|
|
|
آخر تحديث Saturday October 21, 2006 الساعة 09:56:28 AM |
«ترشح حاكم مصرف لبنان للرئاسة لا يحتاج إلى تعديل دستوري» المجذوب لـ«السفير»: لهذه الأسباب تسود الفوضى الدستورية! واصف عواضة
منذ اكثر من سنتين، تغرق البلاد في بحر من الاجتهادات الدستورية، تبارى من خلالها السياسيون والفقهاء وأهل المعرفة، وبرزت في الساحة تعابير لم تكن سائدة من قبل، في غياب هيئة قانونية تحسم الخلاف القائم، وتضع حداً للفوضى القائمة. اسئلة كثيرة تفرضها المرحلة، وتستدعي اجابات من أهل الاختصاص المنزهين عن الغايات السياسية والشخصية. والسؤال الأبرز: ما هو السبيل للخروج من هذه الفوضى؟ الدكتور محمد المجذوب، استاذ القانون الدولي والدستوري، وعميد كلية الحقوق ورئيس الجامعة اللبنانية سابقاً، نائب رئيس المجلس الدستوري سابقاً، الباحث والمفكر العربي، ورئيس المنتدى القومي العربي، طرحنا عليه العديد من الاسئلة الحائرة، وكان هذا الحوار: الفوضى الدستورية ÷ كيف تفسر الفوضى الدستورية القائمة في البلاد بحيث ان الاجتهادات الحاصلة لم يسبق لها مثيل؟ ـ تفسير هذه الفوضى يكمن في أمرين أساسيين: الأمر الاول يتعلق برغبة فئة من السياسيين في استخدام النصوص الدستورية مطية لاهوائها، فهي تفسرها بطريقة تتلاءم ومصالحها الشخصية ومآربها السياسية. والظاهرة المستغربة في هذا الصدد هي ان هذه الفئة تعمد، في مرحلة اولى، الى تجنيد بعض الباحثين للادلاء بتفسيرات تدعم وجهات نظرها، وتعمد، في مرحلة الثانية، الى تعميم هذه التفسيرات عن طريق وسائل الاعلام، وتعلن، في مرحلة ثالثة، اعجابها بها والمطالبة بالتزامها والادعاء أنها صادرة عن مراجع وثيقة في الفقه والقانون. والأمر الثاني هو غياب المرجعية القانونية المؤهلة لاصدار التفسيرات الدستورية الملزمة، اي التي تضع حداً لكل جدل او تأويل وتلزم السلطات المسؤولة. من هي المرجعية ÷ لكن ما هي المرجعية او الهيئة التي يجب ان تفصل في الخلافات الناشئة عن التفسيرات المتناقضة او المتضاربة لمواد الدستور؟ ـ ان الدستور في كل دولة ينص على هذه المرجعية. وقبل التعديلات الاخيرة التي ادخلت على الدستور اللبناني، كان مجلس النواب هو الذي يقوم بهذه المهمة. وأراد النواب الذين اجتمعوا في الطائف ان يتجاوبوا مع التطلعات التي عبّر عنها الفقه والاجتهاد والرأي العام في لبنان، وان يواكبوا التيارات الدستورية الحديثة، وان يسدوا الفراغ او النقص الذي شاب التشريع اللبناني في مجال الرقابة الدستورية، فنصوا في اتفاق الطائف على إنشاء مجلس دستوري «لتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين وبت النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية». وهذا الإنجاز الذي حققه اتفاق الطائف كرّسه الدستور. ففي 21/9/,1990 صدر القانون الدستوري، الرقم ,18 وأدخل تعديلات جذرية على احكام الدستور وكرّس، في المادة ,19 النفحة الجديدة التي تضمنها اتفاق الطائف، ومنح الجهة الرسمية (الرؤساء الثلاثة ونسبة معينة من النواب) حق مراجعة المجلس الدستوري في كل أمر يتعلق بتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين. والمؤسف ان المادة 19 جاءت تحصر نطاق المراجعة امام المجلس الدستوري في مراقبة دستورية القوانين فقط، اي دون تفسير الدستور. وعندما انشئ المجلس الدستوري بالقانون الصادر في العام ,1993 كرّست المادة الاولى منه ما ورد في المادة 19 من الدستور. وهذا يعني ان النص الدستوري اسقط من صلاحيات المجلس مهمة تفسير الدستور. ونشير الى ان رئيس المجلس الدستوري (أمين نصار) أقر، في العام ,2000 بأن المجلس، خلافا لوثيقة الوفاق الوطني، غير صالح لتفسير الدستور، او حتى لأخذ رأيه. والمؤلم ان الجدل حول تفسير بعض المواد الدستورية قائم اليوم على قدم وساق، وليس بالامكان، بعد حرمان المجلس الدستوري من مهمة التفسير وتعطيل نشاطه، الاعتماد على اريحية مجلس النواب، المنقسم على نفسه والعاجز عن اتخاذ مواقف مجردة. تفسير الدستور ÷ في ظل الخلاف الدستوري الناشب، هل اصبح الدستور اللبناني بحاجة الى تفسير او تعديل؟ وكيف يجب القيام بذلك؟ ـ اذا كنت تقصد بالخلاف الدستوري الحالي الخلاف حول تفسير المادة /49/ من الدستور، المتعلقة بكيفية انتخاب رئيس الجمهورية، فإن هذا الامر لا يستدعي تعديل الدستور، لان المادة المذكورة، كما سنرى، واضحة، والسوابق والممارسات في هذا المجال واضحة ايضا. اما اذا كنت تقصد مواطن النقص والتقصير والخلل في الدستور، فالثغر كثيرة فيه، وهو من هذه الناحية بحاجة الى تعديلات. ونذكر، على سبيل المثال، أموراً ما زالت تثير الكثير من الخلافات والتساؤلات، منها: 1ـ ما هي الصلاحيات التي يحق لنائب رئيس مجلس الوزراء ممارستها في غياب الرئيس؟ 2ـ هل يحق لوزير او اكثر طلب عقد جلسة لمجلس الوزراء؟ 3ـ هل يحق لرئيس مجلس الوزراء، او للوزير المختص، الامتناع عن توقيع القرارات والمراسيم المتخذة بحسب الاصول في مجلس الوزراء، أم ان ذلك يشكل خرقاً لمبدأ التضامن الحكومي؟ 4ـ ما مصير مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم اذا حصل خلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأصر كل منهما على موقفه؟ 5ـ ما هي الفروق الجوهرية بين الامانة العامة لمجلس الوزراء، والمديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء؟ 6ـ هل تعتبر قرارات مجلس الوزراء نافذة وملزمة فور صدورها، ام انها تحتاج الى توقيع رئيس الجمهورية والصدور بمراسيم؟ 7ـ هل يتم تفسير الدستور في مجلس النواب بقانون عادي ام بقانون دستوري؟ 8ـ ما هي الحلول الناجعة لحل مشكلة العلاقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة؟ نصاب انتخاب الرئيس ÷ النصاب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية يأخذ جدلاً واسعاً. كيف السبيل لحسم هذا الموضوع؟ ـ ان المادة /49/ من الدستور هي التي تحدد هذا النصاب. ومضمون تلك المادة واضح لا يحتاج الى شرح، على الرغم من الجدل الدائر حول تفسير عبارة «اكثرية الثلثين»: هل هي اكثرية ثلثي النواب الذين يؤلفون المجلس، ام اكثرية ثلثي النواب الحاضرين الجلسة، ام اكثرية ثلثي النواب الاحياء؟ الجدل يتناول، في الحقيقة، مسألتين متلازمتين: مسألة نصاب الجلسة التي تعقد لانتخاب رئيس الجمهورية، ومسألة النصاب المطلوب لانتخابه. اننا نعترف بأنه كان لمجلس النواب، خلال الحرب الداخلية اللعينة، وبسبب تناقص عدد النواب بفعل الوفاة واستحالة اجراء انتخابات فرعية، مواقف متباينة من المسألتين. ولكن القاعدة التي اتبعت دائما كانت مطابقة لمضمون المادة /49/، اي لوجوب توافر ثلثي اعضاء المجلس في الحالتين: لدى افتتاح الجلسة المخصصة لانتخاب الرئيس، وعند المباشرة في التصويت لاجراء عملية الانتخاب في الدورة الاولى. ولدينا سابقتان تؤكدان صوابية هذا الموقف: الاولى حصلت في أيار ,1976 لدى انتخاب الرئيس الياس سركيس، فقد اضطر رئيس مجلس النواب الى تأجيل موعد انعقاد الجلسة حتى اكتمال نصاب ثلثي اعضاء المجلس. والثانية حصلت لدى انتخاب الرئيس بشير الجميل، فقد اصر رئيس المجلس، رغم تأييده وحماسته للمرشح، على وجوب توافر نصاب الثلثين. ولهذا ابقى الجلسة مفتوحة لاكثر من اربع ساعات لتأمين النصاب القانوني المطلوب، ولم يأخذ بالفتاوى والقرارات المتعلقة بعدد النواب الاحياء والأموات. وكل ذلك يثبت تمسك مجلس النواب بالقاعدة الدستورية المكرسة في المادة /49/. ولم يسبق له ان اجتمع مرة لانتخاب رئيس للجمهورية بأقل من ثلثي الاعضاء الذين يتكوّن منهم المجلس. ولهذا فإن النواب الذين سمحوا لانفسهم باستنباط حلول مخالفة لجوهر النص الدستوري قد تجاوزوا صلاحياتهم، لان الاخذ بالنصاب العادي (النصف زائدا واحدا) في الانتخابات الرئاسية، او الاخذ بقاعدة احتساب الاحياء والأموات من النواب، او احتساب عدد الحاضرين الجلسة والمتغيبين عنها للتلاعب بالنصاب الدستوري المطلوب، يشكل مخالفة للمبادئ التي يقوم عليها الدستور. ولو اجرينا مقارنة «بسيطة» بين المادة /49/ وكل من المواد 60 و70 و77 و,79 لوجدنا انها كلها، على الرغم من اختلاف التعابير فيها، تعلن ان النصاب لا يكتمل الا بالنسبة الى مجموع عدد اعضاء المجلس. فالمادة /60/ المتعلقة باتهام رئيس الجمهورية بخرق الدستور والخيانة العظمى، والمادة /70/ المتعلقة باتهام الوزراء بالخيانة العظمى او الاخلال بالواجبات، والمادة /77/ المتعلقة باقتراح المجلس تعديل الدستور، والمادة /79/ المتعلقة بطرح مشروع على المجلس بتعديل الدستور... جميع هذه المواد تتطلب اصدار قرارات بأكثرية الثلثين (واحيانا بأكثرية الثلاثة ارباع) من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً. وبالاستناد الى هذه المقارنة نجد انه من غير المنطقي او المعقول انتخاب رئيس للجمهورية بغالبية نسبية تمثل اقلية من النواب. ونغتنم هنا هذه الفرصة للاشادة بالخطوة التي اقدم عليها الرئيس السابق لمجلس النواب، السيد حسين الحسيني، والتي اعادت الى مسألة النصاب تفسيرها او أساسها الدستوري السليم. ففي ربيع العام ,1988 اعتمدت رئاسة المجلس مجموع عدد النواب الذي ينص عليه قانون الانتخاب عند احتساب الاغلبيات الدستورية. وقد ظهر ذلك في امتناع الرئاسة عن طرح مرسوم اعادة النظر في احد القوانين على المجلس بسبب عدم توافر الاغلبية المطلقة (وكانت 50 نائبا آنذاك، من اصل 99). وبذلك تكون الرئاسة قد اعتبرت ان الاغلبية المطلقة في المجلس يجب ان تحتسب على اساس العدد الكامل للنواب، دون استثناء الاموات منهم. ولنعمد الى مثل عملي. ان مجلس النواب الحالي مؤلف من 128 نائبا، فكيف نفسر عبارة (غالبية الثلثين من مجلس النواب)؟ هناك رأيان، الاول يرى ان المقصود بها ثلثي اصوات النواب الحاضرين المقترعين. والرأي الثاني يقول بثلثي مجموع العدد الاصلي للنواب. والرأي الاول يوافق على وجوب حضور ثلثي اعضاء المجلس، اي 86 نائبا، لدى افتتاح الجلسة، ولكنه يطالب بتطبيق قاعدة الثلثين على الحاضرين عند اجراء الدورة الاولى من الاقتراع، واعتبار الفائز من المرشحين من ينال ثلثي الاصوات، اي 58 صوتا (هذا اذا صوّت الجميع). واذا لم ينل احد 58 صوتا اكتفي بالغالبية المطلقة في الدورات اللاحقة، اي بـ86٪2+1= 44 صوتاً. انه من غير المنطقي التسليم بهذا الرأي، لان رئيس البلاد يجب ان يحظى بتأييد غالبية نيابية موفورة تعزز مركزه، فهو رمز وحدة الوطن والساهر على احترام الدستور والمحافظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. ثم ان الدستور ذاته اشترط، في موضوعات اقل اهمية من انتخاب الرئيس، اغلبية اكبر من الاغلبية العادية. ولهذا لا يسعنا الا ان نؤكد ان الغالبية المطلوبة في المادة /49/ هي غالبية ثلثي مجموع عدد النواب بكاملهم، اي 86 نائبا. وعلى هذا الاساس تفتتح الجلسة، ويجري التصويت، ويعتبر المرشح للرئاسة فائزاً في الدورة الاولى اذا حاز 86 صوتا، او 65 صوتا في الدورات التالية. المرشحون الموظفون ÷ المادة 49 من الدستور تتناول ترشح موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها. هناك جدل اليوم بالنسبة الى قائد الجيش وحاكم مصرف لبنان. هل ينطبق على هذين المنصبين صفة الفئة الاولى او ما يعادلها؟ ـ تنص الفقرة الاخيرة من المادة 49 على انه لا يجوز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية اذا كان من موظفي الفئة الاولى وما يعادلها، في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة، مدة قيامهم بوظيفتهم، وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم او انقطاعهم عن وظيفتهم، او تاريخ احالتهم على التقاعد. السؤال الاول هنا هو: هل يعتبر قائد الجيش من موظفي الفئة الاولى؟ نجيب بالايجاب. وانتخابه لرئاسة الجمهورية يحتاج الى تعديل المادة .49 وهذا ما حصل في العام 1998 لتسهيل انتخاب قائد الجيش آنذاك، العماد اميل لحود، رئيسا للجمهورية. فقد اضيف الى المادة 49 فقرة نصت على انه يجوز، لمرة واحدة وبصورة استثنائية، انتخاب رئيس الجمهورية من موظفي الفئة الاولى. والسؤال الثاني هو: هل يعتبر حاكم مصرف لبنان من موظفي الفئة الاولى؟ نجيب بالنفي، لان ترشيحه لمنصب رئاسة الجمهورية لا يرضخ للشروط الواردة في الفقرة الاخيرة من المادة .49 فالنظام العام للموظفين العامين، الصادر بالمرسوم الاشتراعي، رقم ,112 تاريخ 12/6/,1959 يقسم الموظفين الى دائمين وموقتين، ولكنه لا يضع تعريفا عاما وشاملا ودقيقا لمدلول الموظف. ولذلك فإن الاجتهاد في كل من فرنسا ولبنان اعتمد طبيعة المنصب او العمل الموكول الى صاحبه (التعيين في الملاك الدائم، والانتماء الى الهرم الاداري) لاضفاء صفة الموظف على العامل في القطاع العام، معتبرا طابع الديمومة في العمل من العناصر الجوهرية في تعريف الموظف. ومن اجل التمييز بين الموظف وغير الموظف يصر الاجتهاد الاداري في معظم الدول على وجوب توافر عنصرين: 1ـ القيام بعمل ذي طابع اداري في ملاك الادارة العامة، غير خاضع لقانون العمل. 2ـ وديمومة العمل، اي القيام بعمل دائم، فالاشغال الموقت لمنصب يتسم بطابع الديمومة لا يضفي على شاغله صفة الموظف. وهناك شبه اجماع في القضاء الاداري على ان التعيين في المناصب العليا، المتروكة لتقدير الحكومة، لا يؤدي الى منح الاشخاص المعينين في هذه المناصب صفة الموظف. واذا كان الامر كذلك، فهل يعتبر حاكم مصرف لبنان موظفا؟ واذا لم يكن موظفا كسائر الموظفين، فما هي المستندات التي تثبت انه لا يخضع لاحكام القانون العام للوظفية العامة؟ لو اطلعنا على احكام قانون النقد والتسليف، المتعلقة بالنظام الذي يخضع له حاكم مصرف لبنان، لخرجنا بالبراهين والاثباتات التي تنفي عن الحاكم صفة الموظف، ومن أهمها: 1ـ ان الحاكم يعيّن لمدة ست سنوات قابلة للتجديد. 2ـ انه لا يخضع لرقابة مجلس الخدمة المدنية، ولا للتفتيش المركزي. 3ـ انه يتمتع بصلاحيات واسعة جدا، منها على سبيل المثال لا الحصر: تحديد السياسة النقدية والتسليفية لمصرف لبنان، وبت طلبات القروض، ورفع الحجوزات العقارية، والتوقيع باسم المصرف على جميع الصكوك والعقود والاتفاقات، وتعيين واقالة موظفي المصرف، والتعاقد مع مستشارين وباحثين. 4ـ انه يتقاضى عند نهاية مدة ولايته تعويضا يعادل مجموع رواتبه عن سنتين. 5ـ انه ليس مثبتا في وظيفة معينة، ولا يخضع لبنية هرمية في الوظيفة العامة. 6ـ ان النظام الخاص الذي يخضع له الحاكم يشدد على عنصر استقلاليته تجاه الحكومة، ويقربه من وضع الاعضاء في الحكومة، سواء اكانوا نوابا ام وزراء. واحكام الدستور اللبناني لا تحظر على هؤلاء الترشح (او الترشيح) لرئاسة الجمهورية. 7ـ اننا لا نعثر في اي نص قانوني في قانون النقد والتسليف، او في القوانين المعمول بها في مجال المهام التي ينجزها مصرف لبنان، او في نظام الموظفين ذاته، على كلمة واضحة تصف حاكم مصرف لبنان بأنه موظف. وجاءت المحاكم اللبنانية، بعد هذه البراهين، تبدي رأيها في كنه العلاقة التي تربط بين الدولة وحاكم مصرف لبنان. ويكفينا الاطلاع على ما ورد في قرار مجلس العمل التحكيمي في بيروت، الصادر في 16/11/.1993 فقد اكد هذا القرار ان الصلاحيات الواسعة الممنوحة لحاكم مصرف لبنان تتنافى مع أسس التبعية القانونية الواجب توافرها في عقد العمل، وان العقد بين الدولة والحاكم يدخل في فئة العقود الخاصة غير المسماة، ولا يمكن بالتالي وصف هذا العقد بأنه عقد عمل لاستحالة تحقق عنصر التبعية القانونية فيه. وبالاضافة الى كل ذلك، فإن لمصرف لبنان في القانون وضعا خاصا يجعل منه شخصا معنويا من القانون العام يتمتع بالاستقلال المالي (اصدار النقد، منح القروض، فرض عقوبات ادارية وغرامات مالية، العمل في السوق مـشتريا وبائعا ذهبا وعملات اجنبية، وتحديد معدلات الحسـم والاعتمادات، وشراء وبيع واستيراد وتصدير الذهب...). وهذه الاستقلالية تجعل من المصرف المركزي مؤسسة لا تخضع لقانون المحاسبة العامة، ولا لرقابة ديوان المحاسبة. وعندما صدر، في العام ,1972 المرسوم الاشتراعي، المتعلق بالنظام العام للمؤسـسات العامة والمصالح المستقلة، استثنى مصرف لبنان من احكامه. وهذا يعني عدم خضوع المصرف لقواعد الادارة العامة. والناحية الجديرة بالانتباه هي ان المصرف لا يخضع، في ممارسة مهامه، لمجلس الوزراء، بل هو، على العكس، يتعاون معه ويقدم إليه كل مشورة تتعلق بالسياسة المالية والاقتصادية، ويقترح عليه التدابير المناسبة. ونستنتج مما تقدم ان مصرف لبنان لا يدخل في عداد المؤسسات التي نصت عليها المادة 49 من الدستور. واتى الاجتهاد الاداري في لبنان يسهم في تعزيز هذا الاتجاه ويؤكد ان لمصرف لبنان وضعا خاصا يخرجه من نطاق الرقابات المفروضة على مؤسسات القطاع العام. والقرارات الصادرة عن مجلس شورى الدولة كثيرة في هذا المجال. والخلاصة ان جميع الوثائق والقرارات التي اشرنا إليها تقر بأن العلاقة التعاقدية التي تربط حاكم مصرف لبنان بالدولة هي علاقة خاصة لا تخضع لاحكام قانون العمل او قانون الضمان الاجتماعي. وهذه العلاقة القانونية الخاصة تحول دون اعتبار الحاكم من موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها. وكل ذلك يعني ان الحاكم غير مشمول بأحكام المادة 49 من الدستور التي تفرض شروطا وقيودا على المرشح لمنصب رئاسة الجمهورية، وان في مقدور الحاكم، في حال انتخابه لهذا المنصب، ان يتقدم باستقالته من مهامه في المصرف. السفير (18 10 2007) |
|
||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||
|
منتدى النهضة ® 2007 |
|||||||||||||||||||