تعود "منتدى النهضة" بتبويب جديد. وفيها رصد لأبرز الأحداث السياسية، ولاتجاهاتها الستراتيجية، مع مقالات ودراسات مختارة لكتاب بارزين، وتوثيق للقرارات والتقارير الدولية ذات العلاقة بالقضية القومية، مع متابعة لشؤون الحياة الحزبية على احتلافها.

آخر تحديث Sunday October 22, 2006 الساعة 12:54:40 AM

دراسات

في وداع أربعين سنة من النكبات

هزيمـة 1967 والظهـور المقوّسـة

صقر ابو فخر

خلال ستين عاما فقط (1947 ـ 2007) شهد العالم العربي ست نكبات حاسمة، وعصفت به زلازل شتى. ففي سنة 1947 أصدرت الأمم المتحدة، بطلب من انكلترا وبضغط من الرئيس الأميركي هاري ترومان، القرار ,181 أي قرار تقسيم فلسطين. وسيقيض لهذا القرار ان يكون الفاتحة الأولى لجميع النكبات اللاحقة: نكبة 1948 ونشوء الصراع العربي ـ الاسرائيلي وقضية اللاجئين الفلسطينيين، ونكبة الخامس من حزيران/ يونيو ,1967 واندلاع الحرب اللبنانية سنة ,1975 وزيارة الرئيس المصري أنور السادات الى القدس في سنة ,1977 وزلزال بيروت في سنة ,1982 وسقوط بغداد في سنة .2003 ولعل هذه النكبات الست تفسر، الى حد بعيد، لماذا صار العرب اليوم على هذا النحو من المسكنة والهوان. لقد قضت هذه النكبات، بالتدريج، على محاولات النهوض والتقدم التي كانت تباشيرها بدأت تتفتح في أواخر القرن التاسع عشر. وأقفل القرن العشرون أبوابه منذ سبع سنوات من غير احراز أي انجاز سياسي كبير، او احراز أي تغيير اجتماعي راديكالي.

قُبيل الهزيمة

ورثت بريطانيا وفرنسا المشرق العربي كله من الدولة العثمانية، أي الشام والعراق، علاوة على وادي النيل. ولم تخرج هاتان الدولتان الاستعماريتان من المشرق العربي الا بعد ان أورثتا شعوبه مصائب منهكة، فقسمتا هذه البلاد، بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو (1916) بطريقة كان من شأنها ان تمهد الطريق لتنفيذ اعلان بلفور (1917) بقيام دولة اسرائيل في فلسطين. وشعوب المشرق العربي التي عاشت، باستمرار، في بيئة واحدة منذ عهد الدولة السلوقية (305 ق.م.) وجدت نفسها فجأة وقد انتصبت في وجهها حواجز جغرافية وسياسية غير مسبوقة، وصارت خاضعة لسلطات جديدة غير مألوفة. وكان الفرد العربي من سكان هذه البلاد قد اعتاد الانتساب الى قبيلته قبل أي شيء ثم الى موطنه، فهو أولا شمري او نعيمي او من بني صخر او من آل الشعلان، وهو ثانيا حلبي او دمشقي او مقدسي، فإذا به صار، ربما رغم ارادته، لبنانيا او سوريا او فلسطينيا او أردنيا. ومع ذلك سعت الدول الوطنية الحديثة الى اكتشاف طريقها نحو بناء دولة ديموقراطية دستورية وعصرية وشبه علمانية على غرار دولة المستعمر. هذا ما حدث في مصر وسوريا والعراق بالدرجة الأولى. لكن قيام اسرائيل في أحشاء المشرق العربي فرض تحديا عسكريا صعبا على هذه الدول المستقلة حديثا. وفي خضم هذا التحول الخطير كان الفكر القومي العربي الذي اغتذى على أفكار ساطع الحصري وادمون رباط وقسطنطين زريق وميشال عفلق(1) (وهم مفكرون علمانيون سوريون) يحاول ان يواجه هذا التحدي، وان يحفر له مكانة في المدن العربية التقليدية التي كانت السياسة فيها تُصنع في قصور ملاكي الأرض ورجال الدين وضباط الجيش؛ هذا الثالوث المتسلط الذي ورث من الدولة العثمانية الركود والامتثال ومقاومة الأفكار التقدمية والنهضوية والتنويرية التي بدأت بالظهور منذ أواخر القرن التاسع عشر في أوساط أبناء التجار وأبناء ملاكي الأرض من سكان المدن.

لم يتمكن الفكر القومي العربي شبه العلماني من اختراق هذه البنية التقليدية في المدن العربية المشرقية الا بظهور قائد كاريزمي هو جمال عبد الناصر الذي جعل الفكرة القومية ممكنة التحقق، وعلى يديه صارت القومية العربية أيقونة مقدسة. لكن الفكر القومي العربي نفسه الذي انتعش بعد سقوط مملكة فيصل في دمشق سنة ,1920 كان بدأ يهتز بعد نكبة فلسطين في سنة .1948 فقبيل هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو 1967 كانت الحركات السياسية القومية قد فقدت جاذبيتها السياسية والفكرية جراء سقوط الوحدة المصرية ـ السورية في سنة ,1961 واندلاع الصراعات الدموية في سوريا التي اتخذت شكل الانقلابات العسكرية، وفي العراق بعد اطاحة الملكية في سنة 1958 (2).

الفكر الجديد والنقد الراديكالي

أماطت هزيمة حزيران 1967 اللثام عن الكثير من الأمور المستورة، وفكت مغاليق الكلام، وأطلقت موجة من النقد الجريء الذي شدد على نقد المجتمع ونقد أنظمة الحكم ونقد الأفكار معا. لقد فضحت هذه الهزيمة ما كان خافيا في التكوين الاجتماعي للأنظمة السياسية المدحورة، أي تقليديتها وهشاشتها وتخلفها العلمي والمعرفي. ومع ان أفكار الحداثة والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية وحرية المرأة كانت شديدة الحضور في مصر والشام والعراق، إلا أنها، بعد هزيمة 1967 وبعد سقوط العديد من الأقنعة، اكتسبت حيوية فائقة، فراحت فكرة الثورة تغمر كيان الشبيبة العربية بأحلامها الجميلة ووعودها العظيمة، وصار غيفارا يأسر حواس هذه الشبيبة الصاخبة والقلقة. وكانت ثورة الطلاب في باريس (أيار 1968) تشد الأعصاب، وتضفي على فكرة الثورة نفسها بهاء وجلالا. وهكذا بدأت أفكار اليسار الجديد والدعوة الى التحرر القومي والاجتماعي والجنسي تدشن وعياً نقدياً جديداً في العالم العربي بأسره(3).

كانت السياسة تُصنع في القاهرة وبغداد ودمشق، وكانت بيروت المختبر الكاشف لهذه السياسة، وطالما انعكست في أرجائها المجادلات الفكرية والسياسية والثقافية والفنية. وعبرت هذه المجادلات عن نفسها بفيض من الكتب والدراسات الجديدة التي شملت مختلف جوانب الحياة اليومية في العالم العربي آنذاك. ويمكننا رصد هذا الشأن في ستة حقول أساسية هي: الفكر السياسي، التاريخ، الدين، اليهودية والصهيونية، الفن والأدب، المرأة.

1ـ الفكر السياسي: ان أبرز العلامات في هذا الحقل، تحول بعض الحركات السياسية القومية الى الماركسية. وكان اسطع مثال على ذلك حركة القوميين العرب(4) التي لم تكن تعير الفكر الماركسي اي احترام حتى منتصف ستينيات القرن العشرين. لكن مع وقوع هزيمة 1967 بدأ نقد الناصرية، وشرع بعض المثقفين العرب في اعادة النظر بمقولاتهم السابقة، ووجدوا ان هذه الهزيمة انما هي هزيمة للناصرية وللفكر القومي الرومانسي وللبرجوازية الصغيرة العربية، وقد آن الأوان لتبدأ «البروليتاريا» العربية رحلة الخروج من شرانقها كي تصبح، هي نفسها، صانعة التاريخ الجديد. وكان من شأن هذا التحول لدى «حركة القوميين العرب» ظهور منظمات فلسطينية تتنبى الماركسية منهاجاً للتفكير والممارسة السياسية مثل «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» التي انشقت في سنة 1969 على «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» الوارثة التاريخية لحركة القوميين العرب. وانعكس هذا التحول الذي قاده محسن ابراهيم ومحمد كشلي ونايف حواتمة جزئياً على قوى سياسية اخرى في اليمن والخليج العربي وسوريا والعراق. ومع ان حزب البعث كان خضع لمثل هذا التحول في المؤتمر القومي السادس (1964) بتأثير من بعثيين ماركسيين امثال ياسين الحافظ وحمود الشوفي وحمدي عبد المجيد(5)، وهؤلاء شددوا على اضفاء محتوى اجتماعي على حركة التحرر الوطني العربية، اي ان كل نضال تحرري يؤدي، بالضرورة، الى تحويل المجتمع القديم الى مجتمع جديد اكثر عدالة، إلا ان هذا التحول كان عابراً وانتهى في سنة .1970 وهكذا ظهرت «منظمة العمل الشيوعي» في لبنان سنة 1969(6)، و«الجبهة الشعبية لتحرير البحرين والخليج العربي» و«الجبهة القومية في اليمن» التي تبنت الماركسية في سنة 1969 وتحولت، في ما بعد، الى الحزب الاشتراكي اليمني.

الى جانب نقد الفكر القومي بشقيه الناصري والبعثي بدأ نقد الماركسية التقليدية، اي اللينينية السوفياتية، وانبثقت في سماء الفكر العربي الجديد أفكار لم تعرفها الثقافة اليسارية طوال نحو خمسة واربعين عاماً، وهي الحقبة التي كان فيها خالد بكداش الزعيم الذي لا يضاهى للحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني، والمرجع الاول للشيوعيين العرب في المشرق العربي (لبنان، سوريا، الاردن، فلسطين، وحتى العراق). وفي هذا الحقل من المعرفة ظهر كتاب «معنى النكبة مجدداً» لقسطنطين زريق (1967)، وكتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» لصادق جلال العظم (1968). وفي ما بعد أصدر العظم كتابه المهم «دراسة نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية» (1973)، وصدرت مسرحية «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» لسعد الله ونوس ورواية «عودة الطائر الى البحر» لحليم بركات(7). وفي ما بعد اصدر منيف الرزاز كتابه النقدي المهم «التجربة المرة» عن تجربته في حزب البعث. على ان اكثر الكتابات راديكالية في نقد اللينية جاءت على يدي تونسي ماركسي ينتمي الى التيار المجالسي، وكان التحق بالثورة الفلسطينية في الاردن، هو العفيف الأخضر. فقد نشر مقالة بعنوان: «كومونة كرونشطاط: الثورة الروسية الثالثة المجهولة»(8) حمّل فيها لينين وتروتسكي معا المسؤولية عن قمع بحارة بتروغراد وانتفاضتهم على النظام السوفياتي الجديد في سنة .1921 وربما كانت المرة الاولى في العالم العربي التي يجرؤ فيها ماركسي على نقد لينين. وبهذه المقالة بدأ موسم تحطيم الايقونات المقدسة، ولم يلبث العفيف الأخضر ان أنزل لينين وكتابه «ما العمل؟» عن عرشيهما حينما نشر كتابا بعنوان «التنظيم الثوري الحديث» (1974) نقض فيه محتوى كتاب «ما العمل؟» ووجد ان المركزية اللينينية في الحزب الشيوعي تؤدي الى الاستبداد في المجتمع.

2ـ الصهيونية والمسألة اليهودية: كان لهزيمة 1967 أثر مزدوج في الوعي السياسي لدى العرب والاسرائيليين، فهي تركت آثارا مهمة في الوعي الاسرائيلي، وغيرت، في الوقت نفسه، الوعي العربي حيال اسرائيل أيضا. ولعل تأسيس منظمة «ماتسبن» (البوصلة) في اسرائيل، ثم ظهور «الجبهة الحمراء» في سنة 1970 على أيدي مجموعة من العرب واليهود الذي اعتنقوا أفكار الكفاح المسلح يندرج في هذا السياق (9). وفي الجانب العربي بدأ الاهتمام بالحركة الصهيونية واسرائيل ينحو نحواً علمياً، فترجم، على سبيل المثال، كتاب «المفهوم المادي للمسألة اليهودية» لأبراهام ليون في سنة ,1970 وأصدر صادق جلال العظم كتابه «الصهيونية والصراع الطبقي» في سنة ,1975 وانبرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية (الاثنان اتخذا من بيروت مقراً لهما) ومؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية في دمشق الى التشديد على ترجمة النصوص الاسرائيلية المهمة من العبرية الى العربية مباشرة.

وكانت هزيمة حزيران، في أحد وجوهها، حافزا مهما للانتباه الى قيمة العلم والمعرفة في الصراع العربي ـ الصهيوني، وبدأ على الفور التفكير في إصدار بعض الموسوعات العلمية وكان من بينها «الموسوعة العسكرية» التي صدرت في سنة ,1977 «وموسوعة السياسة» التي صدر الجزء الأول منها في سنة ,1979 ثم «الموسوعة الفلسطينية» التي صدرت في سنة 1984(10). وفي أي حال، فإن فكرة الدولة الديموقراطية في فلسطين التي يعيش في أرجائها اليهود والعرب (مسيحيون ومسلمون) عرضتها حركة «فتح»، أول مرة، في سنة ,1968 وجاءت دحضا للكلام الشائع على خرافة رمي اليهود في البحر.

3ـ نقد التاريخ: كان من شأن الحيوية الثقافية التي انطلقت من عقالها بعد حزيران/يونيو 1967 والتي أوقدت جمار المراجعة النقدية في هذا الميدان، أن التاريخ العربي نفسه راح يخضع لهذه المراجعة، وأن شبه القداسة التي تسربل بها هذا التاريخ صارت بحاجة الى إعادة النظر. في معمعان هذا الجدال راحت الشبيبة العربية الجديدة تكتشف حركات المعارضة في الإسلام كالقرامطة والزنج، وتعيد الاعتبار للتفسير التاريخي المادي للوقائع التي عصفت بتاريخنا الذي ما عاد متسربلا بالمقدس والإلهي، بل صار ميدانا للبحث العلمي المنهجي والصارم. وفي هذا الحقل من المعرفة الجديدة ظهرت أسماء مرموقة كان لكتاباتها أثر مهم في تطور الكتابة التاريخية في ما بعد، مثل بندلي صليبا الجوزي ولا سيما في كتابه «من تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام» الذي أعيد اكتشافه بعد هزيمة حزيران، علاوة على عبد العزيز الدوري وحسين مروة وكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية» وأدونيس في كتابه التأسيسي «الثابت والمتحول».

حاولت الكتابات التاريخية النقدية أن تجيب عن الكثير من الأسئلة المعلقة، ولا سيما عن الدلالة التاريخية لظهور الاسلام، وعن الفئات الاجتماعية التي ناصرت الاسلام والتي كان الدين الجديد يعبر، في الوقت نفسه، عن مصالحها. وكذلك أرادت تقديم تفسير علمي للحروب التي اندلعت تحت راية الاسلام، بعيدا عن المرويات المعروفة بشأن «حروب الردة» و«الفتوحات» و«الجهاد في سبيل الله». وفي أي حال، كانت الغاية من إعادة النظر في التاريخ الاسلامي لدى بعض الكتاب هي اكتشاف اللحظات الثورية في هذا التاريخ، ثم محاولة إنشاء جسر بين ذلك التاريخ والواقع العربي الذي أعقب النكبة الجديدة. وفي حمّى هذه المحاولات اكتشف مؤرخو الحركة الاسماعيلية لحظة نادرة من الديموقراطية في التاريخ العربي في دولة القرامطة في البحرين. وبحسب الرحالة الفارسي ناصر خسرو في كتابه المعروف «سفر نامة» فليس «في مدينة الأحساء مسجد ولا صلوات ولا خطب الجمعة أو العيد. وأهل البلاد اذا كانوا لا يصلّون فهم لا يمنعون أحدا من الصلاة».

4ـ نقد الدين: من مفارقات التاريخ العربي أن هذه المنطقة التي ولد فيها الدين لم يولد فيها نقد الدين. وطالما كانت مسألة الايمان والالحاد قضية محرجة للماركسيين العرب في مجتمع شرقي متدين من قمة رأسه الى أخمص قدميه. ولذلك قلما ظهرت، هنا وهناك، كتابات نقدية في المسألة الدينية إلا بعد هزيمة .1967 حتى ان الماركسيين العرب لم يُشتهر أنهم ساهموا، مساهمة معمقة، في هذه المجادلات، بل تجنبوا الخوض فيها الى حد كبير، مع أنهم متهمون بالالحاد، وبأن شعارهم هو: «الدين أفيون الشعوب».

دشن صادق جلال العظم نقد الدين في سنة 1968 عندما ألقى محاضرة بعنوان: «مأساة إبليس» حاول فيها أن يبرهن على ان تاريخ الفكر العربي يتضمن «فن المأساة» على عكس ما كان البعض يظن ان الآداب العربية تخلو من «المأساة» بالمعنى الاغريقي للكلمة. لكن هذه المحاضرة التي تحولت الى كتاب في ما بعد بعنوان: «نقد الفكر الديني» أثارت موجة عاتية من الردود المتعاكسة قادها رجال دين ومؤسسات دينية شتى، وأدت الى مصادرة الكتاب ومحاكمة المؤلف. ومع أن المحكمة اللبنانية المختصة حكمت ببراءة الكاتب، إلا أن وقائع الأحوال كانت تشير الى مستوى الهلع الذي أصاب المؤسسات الدينية الرسمية وكذلك رجال الدين المرتبطين بها. لكن الايجابي في تلك الحملة كان تحطيم «التابو» في الحديث عن الدين. ومنذ ذلك الوقت صار نقد الدين أو نقد السماء مقدمة لنقد الأرض، أي نقد الاستبداد العربي ونقد الفقهاء ونقد الفقه الاسلامي المتخلف والراكد. وتجرأ الماركسيون على ترجمة نصوص ماركس عن الدين ونصوص لينين أيضا، وأصدر عصام الدين حفني ناصف كتابه الجريء جدا «المسيح في مفهوم معاصر» (1979) الذي يعتبر فيه المسيح شخصية أسطورية لا تاريخية. وكان عصام الدين حفني ناصف قد أنزل التاريخ الديني عن مكانته منذ أن نشر كتابيه «موسى وفرعون بين الأسطورية والتاريخية» (1975) و«الأسطورة والوعي» (1976). وحينما أصدر العلامة التقدمي عبد الله العلايلي كتابه الرائع «أين الخطأ؟» في سنة 1978 عمدت المؤسسة الدينية في لبنان الى سحبه من الأسواق. ولكن هيهات أن تتمكن من سحبه من أفهام النخب العربية التائقة الى مثل هذه الكتب الحاسمة. وفي هذا الكتاب خالف عبد الله العلايلي ما يسمى «إجماع الفقهاء» ورفض تطبيق الحدود المعروفة مثل قطع يد السارق أو رجم الزاني والزانية، وأباح التصوير والتمثيل وظهور الأنبياء والصحابة في السينما. أما أجرأ ما جاء في هذا الكتاب فهو إباحة زواج المسلمة من مسيحي أو يهودي، وهو أمر محرم تماما لدى فقهاء المسلمين.

في جانب مواز، انتعش نقد الحكايات التراثية والروايات القديمة ذات المصادر الأسطورية أو الخرافية أو الدينية. وظهرت دراسات مقارنة في هذا الميدان الجديد من الثقافة العربية مثل «في الحب والحب العذري» لصادق جلال العظم (1968)، و«أسطورة أوريست والملاحم العربية» للكاتب المصري المعروف لويس عوض (1968)، وتُرجم كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر (1971). وقد ساعد نقد المرويات والأساطير في إعادة كتابة بعض جوانب التاريخ العربي، الأمر الذي أوهن سطوة الرواية الدينية على التاريخ. ومن الجدير الاشارة الى كتاب «الثالوث المحرم» للمؤلف السوري بو علي ياسين الذي أحدث حينذاك (1973) أثرا مدويا، ولا سيما كلامه على المحرمات الثلاث: الدين والجنس والصراع الطبقي.

5ـ الوعي الجديد: مع أن كتاب سيغموند فرويد المشهور «تفسير الأحلام» صدر، أول مرة، في مصر سنة 1958 (ترجمه العالمان الرائدان مصطفى صفوان ومصطفى زيور وأعيدت طباعته في سنة 1969)، ومع ان «ثلاث مقالات في الجنس» صدر في سنة ,1969 و«الموجز في التحليل النفسي» صدر في سنة ,1970 إلا أن الفرويدية كإحدى نظريات المعرفة كانت مرذولة لدى معظم التيارات اليسارية العربية التقليدية. لقد هزت هزيمة 1967 الفكر العربي التقليدي بجميع أجنحته اليسارية والقومية واليمينية. وكان لليسار الجديد الأوروبي والأميركي أثر لا يمكن قياسه تماما، فقد فتح منافذ جديدة في التفكير لدى الجيل العربي الذي اكتوى بنار تلك الهزيمة. وفي تلك الحقبة اكتشف المثقفون الرابط بين الاستبداد والقمع الجنسي، ولأنهم أرادوا تغيير العالم وتغيير الحياة معا، فقد أقاموا جسرا بين ماركس ورامبو وفرويد. ولم تلبث أصداء الفرويدية ـ الماركسية أن وصلت الى العالم العربي، وراح المثقفون العرب يتعرفون الى اليسار الفرويدي أمثال ولهلم رايش وجيزا روهايم وهربرت ماركوز وإريك فروم وغيرهم. واندفع المترجمون الى نقل كتابات هؤلاء التي كانت منتشرة جدا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فترجم مطاع صفدي (سوري) كتاب «الحب والحضارة» لهربرت ماركوز في سنة ,1970 وترجم محمد عيتاني (لبناني) كتاب «النشاط الجنسي وصراع الطبقات» لرايموت رايش في سنة ,1971 وترجم ريمون نشاطي (سوري متمصر) كتاب «هيا الى الثورة» لجيري روبين في سنة ,1971 وترجم مجاهد عبد المنعم مجاهد (مصري) كتاب «الخوف من الحرية» لإريك فروم سنة ,1972 وترجم محمد عيتاني أيضا كتاب «الثورة والثورة الجنسية» لولهلم رايش سنة .1972 وكان السؤال الملحاح في أوساط اليسار العربي آنذاك هو: لماذا فشلت الثورة الاجتماعية في المجتمعات الصناعية الغربية؟ وفي سياق الإجابة ترجم جورج طرابيشي (سوري) ثلاثة كتب هي: «البديل» لروجيه غارودي سنة ,1972 و«الانسان ذو البعد الواحد» و«الماركسية السوفياتية» لهربرت ماركوز في سنة .1973

إن هذه الكتب، وغيرها الكثير بالطبع، ساهمت في تكوين ثقافة جديدة في شأن المرأة وحرية المرأة في المجتمعات العربية. ومع أن الكتابات التي ناصرت المرأة ودافعت عن حريتها تعود الى بدايات القرن العشرين(11)، إلا أنها ازدهرت على أيدي فئة من المتعلمات من بنات الارستقراطية العربية في مصر والشام أمثال هدى شعراوي ودرية شفيق في مصر، وثريا الحافظ وحياة العظم وماري عجمي ونازك العابد بيهم في سوريا ولبنان، وساذج نصار في فلسطين. لكن الكتابات الجديدة، اليسارية الفرويدية، قدمت معينا لا يضاهى لكاتبات من عيار نوال السعداوي التي أصدرت كتابها «المرأة والجنس» في سنة ,1971 ثم «الأنثى هي الأصل» في سنة .1974 وكان لهذين الكتابين دوي كبير في أوساط الناس.

6ـ الأدب والفن: من البدهي أن تؤثر هزيمة حزيران / يونيو ,1967 أول ما تؤثر، في الأدب والفن، فهما الأقرب الى الوجدان والعاطفة والحس. ولعل نزار قباني، الشاعر السوري المشهور، كان أبرز الذين طاولتهم الهزيمة بأشواكها، فراح يتحول من النقد الاجتماعي وشعر الحب الى السياسة، فأصدر ديوانه «هوامش على دفتر النكسة» الذي اعتبر، آنذاك، نقدا بالغ القسوة لم تتعوده الأنظمة العربية قط. ولمع في سماء الشعر العربي مجموعة من الشعراء الفلسطينيين أبرزهم محمود درويش الذي سيصبح، بالتدريج، ألمع شاعر عربي على الاطلاق(12). وأصدر اميل حبيبي «سداسية الأيام الستة» في سنة 1968 لتتحدث عن التئام شمل الشعب الفلسطيني لأول مرة منذ نكبة ,1948 ولكن تحت الاحتلال. ثم أصدر غسان كنفاني روايتين في أقل من سنتين هما: «أم سعد» (1969)، و«عائد الى حيفا» (1970). ولم يلبث جبرا ابراهيم جبرا أن أصدر رواية «السفينة» (1970)، وجميع هذه الروايات تدور أحداثها وشخصياتها وغاياتها في الفضاء النقدي الجديد الذي خلقته هذه الهزيمة. ولا ريب في أن لهزيمة ,1967 وصعود أفكار اليسار والكفاح المسلح والتحرر الاجتماعي، شأناً كبيراً في ظهور طراز جديد من الغناء والشعر العامي في لبنان ومصر. وهذا الطراز استولى، لسنوات عديدة، على ذائقة جمهور اليسار العربي، وكان أبرز ممثليه الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم وعدلي فخري في مصر، ومارسيل خليفة في لبنان.

لعل من المحال قياس أثر هزيمة 1967 في الأدب العربي تماماً، لكننا قد نتمكن من اكتشاف قيمة هذا الأثر بالمقارنة والمضاهاة. ففي خمسينيات القرن العشرين وأوائل ستينياته، أي قبيل الحرب، كانت الشبيبة العربية غارقة في قراءة الأدب الرومانسي العربي والاجنبي، وكانت الروايات المتداولة، على سبيل المثال: «بائعة الخبز» و«البؤساء» و«أحدب نوتردام» و«الشيخ والبحر» و«ثلوج كليمنجارو» و«كوخ العم توم» و«موبي ديك» و«ذهب مع الريح» و«آلام فارتر» و«قصة مدينتين» و«جين آير» و«الأم» و«توم سوير»... الخ، فضلا عن «شجرة اللبلاب» و«لقيطة» لمحمد عبد الحليم عبد الله و«نحن لا نزرع الشوك» ليوسف السباعي و«الصبي الأعرج» و«الرغيف» لتوفيق يوسف عواد و«الحي اللاتيني» لسهيل ادريس و«في ظلال الزيزفون» و«ماجدولين» لمصطفة لطفي المنفلوطي وغيرها الكثير بالطبع.

إن هزيمة حزيران/ يونيو 1967 غيرت الذائقة الأدبية الى حد كبير، فظهرت «الكرنك» و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ على سبيل المثال لتواكب نقد الهزيمة على المستوى السياسي والفكري. لكن، في الوقت الذي كان الفكر الماركسي يتبوأ المكانة الاولى في عملية المراجعة السياسية، حاولت بعض دور النشر في بيروت أن تقطع الطريق على هذا الاتجاه الجديد، فانبرت، ربما عن غير قصد، الى ترجمة أعمال كولن ولسون ولا سيما «اللامنتمي» و«ما بعد اللامنتمي» ثم «ضياع في سوهو»، وبعض أعمال ألبرتو مورافيا مثل «السأم» و«الانتباه» لاعتقادها أن من شأن ذلك أن يتصدى للفكر الماركسي الثوري الجديد.

عودة الأسطورة

في الخمس عشرة سنة التي أعقبت هزيمة حزيران/ يونيو 1967 اعتقدنا أن هذه الهزيمة ربما تكون مثل الأسطورة التموزية القديمة: الموت والقيامة معاً، أي مثل قصة المسيح نفسه. وبما أن أسطورة تموز وجدت في بلادنا ايضا، فقد تطلعنا الى ان تكون هزيمة 1967 موتاً لثقافة وانبعاثاً لثقافة جديدة في الوقت نفسه، موتا للاستبداد العربي وقيامة للحرية في هذه البقعة المهمة من العالم. لكن هذا الوعد أخفق ولو مؤقتاً.

نعم. أخفق الوعد العظيم بالحرية الذي دشنته أفكار النهضة العربية منذ نحو مئة عام، والذي حمل مشعله جيل ما بعد نكبة فلسطين في سنة .1948 وكان من نتائج هذا الإخفاق أن السلفيات الدينية المقاتلة سجلت أول انتصاراتها. لقد كانت الحرية تعني الانعتاق من سلاطين الأرض ومن فقهاء السماء معاً، أي العودة الى الطفولة الاولى، والى الامتلاك المترع لعالم مدهش وجميل. لكن الاستبداد العربي، بوجهيه السياسي والديني، الذي تسيّد حياتنا منذ هزيمة 1967 فصاعداً، إنما يبرهن، في كل يوم، كم أن حال الثقافة العربية الراهنة بائسة حقاً، ويؤكد، في كل لحظة، أن بقاء هؤلاء الحكام في السلطة هو أكبر دليل على مدى الإهانة التي تلحق، صبح مساء، بكل مواطن عربي.

* * *

ها هو العالم العربي، بعد أربعين سنة على هزيمة ,1967 يئن تحت معضلاته الشائكة والجاثمة فوقه كأهرام الجيزة. كأن لا شيء يتغير في هذا المدى المترامي: الأمية بلغت 70 مليوناً وأكثر، والجوع في الصومال والسودان مسألة اعتيادية، والموت في العراق صار مجرد إحصاءات باردة.

هذا ما فعلته بنا هزيمة .1967 والعرب اليوم يكادون لا يجمعون على أي أمر البتة ما عدا جمع النقود. لكنهم، جميعاً، يتفقون على أن أشكال أفواه الشبان تغيرت بعض الشيء في الحقبة المنصرمة، لان إطباق الفك العلوي على الفك السفلي ما عاد تاماً البتة. وهذا من آثار اللكم والضرب طوال أربعين سنة. وكذلك باتت ظهور الرجال مقوّسة جراء الصفع على الرقاب ورفس الأقفية بالبسطار حيناً، وحيناً بالقبقاب. وهذه مجرد عينة من فؤوس الخامس من حزيران/ يونيو ,1967 هذه الهزيمة التي فضحت كيف أننا كنا موعودين قبلها بالكرامة مع قليل من الخبز، وكيف أن الحال انقلبت بعدها فراحوا يعدوننا، ولا سيما في حقبة البترول، بالكثير من الخبز مع قليل من الكرامة. لكننا اكتشفنا، في ما بعد، أن لا شيء في معجننا: لا خبز ولا كرامة.


هوامش

(1) إدمون رباط كاثوليكي من حلب، وقسطنطين زريق وميشال عفلق أرثوذكسيان من دمشق، أما ساطع الحصري فمسلم سني من حلب.

(2) كانت القاعدة الشائعة في الانقلابات العسكرية السورية أن المنتصر يستحوذ على السلطة، أما المهزوم فيذهب الى التقاعد او الى الخارج كسفراء وملحقين عسكريين. وفي المرات القليلة التي سقط فيها بعض الضحايا كان ذلك نوعا من الانتقام السياسي، مثلما وقع لحسني الزعيم قائد أول انقلاب عسكري في سوريا سنة ,1949 فقد أعدمه عصام مريود وفضل الله أبو منصور ثأراً لأنطون سعادة الذي كان الزعيم سلمه الى السلطات اللبنانية التي أعدمته على الفور. وأول مرة تسيل الدماء في الانقلابات السورية كانت في سنة 1963 عندما تصادم البعثيون والناصريون بطريقة غير مسبوقة.

(3) أطلقت هزيمة 1967 موجة من النقد الراديكالي لدى الجيل الذي ولد بعد النكبة الفلسطينية مباشرة، والذي راح يتطلع الى تغيير الواقع الاجتماعي ثأرا للكرامة الوطنية المهدورة. واللافت ان شبه الانتصار في حرب اكتوبر 1973 (أو على الأقل عدم الهزيمة) لم يطلق أي نهوض جدي في العالم العربي، بل شاعت حال من الركود الفكري والسياسي ما عدا بعض الاستثناءات القليلة هنا وهناك.

4ـ أسسها في بيروت في سنة 1952 جورج حبش ووديع حداد (من فلسطين) وهاني الهندي (من سوريا) وأحمد الخطيب (من الكويت) وحامد الجبوري (من العراق) وحمد الفرحان (من الاردن). أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فهي الفرع الفلسطيني للحركة وقد ظهرت في 11/12/.1967

5ـ أسس هؤلاء الثلاثة «حزب العمال الثوري العربي»، وهو حزب قومي ماركسي.

6ـ سبق ذلك مخاض مهم كان من جرائه انشقاق الكثير من البعثيين والناصريين على البعث والناصرية بعد سقوط الوحدة السورية ـ المصرية، وبعد الصراع الدموي الذي اندلع بين الناصريين والبعثيين في سوريا في إثر حركة جاسم علوان (18/7/1963)، وبين القوميين والشيوعيين في العراق سنة .1959 وفي هذا السياق أسس بعض «المنشقين» مجموعة «لبنان الاشتراكي» ومجموعة «الاشتراكيين اللبنانيين». وهاتان المجموعتان اتحدتا لاحقاً تحت اسم «منظمة العمل الشيوعي» التي كان لها شأن مهم في لبنان حتى سنة .1982

7ـ اللافت ان زريق والعظم وونوس وبركات سوريون. لكن كتبهم المذكورة اعلاه صدرت في بيروت. واللافت ايضا ان حليم بركات كان قد اصدر في سنة 1961 رواية بعنوان: «ستة أيام» فجاءت اشبه بنبوءة. والمصادفة وحدها جعلت عنوان الرواية يطابق حرب حزيران 1967 التي استمرت ستة أيام فقط. أما مسرحية سعد الله ونوس فقد بشرت بالمقاومة في مواجهة الهزيمة. ومن غرائب المصادفات ان ونوس توفي في 15 أيار 1997 وهو ذكرى اعلان قيام اسرائيل.

8ـ مجلة «دراسات عربية» (بيروت)، آذار/ مارس 1973.

9ـ أبرز أعضاء هذه الجبــــهة داود تركي (عربي من حيفا) وايهود أديف ورامي ليـــفنه ودان فيرد. وقد حكم هؤلاء بالسجن لمدد طويلة بتهمة التآمر على شن حرب عصابات ضد اسرائيل.

10ـ كان عبد الوهاب الكيالي (فلسطيني) وراء إصدار «الموسوعة العسكرية» التي تولى تحريرها ضابط سوري سابق هو الهيثم الأيوبي. والكيالي هو الذي أنشأ «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» التي صارت، في بعض الفترات، أهم دار نشر عربية، وعنها صدرت «موسوعة السياسة» ثم «موسوعة الفلسفة» التي حررها عبد الرحمن بدوي من مصر. أما «الموسوعة الفلسطينية» فقد تولى تحريرها أنيس صايغ، وهو مؤرخ فلسطيني من أصل سوري ويحمل الجنسية اللبنانية.

11ـ أصدر قاسم أمين في القاهرة كتابه التأسيسي «تحرير المرأة» في سنة ,1899 ثم كتابه «المرأة الجديدة» سنة .1901

12ـ الشعراء الفلسطينيون الآخرون هم: سميح القاسم وتوفيق زياد وراشد حسين وسالم جبران وعز الدين المناصرة ونزيه خير.

السفير (18 - 19 10 2007)

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

مزيد من المقالات

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

منتدى النهضة ® 2007