كرامي وميشال المر عملية التسويق ونجح لحود. إلا أن ميشال المر لم يلبث أن أخذ الوهج من الرئيس المنتخب. ولكن الأهم أنه أخذ وهج رئيس الحكومة الأول للعهد سليم الحص. راح المر وكان وزيرا للداخلية يجمع زهاء 70 نائبا في الوزارة للتشاور معهم كل يوم ثلاثاء بتغطية تلفزيونية أسبوعية، ولم يكن الرئيس الحص يحظى إلا بزيارة عدد ضئيل من النواب،ما خلق ردّة فعل عند الطائفة السنية.

هكذا قد يلعب الأرثوذكس أدوارا إيجابية في فبركة الرؤساء أو في إضعاف عهودهم.

«وشوشة»

يصف الفرزلي دور الأرثوذكس اليوم بالثانوي ويقتصر على «الوشوشة» المتمثلة بالتسويق الكلامي الخجول لبعض الشخصيات، لكنه ليس دورا رئيسيا لديه قدرة التعطيل أو القدرة على الفبركة على الرغم من استعراضات البعض» كما يقول الفرزلي. تقلّص دور الروم الأرثوذكس ترافق مع تقلّص أعدادهم وممتلكاتهم وقوّتهم الإقتصادية.

مناطق الثقل الأرثوذكسية كانت في بيروت التي تقلص سكانها الأرثوذكس بشكل ملموس ثم الكورة ومرجعيون، وأعدادهم تقلصت في شكل ملموس في الأطراف.

فبعد أن كانت ملكياتهم تمتدّ في البقاع من طريق الشام الى حدود فلسطين المحتلة تقلصت اليوم في شكل كبير. في منطقة البقاع الغربي أورث آل سرسق الأراضي لآل إدّه في عانا، أما في عمّيق فاشترى الأراضي الياس طعمه سكاف من آل سرسق. وباع آل بسترس أراضيهم في كفريا مؤخرا للنائب وليد جنبلاط. أما في البقاع الشرقي حيث كان حبيب بك رزق الله يمتلك عددا كبيرا من العقارات فإنها بيعت للمسلمين. في راشيا ومرجعيون بيعت معظم الملكيات الأرثوذكسية بسبب الهجرة والإضطهاد والحروب وأبرزها حرب ,1975 علما بأن إحراق راشيا عام 1924 لعب دورا رئيسيا في هجرة أهاليها الأرثوذكس أثناء ثورة سلطان باشا الأطرش وقبلها حصار زحلة عام .1860

السفير (18 10 2007)

 

مواضيع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007